من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الرابع والسبعون والمائة فِي مختار أشعار لجماعة من النساء فِي المراثي
قَالَتْ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ تَرْثِي تَوْبَةَ بْنَ الْحُمَيِّرِ:
نَظرْتُ وَرُكْنٌ مِنْ عَمَايَةَ دُونَنَاوَبَطنُ الرَّكَايَا أيُّ نَظرَةِ نَاظِرِ
فَأَبْصَرْتُ خَيْلاً بِالرَّقِيِّ مُغِيرَةًسَوَابقُهَا مِثْلُ الْقَطَا الْمُتَوَاتِرِ
فَلا يُبْعِدَنْكَ اللهُ يَا تَوْبَ إِنَّمَالِقَاءُ الْمَنَايَا دَارِعًا مِثْلُ حَاسِرِ
تُبَادِرُهُ أَسْيَافهُمْ فَكَأَنَّمَاتُصَادِرْنَ عَنْ حَامِي الْحَدِيدَة بَاتِرِ
مِنَ الْهُنْدُوَانِيَّاتِ فِي كُلِّ قِطْعَةٍدَمٌ زَلَّ عَنْ بَادٍ منَ الأَثْرِ دَاثِرِ
أتَتْهُ الْمَنَايَا بَيْنَ دِرْعِ حَصِينَةٍوَأَسْمَرَ خَطِّيٍّ وَجَرْدَاءَ ضَامِرِ
كَأَنَّ فَتَى الْفِتْيَانِ تَوْبَةَ لَمْ يُنِخْقَلائِصَ يَفْحَصْنَ الْحَصَا بِالْكَرَاكِرِ
فَتىً كَانَ للْمَوْلَى سَنَاءً وَرِفْعَةًوَلِلطَّارِقِ السَّارِي قِرًى جِدَّ حَاضِرِ
فَنِعْمَ الفَتَى إِنْ كَانَ تَوْبَةُ فَاخِراًوَفَوْقَ الْفَتَى إِنْ كَانَ لَيْسَ بِفَاخِرِ
فَتَاللهِ تَبْنِي بَيْتَهَا أُمُّ عَاصِمٍعَلَى مِثْلِهِ أُخْرَى اللَّيَالِي الْغَوَابِرِ
فَتىً كَانَ أَحْيَى مِنْ فَتَاةٍ حَيِيَّةٍوَأَشْجَعَ مِنْ لَيْثٍ بِخُفَّانَ خَادِرِ
وَكُنْتَ إِذَا مَوْلاكَ خَافَ ظُلامَةًدَعَاكَ وَلَمْ يَقْنَعْ سِوَاكَ بِنَاصِرِ
دَعَاكَ إلَى مَكْروهَةٍ فَأَجَبْتَهُعَلَى الْهَوْلِ مِنْهَا وَالْحتُوفِ الْحَواضِرِ
فَتىً لا تَخَطَّاهُ الرِّفَاقُ وَلا يَرَىلِقِدْرٍ عِيَالاً دُونَ جَارٍ مُجَاوِرِ
وَلَيْسَ شِهَابُ الْحَرْبِ يَاتَوْبَ بَعْدَهَابغادٍ وَلا سَارٍ بِركْبٍ مُسَافِرِ
فَأَقْسَمْتُ أَبْكِي بَعْدَ تَوْبَةَ هَالِكَاًوَأَحْفِلُ مَنْ نَالَتْ صُرُوفُ الْمَقَادِرِ
وَقَالَت أَيْضاً تَرْثِيهِ:
كَأَنَّ فَتَى الْفِتْيَانِ تَوْبَةَ لَمْ يُنِخْبِنَجْدٍ وَلَمْ يَهْبِطْ مَعَ الْمُتَغَوِّرِ
وَلَمْ يَرِدِ الْمَاءَ السِّدَامَ إِذَا بَدَاسَنَا الصُّبْحِ فِي بَادِي الْجَواشِنِ مُدْبِرِ
قَتَلْتُمْ فَتىً لَمْ يُسْقِطِ الرُّعْبُ رُمْحَهُإِذَا الْخَيْلُ جَالَتْ فِي قَناً مُتَكَسِّرِ
أَلا رُبَّ مَكْرُوبٍ أَجَبْتَ وَنَائِلٍفَعَلْتَ وَمَعْرُوفٍ لَدَيْكِ وَمُنْكَرِ
فَيَا تَوْبَ لِلْمَوْلَى وَيَا تَوْبَ لِلْقِرَىوَيَا تَوْبَ لِلمُسْتَنْبِحِ الْمُتَنَوِّرِ
وَقَالَتْ أَيْضاً تَرْثِيهِ:
أقْسَمْتُ أَبْكِي بَعْدَ تَوْبَةَ هَالِكَاوَأَحْفِلُ مَنْ دَارَتْ عَلَيْهِ الدَّوَائِرُ
لَعَمْركَ مَا بِالْمَوْتُ عَارٌ عَلَى امْرئٍإِذَا لَمْ تُصِبْهُ فِي الْحَيَاةِ الْمَعَايِرُ
وَمَا أَحَدٌ حَيٌّ وَإِنْ كَانَ سَالِماًبِأَخْلَدَ مِمَّنْ غَيَّبَتْهُ الْمَقَابِرُ
وَمَنْ كَانَ مِمَّا يُحْدِثُ الدَّهْرُ جَازِعاًفَلا بُدَّ يَوْماً أنْ يُرَى وَهْوَ صَابِرُ
وَلَيْسَ لِذِي عَيْشٍ عَنِ الْمَوْتِ مَذْهَبٌوَلَيْسَ عَلَى الأَيَّامِ وَالدَّهْرِ غَابِرُ
فَلا الْحَيُّ مِمَّا يُحْدِثُ الدَّهْرُ مُعْتبٌوَلا الْمُوْتُ إِنْ لَمْ يَصْبِر الْحَيُّ يَاسِرُ
وكُلُّ شَبَابٍ أَوْ جَدِيدٍ إِلَى بِلًىوَكُلُّ امْرئٍ يَوْماً إلَى اللهِ صَائِرُ
وَكُلُّ قَرِينَيْ أُلْفَةٍ لِتَفرُّقٍشَتَاتًا وَإِنْ ضَنَّا وَطَالَ التَّعَاشُرُ
فَلا يُبْعدَنْكَ اللهُ يَا تَوْبَ هَالِكاًأخَا الْحَرْبِ إِنْ دَارَتْ عَلَيْكَ الدَّوَاِئرُ
فأَقْسَمْتُ لا أَنْفَكُّ أَبْكيكَ مَا دَعَتْعَلَى فَنَنٍ وَرْقَاءُ أَوْ طَارَ طَائِرُ
وَقَالَتْ تَرْثِيهِ أَيْضاً:
لتَبْكِ الْعَذَارَى مِنْ خَفَاجَة كُلِّهَاإلَى الْحَوْلِ صَيْفاً دَائِبَاتٍ ومَرْبَعَا
عَلَى نَاشِئٍ نَالَ الْمَكَارم كُلَّهَاوَمَا انْفَكَّ حَتَّى اسْتَفْرَغَ الْمَجْدَ أَجْمَعَا
وَقَالَتْ تَرثِيهِ أَيْضاً:
لَنِعْمَ الْفَتَى يَا تَوْبَ كُنْتَ وَلَمْ تَكُنْلِتُسْبَقَ يَوْماً كُنْتَ مِنْهُ تُوَائِلُ
وَنِعْمَ الْفَتَى يَا تَوْبَ كُنْتَ إِذَا التَقَتْصُدُورُ الْعَوَالِي وَاستَشَالَ الأَسَافِلُ
وَنِعْمَ الْفَتَى يَا تَوْبَ كُنْتَ لِخَائِفٍأَتَاكَ لِكَي يُحْمَى وَنِعْمَ الْمُنَازِلُ
وَنِعْمَ الْفَتَى يَا تَوْبَ جَارًا وَصَاحِباًوَنِعْمَ الْفَتَى يَا تَوْبَ حِينَ تُفَاضِلُ
أبَى لَكَ ذَمَّ النَّاسِ يَا تَوْبَ إِنَّمَالَقِيتَ حِمَامَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ عَاجِلُ
وَلا يُبْعِدَنْكَ اللهُ يَا تَوْبَ إِنَّمَاكَذَاكَ الْمَنَايَا عَاجِلاتٌ وَآجِلُ
وَلا يُبْعدَنْكَ اللهُ يَا تَوْبَ وَالْتَقَتْعَلَيْكَ الْغَوَادِي الْمُدْجِنَات الْهَوَاطِلُ
وَقَالَتِ الْخَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْروٍ بْنُ الشَّرِيِدِ السُّلمية تَرْثِي أخاها صَخْرَ بْنَ عَمروٍ، وطعنَتْهُ بنو أسد فمات من الطعنة بعد سنة:
أعَيْنَيَّ هَلاَّ تَبْكِيَانِ عَلَى صَخْرِبِدَمْعٍ حَثِيثٍ لا بَكِيءٍ وَلا نَزْرِ
فَتَسْتَفْرِغَانِ الدَّمْعَ أَوْ تُذْرِيَانِهِعَلَى ذِي التُّقَى وَالْبَاعِ والسيد الْغَمرِ
أَلا ثَكِلَتْ أُمُّ الَّذِينَ غَدَوْا بِهِإِلَى الْقَبْرِ مَاذَا يَحْمِلُونَ إِلَى الْقَبْرِ
وَمَاذَا ثَوَى فِي اللَّحْدِ تَحْتَ تُرَابِهِمِنَ الْخَيْرِ يَا بُؤْسَ الْحَوَادِثِ وَالدَّهْرِ
كَأَنْ لَمْ يَقُلْ أَهْلاً لِطَالبَ حَاجَةٍبِوَجْهٍ بَشِيرِ الأمْرِ مُنْشَرحَ الصَّدْرِ
وَلَمْ يَغْدُ فِي خَيْلٍ مُجَنَّبَةِ الْقَنَالِيُرْوِيَ أَطْرَافَ الرُّدَيْنيَّةِ السُّمْرِ
فَشَأْنُ الْمَنَايَا إِذْ أَصَابَكَ سَهْمُهَالِتَغْدُ عَلَى الْفِتْيَانِ بَعْدَكَ أَوْ تَسْرِي
فَمَنْ يَجْبُرُ الْمَكْسُورَ أَوْ يَضمَن القِرَىضَمَانَكَ أَوْ يَقْرِي الضُّيُوفَ كمَا تَقْرِي
وَقَائِلَةٍ وَالنَّعْشُ يَسْبِقُ خَطوَهَالِتُدْرِكَهُ يَا لَهْفَ نَفسِي عَلَى صَخْرِ
فَلا يبْعُدَنْ قَبْرٌ تَضَمَّنَ شَخْصَهُوَجَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَاكِفَةِ الْقَطْرِ
وَقَالَتْ أَيْضاً تَرْثِيهِ:
إِنِّي أَرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ سَاهِرَةًكَأَنَّمَا كُحِلَتْ عَيْنِي بعُوَّارِ
أرْعَى النُّجُومَ وَمَا كُلِّفْتُ رَعْيَتَهاوَتارَةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي
وَقَدْ سَمِعْتُ فَلَمْ أَبْجَحْ بِه خَبَراًمُحَدِّثًا جَاءَ يَنْمِي رَجْعَ أَخْبَاري
يَقُولُ صَخْرٌ مُقِيمٌ ثَمَّ فِي جَدَثٍلَدَى الضَّرِيحِ صَرِيعٌ بَيْنَ أَحْجَارِ
فَاذْهَبْ فَلا يُبْعِدَنْكَ اللهُ مِنْ رَجُلٍتَرَّاكِ ضَيْمٍ وَطَلاَّب بِأَوْتَارِ
قَدْ كُنْتَ تَحْمِلُ قَلْباً غَيْرَ مُهْتَضَمٍمُركَّباً فِي نِصَابٍ غَيْر خَوَّارِ
مِثْلَ السِّنَانِ تُضِيءُ اللَّيْلَ صُورَتُهُمُرُّ الْمَرِيرَةً حُرٌّ وَابْنُ أَحْرَارِ
فَسَوْفَ أَبْكِيكَ مَا نَاحَتْ مُطَوَّقَهٌّوَمَا أَضَاءَتْ نُجُومُ اللَّيْلِ لِلسَّارِي
وَلَنْ أصَالِحَ قَوْماً كُنْتَ حَرْبَهُمُحَتَّى تَعُودَ بَيَاضاً جَوْنَةُ الْقَارِ
وَقَالَتْ تَرْثِيهِ:
أَلا يَا عَينِ فَانْهَمِرِي بِغُزْرِوَفِيضِي عَبْرةً مِنْ غَيْرِ نَزْرِ
وَلا تَعدِي عَزَاءً بَعْدَ صَخْرٍفَقَدْ غُلِبَ الْعَزَاءُ وَعِيلَ صَبْرِي
لِمُرْزِئَةٍ كَأَنَّ الْجَوْفَ مِنْهَابُعَيْدَ النِّوْمِ يُسعِرُ حَرَّ جَمْرِ
عَلَى صَخْرٍ وَأَيُّ فَتًى كَصَخْرٍلِعَانٍ عَائِلٍ عَلِقٍ بِوِتْرِ
وَلِلخَصْمِ الأَلَدِّ إِذَا اعْتَرَانَالِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَّا بقَسْرِ
وَلِلأَضْيَافِ إِذْ طَرَقوا هدُوًّاوَلِلْجَارِ الْمُدِلِّ وَكُلِّ سَفْرِ
وَقَالَتْ تَرْثِي أَخَاهَا مُعَاوِيَةَ:
يَا عَيْنِ مَا لَكِ لا تَبْكِينَ تَسْكَابَاإِذْ رَابَ دَهْرٌ وَكَانَ الدَّهْرُ رَيَّابَا
فَابْكِي أَخَاكِ لأَيْتَامٍ وَأَرْمَلَةٍوَأَبكِي أَخَاكِ لحيٍّ جَاءَ أَجْنَابَا
وَأبْكِي أَخَاكِ لخَيْلٍ كَالْقَطَا عُصَبٍفَقَدْنَ لَمَّا ثَوَى سَيْباً وَأَنْهَابَا
يَعْدُو بِهِ سَابِحٌ نَهْدٌ مَرَاكِلُهُوَمُكْتَسٍ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ جِلْبَابَا
حَتَّى يُصْبِّحَ قَوْماً فِي دِيَارِهِمُوَيَحْتَوِي دُونَ دَارِ الْقَوْمِ أَسْلابا
فَالْحَمْدُ حُلَّتُهُ وَالْجُودُ حِلْيَتُهُوَالصِّدْقُ حَوْزَتُهُ إِنْ قِرْنُهُ هَابَا
خَطَّابُ مُعْضِلَةٍ فَرَّاجُ مُظْلِمَةٍإِنْ هْابَ مُفْظِعَةً أَتَى لَهَا بَابَا
حَمَّالُ أَلْوِيَةٍ شَهَّادُ أَنْجِيَةٍقَطَّاعُ أَوْدِيَةٍ لِلوِتْرِ طَلاَّبَا
سُمُّ الْعُدَاةِ وَفَكَّاكُ الْعُنَاةِ إِذَالاقَى الْوَغَى لَمْ يَكُنْ لِلقِرْنِ هَيَّابَا
وَقَالَتْ عَمْرَةُ أُخْتُ عَمْروٍ الْكَلْبِ الْهُذَلِيِّ تَرْثِيهِ:
تَعَلَّمَنْ أَنَّ طُولَ الْعَيْشِ تَعْذِيبُوَأَنَّ مَنْ غَالَبَ الأَيَّامَ مَغْلُوبُ
وَكُلُّ حَيٍّ وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُيَوْماً طَرِيقُهُمُ فِي الشَّرِّ دُعْبُوبُ
وَكُلُّ مَنْ غَالَبَ الأَيَّامَ منْ أَحَدٍمُودٍ وَتَابِعُهُ الشُّبَّانُ وَالشِّيبُ
أَبَعْدَ عَمْروٍ وَخَيْرُ الْقَوْمِ قَدْ عَلِمُواببَطْنِ شَرْبَةَ يَعْوِي عَنْدَهُ الذِّيبُ
الطَّاعِنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلاءَ يَتْبَعُهَامُثْعَنْجِرٌ مِنْ دَمِ الأَجْوَافِ مَسْكُوبُ
تَمْشيِ النُّسُورُ إِلَيْهِ وَهْيَ لاهِيَةٌمَشْيَ الْعَذَارَى عَلَيْهِنَّ الْجَلابِيبُ
وَالْمخْرِجُ الْكَاعِبَ الْحَسْنَاءَ مُذْعِنَةًفِي السَّبْيِ يَنْفَحُ منْ أَرْدَانِهَا الطِّيبُ
بَلِّغْ بَني كَاهِلٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةًوَالْقَوْمَ سَهْمًا وَبَعْضُ الْقَوْلِ تَكْذِيبُ
فَلَنْ ترَوْا مثْلَ عَمْرٍو مَا خَطَتْ قدَمٌوَمَا اسْتَحَنَّتْ إِلَى أَوْطَانِهَا النِّيبُ
بَيْنَا الْفَتَى نَاعِمٌ رَاضٍ بعِيشَتِهِتَاحَ لَهُ مِنْ بَوارِ الدَّهْرِ شُؤبُوبُ
وَقَالَتْ تَرْثِيهِ أَيْضاً:
سَأَلْتُ بِعَمْرٍو أَخِي صَحْبَهُفَأَفْظَعَنِي حِينَ رَدُّوا السُّؤَالا
وَقَالُوا أُتيحَ لَهُ نَائِمًاأَشَدُّ السِّبَاعِ عَلَيْهِ أَجَالا
أُتِيحَ لَه نَمِرَا أَجْبُلٍفَنَالا لَعَمْرُكَ مِنْه وَنَالا
فَأُقْسِمُ يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهَاكَإِذاً نَبَّهَا مِنْكَ أَمْراً عُضَالا
إِذاً نَبَّهَا غَيْرَ رِعْدِيدَةٍوَلا رَعِشٍ طَائِشٍ حِينَ صَالا
إِذاً نَبَّهَا لَيْثَ عِرِّيسَةٍمُفِيتاً نُفُوسًا وَخَيْلاً وَمَالا
وَقَالَتْ طَيْبَةُ الْبَاهليَّةُ:
عِشْنَا جَمِيعاً كَغُصْنَيْ بَانَةٍ سَمَقَاحِيناً عَلَى خَيْرِ مَا تَنْمِي لَهُ الشَّجَرُ
حَتَّى إِذَا قِيلَ قَدْ عَمَّتْ فَرُوعُهُمَاوَطَالَ قِنْوَاهُمَا وَاسْتُنْضِرَ الثَّمَرُ
أخْنَى عَلَى وَاحِدِي رَيْبُ الزَّمَانِ وَلايُبْقِي الزَّمَان عَلَى شَيْءٍ وَلا يَذَرُ
فَاذْهَبُ حَمِيداً عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدَثٍفَقَدْ ذَهَبْتَ وَأَنْتَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
وَمَا رَأَيْتُكَ فِي قَوْمٍ أُسَرُّ بِهِمْإِلاَّ وَأَنْتَ الَّذِي فِي الْقَوْمِ تُشْتَهَرُ
كُنَّا كَأَنْجُمِ لَيْلٍ بَيْنَنَا قَمَرٌيَجْلُو الدُّجَى فَهَوَى مِنْ بَيْنِنَا الْقَمَرُ
وَقَالَتْ سَلْمَى بِنْتُ الأَحْجَمِ تَرْثى إِخْوَتَها:
رَعَوْا مِنَ الْمَجْدِ أَكنَافاً إِلَى أَمَدٍحَتَّى إِذَا كَمُلَتْ أَظْمَاؤُهُمْ وَرَدُوا
مَيْتٌ بِمِصْرٍ وَمَيْتٌ بِالْعِرَاقِ وَمَيْــتٌ بِالْحِجَازِ مَنَايَا بَيْنَهُمْ بَدَدُ
كَانَتْ لَهُمْ هِمَمٌ فَرَّقْنَ بَيْنَهُمُإِذَا الْقَعَادِدُ عَنْ أَمْثَالِهَا قَعَدُوا
بَذْلُ الْجَمِيلِ وَتَفْرِيجُ الْجَلِيلِ وَإِعْــطَاءُ الْجَزِيلِ إذَا لَمْ يُعْطِه أَحَدُ
وَقَالَتْ لَيْلَى بِنْتُ سَلَمَةَ تَرْثِي أَخَاهَا:
أقُولُ لِنَفْسِي فِي خَفَاءٍ أَلُومُهَالَكِ الْوَيْلُ مَا هذَا التَّجَلُّدُ وَالصَّبْرُ
أَلا تَفهَمِينَ الْخُبْرَ أَنْ لَسْتُ لاقِياًأَخِي إِذْ أَتَى مِنْ دونِ أَكْفَانِهِ الْقَبْرُ
وَكُنْتُ أَرَى بَيْناً بِه بَعْضَ لَيْلَةٍفَكَيْفَ بِبَيْنٍ دُونَ مِيعَادِهِ الْحَشْرُ
وَهَوَّنَ وَجْدِي أَنَّنِي سَوْفَ أَغْتَدِيعَلَى إِثْرِهِ يَوْمًا وَإنْ طَالَ بِي الْعُمْرُ
فَتىً كَانَ يُعْطِي السَّيْفَ فِي الرَّوْعِ حَقَّهُإِذَا ثَوَّبَ الدَّاعِي وَتَشْقَى بِهِ الْجُزْرُ
فَتىً كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِن صَدِيقهِإِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ
فَتىً لا يَعُدُّ الْمَالَ رَبًّا وَلا تُرَىلَهُ جَفْوَةٌ إِنْ نَالَ مَالاً وَلا كِبْرُ
فَنِعْمَ مُنَاخُ الرَّكْبِ كَانَ إِذَا انْبَرَتْشَمَالٌ وَأَمْسَتْ لا يُعَرِّجُهَا سِتْرُ
وَمَأْوَى الْيَتَامَى الْمُمْحِلِينَ إِذَا انْتَهَوْاإِلَى بَابهِ شُعْثاً وَقَدْ قَحِطَ الْقَطْرُ
وَقَالَتْ تَرْثيهِ أَيْضَاً:
سَقَى اللهُ قَبْراً لَسْتُ زَائِرَ أَهْلِهِبِبِيشَةَ أمَّا أَدْرَكتْهُ الْمَقَادِرُ
تَضْمن خِرقاً كَالْهِلالِ وَلمْ يَكنبأوَّلِ خِرقٍ ضَمَّنَتْهُ الْمَقَابِرُ
نَعَاهُ لَنَا النَّاعِي فَلَمْ نَلْقَ عَبْرَةًبَلَى حَسْرَةً تَبْيَضُّ مِنْهَا الْغَدَائِرُ
كَأَنَّي غَدَاةَ اسْتَعْلَنُوا بِنَعِيِّهِعَلَى النَّعْشِ يَهْفو بَيْنَ جَنْبَيَّ طَائِرُ
لَعَمْرِي لَمَا كَانَ ابْنُ سَلْمَةَ عَاجِزاًوَلا فَاحِشاً يَخْشَى أَذَاهُ الْمُجَاوِرُ
نَأَتْنَا بِهِ مَا إنْ قَلَيْنَا شَبَابَهُصُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثرُ
وَقَالَتْ زَيْنَبٌ بِنْتُ الطَّثْرِيَّةَ تَرْثِي أَخَاهَا يَزِيدَ بْنَ الطَّثْرِيَّةِ:
أَرَى الأَثْلَ مِنْ بَطْنِ الْعَقِيقِ مُجَاوِرِيمُقِيمًا وَقَدْ غَالَتْ يَزِيدَ غَوَائِلُهْ
فَتىً قُدَّ قَدَّ السَّيْفِ لا مُتَضَائِلٌوَلا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وَبَآدِلُهْ
فَتىً لا يُرَى خَرْقُ الْقَميصِ بِخَصْرِهِوَلكِنَّمَا تُوهِى الْقَمِيصَ كَوَاهِلُهْ
فَتىً لَيْسَ لابْنِ الْعَمِّ كالذِّئْبِ إِنْ رَأَىبِصَاحِبِهِ يَوْماً دَماً فَهْوَ آكِلُهْ
يَسُرُّكَ مَظَلُومًا وَيُرْضِيكَ ظَالِماًوَكُلُّ الَّذِي حَمَّلْتَهُ فَهْوَ حَامِلُهْ
إِذَا الْقَوْمُ أَمُّوا بَيْتَهُ فَهْوَ عَامِدٌلأَحْسَنَ مَا أَمُّوا لَهُ وَهْوَ فَاعلُهْ
إِذَا نَزَلَ الأَضْيَافُ كَانَ عَذَوَّراًعَلَى الْحَيِّ حَتَّى تَسْتَقلَّ مَرَاجِلُهْ
إِذَا كَانَ حِينَ الْجِدِّ أرضَاكَ جِدُّهُوَذُو بَاطلٍ إِنْ شِئْتَ أَرْضَاكَ بَاطِلُهْ
مَضىَ وَوَرِثْنَاهُ دَرِيسَ مُفَاضَةٍوَأَبْيَضَ هِنْدِيًّا طَوِيلاً حَمَائلُهْ
وَكُنْتُ أُعِيرُ الدَّمْعَ قَبْلَكَ مَنْ بَكَىوَأَنْتَ عَلَى مَنْ مَاتَ بَعْدَكَ شَاغِلُهْ
وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ الْحُبَابِ تَرْثِي أَبَاهَا:
قُلْ لِلأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى قَدْ ثَوَىفَلْتَبْكِ أَعْيُنُهَا لِفَقْد حُبَابِ
أوْدَى ابْنُ كُلِّ مُخَاطِرٍ بِتِلادِهِوَبِنَفْسِهِ بُقْيَا عَلَى الأَحْسَابِ
الرَّاكبِينَ مِنَ الأُمُورٍ صُدورَهَالا يَرْكَبُونَ مَعَاقِدَ الأَذْنَابِ
وَقَالَتْ أمَيَّةُ ابْنَةُ ضِرَارٍ تَرْثِي أَخَاهَا قَبِيصَةَ بْنَ ضِرَارٍ:
مَا بَاتَ مِنْ لَيْلَةٍ مُذْ شَدَّ مِئْزَرَهُقَبِيصَةُ بِنُ ضِرَارٍ وَهْوَ مَوْتُورُ
لا تَعْرِفُ الْكَلِمُ الْعَوْرَاءُ مَجْلِسَهُوَلا يَذُوقُ طَعَامًا وَهْوَ مَسْتُورُ
الطَّاعِنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلاءَ عَنْ عُرُضٍكَأَنَّهَا قَبَسٌ بِاللَّيْلِ مَسْعُورُ
وَقَالَتْ قَتِيلَةُ ابْنَةُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلدة بْن عَبْدِ الدَّار بْن قَصَيٍّ، وكان أبوها أُسِرَ يومَ بدرٍ كافراً، فضرب رسول الله ﷺ عنقهُ صبراً، فكتبت ابنتهُ قتيلة إِليه ﵇ هذا الشعر، وكانت حازمة ذات رأي وجمال، وكان رسول الله ﷺ أراد أَن يتزوَّجها، حتى كان من أبيها ما كان. وهذا الشعر الذي كتبت إِليهِ ﵇:
يَا رَاكِباً إِنَّ الأَثِيلَ مَظِنَّهٌّمِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
أَبْلِغْ بِهِ مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةًمَا إِنْ تَزَالُ بِهَا الرَّكَائِبُ تَخْفِقُ
مِنِّي إِلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةًجَادَتْ بِوَابِلهَا وَأخْرَى تَخْنِقُ
هَلْ يَسْمَعَنَّ النَّضْرُ إِنْ نَادَيْتَهُبَلْ كيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ أَوْ يَنْطِقُ
ظَلَّتْ سُيوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُلِلّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُمَزَّقُ
قَسْراً يُقَادُ إِلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًارَتْكَ الْمُقَيَّدِ وَهْوَ عَانٍ مُوثَقُ
أمُحَمُدٌ وَلأَنْتَ صِنوُ نَجِيبَةٍفِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَامَنَّ الْفَتَى وَهْوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ
فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَخذتَ وَسِيلَةًوَأَحَقُّهُمْ إِنْ كَانَ عُنْقٌ يُعْنَقُ
لَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةً لَفَدَيْتهُبِأَعَزَّ مَا يُفْدَى بِهِ مَنْ تُنْفِقُ
وقَالَتْ لَيْلَى ابْنَةُ طَرِيفٍ التَّغْلبِيَّةُ، تَرْثِي أَخَاهَا الوليدَ بْنَ طَريفٍ التَّغْلِبِيُّ الشَّاري:
بتَلِّ نُبَاثَى رَسْمُ قَبْرِ كَأَنَّهُعَلَى جَبَلٍ فَوْقَ الْجِبَالِ مُنِيفِ
تَضَمَّنَ جُوداً حَاتِمِيَاً وَنَائِلاًوَسَوْرَةَ مِقْدَامٍ وَرَأْيَ حَصِيفِ
أَلا قَاتَل اللهُ الجُثَى كَيْفَ أَضْمَرَتْفَتًى كَانَ للْمَعْروفِ غَيْرَ عَيُوفِ
فَإِنْ لا تُجِبْنِي دِمْنَةٌ هيَ دَونَهُفَقدْ طَالَ تَسْلِيمِي وَطَالَ وُقُوفِي
وَقَدْ عَلِمَتْ أَنْ لا ضَعيفاً تَضَمَّنَتْإِذَا عَظُمَ الْمَرْزَى وَلا ابْنَ ضَعِيفِ
فَتىً لا يَلُومُ السَّيْفَ حِينَ يَهُزُّهُعَلَى مَا اخْتَلَى مِنْ مِعْصَمٍ وَصَلِيفِ
فَتَىً لا يُحِبَّ الزَّادَ إلاَّ مِنَ التُّقَىوَلا الْمَالَ إلاَّ مِنْ قَنًا وَسُيُوفِ
وَلا الْخَيْلَ إلاَّ كُلَّ جَرْدَاءَ شَطْبَةٍوَأَجْردَ عَالِي الْمِنْسَجَيْن غَرُوفِ
فقَدْنَاهُ فِقْدَانَ الرَّبِيعِ وَلَيْتَنَافَدَيْنَاهُ مِنْ دَهْمَائِنَا بِأُلُوفِ
وَمَا زَالَ حَتَّى أَزْهَقَ الْمَوْتُ نَفْسَهُشَجَاً لِعَدُوٍّ أَوْ لَجاً لِضَعِيفِ
حَلِيفُ النَّدَى إِنْ عَاشَ يَرْضَى بِهِ النَّدَىوَإِنْ مَاتَ لا يَرْضَى النَّدَى بِحَلِيفِ
فَإنْ يَكُ أَرْدَاهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍفَرُبَّ زُحُوفٍ فَضَّهَا بِزُحُوفِ
فَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَالَكَ مُورِقاًكَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ
فَلا تَجْزَعَا يَا ابْنَيْ طَريفٍ فَإِنِّنِيأرَى الْموْتَ وقَّاعاً بِكُلِّ شَرِيفِ
أَلا يَا لَقَوْمٍ للنَّوَائِبِ وَالرَّدَىودَهْرٍ مُلِحٍّ بِالْكِرَامِ عَنيفِ
وَلِلْبَدْرِ مِنْ بَيْنِ الْكَوَاكِبِ إِذْ هَوَىوَلِلشَّمْسِ هَمَّتْ بَعْدَهُ بكُسُوفِ
وَلِلَّيثِ فوْقَ النَّعْشِ إذْ يحْمِلُونَهُإلَى حُفْرَةٍ مَلْحُودَةٍ وَسُقُوفِ
بَكَتْ تَغلِبُ الْغَلْبَاءُ يَوْمَ وَفَاتِهِوَأبْرِزَ مِنْهَا كَلُّ ذَاتِ نَصِيفِ
يَقُلْنَ وَقَدْ أَبْرَزْنَ بعْدَكَ لِلْوَرَىمَعَاقِدَ حَلْيٍ مِنْ بُرىً وَشُنُوفِ
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ مِصَاعًا وَلَمْ تَقُمْمَقَاماً عَلَى الأَعْدَاءِ غيْر خَفيفِ
وَلَمْ تشْتَمِلْ يَوْمَ الْوَغَى بِكَتِيبَةٍوَلَمْ تَبْدُ فِي خَضْرَاءَ ذَاتِ رَفيفٍ
دِلاصٍ تَرَى فِيهَا كُدُوحاً مِنَ الْقَناومِنَ ذُلُقٍ يُعْجِمْنَهَا بِحُرُوفِ
وَطَعْنَةِ خِلْسٍ قَدْ طَعَنْتَ مُرِشَّةٍعَلَى يَزَنِيٍّ كَالشِّهَابِ رَعُوفِ
وَمَائِدَةٍ محْمُودَةٍ قَدْ عَلَوْتَهَابِأَوْصَالِ بُخْتِيٍّ أَحَزَّ عَلِيفِ
تمَّ كتابُ الحماسة، الذي اختاره أبو عبادَةَ الوليد بن عبيد البحتري، من أشعار العرب، للفتح بن خاقان، معارضة لكتاب الحماسة الذي صنَّفه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ﵏ بحمد الله ويمنه، والحمد لله وحده، وصلاته على سيدنا محمَّد نبيه، وآله وأصحابه وأسلافه.
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع