من «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن» لأحمد الشرواني (ت ١٢٥٣هـ)
الباب الرابع لامية
يذكر فيه لامية الشيخ العلامة اسماعيل بن أبي بكر المقري الزبيدي، ولامية الفاضل الأديب صلاح الدين الصفدي ولامية الشيخ البارع أبي اسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغرائي المشهورة بلامية العجم مع ما أوضحته من معاني أبيات منها لاحتياجه إلى البيان المعرب عن المقصود للأذهان ولامية الشيخ الكامل الأديب عمر بن الوردي رحمهم الله تعالى بمنه وكرمه
لامية المقري رحمه الله تعالى
ريادة القول تحكي النقص في العملومنطق المرء قد يهديه للزلل
إن اللسان صغير جرمه ولهجرم كبير كما قد قيل في المثل
فكم ندمت على ما كنت قلت بهوما ندمت على ما لم تكن تقل
وأضيق الأمر أمر لم تجد معهفتى يعينك أو يهديك للسبل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورةكعفة الخود لا تغني عن الرجل
إن المشاور إنا صائب غرضاًأو مخطئ ليس منسوباً إلى الخطل
لا تحقر القول يأتيك الحقير بهفالنحل وهو ذباب طائر العسل
ولا يغرنك ودّ من أخى أملحتى تجربه في غيبة الأمل
إذا العدوّ ساقته الاخا عللعادت عداوته عند انقضا العلل
لا تجزعنّ على ما نلت حيث مضىولا على فوت أمر حيث لم تنل
فليس تغني الفتى في الأمر عدتهإذا تقضت عليه عدّة الأجل
وقدر شكر الفتى لله نعمتهكقدر صبر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت بهذهاب حرية أو مرتضى عمل
لا تفرحنّ بسقطات الرجال ولاتهزأ بغيرك واحذر صولة الدول
إن تأمن الدهر أن يعلى العدوّ فلاتستأمن الدهر أن يلقيك في السفل
أحق شيء بردّ ما تخالفهشهادة الدهر فاحكم صنعة الجدل
وقيمة المرء ما قد كان يحسنهفاطلب لنفسك ما تعلو به وصل
اطلب تنل لذة الإدراك ملتمساًأو راحة اليأس لا تركن إلى الوكل
وكل داء دواه ممكن أبداًإلا إذا امتزج الاقتار بالكسل
والمال صنه وورثه العدو ولاتحتاج حياً إلى الإخوان في الأكل
وخير مال الفتى مال يصون بهعرضاً وينفقه في صالح العمل
وأفضل البر ما لا منّ يتبعهولا تقدمه شيء من المطل
وإنما الجود بذل لم تكاف بهصنعاً ولم تنتظر فيه جزا رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرتوإن كفرت فأغلال لمنتحل
ذو اللوم يحصر مهما جئت تسألهشيئاً ويحصر نطق المء أن يسل
وإنّ فوت الذي تهوى لأهون منإدراكه بلئيم غير محتفل
إن عندي الخطا في الجود أحسن منإصابة حصلت في المنع والبخل
خير من الخير مسديه إليككما شر من الشر أهل الشر والدخل
ظواهر العتب للإخوان أحسن منبواطن الحقد في التسديد للخلل
دار الجهول وسامحه تكده ولاتركب سوى السمع واحذر سقطة العجل
لا تشربنّ نقيع السم متكلاًعلى عقاقير قد جرّبن بالعمل
والق الأحبة والإخوان إن قطعواحبل الوداد بحبل منك متصل
فأعجز الناس من قد ضاع من يدهصديق ودّ فلم يردده بالحيل
استصف خلك واستبدله أحسن منتبديل خل وكيف الأمن بالبدل
واحمل ثلاث خال من مظالمهتحفظه فيها ودع ما شئته وقل
ظلم الدلال وظلم الغيظ فاعفهماوظلم جفوته فاقسط ولا تمل
وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهمواحذر معاشرة الأوغاد والسفل
واخش الأذى عند إكرام اللئيم كماتخشى الأذى إن أهنت الحر في حفل
والعذر في الناس طبع لا تثق بهموإن أبيت فخذ في الأمن والوجل
من يقظة بالفتى إظهار غفلتهمع التحرز من غدر ومن حيل
سل التجارب وانظر في مراءتهافللعواقب فيها أشرف المثل
وخير ما جربته النفس ما اتعظتعن الوقوع به في العجز والوكل
فاصبر لواحدة تأمن توابعهافربما كانت الصغرى من الأول
فلا يغرنك مرقى في سهولتهفربما ضقت ذرعاً منه في النزل
وللأمور وللأعمال عاقبةفاخش الجزا بغتة واحذره عن مهل
ذو العقل يترك ما يهوى لخشيتهمن العلاج بمكروه من الخلل
من المروءة ترك المرء شهوتهفانظر لأيهما آثرت واحتفل
استحي من ذم من أن يدنو توسعهمدحاً ومن مدح من إن غاب ترتذل
شر الورى بمساوي الناس مشتغلمثل الذباب يراعي موضع العلل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاًلقالت الناس هذا غير معتدل
لا يظلم الحر إلا من يطاولهويظلم النذل أدنى منه في النذل
يا ظالماً جار فيمن لا نصير لهإلا المهيمن لا تغترّ بالمهل
غداً تموت ويقضي الله بينكمابحكمه الحق لا زيغ ولا ميل
وإن أولى الورى بالعفو أقدرهمعلى العقوبة إن يظفر بذي زلل
حلم الفتى عن سفيه القوم يكثر منأنصاره ويوقيه من العيل
والحلم طبع فما كسب يجود بهلقوله خلق الانسان من عجل
لامية الصفدي رحمه الله تعالى
الجد في الجد والحرمان في الكسلفانصب تصب عن قريب غاية الأمل
وشم بروق المعالي في مخائلهابناظر القلب تكفي مؤنة العمل
واصبر على كل ما يأنى الزمان بهصبر الحسام بكف الدارع البطل
لا تمسين على ما فات ذا حزنولا تطل بما أوتيت في جذل
فالدهر أقصر من هذا وذا أمدوربما حل بعض الأمر في الوجل
وجانب الحرص والاطماع تحظ بماترجو من العز والتأييد في عجل
وصاحب الحزم والعزم اللذين همافي الحل والحل ضد الغي والخطل
والبس لكل زمان ما يلايمهفي العسر واليسر من حل ومرتحل
واصمت ففي الصمت أسرار تضمنهاما نالها قط إلا سيد الرسل
واستشعر الحلم في كل الأمور ولاتبادر ببادرة إلا إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق لهفكن كأنك لم تسمع ولم يقل
ولا تمار سفيهاً في محاورةولا حليماً لكي تنجو من الزلل
ثم المزاح فدعه ما استطعت ولاتكن عبوساً ودار الناس عن كمل
ولا يغرك من تبدو بشاشتهمنه غليك فإن السم في العسل
وإن أردت نجاحاً أو بلوغ منىفاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
وأبكر بكور غراب في شذا نمرفي بأس ليث كميّ في دها ثعل
بجود حاتم في إقدام عنترةفي حلم أحنف في علم الإمام علي
وهن وعزّ وباعد واقترب وأثلوابخل وجد وانتقم واصفح وصل وصل
بلا غلو ولا جهل ولا سرفولا توان ولا سخط ولا مذل
وكن أشد من الصخر الأصم لدى البأساوأسير في الآفاق من مثل
حلو المذاقة مرّاً لينا شرساصعباً ذلولاً عظيم المكر والحيل
مهذباً لوذعيا طيباً فكهاًعشمشماً غير هياب ولا وكل
صافي الوداد لمن أصفى مودتهحقاً وأحقد للأعداء من جمل
لا يطمئنّ إلى ما فيه منقصةعليه إلا لأمر ما على دخل
ولا يقيم بأرض طاب مسكنهاحتى يقدّ أديم السهل والجبل
ولا يصيخ إلى داع إلى طمعولا ينيخ بقاع نازح العلل
ولا يضيع ساعات الدهور فلنيعود ما فات من أيامها الأول
ولا يراقب إلا من يراقبهولا يصاحب إلا كل ذي نبل
ولا يعدّ عيوب الناس محتقراًلهم ويجهل ما فيه من الخلل
ولا يظن بهم سوءاً ولا حسناًيصاب من أصوب الأمرين بالغيل
ولا يؤمل آمالاً بصبح غدإلا على وجل من وثبة الأجل
ولا ينام وعين الدهر ساهرةفي شأنه وهو ساه غير محتفل
ولا يصدّ عن التقوى بصيرتهلأنها للمعالي أوضح السبل
من لم تكن حلل التقوى ملابسهعاراً وإن كان مغموراً من الحلل
من لم تفده صروف الدهر تجربةفيما يحاول فليرعى مع الهمل
من سالمته الليالي فليثق عجلاًمنها بحرب عدوّ غير ذي مهل
من كان همته والشمس في قرنكانت منيته في دارة الحمل
من ضيع الحزم لم يظفر بحاجتهومن رمى بسهام العجب لم ينل
من جالس الغاية النوكى جنى ندماًلنفسه ورمى بالحادث الجلل
من جاد ساد وأمسى العالمون لهوفا وحالة أهل الكف لم تحل
من لم يصن عزه ساءت خليقتهبكل طبع لئيم غير منتقل
من رام نيل العلى بالمال يجمعهمن غير حل بلى من جهله وبلي
من هاش عاش وخير العيش أشرفهوشره عيش أهل الجبن والبخل
عاجمت أيام دهر شدة ورخاوبوأت فيها بأثقال عليّ ولي
وخضت في كل واد من مسالكهابلا فتور ولا عجز ولا فشل
طوراً مقيماً مقام الصيد في صدفوتارة في ظهور الأينق الذلل
بالشرق يوماً ويوماً في مغاربهوالغور يوماً ويوماً في ذوي القلل
وتارة عند أملاك غطارفةوتارة أنا والغوغاء في زحل
هذا ولم أرتض حالاً ظفرت بهإلا وثقت بحبل منه منفصل
ولا أيمم بحراً جاش غاربهإلا وجدت سراباً أو صرى وشلي
حتى إذا لم أدع لي في الثرى وطناًأقصرت من غير لا وهن ولا ملل
فاليوم لا أحد لي عنده أربولا فتى أبداً ذو حاجة قبلي
وفي الفؤاد أمور لا أبوح بهاما قرب النائي أيدي الخيل والإبل
وإن أمت فلقد أعذرت في طلبوإن عمرت فلن أصغي إلى عذل
تمت برسم أخ مازال يسألنيإنشاءها أبداً في الصبح والطفل
فقلتها لأرى مفروض طاعتهوالقلب شغل ناهيك من شغل
ولا أبالغ في توقيف أكثرهاولا ذكرت بها شيئاً من الغزل
لكنها حكم مملوءة همماًتغني اللبيب عن التفصيل بالجمل
ثم الصلاة على أزكى الورى حسباًمحمد وأمير المؤمنين علي
ما أومض البرق في الديجور مبتسماًوما سفحن دموع العارض الهطل
لامية الطغرائي رحمه الله تعالى
أصالة الرأي صانتني عن الخطلوحلية الفضل زانتني لدى العطل
أصالة الرأي جودته، والخطل المنطق الفاسد، والعطل التعري عن الملابس الظاهرة
مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرعوالشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
قوله شرع أي سواء ورأد الضحى وقت ارتفاع الشمس والطفل آخر النهار
فيم الإقامة بالزوراء لا سكنيبها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفردكالسيف عرى متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزنيولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حنّ راحلتيورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوى وعج لماألقى ركابي ولج الركب في عذلي
الضجيج الصياح، واللغب بالغين المعجمة التعب والإعياء والنضو البعير المهزول والعج رفع الصوت، ولج الركب زاد في اللوم
أريد بسطة كف أستعين بهاعلى قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعنيمن الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقلبمثله غير هياب ولا وكل
الواو واو رب والشطاط اعتدال القامة وقوله غير هياب أي غير جبان ولا وكل بكسر الكاف: أي غير عاجز
حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجتبشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلتهوالليل أغرى سوام النوم بالمقل
يقول إني منعته النوم بالمحادثة ونحن في ليل قد أقبل بالنوم على العيون
والركب ميل على الأكوار من طربصاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلي لتنصرنيوأنت تخدلني في الحادث الجلل
الجلي بالضم الأمر العظيم وجمعها جلل ككبر
تنام عيني وعين النجم ساهرةوتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غيّ هممت بهوالغيّ يزجر أحياناً من الفشل
الغيّ الضلال، والزجر المنع، والفشل الجبن
إني أريد طروق الحي من إضموقد حمته رماة الحي من ثعل
الطروق هو المجيء في الليل واضم كعنب الوادي الذي فيه مدينة الرسول ﷺ وثعل كصرد ابن عمرو بنو ثعل مشهورون باتقان رمي السهام
يحمون بالبيض والسمر اللذان بهسود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في دمام الليل معتسفاًفنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
الذمام الحرمة والاعتساف من العسف وهو الأخذ في السير بغير دليل
فالحب حيث العدى والأسد رابضةحول الكنائس لها غاب من الأسل
تؤم ناشئة بالجزع قد سقيتنصالها بمياه الغنج والكحل
تؤم تقصد، وناشئة أي مخلوقة، والجزع بالكسر منعطف الوادي
قد زاد طيب أحاديث الكرام بهاما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهنّ في كبدحري ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بهاوينحرون كرام الخيل والإبل
الأنضاء جمع نضو وأراد به جماعة العشاق الذين أمرضهم الهوى وأنحلهم
يشفي لديغ العوالي في بيوتهمبنهلة من غدير الخمر والعسل
العوالي الرماح، والنهلة الشربة الواحدة
لعل إلمامة بالجزع ثانيةيدب منها نسيم البرء في علل
الإلمام النزول وقد ألمّ به أي نزول وقوله يدبّ أي يمشي من دبّ على الأرض يدبّ دبيباً إذا مشى والبرء الشفاء
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعتبرشقة من نبال الأعين النجل
يقول لا أكره الطعنة الواسعة التي تصيبني وقد ثنيت برشقة من سهام العيون المتسعة برؤية هذه الفتيات لأن ذلك رخيص إذا تهيأ إلى المرام
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدنيباللمح من خلل الأستار والكلل
يقول لا اهاب الصوارم التي هي العيون ووقعها فيّ إذا كانت تسعدني على جراحي باللمح من خلل الأستار
ولا أخل بغزلان أغازلهاولو دهتني أسود الغيل بالغيل
قوله ولا اخل أي ولا أترك، والمغازلة المحادثة مع النساء، والغيل بفتح الغين المعجمة موضع الأسد والغيل بالتحريك الشرّ
حب السلامة يثني همّ صاحبهعن المال ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاًفي الأرض أو سلماًَ في الجوّ فاعتزل
الجنوح الميل والنفق بالتحريك سرب في الأرض، والسلم معروف
ودع غمار العلى للمقدمين علىركوبها واقتنع منهنّ بالبلل
يقول اترك لجج المعالي لذوي الأقدام على ركوبها والمكابدين لشدائدها واقتنع من اللجج بالبلل وكنى بالبلل عن الشيء اليسير من العيش وقوله هذا مقابل بالقبول عند ذوي العقول:
رضى الذليل بخفض العيش مسكنةوالعز عند رسيم الأينق الذلل
الخفض الدعة، والرسيم ضرب من سير الإبل
فادرأ بها في نحور البيد جافلةمعارضات مثاني اللجم بالجدل
يقول فادفع بالأينق الذلل في نحور المفاوز مسرعة معارضات لجم الخيل بأزمتها
إن العلى حدثتني وهي صادقةفيما تحدّث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منىلم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاًوالحظ عني بالجهال في شغل
قوله أهبت أي صحت وهو ماخوذ من قولهم أهاب الراعي بغنمه إذا صاح بها لتقف عن السير
لعلي إن بدا فضلي ونقصهملعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبهاما أضيق الدهر لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلةفكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالي بنفسي عرفاني بقيمتهافصنتها عن رخيص القدر مبتذل
يقول: إن عرفاني بنفسي يغالي الناس بقيمتها وما يجد لها كفؤا في القمة منهم فلهذا أحفظها ولا أبذلها لرخيص القدر مبتذل أي ممتهن
وعادة النصل أن يزهى بجوهرهوليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتدّ بي زمنيحتى أرى دولة الوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهموراء خطوي ولو أمشي على مهل
يقول تقدمني قوم كان جريهم وراء خطوي ولو أمشي متمهلاً
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوامن قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجبلي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجرفي حادث الدهر ما يغني عن الحيل
اللام في لها للتعدية والضمير راجع إلى معهود في الذهن لم يذكر وهي المقادير والأيام
أعدى عدوك ادنى من وثقت بهفحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواحدهامن لا يعوّل في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزةفظن شرّا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول والعمل
وشاب صدقك عند الناس كذبهموهل يطابق معوج بمعتدل
يقول هل المعوج وهو الكذب يطابق المعتدل وهو الصدق
إن كان ينجع شيء في ثباتهمعلى العهود فسبق السيف للعذل
قوله فسبق السيف للعذل: أي فات الأمر فلم يفد العذل شيئاً كما أن السيف يسبق من يعذل
يا وارداً سؤر عيش كله كدرأنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبهوأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولايحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لهافهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيراً على الأسرار مطلعاًاصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمر إن فطنت لهفاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
يقول: قد أهلوك لأمر إن فطنت له فاهرب منهم ولا تطاوعهم على ما يرومونه منك إن أردت أن لا ترعى مع الهمل. والهمل بالتحريك الابل التي لا راعي لها.
لامية ابن الوردي ﵀
اعتزل ذكر الغواني والغزلوقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكرى لأيام الصبافالأيام الصبا نجم أفل
إن أحلى عيشة قضيتهاذهبت لذاتها والاثم حل
واترك العادة لا تحفل بهاتمس في عز وترفع وتجل
وإله عن آلة لهو أطربتوعن الأمرد مرتج الكفل
إن تبدى تنكسف شمس الضحىوإذا ما ماس يزرى بالأسل
فاق إذ قسناه بالبدر سناوعدلناه برمح فاعتدل
وافتكر في منتهى حسن الذيأنت تهواه تجد أمراً جلل
واهجر الخمرة إن كنت فتىكيف يسعى في جنون من عقل
واتق الله فتقوى الله ماجاورت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرفاً بطلاًإنما من يتق الله البطل
صدّق الشرع ولا تركن إلىرجل يرصد في الليل زحل
حارت الأفكار في قدرة منقد هدانا سبلنا ﷿
كتب الموت على الخلق فكمفلّ من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وكنعان ومنملك الأرض وولى وعزل
أين من سادوا وشادوا وبنواهلك الكل فلم تغن القلل
أين عاد أين فرعون ومنرفع الأهرام من يسمع يخل
أين أرباب الحجى أهل التقىأين أهل العلم والقوم الول
سيعيد الله كلاً منهموسيجزي فاعلاً ما قد فعل
يا بني اسمع وصايا جمعتحكماً خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولا تكسل فماأبعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولاتشتغل عنه بمال وخول
واهجر النوم وحصلّه فمنيعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابهكل من سار على الدرب وصل
في ازدياد العلم ارغام العداوجمال العلم اصلاح العمل
جمّل النطق بالنحو فمنيحرم الإعراب في النطق اختبل
انظم الشعر ولازم مذهبيفاطرح الرفد في الدنيا أقل
فهو عنوان على الفضل وماأحسن الشعر إذا لم يبتذل
مات أهل الجود لم يبق سوىمقرف أو من على الأصل اتكل
أنا لا أختار تقبيل يدقطعها أجمل من تلك القبل
إن جزتني عن مديحي صرت فيرقها أولاً فيكفيني الخجل
أعذب الألفاظ قولي لك خذوأمرّ اللفظ نطقي بلعل
ملك كسرى عنه تغني كسرةوعن البحر اكتفاء بالوشل
اعتبر نحن قسمنا بينهمتلقه حقاً وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمهلا ولا ما فات يوماً بالكسل
قاطع الدنيا فمن عاداتهاتخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلهاعيشة الجاهل بل هذا أذل
كم جهول وهو مثر مكثروعليم مات منها بعلل
كم شجاع لم ينل منها المنىوجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها واتئدإنما الحيلة في ترك الحيل
أي كف لم تفد مما تفدفرماها الله منه بالشلل
لا تقل أصلي وفصلي أبداًإنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أبوبحسن السبك قد ينفي الدغل
وكذا الورد من الشوك فمايطلع النرجس إلا من بصل
غير أني أحمد الله علىنسبي إذ بأبي بكر اتصل
قيمة الانسان ما يحسنهاكثر الانسان منه أو أقل
اكتم الأمرين فقر أو غنىواكسب الفلس وحاسب من بطل
وادّرع جداً وكداً واجتنبصحبة الحمقى وأرباب الدول
بين تبذير وبخل رتبةوكلا هذين إن زاد قتل
لا تخض في حق سادات مضواإنهم ليسوا بأهل للزلل
وتغافل عن أمور إنهلم يفز بالحمد إلا من غفل
ليس يخلو المرء من ضد وغنحاول العزلة في رأس جبل
غب عن المنام واهجره فمابلغ المكروه إلا من نقل
دار جار الدار إن جار وإنلم تجد صبراً فما أحلى النقل
جانب السلطان واحذر بطشهلا تخاصم من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوارغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداء لمنولي الأحكام هذا إن عدل
فهو كالمحبوس عن لذاتهوكلا كفيه في الحشر تغل
إن للنقص والاستثقال فيلفظة القاضي لو عظا ومثل
لا توازي لذة الحكم بماذاقه الشخص إذا الشخص انعزل
فالولايات وإن طابت لمنذاقها فالسمّ في ذاك العسل
نصب المنصب أو هي جلديوعنائي من مداراة السفل
قصر الآمال في الدنيا تفزفدليل العقل تقصير الأمل
إن من يطلبه الموت علىغرة منه جدير بالوجل
غب وزر غباً تجد حباً فمنأكثر الترداد أصماه الملل
خذ بنصل السيف واترك غمدهواعتبر فضل الفتى دون الخلل
لا يضر الفضل إقلال كمالا يضر الشمس إطباق الطفل
حبك الأوطان عجز ظاهرفاغترب تلق عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقى آسناًوسرى البدر به البدر اكتمل
أيها الغائب قولي عبثاًإن طيب الورد مؤذ بالعجل
عد عن أسهم الولى واستترلا يصيبنك سهم من ثعل
لا يغرنك لين من فتىإن للحيات ليناً يعتزل
أنا مثل الماء سهل سائغومتى سخن آذى وقتل
أنا كالخيروز صعب كسرهوهو لدن كيفما إن شئت انفتل
غير أني في زمان من يكنفيه ذو مال هو المولى الأجل
واجب عند الورى إكرامهوقليل المال فيهم يستقل
كل أهل العصر غمر وأنامنهم فاترك تفاصيل الجمل
وصلاة الله ربي كلماطلع الشمس نهاراً أو أفل
للذي حاز العلا من هاشمأحمد المختار من ساد الأول
وعلى آل وصحب وسادةليس فيهم عاجز إلا بطل
قد ختم الباب الرابع من كتاب نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن، بعون الملك الأعلى وقوته العلى، ويتلوه الباب الخامس إن شاء الله تعالى، والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً جزيلاً
-
الباب الخامس
يذكر فيه تغريد الصادح للشيخ العلامة ابن حجة الحموي وضروب من الحكم والأمثال نظماً ونثراً.
تغريد الصادح
الحمد لله الذي هذبناواختارنا للعلم إذ أدبنا
كان للآداب فضلاً يذكرفلا تخاطب كل من لا يشعر
يا مدعي الحكمة في كلامهومن يروم السحر في نظامه
خذ حكماً جميعها أمثالليس لها في عصرنا مثال
ألفها ابن حجة للنجبالأن فيها رأس مال الأدبا
واختارها من مفردات الصادحوكان ذا من أكبر المصالح
من كل بيت إن تمثلت بهسكنت من سامعه في قلبه
وقد تهجمت على الشريفلكنني خاطبت بالمعروف
وجئت من كلامه بنبذةتجلب للسامع كل لذة
وترفع الأديب إن تمثلابها إذا خاطب أرباب العلى
من حكم تتبعها وصايامقبولة من احسن السجايا
من أول وأوسط وآخرجمعتها جمع أديب شاعر
حتى دنا البعيد للقريبوانتظم البديع بالغريب
وانسجمت في كمعها أرجوزهبديعة غريبة وجيزة
وكل من أنكر ما أحكمت فيترتيبها يكون غير منصف
فلينظر الأصل ليعرف السببويعترف إن كان من أهل الأدب
أول ما برعت في استهلالهمن نظمه المحكم في مقاله
هذا أول الصادح والباغم
العيش بالرزق وبالتقديروليس بالرأي ولا التدبير
في الناس من تسعده الأقداروفعله جميعه إدبار
ومن هنا تأليف الشيخ ابن حجة رحمه الله تعالى
من عرف الله أزال التهمةوقال كل فعله للحكمة
من أنكر القضاء فهو مشركعن القضاء بالعباد أملك
ونحن لا نشرك بالله ولانقنط من رحمته إذ نبتلى
عار علينا وقبيح ذكرأن نجعل الكفر مكان الشكر
وليس في العالم ظلم جاريإذ كان ما يجري بأمر الباري
وأسعد العالم عند اللهمن ساعد الناس بفضل الجاه
ومن أغاث البائس الملهوفاأغاثه الله إذا أخيفا
إن العظيم يدفع العظيماكما الجسيم يحمل الجسيما
وإن من خلائق الكرامرحمة ذي البلاء والأسقام
وإن من شرائط العلوالعطف في البؤس على العدوّ
قد قضت العقول أن الشفقةعلى الصديق والعدوّ صدقة
وقد علمت واللبيب يعلمبالطبع لا يرحم من لا يرحم
والمرء لا يدري متى يمتحنفإنه في دهره مرتهن
وإن نجا اليوم فما ينجو غداًلا يأمن الآفات إلا بالردى
لا تغترر بالخفض والسلامةفإنما الحياة كالمدامة
والعمر مثل الكاس والدهر القذروالصفو لابد له من الكدر
قال الشيخ ابن حجة رحمه الله تعالى انظر أيها المتأمل كيف اتبعت قوله فإنما الحياة المدامة بقوله والعمر مثل الكاس وإذا نظرت إلى آخر البيت الثاني رأيت الاتفاق العجيب:
وكل انسان فلا بد لهمن صاحب يحمل ما اثقله
جهد البلاء صحبة الأضدادفإنها كيّ على الفؤاد
أعظم ما يلقى الفتى من جهدأن يبتلى في جنسه بالضد
صحبة يوم نسب قريبوذمة يحفظها اللبيب
لا يحقر الصحبة إلا جاهلأو مائق عن الرشاد غافل
فإنما الرجال بالإخوانواليد بالساعد كالبنيان
فالمرء يحيى أبداً أخاهوهو إذا ما عد من أعداه
وموجب الصداقة المساعدهومقتضى المودة المعاضده
لا سيما ف النوب الشدائدوالمحن العظيمة الأوابد
وإن من عاشر قوماً يوماًينصرهم=ولا يخاف لوما
وإن من حارب من لا يقوىبحربه جر إليه البلوى
فحارب الأكفاء والأقرانافالمرء لا يحارب السلطانا
واقنع إذا حاربت بالسلامةواحذر فعالاً توجب الندامة
فالتاجر الكيس في التجارةمن خاف في متجره الخسارة
يجهد في تحصيل رأس مالهثم يروم الربح باحتياله
وإن رأيت النصر قد لاح لكافلا تقصر واحترز أن تهلكا
واسبق إلى الأجود سبق الناقدفسبقك الخصم من المكائد
وانتهز الفرصة إن الفرصةتصير إن لم تنتهزها غصه
ومن أضاع جنده في السلملم يحفظوه في لقاء الخصم
وإن من لا يحفظ القلوبايخذل حين يشهد الحروبا
والجند لا يرعون من أضاعهمكلا ولا يحمون من أجاعهم
وأضعف الملوك طرا عقدامن غره السلم فأقصى الجندا
والحزم والتدبير روح العزملا خير في عزم بغير حزم
والحزم كل الحزم في المطاولةوالصبر لا في سرعة المزاوله
وفي الخطوب تظهر الجواهرما غلب الأيام إلا الصابر
لا تيأسن من فرج ولطفوقوة تظهر بعد ضعف
فربما جاءك بعد اليأسروح بلا كد ولا التماس
في لمحة الطرف بكاء وضحكوناجذ باد ودمع منسفك
تنال بالرفق وبالتأنيما لم تنل بالحرص والتعني
ما أحسن الثبات والتجلداوأقبح الحيرة والتلبدا
ليس الفتى إلا الذي إن طرقهخطب تلقاه بصبر وثقة
إذا الرزايا أقبلت ولم تقففثمّ أحوال الرجال تختلف
فكم لقيت لذة في زمنفاصبر الآن لهدى المحن
فالموت لا يكون إلا مرهوالموت أحلى من حياة مره
أنى من الموت على يقينفأجهد الآن لما يقيني
صبرا على أهوالها ولا ضجروربما فاز الفتى إذا صبر
لا يجزع الحر من المصائبكلا ولا يخضع للنوائب
فالحر للصعب الثقيل يحملوالصبر عند النائبات أجمل
لكل شيء مدة وتنقضيوما غلب الأيام إلا من رضي
قد صدق القائل في الكلامليس النهى بعظم العظام
لا خير في جسامة الجسامبل هي في العقول والأفهام
فالخيل للحرب وللجمالوالإبل للحمل وللرحال
لا تحتقر قط صغيراً محتقرفربما أسألت النفس الإبر
لا تحرج الخصم ففي إحراجهجميع ما تكره من لجاجه
لا تطلب الغاية باللجاجوكن إذا كويت ذا انضاج
فعاجز من ترك الموجوداطماعة وطلب المفقودا
وفتش الأمور عن أسرارهاكم نكبة جاءتك من اظهارها
لرمت للجهل قبيح الظاهروما نظرت حسن السرائر
ليس يضير البدر في ثناهأن الضرير قط لا يراه
كم حكمة ضجت المحافلمليحة وأنت عنها غافل
ويغفلون عن خفى الحكمةولو رأوها لأزالوا التهمة
كم حسن ظاهره قبيحوسمج عنوانه مليح
والحق قد نعلمه ثقيليأباه إلا نفر قليل
والعاقل الكافي من الرجاللا ينثني بزخرف المقال
إن العدوّ قوله مردودوقلّ ما يصدقك الحسود
لا تقبل الدعوى بغير شاهدلا سيما ما كان من معاند
أيؤخذ البريء بالسقيموالرجل المحسن باللئيم
كذاك من يستنصح الأعادييردونه بالغش والفساد
إن أقلّ من ترى أذهاناًمن حسب الاساءة إحسانا
فادفع اساآت العدى بالحسنىولا تخل يسراك مثل اليمنى
وللرجال فاعلمن مكائدوخدع منكرة شدائد
والندب لا يخضع للشدائدقط ولا يغتاظ بالمكائد
فرّ في الخرق بلطف واجتهدوامكر إذا لم ينفع الصدق وكد
فهكذا الحازم إذ يكيديبلغ في الأعداء ما يريد
وهو بريء منهم في الظاهروغيره مختضب الأظافر
والشهم من يصلح أمر نفسهولو بقتل ولده وعرسه
فإن من يقصد قلع ضرسهلم يعتمد إلا صلاح نفسه
وإن من خص اللئيم بالندىوجدته كمن يربي أسدا
وليس في الطبع اللئيم شكروليس في الأصل الدنيّ نصر
وإن من ألزمه وكلفهضد الذي في طبعه ما أنصفه
كذاك من يصطنع الجهالاويؤثر الأرذال والأنذالا
لو أنكم أفاضل احرارما ظهرت بينكم الأشرار
إن الأصول تجذب الفروعاوالعرق دساس إذا أطيعا
ما طاب فرع أصله خبيثولا ذكا من مجده حديث
قد يبلغون رتباً في الدنياويدركون وطراً من عليا
لكنهم لا يبلغون في الكرممبلغ من كان له فيها قدم
وكل من تماثلت أطرافهفي طيبها وكرمت أسلافه
كان خليقاً بالعلاء والكرموبرعت في أصله حسن الشيم
لولا بنو آدم بين العالمما بان للعقول فضل العالم
فواحد يعطيك جوداً وكرمفذاك من يكفره فقد ظلم
وواحد يعطيك للمصانعةأو حاجة له إليك واقعه
لا تشرهنّ إلى حطام عاجلكم أكلة أودت بنفس الآكل
ويئست العادة فاحذر الشرهوقس بما رأيته ما لم تره
فالبغي داء ماله دواءليس لملك معه بقاء
والبغي فاحذره وخيم المرتعوالعجب فاتركه شديد المصرع
والغدر بالعهد قبيح جداًشر الورى من ليس يرعى عهدا
عند تمام المرء يبدو نقصهورما ضر الحريص حرصه
وربما ضرك بعض مالكاوساءك المحسن من رجالكا
فالمرء يفدي نفسه بوفرهعساه أن ينجو بها من أسره
لا تطين شيئاً بغير فائدةفإنها من السجايا الفاسدة
ختمها المؤلف الشيخ ابن حجة رحمه الله تعالى بقوله:
هذا الذي ألفته واخترتهمن رجز الشريف وانتخبته
وحرمة الآداب يا أهل الأدبأن الشريف قد أتانا بالعجب
قلنا جميعاً إذ سمعنا رجزهكم قد أتى محمد بمعجزه
من كل بيت شطره قصيدفكلنا لبيته عبيد
ورحمة الله له في الآخرةخاتمة مع الهبات الوافرة
ثم الصلاة والسلام دائماًعلى الذي للرسل جاء خاتما
الحكمة من النثر والأمثال
قال رسول الله ﷺ الحكمة تزيد الشريف شرفاً وقال ﵇ نعم الهدية الكلمة من كلام بالحكمة، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار، وقال بعض الحكماء تحتاج القلوب إلى أقواتها من الحكمة كما تحتاج الأجسام إلى أقواتها من الطعام، وقال ﷺ لو أنّ الرجل كالقدح المقوم لقال الناس فيه لو ولولا وقال ﵊ أقيموا ذوى المروآت فما يعثر منهم عاثر إلا ويده بيد الله تعالى وقيل لعلى ﵁ ما الكرم فقال الاحتيال للمعروف وترك التقصي على الملهوف وقال عليه السالم انتهزوا الفرص فإنها تمرمر السحاب ولا تطلبوا أثرا بعد عين، وقال الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك وقال إذا
أقبلت الدنيا على رجل أعارته محاسن غيره وإذا
أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، وقال جعفر الصادق ﵁ من لم يستحيي من العيب ويرعو عند الشيب ويخش الله بظهر الغيب فلا خير فيه وقال أفلاطون الحكيم لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده فإن الناس لا يسألون في كم فرغ وإنما ينظرون إلى إتقانه وجودة صنعته وقال حبك للشيء ستر بينك وبين مساويه وبغضك له ستر بينك وبين محاسنه وقال إذا أنجزت ما وعدت فقد أحرزت فضيلتي الجود والصدق وقال من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك وقال السعيد من الملوك من تمت به رياسة آبائه والشقي منهم من انقطعت عنده وقال لا بقيت ليوم أذم فيه ما مدحت أو أمدح فيه ما زممته ذلك يوم ظفر الهوى فيه بالرأي والجهل بالعقل وقال لا تدفعنا عملا عن وقته فإن للوقت الذي تدفعه إليه عملاً آخر ولست تطيق ازدحام الأعمال لأنها إذا ازدحمت دخلها الخلل وقال لا تأسفن على شيء اغتصبته في هذا العالم فلو كان لك بالحقيقة لما وصل إلى غيرك وقال أضعف الناس من ضعف عن كتمان سره وأقواهم من قوى على غضبه وأصبرهم من ستر فاقته وأغناهم من قنع عما تيسر له وقال أصعب الأحوال حال عجزت فيها عن تنقل إلى ما ترجو فيه راحة وأضيق المذاهب طريق لم تجد فيه معيناً لك ولا مشيراً عليك وقال ليس ينبغي للمرء أن يعمل الفكرة فيما ذهب ولكن ليعملها في حفظ ما يبقى له، وقال الرغبة إلى الكريم تخلطك به وتقر بك منه وترفع سجوف الحشمة بينك وبينه والرغبة اللئيم تباعدك منه وتصغرك في عينه وقال لا تبكتنّ أحداً في الظاهر بما تأتيه في الباطن واستحيي من نفسك فإنها تلحظ منك ما غاب عن غيرك وقيل لبقراط إن الكلام الذي قلته لأهل مدينة كذا لم يقبلوه فقال لا يلزمني أن يقبل وإنما يلزمني أن يكون صواباً وقال بعض ملوك الهند: المسيء لا يظن بالناس الأسوء لأنه يراهم بعين طبعه وقال بعض الحماء مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل أعمى بيده سراج يستضيء به غيره وهو لا يراه وقيل لبعض الحكماء ما الصديق فقال هو اسم على غير معنى وحيوان غير موجود وقال آخر أطول الناس سفراً من كان في طلب صديق يرضاه وقال آخر: مغضب القادر عليه كمجرب السم في نفسه إن هلك فقتيل حق وإن نجا فطليق حمق وكان الحسن البصري يقول
اللهم إن أنزلت بلاء فأنزل صبراً ووهبت عافية فهب شكراً وقيل لبعضهم لم لا
يجتمع الكمال والمال قال لعزة الكمال وقال آخر إذا نزل بك المهم فانظر فإن كان فيه حيلة فلا تعجز وإن لم تكن فيه حيلة فلا تجزع وقال آخر تقدم بالحيلة قبل نزول الأمر فإنه إذا نزل ضاقت الحيل وطاشت العقول وقال خالد بن صفوان لا تغترر بمن يميل غليك حتى تعرف علة ميله فإن كان لشيء من صفاتك الذاتية فارج ثباته وإن كان لشيء من أحوالك العارضة فلا تحفل به فإنه يقيم معك بما قام ذلك الشيء وينصرف عنك بانصرافه وفي كتاب كليلة ودمنة إذا أحدث لك العدو صداقة لعلة ألجأته إليك فمع ذهاب العلة رجوع العداوة كالماء تسخنه فإذا أمسكت عنه عاد إلى أصله بارداً والشجرة المرة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مرّا وقيل لبقراط ما أهم الأشياء نفعاً قال فقد الأشرار وقيل لبعضهم ما بال السريع الغضب سريع الرجعة والبطيء الغضب بطيء الرجعة فقال مثلهما كمثل النار في الحطب اسرعها وقوداً أسرعها خموداً وقال آخر لتكن سيرتك وأنت خلو في منزلك سيرة من هو جماعة من الناس يستحيي منهم وقال آخر غاية المروءة أن يستحيي الإنسان من نفسه وقال آخر مثل الأغنياء البخلاء كمثل البغال والحمير تحمل الذهب والفضة وتعتلف بالتبن والشعير وقال حسان بن تبع الحميري لا تثقنّ بالملك فإنه ملول ولا بالمرأة فإنها خئون ولا بالدابة فإنها شرود وقال ينبغي للعاقل أن يكسب ببعض ماله المحمدة ويصون ببعضه وجهه عن المسئلة وقيل للأحنف بن قيس ما أحلمك! قال لست بحليم ولكني أتحالم والله إني لأسمع الكلمة فأحلم لها ثلاثاً ما يمنعني من الجواب عنها إلا خوف من أن أسمع شراً منها وقيل لامرئ القيس ما السرور فقال بيضاء رعبوبة بالطيب مشوبة بالشحم مكروبة، وقيل للأعشى ما السرور فقال صهباء صافية تمزجها غانية من صوب غادية وقيل لطرفة ما السرور فقال مطعم شهي ومشرب ذوي وملبس دفي ومركب وطي وقيل لأعرابي ما السرور فقال الكفاية في الأوطان والجلوس مع الإخوان وقال الحجاج للأديب الناعم ما السرور فقال الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له قال زدني، قال الغنى فإني رأيت الفقير لا عيش له قال زدني قال الصحة فإني رأيت المريض لا عيش له قال زدني قال لا أجد مزيداً قلت عندي المزيد وهو الكرم فإني رأيت البخيل لا عيش له وقيل لفاضل ما السرور
فقال إقامة الحجة وإيضاح الشبهة وقال أعرابي لآخر اصحب من يتناسى معروفه عندك ويذكر حقوقك عليه.
وقال المنتصر بالله والله ما ذل ذو حق ولو اتفق العالم عليه ولا عز ذو باطل ولو طلع القمر في جبينه وقال آخر حركة الإقبال بطيئة وحركة الإدبار سريعة لأن المقبل كالصاعد مرقاة والمدبر كالمقذوف به من موضع عال وقيل لبعضهم ما الذي يجمع القلوب على المودة قال كفّ بذول وبشر جميل وقيل لآخر متى يحمد الكذب قال إذا جمع بين متقاطعين قيل فمتى يذم الصدق قال إذا كانت غيبة قيل فمتى يكون الصمت خيراً من النطق قال عند المرأة وفي كتاب للفرس إذا أردت أن تسأل فأسأل من كان في غنى ثم افتقر فإن عز الغني يبقى في قلبه أربعين سنة ولا تسأل من كان في فقر ثم استغنى فإن ذل الفقر يبقى في قلبه أربعين سنة وقال عامر بن عبد القيس إذا خرجت الكلمة من القلب دخلت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وقال حكيم لآخر يا أخي كيف قال أصبحت قال أصبحت وبنا من نعم الله ما لانحصيه مع كثرة ما نعصيه فما ندري أيهما نشكر جميل ما ينشر أو قبيح ما يستر وقيل لشريك بن عبد اله أن معاوية كان حليماً فقال كلا لو كان حليماً ما سفه الحق ولا قاتل علياً كرم الله وجهه وقال بعض الحكماء لا ينبغي للفاضل أن يخاطب ذوي النقص كما لا ينبغي للصاحي أن يكلم الساهي، وقال ابن المعتز أهل الدنيا كركاب سفينة يسار بهم وهم نيام وقال المسيح بن مريم ﵇ عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما واعياني علاج الأحمق وقال ابن المقفع إذا حاججت فلا تغضب فإن الغضب يقطع عنك الحجة ويظهر عليك الخصم ووجد على صنم مكتوب حرام على النفس الخبيثة أن تخرج من هذه الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها قال بعض الحكماء إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة وقال النبي ﷺ عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة وقال عمرو بن العاص لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل.
وقال أبو مسلم الخراساني خاطر بنفسه من ركب البحر وأشد منه مخاطئة الملوك وقال عبد الله بن عمر ﵄ إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه لا راحة لحسود ولا إخاء لملول ولا محب لسيء الخلق
ووجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر مكتوبة بالذهب الرزق مقسوم الحريص محروم البخيل مذموم الحسود مغموم قال عمر بن الخطاب رضي
الله عنه إياكم وذكر الناس فإنه داء وعليكم بذكر الله فإنه شفاء وقال ابن عباس ﵁ اذكر اخاك بما تحب أن يذكرك به ودع منه ما تحب أن يدعك منه. قال النبي ﷺ المرء كثير بأخيه وقال بعض الحكماء أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم مثل الخليل الصالح كمثل النخلة إن قعدت في ظلها أظلتك وإن احتطبت من حطبها نفعك وإن أكلت من ثمرها وجدته طيباً وقال رسول الله ﷺ الصاحب رقعة في قميصك فانظر بمن ترقعه وقيل لبعض الأمراء كم لك صديق قال لا أدري ما دامت الدنيا مقبلة عليّ فالناس كلهم أصدقاء لي وإنما أعرفهم إذا أدبرت عني قال النبي ﷺ لا يدخل حظيرة الفردوس متكبر وقال حكيم كيف يتكبر من خلق من التراب وجرى في مجرى البول وغذي بدم الحيض وطوى على القذر ويقال التكبر على المتكبر تواضع قال رسول الله ﷺ من تواضع لله رفعه الله قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه الأدب حلى في الغنى كنز عند الحاجة عون على المروءة صاحب في المجلس مؤنس في الوحدة تعمر به القلوب الواهية وتحيا به الألباب الميتة وتنفذ به الأبصار الكليلة ويدرك به الطالبون ما حاولوا ويقال من كثر أدبه شرف وإن كان وضيعاً وساد وإن كان غريباً وارتفع صيته وإن كان خاملاً وكثرت الحوائج إليه وإن كان فقيراً وقال عبد الله بن المعتز الأدب يبلغ بصاحبه الشرف وإن كان دنيّاً والعز وإن كان ذليلاً والقرب وإن كان قصياً والمهابة وإن كان زريا والغنى وإن كان فقيراً والسؤدد وإن كان حقيراً والكرامة وإن كان سفيهاً والمحبة وإن كان كريهاً وقال بعض الملوك لوزيره ما خير ما يرزقه العبد قال عقل يعيش به قال فإن عدمه قال فأدب يتحلى به قال فإن عدمه قال فمال يستره قال فإن عدمه قال فصاعقة تحرقه وتريح البلاد والعباد منه قال ﵁ لن تعدم من الأحمق خلتين كثرة الالتفات وسرعة الجواب بغير عرفان وقال لقمان لابنه يا بني شيآن إذا حفظتهما لا تبالي ما ضيعت بعدهما دينك لمعادك ودرهمك لمعاشك، وقال آخر شيآن
يجب على العاقل أن يتحفظ منهما حسد أصدقائه ومكر أعدائه وقال بعض الأدباء شيآن لا يجتمعان الشعر الجيد واللسان البليغ وقال آخر اثنان معذبان غني حصلت له الدنيا فهو بها مهموم مشغول وفقير زُويت عنه فنفسه تتقطع عليها حسرات قال رسول الله ﷺ ثلاث مهلكات وثلاث
النص من طبعة مطبعة التقدم العلمية بمصر (١٣٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع