من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
لطيفة
ذكر العلامة محمد بن مرزوق في صدر شرح الجمل أنَّ العلامة أبا القاسم الشيرازي شارح لبن الحاجب الأصلي والعلامة الكاتبي شارح المحصل أرادا ذات مرة أن يحضرا مجلس أبي عبد الله الخنوجي بحيث يخفي مكانهما. فغيرا حالتهما وحضرا عنده وأرادا أبحاثا. فكان من ملح ما صار بينهما أنهما لم ينصفاه في بعض أبحاثه وادعيا عدم بيان قوله وجعلا يستعيدان كلامه بزعمهما. فأنشد لهما:
عليَّ نحت المعاني من معادنهاوما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ!
بفتح تاء " تفهم " مبنيا للفاعل. فقلا له: ضم التاء! يعني ليبني للمفعول.
فقال: حينئذ يكون أحدكما شيرازيا والآخر كاتبيا! فقلا: نعم! فتناصفا.
وقال أبو العلاء المعري في قصيدة:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
وهذا المعنى وقع لعلي بن جبلة قال: زرت أبا دلف في الجبل. فلما حللت الكرخ أظهر من بري وإكرامي أمرا مفرطا حتى تأخرت عنه تأخرا كثيرا. فوصل معقل بن عيسى فقال: يقول لك الأمير: انقطعت عني وأحسبك استقللت بري فلا يغضبنك ذلك فسأزيد فيه حتى ترضى! فقلت: والله ما قطعي عنه إلاّ إفراطه! وكتبت له:
هجرتك لو أهجرك من كفر نعمةٍوهل يرجى نيلي الزيادة في الكفرِ!
ولكنني لمّا أتيتك زائراًفأفرطت في بري عجزت عن الشكرِ
فما لآن لا أتيك إلاّ مسلماأزورك في الشهرين يوما أو الشهرِ
فإن زدتني برا تزيدني جفوةولم تلقني طول الحياة إلى الحشرِ
فلما وصلت إليه قال: قاتله الله ما أشعره وأدق معانيه! فأجابني لوقته وكان حسن البديهة:
ألا رُبَّ ضيفٍ طارقٍ بسطتهوأنسته قبل الضيافة بالبشرِ
أتاني يرجيني فما حال دونهودون القرى والعرف من نيله ستري
وجدت له فضلاً عليَّ بقصدهإليَّ وبراً زاد فيه على برِ
فزودته مالاً يقل بقاؤهوزودني مدحاً يدوم مدى الدهرِ
وبعث إليَّ بها وبألف دينار مع وصيفة فقلت حينئذ:
إنما الدنيا أبو دلفٍبين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفٍولت الدنيا على أثره
ملكٌ تندى أناملهكانبلاج النوء عن مطره
مستهل عن مواهبهكابتسام الروض عن زهره
جبلٌ عزت مناكبهأمنت عدنان في ثغره
كل من في الأرض من عربٍبين باديه ومحتضره
مستعيرٌ منه مكرمةًيكتسبها مفتخره
ويقال إنَّ البيت الثاني هو الذي أحفظ المأمون على أبن جبلة حتى سل لسانه من قفاه وقوله: وجدت له فضلا عليَّ.. " البيت ". أوّل من رأينا استعمل هذا المعنى في الشعر الحارث أبن عوف المري صاحب الحملات بين عبس وذبيان حيث يقول:
كم من يدٍ لا أودي حق نعمتهاعندي لمختبطٍ طار ومن منن
إذا جاء يسعى إلى رحلي لأسعفهأليس قد ظن بي خيراً ولم يرني؟
وقوله: فزودته مالاً يقل بقائه.. " البيت " هو معنى ما حكي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إنّه قال لإحدى بنات هرم بن سنان المري: ما أعطى أبوك زهيرا إذا امتدحه؟ فقالت: أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال أمير المؤمنين: لكن ما أعطاكم زهير لا يفنيه الدهر أو كلاما نحو هذا. وتقدم شيء منه وسيأتي.
ومنها:
حسنت نظم كلامٍ توصفين بهومنزلا بك معمورا من الخفر
فالحسن يظهر في شيئين رونقهبيت من الشعر أو بيت من الشَّعر
ومنها:
والخل كالماء يبدى لي ضمائرهمع الصفاء ويخفيها مع الكدرِ
ومنها:
فلا يغرنك بشرٌ من سواه بداوإن أنار فكم نورٍ بلا ثمر
ومنها:
وافقتهم في اختلاف من زمانكموالبدر في الوهن مثل البدر في السحر
المرقدون بنجدٍ نار بالديةٍلا يحضرون وفقد العز في الحضر
ومنها:
فالعين يسلم منها ما رأت فنبتعنه وتلحق ما تهوى من الصور
ومنها:
هاجت نميرٌ فهاجت منكم ذا لبدوالليث أفتك أفعالا من النمرِ
هموا فأموا فلما شارفوا وقفواكوقفة العير بين الورد والصدر
ومنها:
والنجم تستصغر الأبصار صورتهوالذنب للطرف لا للنجم في الصغر
ومنها:
والمرء ما لم تفد نفعا إقامتهغيمٌ حمى الشمس لم يمطر ولم يسر
ومنها:
والكبر والحمد ضدان اتفاقهمامثل اتفاق فتاء السن والكبر
يجني تزايد هذا من تناقص ذاوالليل إن طال غال اليوم بالقصر
خف الورى وأقرتكم حلومكموالجمر تعدم فيه خفة الشرر
وقال أيضاً:
جمال المجد أن يثنى عليهولولا الشمس ما عرف النهار
وللماء فضيلة كل حينٍولا سيما إذا اشتد الأوار
ومنها:
وليس يزيد في جري المذاكيركابٌ فوقه ذهبٌ ممارُ
ورُبَّ مطوقٍ بالتبر يكبوبفارسه وللنقع اعتكارُ
وزندٍ عاطلٍ يحظى بمدحٍويحرمه الذي فيه سوارُ
وقال إبراهيم بن نصر القاضي:
جود الكريم إذا ما كان عن عدةٍوقد تأخر من لم يسلم عن الكدر
إنَّ السحائب لا تجدي بوارقهانفعا إذا هي لم تمطر على الأثر
وماطل الموعد مذمومٌو إن سمحتيداه من بعد طول المظل بالبدر
يا دوحة الجود لا عتب على رجلٍيهزها وهو محتاج إلى الثمر!
وقال إبراهيم الصولي:
دنت باناسٍ عن تناء زيارةٌوشط بليلى عن دنو مزارها
وإنَّ مقيمات بمنعرج اللوىلأقرب من ليلى وهاتيك دارها
وقال أبن دارج القسطلي من قصيدة:
ألم تعلمي أنَّ الثواء هو النوىوأنَّ بيوت العاجزين قبور
وقال أبو نواس في الخصيب يمدحه في قصيدة:
فما فاته جودٌ ولا حلَّ دونهولكن يصير الجود حيث يصيرُ
وإني جديرٌ إذ بلغتك بالمنىوأنت بما أملتُ منك جديرُ
فإن تواني منك الجميل فأهلهوإلا فإني عادرٌ وشكورُ
وقال الصاحب إسماعيل بن عباد:
رق الزجاج ورقت الخمرفتشابهتا فتشاكل الأمرُ
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌوكأنما قدحٌ ولا خمرُ
وقال أبو الفضل بن الحنزابة:
من أحمل النفس أحياها وروحهاولم يبت طاوياً منها على ضجرِ
إنَّ الرياح إذا اشتدت عواصفهافليس ترمي سوى العلي من الشجرِ
وقال أبو نواس:
تكثر ما استطعت من الخطايافانك بالغٌ رباً غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفواوتلقى سيداً ملكاً كبيرا
تعض ندامة كفيك مماتركت مخافة النار السرورا!
وقال الطغراني لمّا ولد له مولود بعدما بلغ سبعا وخمسين من عمره:
هذا الصغير الذي وافى على كبرأقر عيني ولكن زاد في فكري
سبعٌ وخمسون لو مرت على حجرٍلبان تأثيرها في صفحة الحجرِ
وقال عروة بن اذينة:
قالت وأبثتها سري فبحت بهقد كنت عندي تحت الستر فاستتر!
ألست تبصر من حولي؟ فقالت لها:غطي هواك وما ألقى على بصري!
وهذا مثل مشهور عند الصوفية وأهل المحبة والمشاهدة والفناء ﵃.
يحكى أنَّ السيدة سكينة بنت الحسين ﵂ وعن أسلافها مرت يوما بعروة هذا وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين فقالت له: أنت القائل: قالت وأبثتها سري.. " البيت "؟ فقال: نعم! فالتفتت إلى جوار لها كن معها فقالت: هنَّ هن حرائر إن كان خرج هذا عن قلب سليم قط! ومن ملح ما جرى بينها وبينه أيضاً إنّه مات لعروة أخ يقال له بكر فرثاه عروة بقوله:
سرى همي وهو المرء يسريوغاب النجم إلاّ قيد فترِ
أرقب في المجرة لك نجمٍتعرص أو على المجرات يجري
لهم ما أراك له قريباًكأن القلب أبطن حر جمرِ
على بكر أخي فارقت بكراًوأي العيش يصلح بعد بكر؟
فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن بكر هذا؟ فوصف لها. قالت: أهو ذلك الأسيد الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم! قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت! والأسيد تصغير أسد.
ويحكى أنَّ بعض المغنين غنى بهذا الشعر عند الوليد بن يزيد بن عبد الله الملك الأموي في مجلس أنسه فقال: من يقول هذا؟ قيل: عروة بن أذينة. فقال: وأي عيش بعد بكر هذا العيش الذي نحن فيه؟ واله لقد حجز واسعاً.
وقال عبد الله بن المعتز:
فكان ما كان مما لست اذكرهفظن خيراً ولا تسأل عن الخبر!
وهذا مثل مشهور. وقبله قوله:
سقى المطيرة ذات الظل والشجرودير عبدون هطال من مطر
فطالما نبهتني للصبوح بهافي غرة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهمسود المدامع نعارون بالسحر
مزنرين على الأوساط قد جعلواعلى الرؤوس أكاليلاً من الشعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحلبالسحر يكسر جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتى استعاد لهطوعاً وأسلمني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستتراًيستعجل الخطو من خوفٍ ومن حذر
فقمت أفرش خدي في الطريق لهذلاً وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحهامثل القلامة قد قصت من الظفر
فكان ما كان.. " البيت " وقال عبد الله بن طاهر:
اغتفر زلتي لتحرز فضلالشكر مني ولا يفوتك أحري
لا تكلني إلى التوسل بالعذرلعلي ألا أقوم بعذرِ!
وقال أبو نواس في مدح أهل البيت:
مطهرون نقياتٌ جيوبهمتجري الصلاة عليهم إنما ذكروا
من لم يكن علويا حين تنسبهفما له في قديم الدهر مفتخرُ
الله لمّا برا خلقاً فأتفنهمصفاكم واصطفاكم أيها البشرُ
فأنتم الملأ الأعلى وعندكمعلم الكتاب وما جاء به السورُ
وقال القاضي الجرجاني:
وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى!وما علموا أنَّ الخضوع هو الفقرُ
وبيني وبين المال شيئان حرماعليَّ الغنى: نفسي الأبية والدهرُ
وإن قيل هذا أليس أبصرت دونهمواقف خيرٌ من وقفي بها العسرُ
وقال الفضل بن الربيع:
عسى وعسى يثني الزمان عنانهبتصريف حالٍ والزمان عثورُ
فتقضي لباناتٌ وتشفى حسائفٌوتحدث من بعد الأمور أمرُ!
وقال الأمير قابوس:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا:هل حارب الدهر إلاّ من له خطرُ؟
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌوتستقر بأقصى قعره الدررُ؟
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بناونالنا من تمادي بؤسه ضررُ
ففي السماء بجوم مالها عددٌوليس يكسف إلاّ الشمس والقمرُ
وحدثني بعض الأصحاب أنَّ ملك مراكش كتب إلى المعتمد بن عباد حين اعتقله بمدينة أغمات بقول الآخر:
حسنت ظنك بالأيام إذ حسنتولم تخف سوء ما يأتي به القدرُ
وساعدتك الليالي فاغتررت بهاوعند صفو الليالي يحدث الكدرُ
فأجابه المعتمد من سجنه:
من ذا الذي بصروف الدهر عيرنا؟لا ينكر الدهر إلاّ من له القدرُ
وفي البساتين أفانٌ منوعةٌوليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ
وفي السماء نجومٌ مالها عددٌوليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ
والله أعلم بالمخترع! وقال الآخر وينسب لعثمان ﵁:
غنى النفس يغني النفس حتى يكفهاوإن عضها حتى يضر بها الفقرُ
وما عسرةٌ فاصبر لها إن لقيتهابكائنةٍ إلاّ ويتبعها اليسرُ
وقال أيضاً:
تفنى اللذات ممن نال صفوتهامن الحرام ويبقى الإثم والعرُ
تبقى عواقب سوءٍ من معقبهالا خير في لذةٍ من بعدها النارُ
وقال أبن رفاعة وكان عبد الملك بن مروان لمّا قتل المصعب بن الزبير ودخل الكوفة فصعد المنبر وقال: أيها الناس إنَّ الحرب صعبة وإنَّ السلم أمن ومسرة: فاستقيموا على سبيل الهدى ودعوا الأهواء الموجبة للردى وتجنبوا فراق جماعة المسلمين ولا تكلفونا أفعال المهاجرين الأولين وأنتم لم تعملوا عملهم ولم تسلكوا سبيلهم ولا اظنكو تزدادون بعد الموعظة إلاّ صعوبة ولن تزداد وابعد الأعذار إليكم إلاّ عقوبة. فمن عاد عدنا وإن زاد زدنا وإنَّا معكم كما قال أبو قيس بن رفاعة:
من يصل ناري بلا ذنبٍ ولا ترةٍيصل بنار كريمٍ غير غدارِ
أنا النذير لكم مني مجاهرةكي لا ألام على نهيٍ وإنذارِ
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفواأن سوف تلقون خزياً ظاهر العارِ
لا ترجعن أحاديثاً ملفقةًلهو المقيم ولهو المدلج الساري
من كان في نفسها حوجاء يطلبهاعندي فإني له رهنٌ بإضمارِ
أقيم عوجته إن كان ذا عوجٍكما يقوم قدح النبعة الباري
وصاحب الوتر ليس الدهر يدركهعندي وإني لدراكٌ بأوتارِ
وقال الآخر:
رأيتك إن أرسلت طرفك رائداًلقلبك يوماً أعجبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌعليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
وهذا مثل مشهور.
وعن الأصمعي قال: كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون: جاءت! جاءت! فنظر فإذا جارية وردت الماء ما رأى الراؤون مثلها. فلما رأت إلحاح الناس بالنظر إليها أرسلت برقعا كأنه غمامة غطت شمسا. فقالت لها: تمنعين الناس من النظر إلى هذا الوجه الحسن؟ فقالت: رايتك إن أرسلت طرفك.. " البيتين "
فنظر إليها أعرابي فقال: أنا والله ممن ولى صبره! ثم أنشد:
أوحشية العينين أين لك الأهل؟أب الحزن حلوا أم محلهم السهلُ؟
وأية أرض أخرجتك فإننيأراك من الفردوس أنسأك الأصلُ
أم البدر أنشأك المنير فإن يكنلبدر الدجى نسلٌ فأنت له نسلُ
حسنت فأما الوجه منك فمشرقٌوعينان كحلاوان زينهما كحلُ
قفي خبرينا ما طعمت وما الذيشربت ومن أين استقل بك الرحلُ
فإنَّ علامات الجنان مبنيةٌعليك وإنَّ الشك يشبهه الشكلُ
وقال:
فإنا ومن يهدي القصائد نحوناكمستبضعٍ تمرا إلى أرض خيبرا
وقال يحيى بن طالب الحنفي:
تعزيت عنها كارها فتركتهاوكان فريقها أمرَّ من الصبرِ
وكان يحيى هذا سخيا جوادا. ثم إنّه ركبه دين فادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان في قضاء دينه. فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص إليها من بغداد فشيعه يحيى. فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى فأنشأ يقول:
أحقاً عباد الله أن لست ناظراًإلى قرقرا يوماً وأعلامها الخضر؟
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةٌدعاك الهوى واهتاج قلبك للذكرِ
أقول لموسى والدموع كأنهاجداول ماء في مساربها تجري:
ألا هل لشيخٍ وأبن ستين حجةًبكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟
كأن فؤادي كلما مر راكبٌجناح غرابٍ رام نهضاً إلى وكرِ
يزهدني في كل خيرٍ صنعتهإلى الناس ما جربت من قلة الشكرِ
فيا حزناً ماذا أجن من الهوىومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر؟
تعزيت عنها كارها.. " البيت " وحجر بالفتح قصبة اليمامة.
ثم إنَّ الرشيد غني بشعر ليحيى هذا وهو:
أيا أثلات القاع من بطن توضحٍحنيني إلى أطلالكن ويلُ
ويا أثلات القاع قد مل صحبتيمسيري فهل في ظلكن مقيلُ؟
ويا أثلات القاع قلبي موكلٌبكن وجدوى نيلكن قليلُ
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرةٍإلى قرقرا قبل الممات سبيلُ؟
فأشرب من ماء الحجيلاء شربةًيداوي بها قبل الممات عليلُ
أحدث عنك النفس أن لست راجعاًإليك فحزني في الفؤادي دخيلُ
أريد هبوطا نحوكم فيردنيإذا رمته دينٌ عليَّ ثقيلُ
فقال الرشيد: يقضى دينه! فلتمس فإذا هو مات قبل ذلك بشهر.
وقالت جارية تخاطب نفسها:
إذا لم يكن للأمر عند حيلةٌولم يجدي بداً من الصبر فاصبري!
وكانت هذه الجارية لرجل من قيس عيلان فكان بها كلفا. ثم أصابته حاجة وجهد فقالت له: لو بعتني فلو نلت طائلا عدت به عليك! فأخرجها للبيع وعرضت على أبن معمر المذحجي فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم. فلما مضت لتدخل القصر ودعت مولاها وأنشدته:
هنيئاً لك المال الذي قد أصبتهولم يبق في كفي إلاّ تفكري
أقول لنفسي وهي في كرب عيشةٍأقلي فقد بان الحبيب أو اكثري!
إذا لم يكن للأمر عندك.. " البيت " فأجابها مولاها:
فلولا نبو الدهر عني لم يكنلفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري
أؤوب بحزن من فراقك موجعأناجي به قلباً طويل التفكرِ؟
عليك سلامٌ لا زيارة بينناولا وصل إلاّ أن يشاء أبن معمرِ
فقال له: خذ بيدها فهي لك وثمنها! وقال الخليل بن أحمد:
إن منت لست معي فالذكر منك معييرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري
العين تفقد من تهوى وتبصرهوناظر القرب لا يخلو من النظر
وهو مثل مشهور للصوفية:
أما والذي لو شاء لم يخلف الهوىلئن غبت عن عيني لمّا غبت عن قلبي
يوهمنيك الشوق حتى كأنماأناجيك من قربٍ وإن لم يكن قربي
وقال الآخر:
أبلغ أخانا تولى الله صحبتهأني وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وإنَّ قلبي موصولٌ برؤيتهوإن تباعد عن مثواي مثواه
وقال الآخر:
إذا اشتاقت العينان منك بنظرةٍتمثلت لي في القلب من كل جانبِ
وحكي عن الإمام الشبلي ﵁ أنه رأى يوما مجنونا والصبيان خلفة يرمونه بالحجارة وقد أدموا وجهه وشجوا رأسه. فأخذ الشبلي يزجرهم عنه فقالوا له: يا شيخ دعنا نقتله فإنه كافر! فقال لهم: وما الذي بان لكم من كفره؟ فقالوا: يزعم أنه يرى ربه ويحادثه. فقال: أمسكوا عليَّ قليلا! فتقدم الشبلي فوجده يتحدث ويضحك ويقول في أثناء ذلك: هذا جميل منك تسلط عليَّ الصبيان ليشغلوني عنك! فقال: يا شبلي وما الذي قالوا؟ قال: تقول إنك ترى ربك وتحدثه. فصاح صيحة عظيمة ثم قال: يا شبلي نعم وحق من تيمني بحبه وهيمني بين بعده وقربه! لو احتجب عني طرفة عين لتقطعت من البين. ثم ولى وهو يقول:
لئن غبت عن عيني وشط بك النوىفأنت بقلبي حاضرٌ وقريبُ
أراك بعين الوهم في مضمر الحشاوليس على عين الفؤاد رقيبُ
خيالك في وهمي وذكرك في فميومثواك في قلبي فأين تغيبُ؟
وقال سويد بن الصامت:
ألا ربما تدعوا صديقاً ولو ترىمقالته بالغيب ساءك ما يفري
لسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراًوبالغيب مطرورٌ على ثغرة النحر
قوله " مطرور " أي محدود تقول: طررت السكين. والثغرة بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة نقرة النحر بين الترقوتين.
غيره:
كم من أخً لك لست نكرهما دمت من دنياك في سترِ
متصنعٍ لك في مودتهيلقاك بالترحيب والبشرِ
يطري الوفاء وذا الوفاء ويلحيالغدر مجتهداً وذا الغدرِ
فإذا عدا والدهر ذو غيرٍدهر عليك عدا مع الدهرِ
فارفض بإجمال مودة منيقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حاله واحدٌفي العسر إما كنت واليسرِ
لا تخلطنهم بغيرهممن يخلط العقبان بالصقرِ
غيره:
اخط مع الهر إذا ما خطاواجر مع الهر كما يجري
من سابق الدهر كبا كبوةلم يستقلها آخر الهرِ
ليس لما ليست له حيلةٌموجودةٌ خيرٌ من الصبرِ
ويروى:
حيلةٌ ما ليست حيلةٌحسن عزاء النفس والصبرِ
وقال المخزومي:
العيب في الجاهل المغمور مغموروعيب ذي الشرف المذكور مذكور
كفوفةِ الظفر تخفي من حقارتهاومثلها في سواد العين مشهور
ونحوه قول إبراهيم بن المهدي:
لولا الحياء وأنني مشهوروالعيب بالرجل الكبير كبير
لحللت منزله الذي يحتلهولكان منزلنا هو المهجورُ
وقال أبو سليمان الخطابي:
أنست بوحدتي ولزمت بيتيفدام الأنس لي ونما السرورُ
وأدبني الزمان فلا أباليهجرت فلا أزار ولا أزورُ
ولست بسائل ما دمت حياًأسار الجيش أم ركب الأميرُ
غيره:
لصيد اللخم في البحروصيد الأسد في البرِ
وقضم الثلج في القرونقل الصخر في الحرِ
وإقدام على الموتوتحويل إلى القبرِ
لأشهى في طلاب العزممن عاش في الفقرِ
اللخم بالخاء المعجمة حيوان بحري يصعب المنال.
غيره:
خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةفليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ
إن لم تنل في مقام ما تحاولهفأبل عذراً بإدلاج وتهجيرِ
لن يبلغ المرء بالإحجام حاجتهحتى يباشرها منه بتغريرِ
حتى يواصل في أنحاء مطلبهاسهلا بحزن وأنجاداً بتغويرِ
غيره:
لعمرك ما الزية فقد مالولا شاة تموت ولا بعيرُ
ولكن الرزية موت نفسيموت بموتها بشر كثيرُ
ونحوه قول الآخر في قيس بن عاصم المنقري ﵁:
فما كان قيسٌ هلكه هلك واحدولكنه بنيان قومٍ تهدما
غيره:
ومن يجعل المعروف من دون أهلهيلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
وسيأتي تتميم هذا الشعر وشرح قصته في الكاف إن شاء الله تعالى.
وقال شيخ من الأعراب نظر إلى امرأته تتصنع وهي عجوز:
عجوزٌ ترجى أن يكون فتيةًوقد لحب الجنبان واحد ودب الظهرُ
تدس إلى العطار سلعة بيتهاوهل يصلح العطار ما أفسد الدهرُ؟
وزيد فيه:
وما غرني إلاّ خضابٌ بكفهاونجلٌ بعينيها وأثوابها الطهرُ
وجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍفكان محاقها كله ذلك الشهرُ!
فقالت امرأته مجيبة:
ألم تر أنَّ الناب تحلب علبةًويترك ثلبٌ لاضرابٌ ولا ظهرُ؟
ثم استغاثت بالنساء واستغاث بالرجال فإذا هم خلوف فاجتمع عليه النساء فضربنه.
قوله: لحب الجنبان أي قل لحمهما يقال لحب الرجل بالكسر إذا أنحله الكبر.
قوله: سلعة بيتها يريد السويق والدقيق ونحوهما والعرب تقول لكل عرض سلعة والناب: الناقة المسنة. والعلبة بالضم: القدح العظيم من الخشب أو من جلود الإبل يحلب فيه والثلب بالثاء المثلثة على مثال قرد: الجمل إذا سقطت أسنانه هرما وتناثر شعر ذنبه تقول: إنَّ الأنثى فيها نفع وإن أسنت بخلاف الذكر إذا أسن.
وقال بعض الأدباء:
وأتم الأشياء حسناً ونوراًبكر شكر زفت إلى صهر بر
ما قرآن السعدين في الحوت أبهىمنظراً من قرآن بر وشكر!
وقال سعد بن ناشب:
تفدني فيما ترى من شراستيوشدة نفسي أم سعدٍ وما تدري
فقلت لها: إنَّ الكريم وإن حلاليلفى على حالٍ أمر من الصبرِ
وفي اللين ضعفٌ والشراسة هيبةٌومن لا يهب يحمل على مركب وعرِ
وما بي على من لأنَّ لي من فظاظةٍولكنني فظ أبي على القسرِ
أقيم صغى ذي الميل حتى أردهوأخطمه حتى يعود إلى القدرِ
فإن تعذليني تعذلي بي مرزءاًكريم نثا الإعسار مشترك اليسرِ
إذا هم ألقى بين عينيه همهوصمم تصميم الريجي ذي الأثرِ
قوله: كريم نثا الإعسار بتقديم النون: ذكر الرجل بجميل أو قبيح فهو مشترك. يقول إنه يثني عليه في الإعسار بخير وكرم وعفة والأثر بفتح الهمزة وكسرها: فرند السيف وهو رونقه وماؤه.
وقال سالم بن وابصة:
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعهكأنَّ به عن كل فاحشةٍ وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسطاً آذىولا مانعاً خيراً ولا ناطقاً هجرا
إذا ما أتت من صاحبٍ لك زلةٌفكن أنت محتالاً لزلته عذرا
غني النفس ما يكفيك من سد خلةٍوإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا
وقال كثير وكان قد دخل على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال له: أأنت كثير؟ قال: نعم! قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! قال: يا أمير المؤمنين كل عند محله رحب الفناء شامخ البناء عالي السناء. ثم أنشأ يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريهوفي أثوابه أسد عصورُ
ويعجبك الطرير إذا تراهفيخيل ظنك الرجل الطريرُ
بغاث الطير أطولها رقاباًولم تطل البزاة ولا الصقورُ
خشاش الطير أكثرها فراخاًوأم الصقر مقلات نزورُ
ضعاف الأسد أكثرها زئيراًوأصرمها اللواتي لا تزيرُ
وقد عظم البعير بغير لبفلم يستغن بالعظم البعيرُ
ينوخ ثم يضرب بالهراوىفلا عرفٌ لديه ولا نكيرُ
يقوده الصبي بكل أرضٍوينحه على الترب الصغيرُ
فما عظم الرجال لهم بزينٍولكن زينتهم كرمٌ وخيرُ
فقال عبد الملك: لله دره ما أفصح لسانه! وأضبط جنانه! وأطول عنانه! والله إني لأظنه كما وصف نفسه! قوله: أسدٌ هصور الهصر بالصاد المهملة: الكسر
والجذب. والمقلات: التي لا يعيش لها الأولاد. والنزور: القليلة الولد كما مر. والطرير من الرجال: ذو المنظر والرواء الحسن. والخير بالكسر: الكرم والشرف والأصل ونسب هذا الشعر أيضاً لغير كثير وهو في الحماسة.
وقال الزبرقان من بدر:
تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتقي مربض المستأسد الضاري
يحكى أنَّ عمر بن أبي ربيعة بينما هو يطوف إذ بصر بامرأة في الطواف فأعجبته فكلمها فنفرت وقالت: إليك عني فإني في حرم الله وفي موضع عظيم الحرمة! فلما ألح عليها وشغلها عن الطواف ذهبت إلى بعض محارمها فقالت له: احضر معي تريني المناسك! فجاء معها فلما رآه عمر تباعد عنها فتمثلت حينئذ بهذا البيت. فبلغ المنصور خبرها فقال: وددت لو لم تبق بنت في خدرها إلاّ سمعته.
وقال الحماسي:
ومن أنتم آنا نسينا من أنتموريحكم من أي ريح الأعاصير؟
فأنتم إلى جئتم مع البقل والدبافطار وهذا شخصكم غير طائرِ
الدبا بالدال المهملة وبالباء الموحدة المفتوحتين: أصغر الجرد والنمل الواحد دباة. قال الراجز:
كأنَّ خرق قرصها المعقوبعلى دباة أو على يعسوب
وقال الآخر:
يا قلب إنك من أسماء مغرورفاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ؟
حتى متى أنت منها مدنف ولهٌلا يستبيك سواها البدن الحور؟
تأتي أمور فما تدري أعاجلهاخيرٌ لنفسك أم ما فيه تأخيرُ
فاستقدر الله خيراً وارضينَّ بهفبينما العسر إذ دارت مياسيرُ
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌإذ صار في الرمس تعفوه الأعاصيرُ
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابة في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلاّ تذكرهوالدهر أينما حالٍ دهاريرُ
فذاك آخر عمر من أخيك إذاما ضمنت شلوه اللحد الحناشيرُ
وقال الآخر:
نصبرت مغلوباً وإني لصابرٌكما صبر الضمآن في البلد القفرُ
وقبله:
يا عمرو لم اصبر ولي فيك حيلةٌولكن دعاني اليأس منك إلى الصبرِ!
غيره:
وإنَّ سعيد الجد من بات ليلةًواصبح لم يشوب ببعض الكبائر
فمولاك لا يهضم لديك وإنّماهضيمة مولى المرء جدع المناخرِ
وجارك لا يذممك الله تعالى مسبةًعلى المرء في الأدنين ذم المجاورِ
فإن قلت فاعلم ما تقول فإنهإلى سامع ممن تعادي وآثرِ
فإنك لا تستطيع رد مقالةٍشأتك وزلت عن فكاهة فاغرِ
كما ليس رامٍ بعد إرسال سهمهعلى رده قبل الوقوع بقادرِ
إذا أنت عاديت الرجال فلا تزلعلى حذر لا خير في غير حاذرِ
ومن لا يصانع في أمور كثيرةٍيضرس بأنيابٍ ويوطأ بحافرِ
ترى المرء مخلوقا وللعين حظهاوليس بإحناء الأمور بحابرِ
فذلك كماء البحر لست مسيغهويعجب منه ساجياً كل ناظرِ
وتلقى الأصيل الفاضل الراي جسمهإذا ما مشى في القوم ليس بقاهرِ
كذلك جفن رث عن طول مكثهعلى حدّثني مفترق الغرارين باترِ
وعاش بعينيه لمّا لا ينالهكساع برجليه لأدراك طائرِ
ومستنزل حرباع غير ثروةٍكمقتحم في البحر ليس بماهرِ
وملتمس وداً لمن لا يودهكمعتذر يوماً إلى غير عاذرِ
ومتخذ عذراً فعاد ملالةكوالي اليتامى ما لهم غير وافرِ
فسارع إذا سافرت في الحمد واعلمنبأن ثناء الركب حظ المسافرِ
وطاوعهم فيما أرادوا وقل لهم:فداً للذي رمتم كلال الأباعرِ
وإن كنت ذا حظ من المال فالتمسبه الأجر وأرفع ذكر أهل المقابرِ
فإني رأيت المال يفنى وذكرهكظل يقيك حر الهواجرِ
وقال عروة بن المرد المعروف بعروة الصعاليك العبسي:
لحى الله صعلوكاً إذا جن ليلهمصافي المشاش آلفاً كل مجزرِ
ينام ثقيلاً ثم يصبح قاعداًيحت الحصى عن جنبه المتعفرِ
يعين نساء الحي ما يستعنهفيمضي طليحاً كالبعير المحسرِ
ولكن صعلوكاً صفيحة وجههكضوء سراج القابس المتنورِ
مطلاً على أعدائه يزجرونهبساحتهم زجر المنيح المشهرِ
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابهتشوف أهل الغائب المنتظرِ
فذلك إن يلق المنية يلقاهاحميداً وإن يستغن يوما فأجدرِ
وقال الشريف الرضي:
أودى وما أودت مناقبهومن الرجال معمر الذكرِ
غيره:
طربت إلى الأصيبية الصغاروهاجك منهم قرب المزارِ
وأبرح ما يكون الشوق يوماًإذا دنت الديار من الديارِ
وقال كثير:
وقد زعمت أني تغيرت بعدهاومن ذا الذي يا عز لا يتغيرُ؟
تغير جسمي والخليقة مثلماعهدت ولم يخبر بسرك مخبرُ
دخلت عزة هذه على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال: أنت عزة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضمرية. فقال لها: أتروين قول كثير: وقد زعمت.. " البيتين "؟ فقالت: لا اروي هذا ولكني أروي قوله:
صفوحاً فما تلقاك إلاّ بخيلةًفمن مل منها ذلك الوصل ملتِ
وهذا البيت من تائية كثير المشهورة التي مطلعها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلاقلوصيكما ثم ابكيا حيث حلتِ!
وقال الآخر:
ما للكواعب يا عيساء قد جعلتتزور عني وتطوي دوني الحجرُ
قد كنت فتاح أبوابٍ مغلقةٍذب الرياد إذا ما خولس النظرُ
فقد جعلت أرى الشخصين أربعةوالواحد اثنين مما بورك البصرُ
وكنت أمشي على رجلين معتدلاًفصرت أمشي على أخرى من الشجر
غيره:
خبروها بأنني قد تزوجتفظلت تكاتم الغيظ سرا
وبعده:
ثم قالت لأختها ولأخرىجزعاً: ليته تزوج عشرا
وأشارت إلى نساء لديهالا ترى دونهن للسر سترا
ما لقلبي كأنه ليس منيوعظامي أخال فيهن فترا
من حديث نكى إلي فظيعٍخلت في القلب من تلظيه جمرا؟
غيره:
شربنا من الرازي حتى كأنناملوك لهم بر العراقين والنحرُ
فلما انجلت شمس النهار رأيناتولى الغنى عنا وعاودنا الفقرُ!
ومثله قول الأعرابي:
ولقد شربت الراح حتى خلتنيلمّا خرجت أجر فضل المئزرِ
قابوس أو عمرو بن هند ما تلايجبني له ما دون دارة قيصرِ
وقال لقيط بن زرارة:
شربت الخمر حتى خلت أنيأبو قابوس أو عبد المدانِ
أمشي في بني عدس بن بدررخي البال منطلق اللسانِ
غيره:
إني هزئت من أم الغمر إذ هزئتمن شيب رأسي وما بالشيب من عارِ
ما شقوة المرء بالإقتار يقترهولا سعادته يوما بإكثارِ
إنَّ الشقي الذي في النار منزلهوالفوز فوز الذي ينجو من النارِ
أعوذ بالله من أمر يزين ليلوم العشيرة أو يدني من العارِ
وخير دنيا تنسي شر آخرةٍوسوف ينبئني الجبار أخباري
لا أقرب البيت أحبو من مؤخرهولا أكسر في أبن العم أظافري
إن يحجب الله أبصاراً أراقبهافقد يرى الله حال المدلج الساري
قوله: لا أقرب البيت.. الخ أي لا آتي لرؤيته كقول الآخر:
ولست بصادر من بيت جارٍكفعل الغير غمره الورود
يقال: تغمره الشارب إذا لم يرو فهو يلتفت وراءه وكذا المريب وتقدم هذا قوله: ولا أكسر في أبن العم أظفاري أي لا أغتابه كقول الحطيئة:
ملوا قراه وهرته كلابهموجرحوه بأنيابٍ وأضراسِ
وقال جرير:
فلا تبوسوا بيني وبينكم الثرىفإنَّ الذي بيني وبينكم مثر
وقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب:
أسر وفاء ثم أظهر غدرةفمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره؟
وسيأتي سبب هذا الشعر في الأعيان إن شاء الله تعالى.
غيره:
إذا كنت في نجد وطيب نعمةتذكرت أهلي باللوى فمحسر
وإن كنت فيهم زدت شوقاً ولوزعةإلى ساكني نجد وعيل تصبري
لقد طال ما بين الفريقين موقفيفمن لي بنجد بين أهلي ومعشري؟
غيره:
أوليتني نعيما أبوح بشكرهاوكفيتني كل الأمور بأسها
فلأشكرنك ما حييت وإن أمتفلتشكرنك أعظمي في قبرها
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
إذا المشكلات تصدين ليكشفت حقائقها بالنظر
وإن برقت من فخيل الصوابعمياء لا تجتليها الفكر
مقنعةٌ بغروب الأمروضعت عليها ضحيح الفقر
لساناً كشقشقة الأرحبيأو كالحسام اليماني الذكر
وقلباً إذا استنطقته الغيوبابر عليها بود درر
ولست بإمعةٍ في الرجاليسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني مذرن الأصغرينيبين مع ما مضى ما غبر
يروى إنّه سئل عن نازلة فدخل مبادرا ثم خرج في حداء ورداء وهو متبسم. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنك كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحماة. قال: إني كنت حاقنا ولا رأي لحاقن! ثم أنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين.. " الأبيات ".
وقال أبو العباس التطيلي:
والناس كالناس إلاّ أن تجربهموللبصيرة حكم ليس للبصر
كالأيك مشتبهات في منابتهاوإنما يع التفضيل بالثمر
وقال التهامي في مثله:
ومن الرجال مجاهلٌ ومعالمومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إرادهموتفاضل الأقوام في الإصدار
ولربما اعتضد الحليم بجاهللا خير في يمنى بغير يسار
وقال القاضي الجليس المصري:
ومن عجب أنَّ السيوف لديهمتحيض دماء والسيوف ذكور
وأعجب من ذا أنها بأكفالهمتؤجج ناراً والكف بجور
وقال أبن المعتز في التعزية:
لم تمت أنت مات من لميبق للمجد والمكارم ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثاكيف يسقى وقد تضمن بحرا؟
وقال الآخر:
وأصبر حتى يحسب الناس إننيبي الهجر لا والله ما بي لكم هجر!
ولكن أروض النفس أخبر هل لهاعلى فرقة من بعد أحبابها صبر
وقال الآخر:
لا غرو أنَّ يصلى بهجركمناراً تؤججها يد التذكار
قبلي إذا غبتم يصور شخصكمفيه وكل مصور في النار
وقال أبن الخطيب:
بلد يحف به الرياض كأنهوجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم فضةومن الجسور المحكمات سواره
وقال أبو الربيع:
فتح الشقاق جراحها ومغنمهاوشي الربيع، وقتلاها من الثمر
لأجل هذا إذا هبت طلائهتدرع النهر واهتزت قنى الشجر
وقال القاضي الشريف:
واحور وسنان الجفون مرابطسبى حسنه لب الحبيب وصبره
حمى ثغره عني بسيف لحاظهولا غرو أنَّ يحمي المرابط ثغره!
وقال إبراهيم أبن المهدي:
إذا كلمتني بالعيون الفواتررددت عليها بالدموع البوادر
فلم يعلم الواشون ما دار بينناوقد قضيت حاجتنا بالضمائر
وقال الخوارزمي:
عليك بإظهار التجلد للعداولا تظهرن منك الذبول فتحقرا!
ألست ترى الريحان يشع يانعاويطرح في الميضات مهما تغيرا؟
وقال الآخر:
تواضع إذا نلت المعالي علاوتكتسب الشكر الجميل من الورى
فلن يشكر الغيث الربيع محلهقرين الثريا أو يعود إلى الثرى
وقال صالح بن شرف:
الدهر لا يبقى على حالةٍلكنه يقبل أو يدبر
فإنَّ تلقاك بمكروههفأصبر فإنَّ الدهر لا يصبر!
وقال الرصافي:
صون الفتى وجهه أوقى لهمتهوالرزق جارٍ على حد ومقدار
قنعت، وامتد مالي فالسماء يديوبدرها درهمي والشمس ديناري
وقال أبن طباطبا العلوي:
قالت: أراك خضبت الشيب، قلت لها:سترته عنك يا سمعي ويا بصري
فاستضحكت ثم قالت من تعجبها:تكاثر الغش حتى صار في الشعر!
وقال الآخر:
إنَّ الليالي الأنام مناهلتطوي وتنشر بينها الأغمار
فقصارهن مع الهموم طويلةوطوالهن مع السرور قصار
وقال الآخر:
النار آخر دينار نطقت بهوالهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما ما لم يكن ورعامقلب القلب بين الهم والنار
وقال عبد الله بن طاهر:
إلى كم يكون الهجر في كل ساعةٍوكم لا تملين القطيعة والهجرا!
رويدك إنَّ الدهر فيه كفاية:بتفريق ذات البين، فانتظر الدهرا!
وقال قيس بن الذريح:
لو إنَّ امرءاً أخفى الهوى عن ضميرهلمت ولم يشعر بذاك ضمير
ولكن سألقى الله والقلب لم يبحبسرك والمستخبرون كثير!
وقال أبن خفاجة:
أرى الناس يولون الغني كرامةًوإنَّ لم يكن أهلا لرفعة مقدار
ويولون عن وجه الفقير وجوههموإنَّ كان أهلا أم يلاقى باكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمةفما صححوا إلاّ حديث أبن دينار!
وقال أبن معروف:
أحذر عدوك مرةوأحذر صديقك ألف مرة
فلربما أنقلب الصديقفكان أعلم بالضمرة!
وقال البستي:
إذا حيوان كان طعمة ضدهتوقاه كالفأر الذي يحذر الهرا
ولا شك أنَّ المرء دهرهفما باله يا ويحه يا من الدهرا؟
وقال الآخر:
إذا ذهب الحمار بأم عمروفلا رجعت ولا رجع الحمار!
لطيفة: حكي عن الجاحظ قال: عبر يوما على معلم الكتاب، فرأيت هيئة حسنة. وقام إلي وأجلسني معه، ففاتحته القرآن هو فيه ماهر. ففاتحته النحو فوجدته ماهرا، ثم في أشعار العرب واللغة كاملا في كل ما يراد منه، فقلت: قوى والله هذا عزمي الكتاب مغلقا. فسألت عنه فقيل: مات له ميت. فسرت إليه لأعزيه، فدققت الباب عليه، فخرجت جارية وقالت: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك. فقالت: هو جالس وحده في العزا، ما يعطي الطريق لأحد. فقلت: قولي له: صديقك فلان. فدخلت وخرجت وقالت: ادخل! فدخلت وقلت له: أعظم الله أجرك! لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وهذا سبيل لابد منه، فعليك بالصبر! ثم قلت له: هذا الميت ولدك؟ قال: لا. قلت: والدك؟ قال: لا. قلت: أخوك؟ قال: لا. قلت: فمن؟ قال: صفيتي. فقلت في نفسي: هذا أول المناحس! ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها. فقال لي وكأني رأيتها؟ فقلت: وهذه منحسة ثانية! ثم قلت: وكيف عشقت من لم تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مفنيا يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مكرمةدري علي فؤادي أينما كانا!
فقلت في نفسي: لولا إنَّ أم عمرو هذا ما في الدنيا مثلها، ما قيل فيها هذا الشعر! فعلق قلبي بها.
فلما كان بعد أيام، مر بي ذلك الرجل وهو يقول:
إذا ذهب الحمار بأم عمروفلا رجعت ولا رجع الحمار!
فعلمت إنّها ماتت. فحزنت ليها وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام. قال الجاحظ: فعادت عزيمتي وقويت على إبقاء الدفتر بأم عمرو.
وقال النابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا
ولا خير في رأي إذا لم تكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
يروى إنّه لمّا انشد قصيدته هذه بين يدي النبي ﷺ وبلغ هذا الموضع قال له ﷺ: لا يفضض الله فاك! فعاش مائة وعشرين سنة، لم تنفض له ثنية ببركة ﵊. وقال المكيالي:
إنَّ كنت تأنس بالحبيب وقربهفأصبر على حكم الرقيب وداره!
إنَّ الرقيب إذا صبرت لذلهبواك في ربع الحبيب وداره
وقال التغري ﵀:
من لي بزوره أحمد الهادي الذيمن زاره غفرت له أوزاره؟
وأحط رحلي في جوار محمّدلمقام عز لا يضام جواره
حوم عظيم عظمت حرامتهواختال في خلع الرضى زواره
وقال أيضاً:
يا خير خلق الله دعوة نازحبانت حبته وشط مزاره
وتقسمته يد النوى فبمغربأوطانه وبمشرق أوطاره
وقال:
لأولي الحجي رفع الحجاب فشاهدواقمر الحجاز تلألأت أنواره
واستنقشوا أرج النسيم فساقهمشوقا لنجد شيحه وعراره
وقال آخر يهجو قاضي بلده:
لا مثل قاضي رأيناه ببلدتنافي الجهل منه وفي الجور الورى حاورا
فهو من النفر الأدين منزلةٍمن حاكم منه وفي الجور الورى حاورا
مسذوم بذال معجمة بلد بحمص، أو هو قرية قوم لوط. وقاضي سذوم المشهور هو
الذي زعموا إنّه شكا إليه رجل مر بقوم ومعه امرأته على حمار. فضربوا الحمار وقطعوا ذنبه، فتخبط وطرح المرأة فأسقطت جنينا. فقال له: ادفع إليهم امرأتك يطؤونها حتى تحل ويردونها إليك: وأعطهم الحمار يستخدمونه حتى ينبت ذنبه ويردونه إليك! فيقال إنَّ الرجل دعا عليهم، فسخف بهم ولم يبق من أهل سذوم أحد.
وقال محي الدين الاسكندراني:
ومقعد أنَّ الرئاسة في الكبرفأصبح ممقوتا به وهو لا يدري
يجر ذيول العجب طالب رفعةألا فأعجبوا من طالب الرفع بالجر!
وقال العرجي العثماني:
أضاعوني وأي فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر!
ويحكى إنّه كان فتى يجاور الأمام أبا حنيفة، ﵁، وكان يشرب كل ليلة، فإذا دب فيه الشراب جعل يغني. فكان أبو حنيفة يقوم من الليل ويسهر على النظر ويانس بغنائه. وكان أكثر ما يغني بقول العرجي هذا: أضاعوني وأي فتى أضاعوا.. الخ.
وبعده:
كأني لم اكن فيهم وسيطاولم تك نسبتي في آب عمر
ثم ن الفتى خرج ليلة فأخذ العسس وحبس، فقد أبو حنيفة صوته في تلك الليلة. فلما أصبح سأل عنه فقيل إنّه محبوس، فدعا بدابته وركب إلى الأمير عيسى بن موسى. فلما استأذن عليه قال: أئذنوا له وأدخلوه راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ بساطي! ففعلوا، فوسع له الأمير في مجلسه وأجلسه معه وقال: ما حاجتك؟ قال: جار لي أخذه العسس، فأمر بتخليته! قال: نعم، وكل من أخذ معه في تلك الليلة! فأطلقوا جميعا، وقيل إنّه بعد ثلاث ليال من حبسه. فقال الأمير: وكل من أخذ من تلك الليلة إلى وقتنا. وأطلق الجميع. فلما خرجوا دعا أبو حنيفة بالفتى فقال له: ألست كنت تغني أضاعوني وأي فتى أضاعوا، فهل أضعناك؟ قال: لا والله! بل حفظت وز رعيت جزاك الله خيرا، وعلي عهد الله ألا اشرب الخمر أبداً! وتاب إلى الله تعالى. وقال إسحاق الموصلي:
لاح بالمفرق منك القتيروذوى غصن الشباب النضير
هزئت أسماء مني وقالت:أنت يا أبن المصلي كبير!
ورأت شيبا علاني فأنتوأبن ستين بشيب جدير
إنَّ تري شيباً علاني فإننيمع ذاك الشيب حلو مزير
قد يفل السيف وهو جرازويصول الليث وهو عقير
وقوله: حلو مزير، المزير: المعظم المكرم، وقيل الظريف؛ والسيف الجراز: القاطع. وقال الربيع بن ضبع الفزاري:
فارقنا قبل أنَّ نارقهلمّا قضى من جماعنا وطرا
والضمير للشباب.
وقبله:
أقفر من مية الحديب إلىالرحبين إلاّ الظباء والبقرا؟
كأنها درة منعمةمن نسوة كن قبلها درراً
أصبح مني الشباب مبتكراإنَّ ينأ عني فقد ثوى عصرا
وبعده:
أصبحت لا أحمل السلاح ولاأملك رأس البعير إنَّ نفرا
والذيب أخشاه إنَّ مررت بهوحدي وأخشى الرياح والمطرا
ها أنا ذا آمل الخلود وقدأدركت عمري ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس قد سمعت بههيهات هيهات طال ذا عمرا
وقال أعرابي من ضبة، قدم البصرة وخطب امرأة فاشترطوا عليه الصداق:
خطبت فقالوا: هات عشرين بكرةودرعا وجلبابا فهذا هو المهر
وثوبين مرويين في كل شتوةٍفقلت: الزنى خير من الحرب القسر!
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع