من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
وما يلازمه من نعت أنهاره وتغريد أطياره وصوت بلبله وهزاره
أقول: إن الربيع حياة النفوس، وبشر الزمن العبوس، وواسطة عقد الدهر، وغرة جبهة العصر، وطبع الحياة ورونق العمر ونزهة النواظر والقلوب والمشبه بصفة المحبوب، فيه تأخذ الأرض بهجة زينتها وزخارفها، وتبرز في حللها الأنيقة ومطارفها، وتجلي في ملابسها السندسية، وتضوع الآفاق بنفحاتها المسكية الذكية، وفيه بعث النبات ونشوره ونضارة العيش ونوره، كلما بسمت ثغوره بكى الغمام، ومتى رقصت غصونه غنى لها الحمام، ومتى انتظم نواره فاق اللآلئ في النظام، فكأن أغصانه هيف قدود تتعاطى ميلاً وتأوداً، وكأن شقيقه خدود زادها العتب نضارة وتورداً، وكأن نرجسه عيون ينفث سحرها في العقد، وكأن أقاحه ثغور تفتر عن طلع كالبرد، وقد جالت دموع الطل في وجنات ورده الجني، ولاح بنفسجه كالعذار في حسن الرواء ونضارة الري، وقد باح نسيمه بسر الخزام ونبه أطياره نشر القداح والنمام، قد اتخذت من عذبات الأغصان منابر، وأغنت عن أصوات العيدان والمزاهر، اعتدل فيه عمر الليل والنهار، وأشبهت أرضه السماء بنجوم الأزهار، فكأن الأرض فيه مرآة صقلتها يد الأنواء، فانطبعت في جرمها صور كواكب السماء.
وقد وصفه الشعراء فأحسنوا في أوصافه وبالغوا في نعوت مجالسه وألطافه.
وها أنا أذكر ما جرت عادتي بذكر مثله في هذا المختصر، وبالله جلت عظمته أستعين وعليه أتوكل.
قال الأعشى في وصف امرأة، قال أبو عبيدة ولم يقل في الروض أحسن من هذه الأبيات:
ما روضةٌ من رياضِ الحزنِ معشبةٌخضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلُ
يضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌمؤزّرٌ بعميم النبتِ مكتهلُ
يوماً بأطيبَ منها نشرَ رائحةٍولا بأحسن منها إذْ دنا الأصلُ
وقال عبد الله بن المعتز:
ما مثل منزلةِ الدُّويرةِ منزلٍيا دارُ جادكِ وابلٌ فسقاكِ
بؤسي لدهرٍ غيّرتكِ صروفهُلم يمحُ من قلبي الهوى ومحاكِ
لم يحلُ للعينينِ بعدكِ منظرٌذمَّ المنازلُ كلهنَّ سواكِ
أيُّ المعاهدِ منكِ أندبُ طيبةممساكِ ذا الآصالِ أمْ مغداكِ
أمْ برد ظلكِ ذي الغصونِ وذي الجنىأم أرضكِ الميثاءَ أم رياكِ
وكأنَّما سطعتْ مجامرُ عنبرٍأوْ فُتَّ فأرُ المسكِ فوقَ ثراكِ
وكأنَّما حصباءُ أرضكِ جوهرٌوكأنَّ ماءَ الوردِ قطرُ نداكِ
وكأنما أيدي الربيع نديّةًنشرتْ ثيابَ الوشي فوقَ رباكِ
وكأنَّ درعاً مُفرغاً من فضةٍماءُ الغديرِ جرتْ عليه صباكِ
وقال يصف الروض:
قد أغتدي على الجيادِ الضمّرِوالنجمُ في طرّةِ صبحٍ مسفرِ
كأنهُ غرَّة مهرٍ أشقرِوالوحشُ في أوطانها لم تنفرِ
والليلُ معسولٌ بلبلٍ ممطرِكالعصبِ أو كالوشي أو كالجوهرِ
من أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرِوالأرضُ ريَّا ذاتُ عودٍ أخضرِ
ملتحف بالورقِ المنتشرِفيه الندى مستوقف لم يقطرِ
كدمعةٍ حائرةٍ في محجرِ
وقال البحتري:
أتاكَ الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكاًمن الحسنِ حتّى كادَ أنْ يتكلَّما
وقد نبَّه النيروزُ في غسقِ الدجىأوائلَ وردٍ كنَّ بالأمسِ نوَّما
يُفتِّحه بردُ الندى فكأنهيبثُّ حديثاً كانَ قبلُ مكتَّما
ومن شجرٍ ردَّ الربيعُ لباسَهعليه كما نشرتْ وشياً منمنما
أحلّ فأبدى للعيونِ بشاشةًوكانَ قذًى للعينِ إذ كان مُحرما
وقال ابن الرومي:
ورياضٍ تخايلُ الأرضُ فيهاخيلاءَ الفتاةِ في الأبرادِ
ذات وشيٍ تكلفته سوارٍلبقاتٌ تحوكها وغوادي
شكرتْ نعمةَ الوليِّ على الوسمي ثم العهاد بعد العهادِ
فهي تثني على السماءِ ثناءًطيّب النشر شائعاً في البلادِ
بنسيم كأنَّ مسراه في الأرْواح مسرى الأرواح في الأجسادِ
تتداعى فيها حمائم شتَّىكالبواكي وكالقيان الشوادي
وقال أبو هلال العسكري:
وروضةٍ حاليةِ الصدورِكاسيةِ البطونِ والظهورِ
شقائق كناظرِ المخمورِوأقحوان كثغور الحورِ
ونرجس كأنجم الديجورِوالطلّ منثورٌ على المنثورِ
يرصّعُ الياقوت بالبلورِ
وقال آخر:
وروضٍ ناضرٍ قد أضحكتهشآبيبُ السحائبِ بالبكاءِ
كأنَّ شقائقَ النعمانِ فيهثيابٌ قد روينَ من الدماءِ
وقال ابن المعتز:
كأنَّ عيونَ النرجسِ الغضِّ بيننامداهنُ درٍّ حشوهنَّ عقيقُ
إذا بلّهنَّ القطرُ خلتَ دموعَهادموعَ عيونٍ كحلهنَّ خلوقُ
وقال أيضاً:
ظللتُ بملهى حرّ يومٍ وليلةٍتدورُ عليَّ الكاسُ في فتيةٍ زهرِ
لدى نرجسٍ غضٍّ وسروٍ كأنَّهقدودُ جوارٍ رحنَ في أُزرٍ خضرِ
وكتب إلي شخص بيتين للمغاربة في تفضيل الورد على النرجس وهما:
من فضَّل النرجس في حلمهوهو على الورد الذي يرأسُ
أما ترى الورد غدا قاعداًوقامَ في خدمته النرجسُ
وطلب أن أعكس المعنى وأفضل النرجس فقلت بديهاً:
لم يكن الوردُ كما أخبرواواعتقدوا في جهلهم قاعدا
لكن رأى النرجس لمَّا بدافخرَّ من هيبته ساجدا
وقلت أيضاً بديهاً:
النرجس الغضّ له حشمةٌمكتومةٌ لكنها تُعلمُ
يقوم في الخدمةِ من فضلهوسيّد القوم الذي يخدمُ
وكلفت المعين إبراهيم بن المحتسب الإربلي أن يعمل فقال:
إنْ أشبهَ الجوريُّ يوماً أعيناًفي حسنها يستهتر العشاقُ
فالنرجسُ الغضُّ المضاعفُ سابقٌومواددٌ فلودّه يُشتاقُ
ما قيمة الوجه المدلّ بحسنهإنْ لم تزنه بحسنها الأحداقُ
فقلت: يا أخي يقول لك الخصم وما قيمة الأحداق إذا لم يزنها وجه مدل بحسنه فما أعاد جواباً.
وقال آخر:
سقياً لأرضٍ إذا ما نمتُ نبَّهنيبعد الهدوّ بها قرعُ النواقيسِ
كأنَّ سوسنها في كلِّ شارقةٍعلى الميادين أذنابُ الطواويسِ
وقال سعيد بن حميد:
وترى الغصون إذا الرياح تنسَّمتملتفَّةً كتعانقِ الأحبابِ
وله في وصف السرو:
فكأنَّها والريحُ يخطرُ بينهاتنوي التعانقَ ثم يمنعها الخجلُ
وفي الدولاب:
سقى الرياض وغنَّاها فأغصنُهاسكرى ترنّح من شربٍ وتطريبِ
وقال ابن المعتز:
ظللتُ بها أُسقى سلافةَ بابلٍبكفِّ غزالٍ ذي جفونٍ صوائدِ
على جدولٍ ريَّان لا يكتمُ القذىكأنَّ سواقيهِ متونُ المبادرِ
وللمغاربة فيه:
ومطّرد الأجزاء تصقل متنهصبا أبرزت للعين ما في ضميرهِ
جريح بأطراف الحشا كلما جرىعليها شكا أوجاعَه في خريرهِ
وقد أحسن القائل ما شاء في وصف واد:
وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍوقاه تضاعف النبتِ العميمِ
نزلنا دوحه فحنا عليناحنو المرضعات على الفطيمِ
وأرشفناعلى ظمأٍ زلالاًألذّ من المدامة للنديمِ
يروع حصاهُ حاليةَ العذارىفتلمس جانبَ العقدِ النظيمِ
يصدُّ الشمس أنَّى واجهتنافيحجبها ويأذنُ للنسيمِ
وقد أبدع الجدلي في قوله وأجاد:
لدى أقحوانات حُففنَ بناصعٍمن الورد مخضر الغصون نضيدِ
تميلها أيدي الصبا فكأنَّهاثغورٌ هوتْ شوقاً لِعَضّ خدودِ
وقال السيد الرضي:
ونيلوفرٍ صافحتهُ الرياحُوعانقهُ الماءُ صفواً ورنْقا
تخيلُ أوراقهُ في الغديرِكألسنةِ النارِ حمراً وزرقا
وقال آخر:
وكأنَّ البنفسج الغضّ يحكيأثرَ اللطمِ في الخدودِ الغيدِ
وقال آخر:
إنَّ البنفسجَ ترتاحُ القلوبُ لهويعجزُ الوصفُ عن تحديدِ معجبهِ
أوراقُه شُعل الكبريت منظرهاوريحه عنبرٌ تُحيا القلوبُ بهِ
وقال عبد الصمد بن المعذل:
ونازعني كأساً كأنَّ رضابهادموعي لمَّا صدَّ عن مقلتي غمضي
عشيةَ حيَّاني بوردٍ كأنهُخدودٌ أُضيفتْ بعضهنَّ إلى بعضِ
وولَّى وفعلُ الكأسِ في حركاتهِمن السُّكر فعل الريح بالغصنِ الغضِّ
وقال علي بن الجهم:
ما أخطأ الوردُ منكَ لوناًوطيبَ ريحٍ ولا ملالا
وقام حتّى إذا أنِسنابقربهِ أسرعَ انتقالا
وله فيه:
زائرٌ يُهدي إلينانفسَه في كلّ عامِ
حسنُ الوجهِ ذكيُّ الرِّيحِ إلفٌ للمدامِ
عمرهُ عشرون يوماًثمَّ يمشي بسلامِ
وله أيضاً:
لم يضحكِ الورد إلاّ حينَ أعجبهُحسنُ الرياضِ وصوتُ الطائرِ الغردِ
بدا فأبدتْ له الدنيا محاسنهاوراحتِ الريحُ في أثوابها الجددِ
وباشرتهُ يدُ المشتاقِ تسندهُإلى الترائبِ والأحشاء والكبدِ
بينَ النديمينِ والخلِّينِ مصرعهُوسيرهُ من يدٍ موصولةٍ بيدِ
ما قابلتْ قضبُ الريحانِ طلعتهُإلاّ تبيَّنتْ فيها ذلَّةَ الحسدِ
قامتْ بحجَّته ريحٌ معطرةٌتجلو القلوبَ من الأوصابِ والكمدِ
لا عذَّب اللهُ إلاّ منْ يعذَّبهُبمسمعٍ باردٍ أو صاحبٍ نكدِ
وقال السروي:
مررنا على الروضِ الذي طلّه الندىسُحيراً وأوداجُ الأباريقِ تُسفكُ
فلم أرَ شيئاً كانَ أحسنَ منظراًمن الروضِ يجري دمعهُ وهو يضحكُ
الأخيطل:
الآن عادت وجوه الأرض لابسةًروضاً يميس من الأنوارِ في حللِ
مدَّ الربيعُ عليها من ملابسهوشياً وشايعه للعارض الهطلِ
أما ترى قضبَ الريحان حاملةًمن الزبرجد عقداً غير متصلِ
تنقادُ من نعمةٍ أعناقها فإذاجرى النسيمُ بها استهوتْ من الميلِ
تُمسي إذا ما سقيطُ الطلِّ ألقحهامطويّة وهي أبكارٌ على جبلِ
جحظة:
أما ترى أعينَ النوارِ ناظرةًترنو إليك بأحداقٍ وأجفانِ
والأرضُ في حللٍ من أمرِها عجبليست بصيغةِ إنسيّ ولا جانِ
حاكَ السحابُ لها ثوباً وألحمهنوعين من لؤلؤ رطب ومرجان
وقال ابن المعتز:
ما ترى نعمةَ السماءِ على الأرضِ وشكرَ الرياضِ للأمطارِ
وكأنَّ الربيعَ يجلو عروساًوكأنَّا من قطره في نثارِ
وقال البحتري:
أمّا الرياضُ فقد بدتْ ألوانُهاصاغتْ حليَّ فنونها أفنانُها
دقَّت معانيها ورقَّ نسيمُهاوبدتْ محاسنها وطابَ زمانُها
الصنوبري:
ما الدهرُ إلاّ الربيعُ المستنيرُ إذاأتى الربيعُ أتاكَ النّورُ والنُورُ
فالأرضُ فيروزجٌ والجوُّ لؤلؤةٌوالروضُ ياقوتةٌ والماءُ بلّورُ
أحمد العلوي:
في رياضٍ تخالُ نرجسها الغض عيوناً رواني الأحداقِ
ناظرات كأنَّما الطلُّ فيهن دموعٌ تحيّرتْ في المآقي
وتخالُ الغصونَ عند تلاقيهاتحاكي تعانقَ العشّاقِ
آخر، وهو الكندي:
أهدى الحيا للورد في وجناتهخجلاً وزاد الياسمين غراما
وتشققت قمص الشقيق فخلتهفي الروضِ كاساتٍ مُلئنَ مداما
آخر:
الورد أحسن منظرٍتتمتع الأبصار منه
فإذا تصرّم وقتهأتت الخدودُ تنوبُ عنه
وقال أبو هلال العسكري:
أتاه بريدُ المزن ينشده الصبافدوَّم من أعلى رُباه وديّما
ولاحَ إليه بالبروقِ مطرزاًفأصبحَ منها بالزواهرِ معلما
القاضي التنوخي:
أما ترى الروض قد وافاك مبتسماًومدَّ نحو الندامى للسلام يدا
فأخضرٌ ناضرٌ في أبيضٍ يققٍواصفر فاقعٌ في أحمرٍ نضدا
مثل الرقيب بدا للعاشقين ضحًىفاحمرَّ ذا خجلاً واصفرَّ ذا كمدا
وفي الورد الموجّه:
وردةُ بستانٍ لها رونقٌزِينتْ من الحسنِ بنوعينِ
باطنها من لبّ ياقوتةٍوظهرها من ذهبٍ عينِ
كأنَّا خدّي على خدّهلمَّا اعتنقنا غدوةَ البينِ
السري الرَّفَّاء:
وجناتِ تحيي الشربَ وهناًجنى وهداتها وجنى رُباها
إذا ركد الهواء جرت نسيماًوإن طاح الغمام طفت مياها
يفرّج وشيها غمّاءَ وردٍيفيضُ على لآلئ من حصاها
ويأبى زهرها إلاّ هجوعاًويأبى عرفُها إلاّ انتباها
البحتري:
قطراتٌ من السحابِ وروضٌنثرتْ وردَها عليه الخدودُ
فالرياحُ التي تهبُّ نسيمٌوالنجومُ التي تطلُّ سعودُ
وقال أيضاً:
ولا زالَ مخضرٌّ من الروضِ يانعٌعليه بمحمرٍّ من النورِ جاسدِ
يذكِّرنا ريَّا الأحبةِ كلماتنَّفس في جنحٍ من الليلِ باردِ
شقائقُ يحملنَ الندى وكأنَّهادموعُ التصابي في خدودِ الخرائدِ
ومثل هذا قول ابن الرومي:
لو كنتَ يوم الوداع حاضرناوهنَّ يطفين غلّةَ الوجدِ
لم ترَ إلاّ الدموع سائلةًتقطرُ من مقلةٍ على خدِّ
كأنَّ تلك الدموع قطر ندىتقطرُ من نرجس على وردِ
والبيت الثالث أردتُ، ومثله:
كأنَّ الدموع على خدِّهابقيّة طلّ على جلّنار
ومثله أيضاً، ولم يذكر الندى:
فأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقتورداً وعضَّت على العنّاب بالبردِ
وقال أبو نواس:
لنا نرجسٌ غضُّ القطافِ كأنَّهإذا ما منحناهُ العيونَ عيونُ
مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌمكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ
وقال أبو هلال العسكري في الورد:
مرّ بنا يهتزّ في خطوهِما بينَ أغصانٍ وأقمارِ
يدير في أنملهِ وردةًجاءتْ عن المسكِ بأخبارِ
يلوحُ في حمرتِها صفرةٌكالخدِّ منقوطاً بدينارِ
وقال ابن المعتز:
ولازورديّةٍ أوفتْ بزرقتِهابينَ الرياضِ على زوقِ اليواقيتِ
كأنَّها بين طاقاتٍ ضعفنَ بهاأوائلُ النارِ في أطرافِ كبريتِ
ابن الرومي:
اشرب على زهر البنفسج قبل تأنيب الحسودِ
فكأنما أوراقهُآثارُ قرصٍ في الخدودِ
السري الرفاء:
أما ترى الوردَ قد باحَ الربيعُ بهمن بعدِ ما مرَّ حولٌ وهو إضمارُ
وكانَ في خلعٍ خضرٍ قد خُلعتْإلاّ عرًى أُغفلتْ منه وأزرارُ
وقال آخر في روضة وأحسن:
بكين فأضحكنَ الثرى عن زخارفٍمن الروضِ عنهنَّ الندى متهايلُ
ترى قضبَ الياقوتِ تحتَ زبرجدٍتنوءُ به أعناقهنَّ الموائلُ
تلقحها الأنداءُ ليلاً بريقهافيصبحنَ أبكاراً وهنَّ حواملُ
ولأبي هلال في باقات الريحان:
وخضرٍ تجمعُ الأعجازَ منهامناطقُ مثل أطواقِ الحمامِ
لها حسنُ العوارضِ حين تبدووفيها لينُ أعطافِ الغلامِ
وللسري الرفاء:
وبساط ريحان كماءِ زبرجدعبثتْ بصفحتهِ الجنوبُ فأرعدا
يشتاقه الشّرب الكرام فكلّمامرضَ النسيمُ سَعَوا إليه عوّدا
وقال أبو هلال:
لبس الماءُ والهواء صفاءَواكتسى الروض بهجةً وبهاءَ
وتخالُ السماءَ بالليلِ أرضاًوترى الأرضَ بالنهارِ سماءَ
جلَّلتْها الأنوارُ زهراً وصفراًيوم ظلَّت تُنادم الأنواءَ
وترى السروَ كالمنابرِ تزهيوترى الطيرَ فوقها خطباءَ
وقال ابن طباطبا العلوي:
أوَما ترى الأيامَ كيف تتوَّجتوربيعها والٍ عليها قيِّمُ
حليت به الدنيا وكانت عاطلاًفقعودُها في كلّ فجّ ينظمُ
فانظر إلى زهر الرياضِ كأنَّهوشيٌ تنشره الأكفُّ منمنمُ
فالنور يهوى كالعقود تبددتوالوردُ يخجلُ والأقاحي يبسمُ
ويكاد يضحي الدمع نرجسه إذاأضحى ويقطرُ من شقاشقه الدمُ
البشامي:
أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتهابخضرةٍ واكتسى بالنورِ عاليها
فللسماء بكاءٌ في جوانبِهاوللربيعِ ابتسامٌ في نواحيها
وقال ابن منير الطرابلسي:
اليوم قرّ وجيبُ الدجنِ مزرورُوالظلُّ منتظمٌ والطلُّ منثورُ
كأنّ ما اصفرَّ مهما احمرَّ ترقبهفي محفل النور مخزونٌ ومسرورُ
كأنَّ أكمامه من تحتِ زاهرهِفي الدّوح ضدَّان مهتوكٌ ومستورُ
كأنَّ نّواره والريحُ تقذفهُفي الماءِ جيشانِ مخذولٌ ومنصورُ
كأنَّ أظلاله والشمس ينسخهاعنه رداءان مطويّ ومنشورُ
كأنَّما الثلج والنارنج مرتدياًبه مجامر نارٍ فوقها نورُ
عرسُ الربيع الذي فُضَّت دراهمهعليه وانتثرت فيه الدنانيرُ
فالجو والنورُ والوادي وتربتهمسكٌ ووردٌ وديباجٌ وكافورُ
تهدي نوافحه ما في نوافجهفعيشه مطلق والهمُّ مأسورُ
ما شئت من ملحٍ فيه يصفّقهاشادٍ وحادٍ وملاحٌ وناطورُ
وقال ابن مكلِّم الذئب:
شموسٌ وأقمارٌ من الزهر طلّعُلدى الدهر في أكنافها متمتعُ
كأنَّ عليها من مجاجةِ ظلّهالآلئ إلاّ أنها هي أنصعُ
نشاوى تثنّيها الرياحُ فتنثنيفيلثم بعضٌ بعضَها ثمَّ ترجعُ
آخر في طلوع الشمس من خلل الأوراق:
كأنَّ شعاع الشمسِ في كلّ غدوةٍعلى ورقِ الأشجارِ أولَ طالعِ
دنانير في كفّ الأشلّ يضمّهالقبضٍ وتهوي من فروج الأصابع
علي الأسواري:
أوائل رسلٍ للربيع تقدَّمتعلى حسن وجه الأرض خير قدومِ
كأنَّ اخضرار الروض والزهر طالعٌعليه سماء زُيِّنت بنجومِ
إذا افتضَّها طرف البصير بلحظهتوهمها مفروشةً برقومِ
تردَّت بظلّ دائم وتضاحكتبضحك بروقٍ في بكاء غيومِ
فأوردها فحل السحاب غرائساًضعاف القوى من مرضعٍ وفطيمِ
كمثل نشاوى الراح تلثم دائباًإذا الريحُ جادتْ بينها بنسيمِ
وقال الزاهي:
هذا الربيع وهذه أزهارهطابت لياليه وطاب نهارهُ
دريّةٌ أنواره فضيةٌأنهاره ذهبيةٌ أشجارهُ
والماءُ فضيُّ القميصِ مُفروزٌببنفسج واللازورد شعارهُ
وترنمت عجم الطيور كأنهاسرب القيان ترنمت أوتارهُ
فاشرب على ورد الخدود يحثّهوردُ الربيع تحفّه أنوارهُ
آخر:
حظّ عينٍ وحظّ سمعٍ ربيعان وتغريد بلبلٍ وهزارِ
في جلاء من الزمان ووجه الأرضِ يُكسى وشائع النوّارِ
كلما أشرفت شموس الأقاحيخلت إحدى الشموس شمس النهار
ابن الرومي:
حيّتكَ عنَّا شمالٌ طابَ ريقُهاتحيّةً فجرَّتْ روحاً وريحانا
حيَّت سُحيراً فناجى الغصنُ صاحبهُسرّاً بها وتنادى الطيرُ إعلانا
وُرقٌ تغنَّى على خضرٍ مهدّلةٍتسمو بها وتمسُّ الأرضَ أحيانا
تخالُ طائرها نشوانَ من طربٍوالغصنُ من هزِّه عطفيهِ نشوانا
عبد الكريم المغربي:
بارقٌ في خفاف غيم سكوبصدع الليل كالصباح الصديع
قائماً ينثر الحباب على ورد خدودِ الربيع نثر الدموع
في فضاء مضمّخٍ من عبيرٍوهواء مخلّق من ردوع
يعتلي الفجر فيهما ذا حياءٍوتمرّ الرياح ذات خضوع
شجر ذاب فوقه الحسن فاختال من القطر في رداءٍ وشيع
في الاذريون للحافظ:
عيون تبرٍ كأنَّما سرقتسواد أحداقها من الغسقِ
فإنْ دجا ليلها بظلمتهضممنَ من خوفها على السّرقِ
ابن المعتز في الأقحوان:
قد نسج القطرُ حله الزهرفالعين محورةٌ على النظرِ
وأبدتِ الأرضُ حسنها وغدتْمثلَ عروسٍ تُجلى على البشرِ
ولؤلؤُ الأقحوان منتظمٌعلى قميصٍ لها من الخضرِ
أحمد الصقلي في البنفسج:
بنفسجٌ يانعٌ ذكيزاد على طيب كل وردِ
كأنَّه عند ناظريهآثار قرص في صحن خدِّ
في الريحان:
قضيب من الريحان شاكلَ لونهُإذا ما بدا للعين لون الزبرجد
أشبهه لمَّا بدا متجعداًعذاراً تبدَّى في سوالفِ أغيدِ
آخر في الشقائق:
ورياضٍ بديعةِ الألوانلاح فيها شقائق النعمانِ
كخدود مضرّجات عليهامن غوالٍ كهيئة الخيلانِ
وقلت من أبيان أنسيتها في روضة:
وكأنّ الشقيق فيها خدودوتخال الخيلان كالخال فيها
المهلبي:
كأنَّما النرجس في روضهإذا أتته الريحُ من قربِ
أقداح ياقوت تعاطينهاأنامل من لؤلؤٍ رطبِ
الفهمي:
سقياً لنرجس روضةٍأبدى لنا بدعَ الفنونِ
أحداقه من زعفران بين كافور الجفونِ
فنسيمهُ روحُ الحياةِولحظهُ داعي الفتونِ
لم لا تهيم به العيون وقد غدا مثل العيونِ
آخر:
سعى ساعٍ أليَّ بكاس خمرٍوباقة نرجسٍ فسقى وحيَّا
تعالوا فانظروا قمراً منيراًسقى شمساً وحيَّا بالثريا
آخر:
الكأس تضحك والأوتار ناطقةٌوالزهر في حسنه والشملُ مشتملُ
نارٌ تلوح في النارنج في شجرٍلا النار تطفى ولا الأشجار تشتعلُ
حكم بن عمر في ورد:
ومعشّقٍ حيَّا المحبّ بوردةٍبيضاء قد شربت روائح ندّه
كأنَّها وبها احمرار جائلماء الحياة على صحيفةِ خدِّه
البحتري:
أمَا ترى الورد يحكي خجلةً ظهرتفي صحن خدٍّ من المعشوق منعوتِ
كأنَّه فوق ساق من زبرجدةٍنثرٌ من التبر في محمرّ ياقوتِ
البياضي:
جاء وفد الريح فاعتنقتفي أوراقٌ وأغصانُ
كلّ فرعٍ مال جانبهُفكأنَّ الأصلَ سكرانُ
وكأنَّ الروضَ مكتسياًبسقيط الطلّ عريانُ
كلّما قبّلتُ زهرتَهخلتُ أنّ القطرَ غرثانُ
كشاجم في الشقائق:
انظر بعينك أغصانَ الشقائقِ فيفروعِها زهرٌ في الحسنِ أمثالُ
من كلِّ مشرفةِ الأغصانِ ناضرةٍلها على الغصنِ إيقادٌ وإشعالُ
كأنَّها وجناتٌ أربعٌ جُمعتْوكلُّ واحدةٍ في صحنِها خالُ
محمد بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى شجرات الورد مظهرةًلنا بدائع قد ركّبنَ في قضبِ
كأنَّهنّ يواقيت تطيف بهازمردٌ وسطه شذرٌ من الذهبِ
ابن المعتز:
وعُجنا إلى الروضِ الذي طلّهُ النَّدىوللصبحِ في ثوبِ الظلامِ حريقِ
كأنَّ عيونَ النرجسِ الغضِّ بينهُمداهنُ درٍّ حشوهنَّ عقيقُ
إذا بلّهنَّ القطرُ خلتَ دموعهابكاءَ جفونٍ حشوهنَّ خلوقُ
ابن الساعاتي:
لله يومُ النيِّرينِ ووجههُطلقٌ وثغرُ اللهوِ ثغرٌ أشنبُ
وكأنَّما فننُ الأراكةِ منبرٌوهزارهُ فوقَ الذؤابةِ يخطبُ
والرعد يشدو والحيا يسقي وغصن البانِ يرقصُ والخمائلُ تشربُ
وكأنَّما الساقي يطوفُ بكأسهِبدرُ الدجى في الكفّ منه كوكبُ
بكر بها نقعُ الغليلِ ومعجبٌنقعُ الغليلِ بجذوةٍ تتلهّبُ
حمراء حاربنا الصروفَ بصرفهافزجاجها بدمِ الخطوبِ مخضّبُ
والقطر نبلٌ سوابغٌموضونةٌ والبرقُ سيفُ مذهبُ
وقال أيضاً:
يا نديميّ والنديمُ معينُوخليليّ والخليلُ شفيقُ
ما لوجه الدنيا يُذمّ وقد أصبح وجهاً جماله موموقُ
فقضيبٌ عليه للطيرِ شدوٌوغديرٌ لمائهِ تصفيقُ
هُزّت البان كالقدود وقد ضرّج فيها مثل الخدود الشقيقُ
حيث ذيل الصبا بليلٌ بها يسحبُ وجيب نشرها مفتوقُ
وصباحاك ضوءُ كأس وثغرٍومداماك كأسُ خمرٍ وريقُ
وقال:
ما جلّقُ الفيحاءُ إلاّ جنةًفضلها وحي الغمام المُنزلُ
كم نعمٍ للغيثِ في أرجائهايفصحُ عنها سهلُها والجبلُ
بنفسجٌ مثلُ الخدودِ قُرّصتونرجس ما هو إلاّ المقلُ
بكى الغمامُ فالثرى مبتسمٌورقصَ الدوحُ فغنَّى الجدولُ
كم جدولٍ باكرهُ مرُّ الصبافهو نسيمٌ والحسامُ صقيلُ
وبعدَ كلّ ناشقٍ لا سامعٍما حدّثتْ عن الرياضِ الشمألُ
وقال أيضاً:
انظر إلى نسجِ الربيعِ وحوكهِوالشمس ترقمُ ما السحائبُ تحبكُ
والأرضُ تُجلى في معارض سندسٍوالنهي ردنٌ والنسيمُ يُفرّكُ
حيثُ الوجوهُ من البقاعِ سوافرٌوالأقحوانُ بها ثغورٌ تضحكُ
وفضاءُ هاتيك السماءِ معنبرٌونسيمُ ذاك الجو منه ممسَّكُ
والطلُّ في جيدِ الغصونِ منظمٌوعلى السهولِ مُبددٌ لا يُسلكُ
كم فضَّ في بطحائها من فضةٍبددٍ وتبرٍ لو يُصاغُ ويُسبكُ
وقال أيضاً:
يا حبَّذا زمنُ الربيعِ ودوحهُقيدُ الخواطرِ بل عقالُ الأنفسِ
جُليتْ عرائسها فهمّ قلوبناواللهو بين مقوّض ومعرّسِ
أنفاسه من عنبرٍ وسماؤهمن لؤلؤ وبساطهُ من سندسِ
وقال:
أوَ ما ترى الأطيارَ في أشجارِهاكمغرّدٍ قد دبَّ فيه شرابُ
وكأنَّ معتلَّ النسيمِ تحيةٌوكأنَّما أغصانها أحبابُ
وقال ابن قلاقس:
أيّ يومٍ مضى لنا في رياضٍعرّست في عراصها الأمطارُ
كلّ شيء أكنّ كانون فيهالم يذره حتّى بدا آذارُ
أقحوان غضٌّ وورد نضيروشقيق قانٍ بها وبهارُ
وبها للغصونِ رقص إذا ماأنشدت في جنوبها الأطيارُ
وقال أيضاً:
شقّ الصباحُ غلالةَ الظلماءوانحلَّ عقد كواكب الجوزاءِ
وتكللت تيجان أزهار الرّبىبغرائب من لؤلؤ الأنواءِ
وجرى النسيم فجرّ فضل ردائهمتحرشاً بمساقط الأنداءِ
وعلا الحمام على منابر أيكهيبدي فصاحة ألسنِ الخطباءِ
ودعا وقد رقّ الهواءُ منمّقُ السربال طابت زهرة الصهباءِ
وقال آخر:
لله أيامي به وكؤوسناتكسو بأردية الطّلى وجه الطّلا
في روضةٍ تبدي البنفسج أوطفاًوالورد أحمر والشقائق أكحلا
وتريك خدّ الجلّنار ملثّماًمرأى وثغر الأقحوان مقبّلا
وتثير أنفاس الشمائل عنبراًوتدير أكواس الجداول سلسلا
وقال يعقوب بن محمد المزيدي:
تأمّل ثغور النور في نفس الظلّوقبِّل خدودَ الوردِ في عرق الطلّ
وعانق إذا ما ماس في خطوة الصباقوام القضيب اللدن في زرد الوبلِ
وخذ من غصون الجلّنار كؤوسهفقد أصبحت تسخو بهنّ على بخلِ
على شجو طيرٍ أطرب النهر شجوهفقد قميصَ النبتِ للوجد من قبلِ
وقال ابن التعاويذي:
يا صاح قم فوجوه اللهو سافرةٌوناظم الهمّ بالأفراحِ قد طرفا
أما ترى الأرض في حلي الرياض وقدأهدتْ لطرفك من أزهارها طرفا
كسا الربيعُ ثراها من خمائلهريطاً وألقى على كثبانها قطفا
والغيمُ باكٍ وثغر النور مبتسموطائر البان في الأغصان قد هتفا
والغصن ريانُ لدنُ العطفِ قد عقدتْلآلئُ الطلِّ في أوراقه شنفا
فانهض إلى الراح واعذر في الغرام بهالا تُلحِ من باتَ مشغوفاً بها كلفا
وقال أيضاً:
للهِ زورته وقدمالت إلى الغربِ النجومُ
والروضُ يصقلهُ الندىوهناً ويوقظه النسيمُ
وقد انتشى خوطُ الأراكةِ والحمامُ له نديمُ
والزهر يضحك في خمائلهِ إذا بكتِ الغيومُ
وقال أيضاً:
لاوجدتمْ يا أهلَ نعمانَ وجديوسلمتمْ سلامةَ العهدِ عندي
وسقى دارةَ الحمى كلّ منهلِّ الغوادي سقيا دموعي لخدِّي
واكتست من خمائل النور أفوافاً ينير الربيع فيها ويسدي
سافراتٍ رياضُها عن ثغورٍوخدودٍ من أقحوان ووردِ
وتمشت بها سحائبُ وطفٌتتهادى ما بين برق ورعدِ
وصبا تلبس الغدير إذا البرق نضا بيضهُ مفاضةَ سردِ
حبَّذا والنسيم يبعث أنفاساًضعافاً من نفح ضالٍ ورندِ
ناقلاً عن ذوائب الزهر السبط حديثاً إلى ثراها الجعدِ
وقال أيضاً:
حباكَ ربيعٌ من فصاحٍ أعاجمِبأخضرَ ميادٍ من البانِ ناعمِ
وطرتنَّ في خضراءَ مونقةِ الثرىقريبةِ عهدٍ بالعهاد الروازمِ
لقد هاجَ لي تغريدُ كنَّ عشيةًلواعجَ شوقٍ من هوًى متقادمِ
وتذكارَ أيامٍ قصارٍ تصرَّمتكما اكتحلت بالطيف أجفانُ حالمِ
نعم واكتسى مغناكِ يا دارةَ الحمىملابس من وشي الرياض النواجمِ
إذا أسبلت فيها الغوادي دموعهاحكت ثغر مفترٍّ عن النورِ باسمِ
وقال محيي الدين، ﵀، من قصيدة ذكر فيها الربيع وأنا أذكرها جمعاء لأن لها حظاً من الاستحسان:
هنيئاً لقد أعطتك أيامك المنىوناجاك بالوصلِ الحبيبُ فأعلنا
فلا تبغِ في ذاك التستر لذةًوبحْ باسمِ من تهوى وذرني من الكنى
ألستَ ترى أرضَ الحمى حلّها الحيافحلّى رباها بالنباتِ وزيّنا
جلاها على أبصارِنا فانجلتْ لناوقد كُسيتْ زهرَ الرياضِ ملوّنا
معاني من نظم الربيع دقيقةٌيُرى فضل هذا الفضل فيهنّ بيّنا
حلا العيش فيها فاملأ الكأس مرةًيطوف بها مستعذب اللفظ والجنى
يميسُ ويشدو فالأراكةُ رجّحتعلى عودها ورقاء محسنة الغنى
فتثني إليه كلّ قلب إذا شداويثني عليه كلُّ غصنٍ إذا انثنى
وأصبح من وجه الغزالةِ إذ بداوأملح من لحظ الغزال إذا رنا
غدا جفنهُ والخصر منه وعهدهُوجسميَ كلٌّ يشتكي سورة الضنا
يُطاع وإن عاصى ويُدني وإن نأىويهوى وإن عادى ويعذرُ إن جنى
رآنيَ محنيّ الضلوعِ على جوًىفما رقَّ لي مما ألاقي ولا حنا
وقال، ﵀:
أدمشقُ لا زالتْ تجودُك ديمةٌيزهو بها زهرُ الرياضِ ويونقُ
أهوى لك السقيا وإن ضنَّ الحياأغناك عنه وماؤك المتدفقُ
ويودّ قلبي لو تصحّ لي المنىأني أنال بك المقام وأُرزقُ
وإذا امرؤٌ كانت ربوعك حظّهمن سائر الأمصار فهو موفّقُ
أنَّى التفتَ فجدولٌ متسلسلٌأو جنةٌ مرضيّةٌ أو جوسقُ
وإذا رأيتَ الغصنَ ترقصه الصباطرباً رأيتَ الماء وهو يصفّقُ
وترى من الغزلان في ميدانهافرقاً أسود الغيل منها تفرقُ
والقاصدون إليه إمَّا شائقٌمتنزهٌ أو عاشقٌ متشوقُ
لا تكذبنَّ فما اللذاذة والهوىومواطن الأفراح إلاّ جلّقُ
وقال المجد بن الظهير:
هذا الربيع وإنهعمر الفتى وزمانهُ
زمن يروقك حسنهُويشوق نفسك شانهُ
قد زخرفت جنّاتهُوتصندلت غدرانهُ
وألمّ بالدوح النسيم أريجةٌ أردانهُ
فتجاوبت أطيارهُوتحركتْ أفنانهُ
والعود أصبح مزهراًورق الحمام قيانهُ
وشدا الحمام بدوحهفتمايلت أغصانهُ
فكأنَّ ألحان الغريض ومعبدٍ ألحانهُ
وقال:
قم فانتهز فرص السرور ولا تبعزمن الصبا واللهو بيعةَ خاسرِ
وافتْكَ أيامُ الربيعِ منيرةًساعاتها بشموس زهرٍ ناضرِ
والأرض قد لبست ملاءة سندسٍتثني على نوءِ الغمام الباكرِ
نسجتْ لها أيدي السحاب مطارفاًموشيّةً من كلّ لونٍ باهرِ
من أحمر باك وأبيض باسمٍأو أصفر شاكٍ وأخضر شاكرِ
قد شقّ لطم القطر خدّ شقيقهوحبت عليه يد السحاب الماطرِ
والجدول الريَّان حُفّ بنرجسٍيرنو إليك بطرف ظبي فاترِ
وإذا سهام القطر جاءته اغتدىمتحصناً من وقعها بمغافرِ
والدّوح خُصّ بنوح طيرٍ في ذرىأشجاره بلغاتهِ متشاجرِ
فاشرب على وجه الربيع مدامةًقد قلّدت في كأسها بجواهرِ
جليت فنقطها المزاج بلؤلؤمتساقطٍ من كأسه متناثرِ
يغنيك عن ضوء النهار شعاعهاكالشمس في فلك السرور الدائرِ
وقال:
ضحك الروض من بكاء الغمامفاجلُ بنت الكروم بين الكرامِ
فجميل خلع العذار وقد حرّك عطف القضيب سجع الحمامِ
في زمانٍ أيامهُ ولياليهلها دولة على الأيامِ
ورياضٍ أنيقةٍ من أقاحٍوعرارٍ ونرجسٍ وثمامِ
وبهار يحكي اصفرار محبّوشقيق مثل الخدود الدوامي
وغدير صافٍ كدمعةِ سروٍوصقيلٍ يحكيه متن الحسامِ
يلبس الزعف والمغافر إنْوافته ريح ووابل كالسهامِ
يا مضيعاً زمانَه بالأمانيقم بحقّ الربيع حقّ القيامِ
واغتنم غفلة الحوادث واشربغير مستكبر لكوبٍ وجامِ
من كميت راقت ورقّت فماتدرك لطفاً بالفكر والأوهامِ
أودعتها الدنان أيدي أناسعتَّقوها من قبل سامٍ وحامِ
ثمَّ أبقت منها السنون كماأبقى الهوى من حشاشةِ المستهامِ
فهي في دنِّها المزفّت تحكيدرّةً مستنيرة في ظلامِ
ذات خدرٍ مصونة العرض خفّتفي هواها رواجح الأحلامِ
وقال:
وروضٍ عَرفهُ يشكر عُرف البرق والرعدِ
وأنفاس خُزاماهكنشر المسك والندِّ
وسبط الزهر منثورعلى جدوله الجعدِ
أرقنا في نواحيهدم الزق على عمدِ
وبتنا نتعاطى خمرةً حمراءَ كالوردِ
بكفّي شادنٍ شادٍرشيقٍ أهيف القدِّ
فلو عاينتنا عاينتنا في جنَّة الخلدِ
وقال:
هبَّ نسيم السحروطاب نشر الزهرِ
وشاجرت أمثالهاحمائم في الشجرِ
فكلّ غصنٍ مزهرٍمن شدوها كالمزهرِ
وراق كلّ ناظرٍحُسن عيون الزهرِ
والروض من مبتسم الثغر ومن مستعبرِ
والطلّ في أوراقهكاللؤلؤ المنتثرِ
وفي الشقيق نكهةٌتبدو لعين المبصرِ
كأنَّها خال علىصفحةِ خدّ أحمرِ
فبادر الفرصة منقبل نفادِ العمرِ
وباكر الشرب علىوجه الربيع المسفرِ
من بنت كرم زُوّجتبابن الغمام الممطرِ
نقطها مزاجهاإذا جليت بالجوهرِ
من كفّ معشوق الدلال ذي رضاب مسكرِ
يصون زهر الحسن أنتجنى بغير النظرِ
وقلت:
جاد السحاب على الثرى بعوارفٍأهدتْ إليه الوشي من صنعائه
وكسا الربيع ثرى البسيطة ملبساًقد حاكه صوبُ الغمام بمائه
فسماؤه للناظرين كأرضهِتبدي النجوم وأرضه كسمائه
باحَ النسيمُ بسرّه إذ أصبح القدّاحُ والنمّامُ من أمنائه
والفصل ليلٌ في الرياض دموعهوالزهر يضحك في خلال بكائه
وتخال أنفاس النسيم عليلةًعجباً وتنفي الصبّ من برحائه
وكأنَّما الأغصان فيه منابروالناطقات العجم من خطبائه
فاشرب على زهر الرياض مدامةًتثني الحليم أخا الحجى عن رائه
من كفّ ممشوق القوام مقرطقيصبي القلوب بحسنه وغنائه
وقلت:
وافى بما تبغيه آذاروغرّدت في البان أطيارُ
وابتسم الروض فدمع الحياعلى ابتسام الروض مدرارُ
وعطّر الأفق شذا زهرهكأنَّما في الأفق عطّارُ
واكتست الأرضُ به سندساًطرازه نور وأنوارُ
ولاح في أرجائه نرجسناظره للصبّ سحّارُ
وحملَ النمامُ ريح الصباسرّاً فذاعت منه أسرارُ
فحثّها حمراء مشمولةكأنَّها في كأسها نارُ
من كفّ هيفاء غلاميّةٍفي فمها المعسول خمّارُ
وقلت:
هذا الربيعُ ونشرهقد فاح طيباً نشرهُ
والورد وجنته ونوارُ الأقاحي ثغرهُ
وبدا يروقك نبتهالحسنُ البديع وزهرهُ
وتراقصتْ أغصانهُطرباً وصفّق نهرهُ
وأذاع أسرار النباتبه النسيم ومرُّهُ
وكأنَّ عطّاراً تصوّعفي رُباه عطرهُ
شكر الثرى صوب الحيافبدا لعينك شكرهُ
وأجاز في تقريظهنظم الربيع ونثرهُ
فاشرب على الزهر الجنيّفعمر عيشك عمرهُ
فالصبّ فيه هل يجوز عن المدامةِ صبرهُ
وقلت من قصيدة:
قسماً بالرياضِ باكرها صوبُ سحاب فأبدت الأزهارا
ضحكت اذ بكى السحاب وماستاذ كساها حوك النسيم إزارا
وأرتنا منابراً من غصونٍوسمعنا خطيبهنَّ الهزارا
وحسبنا الشقيق فيها خدوداًزادها العتب نضرةً واحمرارا
وكأنَّ الأغصان هيف خدودٍتتعاطى تمايلاً واهتصارا
هو أزهى من طيب مدحك ما نظمتُ في وصف مجدكَ الأشعارا
ومن أخرى في مدح المولى الصاحب الأعظم علاء الدين عز نصره:
فما روضة جادها وابلٌوسحّ عليها ملثّ ركامْ
يميس بها زهرها ضاحكاًفيا عجباً من بكاء الغمامْ
ويفترّ ثغر الأقاحي بهاكما انجاب عن ثغر صبحٍ ظلامْ
ويحمرُّ من خجل وردهاكخدّ الحبيب لسمع الملامْ
إذا أرقص الدّوحَ مرُّ الصباتغنّى على العذبات الحمامْ
كأنَّ الشقيق خدود الحبيبودمعُ المحبّ ولون المدامْ
وتحلف إنْ نفحتْ نفحةٌبأنَّ النسيم مطايا الخزامْ
بأحلى لديّ وإن غبتُ عنكمن القرب منك وحقّ الإمامْ
ومن أخرى في الصاحب شمس الدين:
في رياض يبوح فيها نسيمُ الريح أنَّى سرى بسرّ الخزامِ
وكأنَّ الشقيق فيها خدودٌضرجتها قساوة اللّوامِ
وتخال الأغصان هيف خدودٍراقصات على غناء الحمامِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع