من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٧)
ويلي ذلك أبيات أولها:
لأحبَّتي أن يَمْلَئوابالصّافياتِ الأكْوُبا
وهي أبيات فارغة ما أظنه أثبتها إلا ليدل على شجاعته وليس) له (مما يطلب له استخراج سرقة.
وبعد ذلك بيتان:
أما تَرى ما أراهُ أيُّها الملِكُكأنّنا في سماءٍ ما لها حُبُك
ما لذكر الحبك هاهنا فائدة غير إتمام القافية.
وقال المتنبي:
الفَرْقدُ أبنكَ والمصباحُ صاحبُهُوأنْتَ بَدْرُ الدُّجى والمجْلسُ الفَلكُ
وهذا التشبيه من قول ابن الجهم:
كأنَّهُ وولاةُ الأمر تَتْبعُهُبَدْر السماءِ تليه الأنجمُ الزّهُرُ
ولا زيادة لأبي الطيب فيه غير صفة المجلس وقد أشار له إلى هذه الزيادة أبو نواس في قوله:
مضى أيْلولُ، وارتفعَ الحُرورُوأخْبتْ نارها الشِّعرى العبُورُ
فقوما فالقحا خمراً بماءفإِنّ نتاج بينهما السّرُورُ
نتاجٌ لا تدرُّ عليه أمٌّبحمْل لا تعدّ له الشُّهورُ
إِذا الكاساتُ كرّتْها عليناتكوَّنَ بينَها فلكٌ يدُورُ
تسير نجومه عجلاً وريثاًمُشرّقةً وأحياناً تَغُورُ
إِذا لم يجرهِنَّ القُطْبُ مِتْناوفي دَوْراتهِنَّ لنا نَشُورُ
فشبه دوران الكؤوس على الندامى بفلك دائرة الكؤوس نجومه فإلى هذا ذهب أبو الطيب وقول أبي نواس ينبه عليه وإن كان في معنى غيره فهو من قسم استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه وبالجملة فقد زاد علي بن الجهم زيادة في كلامه هي من تمامه فهو أحق بما أخذ وقال ابن أبي فنن:
بَنوك نجوم بهم يقتدىسبيل الرشادِ وأنْتَ القمرُ
وقال بعد ذلك بيتين في نائم أنشده شعره وهما:
إِنَّ القوافي لمْ تُنمكَ وإِنَّمامَحقتْكَ حتى صدت ما لا يُوجدُ
خبرنا بوجود بعده عدم ثم خبر أن له أذناً وفماً فدل على وجود فناقض والمعنى في هذا أنك نمت عند الإنشاد وإنما تشكى منها إذا هجاها غماً فأما إذا أسمع شعراً قصد به غيره فلم يمحقه ويسكره، وهذا معنى نبه عليه أبو تمام بقوله:
عِنْدي من الأيَّام ما لَو أنهُبإِزاء شارب مُرقد ما غَمَّضا
فأبو تمام يذكر أنه لو شرب المرقد ما غمض وأبو الطيب يذكر أنه نام حتى كأنه شارب مرقد، فكلام أبي تمام أشد مبالغة وأرجح معنى وقد أتى ابن الرومي في معنى قول أبي الطيب:) حتى صرت ما لا يوجد (بقوله:
وإنّ كنت لا أهجوك إلا كحالميَرى ما يراهُ النائمون فَيهجرُ
لأنك معدوم الوجود وإنمايرينيك ظني ريثما أتدبرُ
فخبر عن عدمه ثم احتاط وقال:
فإِن كُنتَ شيئاً ثابتاً فهباءةٌتضاءل في عينِ اليقين وتصغرُ
كأنه جعله معدوماً ثم رآه مهجواً ومخاطباً فعلم أن ذلك لا يقع على معدوم فجعله شيئاً حقيراً كالهباء صغيراً.
وقال المتنبي بيتين:
كتِمْتُ حُبّك حتى مِنْك تكرمةًثمَّ استوى فيك إسراري وإعِلاني
كأنَّه زاد حتى فاض في جسديفصار سُقْمي به في جسم كتماني
فخبر أنه قد استوفى فيه إسراره وإعلانه حتى كأنه زاد ففاض وضعف كتمانه حتى صار حبه في جسم كتمانه الضعيف على وجه الاستعارة وفيه تكلف.
وبعدهما بيتان أولهما:
وأخٍ لنا بَعث الطّلاقَ أَلِيَّةًلأُعَلِّلَنَّ بهذه الخرطوم
فهذا فارغ، وقال يليه:
فَجعلتُ رَدّي عِرْسَهُ كفارةًعَنْ شُربها وَشربْتُ غير أثيمٍ
ففقه أبو الطيب في هذا البيت فقهاً غير إسلامي لأنه ذكر أن حالفاً حلف عليه بالطلاق ليشربن الخمر فشربها وجعل رده عرسه وإليه كفارة ذنبه في معصية كان اجتناب الحالف عليها واجتناب ما نهى الله ﷿ عن شربه أولى بمذهب المسلمين.
ويليها قصيدة أولها:
أظَبيةَ الوحْشِ لولا ظَبيةُ الأنَسِلما غَدوْتُ بجَدّ في الهوى تَعِسِ
قال فيها:
ولا سَقيتُ الثَرى والمُزْنُ مُخْلفُهُدَمْعاً ينشفهُ من لَوْعةٍ نَفسي
قال الخُبزأرزي:
وكذاك نيرانُ القلوب إذا الْتظَتْيوماً تُنشِّفُ في العُيون الماءَ
وقال آخر:
لَولا الدُّموعُ وفيضهن لأحْرقَتْأرضَ الوداعِ حَرارةُ الأكبادِ
فساوى الخبزأرزي المتنبي في معناه من نشف ماء العيون بنار القلوب في بيته مطابقة من النار والماء ليس في بيت أبي الطيب والبيت الثالث جعل فيض الدموع سبباً منع من الإحراق فهو أقل مبالغة. ويقرب من هذا قول الحصني:
وكنتُ أرجّي الدمع أنْ يطفئ الأسىفَغالبهُ نِيران تُوقد في صَدْري
وقال المتنبي:
ولا وقفْتُ بجسْمِ مُسْي ثالثةٍذي أرْسُمٍ درس في الأرسم الدُّرُسِ
قال العكوك:
خَلَّفتني نِضْو أحزانٍ أُعالجُهابالجزع أنْدبُ في أنْضاء أطْلالِ
فجعل نصفه) نضو أحزان (يندب في أنضاء أطلال وهو مثل قوله:) ذي أرسم درس في الأرسم الدرس (.
وأملح من الجميع قول الديك:
أنضاءُ طلّتْ دَمْعهُمْ أطْلالهمْفتخالهُمْ بين الرَّسُومِ رُسُوما
في هذا البيت تجنيس مليح وتشبيه من رسوم أجسام برسوم أطلالهم فهذا البيت يزيد على بيت العكوك ويرجح لفظه فهو أولى به من أبي الطيب.
وقال المتنبي:
ما ضاقَ قبلك خَلخالٌ على رشاءٍولا سمعتُ بديباجٍ على كَنسِ
) الكنس (جمع كانس مثل غائب وغيب ولو قال:) على كانس (وأفرد على مقصده شخصاً كان أحسن والذي قاله يحسن على مذهب من قال من أهل اللغة: كنس وكناس ومعنى هذا البيت أن ساق الظبي دقيق فلا يضيق فيه خلخال وأن الديباج على الهودج مثل الديباج على كنس الظبي أي هذا مخالف لسائد الظباء الوحشية كما قال ابن دريد:
أعَنِ الشمسِ عشاءًكشفت تلك السّجوف
أمْ على ليتي غزالعلقت تلك الشّنوف
ومثله لآخر:
ظبي أتاكَ مُعطراًوالظبي لا يتعطرُ
فكلهم يعرب بصفات لا تكون للظباء الوحشية.
وقال المتنبي:
مِنْ كل أبيْض وضّاحٍ عمامَتُهُكأنَّما اشْتملتْ نوراً على قَبسِ
هذا يساوي قول ابن قيس) الرقيات (:
إِنّما مُصْعب شهابٌ من اللّهـ تجلّتْ عن وجهه الظّلمْاءُ
وقال المتنبي:
أكارمٌ حَسَدَ الأرضَ السماء بهموَقصّرت كل مِصْرٍ عن طَرابلُسِ
فقال:) قصرّت (والفعل للكل ولكنه أراد الجماعة كما تقول:) جاءت كل صاحبة لك (كأنك قلت صواحبك كلهنّ.
وبعد ذلك قصيدة أوّلها:
هَذِي بَرزْت لنا فهجتَ رسيساثُمّ انصرفت وما شَفيتْ نَسيسَا
حذف حرف النداء من المبهمات لحن عند البصريين لأنه لا إعراب له يدل على إرادتك كما يدل قولك:) زيد أقبل (على المحذوف وهو من المبهمات التي لا إعراب لها لا يدل على مرادك) ويشكل (ولا يجوز إلا في رواية شاذة غير موثوق بها ولا معمول عليها.
وقال المتنبي:
إِنْ كُنْت ظاعِنةً فإِنَّ مدامِعيتكفي مَزاركُمُ وتُرْوي العِيسا
من قول علي بن هشام:
ويا أخا الذود طال الظمأ بهالا تعرف الري من جذب وأقتار
قف بالعطاش على عيني ومحجرهانرو العطاش بماء سافح جار
فالمعنى المعنى ولكنه قد جاء بالكثير الطويل في الموجز القليل فصار أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
حاشى لمثلك أن تكون بخيلةولمثل وجهك أن يكون عبوسا
كان الوجه أن يقول:) أن يكون مبخلاً (فيتم وزن الشعر ويصح الإعراب ويحمله على مثل وقد يجوز على ما قال على المعنى كما قيل: ذهبت بعض أصابعه:
وقال المتنبي:
خود جنت بيني وبين عواذليحرباً وغادرت الفؤاد وطيسا
) الوطيس (: التنور، أوّل من تكلم بها رسول الله ﷺ قال:) لأن حمى الوطيس (أي أشتد القتال على التشبيه وليس الوطيس من صفات الحرب فكأنّ
عواذله حين تلته كانوا كأنهم في حرب حمي لها قلبه فكان كالوطيس، فأما قول أبي تمام:
فتركْتَ تلك الأرضِ فَصْلاً سَجْسجاًمن بَعْد ما كادت تكُونُ وَطِيسَا
وهذا الكلام أصح من كلامه والأقسام أصح من أقسامه لأن السجسج ضد الوطيس وليس الحرب ضد الوطيس فأبو تمام أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
إِنْ حلَّ فارقَتِ الخزائِنُ ما لَهُأوْ سار فارقتِ الجُسوم الرُّوسا
هذا كلام مليح النظام مستوفي الأقسام ذكر حال حلوله في سلمه) وحال مسيره في حربه (.
وهو من قول أبي نواس:
فيومٌ لإِلحاق الفقير بذي الغنىويومُ رقابٍ بوكرتْ لِحصادِ
وقال المتنبي:
لَوْ كان ذو القرنين أعمل رأيَهُلمّا أتى الظُّلماتِ صِرْنَ شُمُوسا
هو من قول القائل:
لَوْ أن في الظلمات شَعْشع كأسَهاما حار ذُو القرنين في الظُّلماتِ
قال الخبزأرزي:
لَوْ أنَّ ذا القَرْنين في ظُلُماتِهِورآهُ يضحك لاسْتضاءَ بثغْرِهِ
فهذه معان تدخل في قسم ما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه لأن أبا الطيب نقل ما قيل في الخمر أو الثغر إلى الرأي وجاء بالمعنى بعينه.
وقال المتنبي:
لَوْ كانَ صادفَ رأس عازَر سيفُهُفي يَوْمِ مَعْركةٍ لأعيا عِيسَى
هذه مبالغة ما كنت أوثرها له لأن) عازر (لم يكن مضروب العنق وإنما كان ميتاً فأحياه عيسى ﵇ وكذلك قال:
أوْ كان لجّ البحْرِ مِثْل يمينهما أنْشقّ حتى جازَ فيه مُوسَى
وهاتان آيتان من قدرة الله تعالى تدلان على صحة نبوة مظهرها منه افتراه يعتقد أن قدرة الله لا تستولي على قطع عنق عازر إذا صادفه سيف الممدوح
أو لا تستولي على شق البحر لموسى، هذه مبالغات تركها الشعراء غير معتقدين لها ولا يحملهم عليها محبة الجودة في الكلام والتناهي في معاني النظام.
وقال المتنبي:
لمّا سمعتُ به سمعتُ بواحدٍورأيتُه فرأيت منه خَمِيسا
هذا معنى متداول ولفظ متناقل، ومنه قول أبي تمام:
لَوْ لمْ يقُدْ جحفلاً يوم الوغى لغدامِن نفسه وَحْدَها في جَحْفل لَجِبِ
وقال أيضاً:
بيتُ المقام يرى القبيلة واحداًويُرى فَيحسَبُه القَبيلُ قبيلا
وقال ابن الرومي:
فَرْدٌ وحيدٌ يراه النّاسُ كُلُّهُمُكأنّه النَّاسُ طُراً وهُو إنسانُ
هذه الأبيات يتساوى معانيها ومبانيها ولم يرجح لفظ أبي تمام فالسابق إليها أولى بها:
وقال المتنبي:
ولحظْتُ أنمله فَسِلْنَ مواهباًولمسْتُ مُنْصلهُ فسال نُفُوسَا
هذا من قول البحتري:
تَلْقاهُ يقطُرُ سيفُهُ وسنانُهُوبنانُ راحتِهِ ندىً ونَجِيعَا
وقال ابن دريد:
تَصرفُ في حالي نداه وبأسِهأناملُ يُقْطرن السَماحةُ والدمَا
قال أبو محمد: وأنشدت لدعبل:
وإِذا صادقْتَ أكدْتَ الصفاوإِذا أدْبرت يوماً لم أعج
وإذا عاذَ بقومي عائذٌوَتَر الناس جميعاً لم يهج
لو قال:
وإذا عاذ بقوميعائذ لم يهج
لكان مديحاً كافياً فحشي البيت حشواً مليحاً مفيداً من قوله:) وتر الناس جميعاً (وقال دعبل بعد ذلك:
فَعلى أيْماننا يَجْري النَدىوعَلى أسيافنا تَجْري المُهجْ
وكل ذلك يدخل في باب المساواة والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
بَلدٌ أقمْتَ به وذِكْركَ سائرُيَشْنى المَقيلَ ويكرَهُ التّعْريسا
أسكن الهمزة على ما جرت به عادته بغير قياس ولو قال: يأبى المقيل ويكره التَّعْريسا استراح من الضرورة، وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام:
جَرّدتُ في ذَمِّيك خَيْل قضصائدحَالتْ بِك الدُّنيا وأنْتَ مُقِيمُ
وذكر ابن الرومي قصيدة له فقال:
تَظلُ مقيماً في محلك خافضاًوأنْتَ بها في كل فج تُسيّرُ
وكلها معان متقاربة تتساوى في معانيها ومبانيها وأصحابها السابقون أحق بها.
وقال المتنبي:
فإِذا طَلبتَ فريسةً فارقْتَهُوإذا خدرت تخذته عِرِّيسا
أشار له إلى هذا ابن الرومي:
هو الليث طوراً بالعراقِ وتارةًلَهُ بين آحامِ القَنا مُتاجَّمُ
وقد قال قبله أبو تمام:
أسَدانِ حَلا مِنْ دِمشْقَ وأوطنامِنْ حِمْص أمْنعَ بلدةٍ عرّيسَا
تَخِذَ القَنَا خِيساً فإِنْ طاغٍ طَغىنَقَلا إلى مَعْناهُ ذَاكَ الخِيْسا
صرح أبو تمام باسم أسدين يحسن معهما ذكر العريس والخيس وكذلك ابن الرومي ولم يذكر أبو الطيب أسداً في شعره وإنما دلّ على إرادته بذكر
الفريسة وإنه إذا خدر تجده عريسا، ومن شرح مراده أرجح لفظاً وأولى بشعره.
وقال المتنبي:
إِني نثْرتُ عنك دُرّا فأنْتقِدْكثرَ المدلّسُ فأحْذر التَّدْليسا
لم يثق بفطنة الممدوح في النقد فحذره التدليس وصدر هذا البيت من قول أبي نواس:
ونَثرى عليك الدُّرَّ يا درَّ هاشمٍفَيا من رأى دُرّا على الدرِّ يُنْثَرُ
فجمع أبو نواس بين تشبيه كلامه وتشبيه الممدوح فصارت له زيادة يرجح بها فهو أولى بما قال، وابن الرومي يقول في صاعد:
أوّلُ ما أسألُ منْ حاجَةٍأن يُقْرأ الشِّعْرُ إلى آخرِهْ
ثُمَّ كفاني بالَّذي تَرْتئيفي جَيد الشعر وفي شَاعرِهْ
فسأله قراء شعره مما استقصاه ثم اكتفى بالذي يرتئي في جودة الشعر فسلم المعرفة بما يسم وإنما سأله استقصاء الشعر فهذا أحسن من كلام من حذره أن يقع عليه التدليس في الكلام وابن الرومي أولى بما قال.
وقال المتنبي:
حَجبتها عن أهلِ إنطاكيةوجَلوتها لك فاجتليت عَروسا
هذا المعنى موجود في قول الحسن بن وهب وقد أنشده:
كفيّ وغاك فإِنني لك قالليست هواري عزمتي بتوالي
فقال له: لقد أهديت إلينا منها عروساً يا أبا تمام وقام فاعتنقه فقال أبو تمام: لو أنها من الحور العين لكان قيامك أفضل مهورها.
وقد قال البحتري:
هذي القصائد قد أتتك حسانهاتَسعى إليكَ كأنَهنّ عَرائسُ
ولم يزد على أن شبه قصائده بالعرائس ولأبي الطيب من ذكر الحجاب وذكر الجلوة ما يقتضيه ذكر العروس وإنها مضنون بها على الأكفاء من الممدوحين ومن أكفانها الممدوح فرجح كلامه فصار أولى بما أخذ.
ويتلوها قصيدة أولها:
بكيتُ يا ربعُ حتى كدْتُ أبكيكاوَجْدتُ بي وَبِدمْعي في مَغانيكا
النصف الأول من قول الحصني:
لَما وقفنا بها أضْحت تُدارسناعَهد الخَليط فتبكينا ونبكيها
فأطلق لفظه ولم يقل:) حتى كدت (فرجح بذلك وهذه مجازات لا حقائق لها وقد قال ابن الرومي:
فَلوْ استطاعت إِذْ بكيت دُثُورهالبكيتُ نحولي بالدُّموع الهمل
فمنعها الاستطاعة للبكاء على نحوله وذكر ممكناً.
وقال المتنبي:
بأي حُكمْ زمانٍ صرْتَ متّخذاًريمَ الفلا بدلاً من ريم أهْليكا
هذا من قول أبي تمام:
وظباءُ أنُسك لَمْ تُبدَّلْ مِنْهُمبِظباءِ وحْشِكَ ظاعناً بِمُقيمِ
وقال الخليع:
عَهدتكُ مستن الخواذلَ للهوىفَما أنْتَ مُستن الظباء الخَواذِلِ
المعنى متقارب ولكن للخليع من الخواذل والخواذل تجنيس مليح يرجح ويصير أحق به.
وقال المتنبي:
أيّامَ فيك شُموس ما انبعثنَ لناإِلاّ انْبعثنَ دما باللحْظِ مَسْفوكا
هذا بيت رديء الصنعة لأنه كان في حديث الوحش ثم قال:) شموس (ولو قال ظباء كان قد أورد ما يجانس البيت الأول وأحسن من قوله في بقية البيت قول أشجع:
وإِذا نَظرْتَ إلى مَحَاسِنهافَلِكُلّ مَوْضع نَظْرة قَتْلُ
وقال أبو نواس:
رسْمُ الكرى بيْن الجفونِ محيلُعَفّي عليه بُكا عليك طويلُ
يا ناظراُ ما أقلعَتْ لحظاتُهإلاّ تشخط بينهن قَتيلُ
قال أبو محمد: وقد أخذت هذا المعنى فقلت أنا:
لا، وَوجهٍ لك يُبْديصَفْحةَ السّيف الصَّقيل
وسواد الشَّعر الأسْودِ في الخدِّ الأسيْلِ
وَجُفون لك لا تَطْف إلاّ عن قَتيلِ
ما جميلُ الصَّبر عن مِثْلك عندي بجميلِ
ومن ميز اللفظين عرف الفرق بينهما.
وقال المتنبي:
أحيْيت للشُّعراء الشّعر فامتدحواجَميعَ من مَدحُوهُ بالذي فِيكا
هذا قول ابن الرومي:
على أنّهُ من أحسن القولِ مِنْهمفمِنكَ ومن آثارِكَ ما حِسْنَه
وقال ابن الرومي أيضاً:
لولا بدائعُ من صِفاتِك لمْ تكنْللمادين إلى البديع تَغلغلُ
ومما جاء فيه ابن الرومي في هذا المعنى وبالغ فيه قوله:
مَدحَ الأوَّلون قوماً بأخْلاقِكَ من قَبْلِ أنْ تُرى مَخْلُوقا
نحلوهُمْ ذخائراً لك بالْباطِلَ مِنْ قَولهم وكانَ زَهُوقا
فانتزعْنا الغصوبِ مِنْ غاصبيهافحبا صَادقٌ بها مَصْدوقا
فتجاوز معنى أبي الطيب وبالغ ورجح عليه ولابن المعتز في نظر قول أبي الطيب:
إِذا ما مدحناهُ استعنا بِفعْلِهلنأخذ مَعنى مدحه من فَعالِهِ
وهذا يساوي قول أبي الطيب، فابن الرومي أولى منه بذلك وابن المعتز قد ساواه، وهما أحق بما أخذ منهما وقريب من هذا قوله:
وعَلّموا النّاس منك المجْدَ واقتدرُواعلى دقيقِ المعاني مِنْ معانيكا
فالسرقة متقاربة فيهما.
وقال المتنبي:
شكْرُ العفاةِ بما أوليْتَ أوْجد ليإلى يَديك طريق العِرف مسلوكا
هذا يشبه قول أبي تمام:
ولهذا أضحى ثنائي طريقاًعامراً بينه وبين المعالي
ومثله قول أشجع:
لَقدْ قَوم الرُّكبان من كل وجْهَهإِليْكَ اتِّصالَ الرَّكبِ يتْبعُهُ الرَّكْبُ
ويقرب منه قول الآخر:
لَقدْ وضَح الطّريقُ إِليك جداًفما أحدٌ أرادك فاسْتَدلا
وهذه معان متناسبة وألفاظ متقاربة فالسابق أحق بها.
وقال المتنبي:
وعُظْمُ قدرك في الآفاقِ أوْهَمنيأنَّي بقلَّةِ ما أثنيتُ أهْجُوكا
قال البحتري:
جَلَّ عَنْ مذْهبِ المديح فقد كادَ يكون المديحُ فيه هِجاءُ
فخبر أنه يجل عن المدح وأبو الطيب يقول: إن عظم قدره أوهمه وهماً والوهم يخطئ ويصيب أن عظم قدره في الآفاق أراه أنّ قلة ما أثنى به عليه كالهجاء له وعظم قدره في الآفاق قد يكون بخطوة لا يستحقها فقول البحتري أمدح وأرجح وهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
ولَوْ نقصتُ كما قد زِدتَ من كرمٍ) علىالورى (لَرأوْني مثل شانيكا
أسقط الهمزة من) شانيكا (على الرسم وقوله مأخوذ من قول ابن أبي عيينة:
خالدٌ لولا أَبوهكان والكلْبَ سواء
لَو كما ينقص يَزْداد إِذا نال السَّماء
هذا لفظ مطبوع مليح المطابقة سليم من العجرفة وقبيح الكلفة فصاحبه أولى به.
وقال المتنبي:
فإِنْ تقلْ: ها، فعاداتٌ عُرفت بهاأوْلا فإِنَّكَ لا يَسْخُو بها فُوكا
جوز عليه قول لا، ثم ذكر لا يسخو بها فوه وكان ينبغي أن يقول: ولو هممت بلا لم يستطع فوكا وقد قيل في هذا المعنى أشياء منها قول أبي العتاهية:
وإِنّ الخليفةَ من بعض) لاإِليه ليبعضُ مَنْ قالها
وقد ملح العكوك في قوله:
الله أجزى من الأرزاقِ أكثرهاعلى يديك بعلم يا أبا دُلَفِ
ما خطَّ) لا (كاتباه في صَحيفتهكما تُخَطط) لا (في سائر الصحفِ
بارى الرياحَ فأعطى وهي جاريةٌحتّى إِذا وقفتْ أعطى ولم يَقِفِ
وبعدها قصيدة أولها:
أريقُكِ أمْ ماءُ الغمامةِ أم خمْرُبِفيَّ بُرودٌ وهو في كبدي جَمْر؟!
أما تشبيه الريق بالغمام أو الخمر فمن قول امرئ القيس:
كأنَّ المُدامَ وصوبَ الغماموريحِ الخُزامي ونشر القُطرْ
يُعلُ به بَرْد أنيابهاإِذا طرّبَ الطائرُ المُستحرْ
فقد زاد امرئ القيس صفتين عليه وهو أول الشعراء، وأما عجز البيت فمن قول أشجع:
وسَقاك مِن حَر الهوى بَردُ المفلجة العذابِ
وقد قال ابن الرومي:
ويسقيك الذي يُروى ويُذوىفَفي الأحشاء بَردٌ واضطرام
فقول أشجع أن برد أنيابها يسقي أحشاءه من حر التهابها حسن جداً، وأما قول ابن الرومي فكيف أجتمع البرد والحر في أحشائه؟ وكيف يحسن موقع البرد فيها مع اضطرامها وما قاله أبو الطيب من إحساسه البرد في فيه والخمر في كبده أحسن من قول ابن الرومي وأشعرهم أشجع وهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
إَذا الغُصن أمْ ذا الدِّعص أمْ أنت فِتْنةٌوذيَّا الَّذي قبّلتُهُ البرق أمْ ثَغْرُ!
وليس هذا مما يعنى باستخراج سرقته ولكنا نخاف من ناقص النقد أن يتوهم أنّا جهلناه فلذلك نذكر مثالاً احتياطاً. أنشد ابن قتيبة لبعض الإغفال:
أنسيم ريقك أحتال العنبرُهَذا أمْ استنشاقه مِن عنبرِ
أنظام ثغرك ما أرى أمْ لمحةمن بارقٍ أم معدن من جوهر
هذه معان متساوية غير أن أبا الطيب قد جاء بالكثير الطويل في الموجز القليل فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
رأتْ وجْهَ من أهْوَى بليلٍ عَواذليفَقُلْنَ نرى شمساً وما طَلَع الفَجْرُ
هذا من المستعمل قال الأول في معناه:
تراءت لنا والليلُ من دونِها سَترُفكانَ لنا من غيرِ نحريهما فَجرُ
وقلت لها من أنْتِ قالتْ: تعجباًيُقال كذا للبدر من أنْتَ يا بدرُ
هذا كلام مستعذب والبيت الأول يقارب معنى أبي الطيب وفي الثاني زيادة مليحة عذبة تخبر عن تعجبها من سؤاله إيّاها عنها وهي أشهر من أن يسأل عنها وقال ابن المعتز:
ولمْ أدرِ أنَّ ألبانَ يُغْرسُ في النّقاولا أنَّ شمساً في الظلام تَطوفُ
فشغل صدر البيت من غرس ألبان في النقى بمعنى غريب، وعجب من شمس تطوف في الظلام كما عجب أبو الطيب من رؤية شمس ولم يطلع الفجر فجمع بين الصفتين وزاد في الكلام ما هو من التمام فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
رأيْنَ التي للسحرِ في لَحظاتِهاسُيوفُ ظباها مَنْ دمى أبداً حُمْرُ
بينا هو يصفها بأنها كالشمس إذ خرج إلى وصف سحر جفونها وما يفعله به وكان ينبغي أن يجود صنعته ولا يخرج الكلام عن نور وجهها فيقول:
رأين التي للنور فِيها تألقيرد عيون الناظرين بها كَسر
وأما قوله:
سيوف ظباها من دمى أبداً حُمْرُ
فمن قول ابن الرومي:
وغزال تَرى على وجْنتيهقَطْرَ سهميه من دماء القلوبِ
لم يُعادِلْهُ في كمال المعانيتوأمُ الحسن من بني يعقوبِ
فجعل لعينيه سهمين وجعل التثنية للتثنية وجعل حمرة خديه من قطر سهميه من دم القلوب وهذا معنى لطيف ولفظ شريف وقد زاد فيه معنى ليس موجوداً في كلام أبي الطيب من صفة حمرة خديه فكلام ابن الرومي أرجح وما زاد أبو الطيب في المعنى لأنه جعل مكان السهام سيوفاً وخبر عن حمرتها لا غير، فأبن الرومي أولى بما قال.
وقال المتنبي:
تَناهى سكون الحُسن في حَركاتِهافَليسَ لرأي وَجْهها لمْ يَمُت عُذْرُ
قال ابن المعتز:
عُذرَ القتيل بحبِّها لكنَّ مَنْقَدْ عاشَ بِعْد فراقِها ما عُذرُهُ
وقال المتنبي:
إِلى لَيْث حربٍ يُلحم اللَّيثَ سيفُهُوبحْرِ ندىً في جُوده يغْرقُ البَحْرُ
أخذه من البحتري:
إِذا قُرِنَ البحرُ الخضم بأنْعُم الخليفة كاد البحْرُ فيهنَّ يَغْرَقُ
وقد أختصر هذا أبو الطيب في عجز بيت شغل صدره بمعنى آخر بما أتى به البحتري وبين قوله:) يغرق البحر (وبين قول البحتري) يكاد البحر) يغرق (مبالغة هي أمدح من قول من حمدها.
وقال المتنبي:
وإِنْ كانَ يُبْقي جُودُهُ من تَليدِهشبيهاً بما يُبقي من العاشِقِ الهَجْرُ
هذا من قول الديك:
فَعلت مُقلتاه بالصبِّ ما تفعلُ جَدوى الأمير بالأموالِ
وقد قال القاضي التنوخي:
وأشعث لَمْ يبق منه المورإلاّ مثل ما أبقت من الصب النوى
ومثله قول خالد الموصلي:
يا منزلاً ضن بالسَّلامسُقيت ريّاً من الغمامِ
لمْ يترك القطرُ مِنْه إلاّ ماتَرك الشوق مِنْ عظامي
وكل هذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
فَتى كلّ يومٍ يَحْتوي نفس مَالهِرماحُ المعالي لا الرّدينيَّةُ السُّمْرُ
ذكر أن المعالي تحتوي نفس ماله لا يوصل إلى ذلك منه بقهر ولا غلبة فهذا البيت ينظر إلى معنى أبي تمام في قوله:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر أغارتْ عليه فاحتوته الصَنائِعُ
وفيه زيادة أنّ بغاراتهم على الأعداء يملكون المال وذلك يدل على الشجاعة وتغير عليهم الصنائع فيحتوي ما حووه هم فصاروا شجعاء كرماء فهذا أمدح من ذاك وأرجح فأبو تمام أحق بقوله.
وقال المتنبي:
ولَوْ تنزلُ الدُّنْيا على حكم كَفّهِلأصْبحتِ الدّنيا وأكثرها نَزْرُ
هذا من قول أبي العتاهية:
ولو كانتْ لَهُ الدنيالأعطاها وما بَالى
وأبو الطيب قال:) أكثرها (فقد بقي منها بقية وأبو العتاهية أخبر عنه أنه يعطيها كلها ولا يبالي فلفظ أبي العتاهية أمدح ولفظ أبي الطيب أجزل فنحن ندخل هذا في باب المساواة.
وقال المتنبي:
أراه صغيراً أعظمها عظْمُ قدْرِهِفَما لعظيمٍ عنْدهُ قَدْرُ
أخذه من أبي تمام:
أبى قدرنا في الجود إلاّ نباهةفَليس لمالِ عِنْدنا أبداً قَدرُ
وهما يتساويان في المبنى والمعنى والسابق أولى بما قال، فإن قال قائل: فلأبي الطيب زيادة وذلك أنه قال: فليس لعظيم يكون ما كان عنده قدر) وقد (خص أبو تمام المال وحده، قيل له: المال أنفس شيء وأفخذه وأعظم نفيس وأكبره تتلف النفوس في تطلبه وتركب الأهوال في تكسبه ويرد به سطوة الأعداء القاهرة ويتوصل به إلى الدنيا والآخرة فالمعنى فيهما واحد.
وقال المتنبي:
مَتى ما يُشِرْ نحو السَّماء بِوجْهِهِتَخر لَهُ الشِّعري وينكسفُ البدْرُ
هذا من قول البحتري:
شوقاً إلى من لَوْ تبدى وَجههللبدرِ كانَ من التحير يكسفُ
وهذا مثل ذلك مساوياً ولولا أن الله ﷿ خبرنا) أنه رب الشعرى (فدلنا على أشرفها لقلنا ما حاجتنا مع ذلك البدر إلى ذكر الشعرى، فقد صار له بهذا زيادة يستحق الشعر بها.
وقال المتنبي:
ترى القمر الأرضِ والملك الَّذيلَهُ الملك بَعْد الله والذكرُ والفخرُ
) فدل (على أن القمر الأرضي أفضل من السمائي لأنه يكسفه والذي أعرف أن أحسن بشراً إذا بولغ في صفته يشبه بقمر السماء فأما ذكر الملك والذكر والفخر فلا مدخل له في صفة القمر وهذه معان تمضي على الأسماع فإذا وقع عليها التصفح الشافي والتأمل الكافي ظهرت أسرارها وأنكشف عوارها.
وقال المتنبي:
كثيرُ سُهادِ العين مِنْ غير علةٍيؤرقّهِ فيما يشرفه الذِكْر
هذا من قول ابن المعتز:
وأسهر للمجدِ والمكرماتِإِذا اكتحلتْ أعين بالكرى
وهذا يدخل في قسم المساواة، وما أحسن قول ابن الرومي:
أقسمتُ باللهِ ما استيقظتم لحتاولا وجدتم عن العليا بِنوام
هذا طباق حسن قد استوفى فيه أقسامه وجود نظامه وذلك أنه خبر عنهم بيقظة شريفة ورقده منيفة في الحالين جميعاً.
وقال المتنبي:
أبا أحْمدٍ ما الفخْرُ إلاّ لأهْلهِوما لامْرئٍ لَمْ يُمْسِ مِنْ بُحْترٍ فَخْرُ
هذا تجاوز عن الحد وخروج عن الصدق إنما يصلح أن يقال هذا لمن له نسب متصل برسول الله ﷺ، ولكن الشعراء يتجاوزون إلى الغاية في المبالغة.
وقال المتنبي:
هُم الناسُ إِلاَّ أنهُمْ من مكارمٍيُغنّي بهم حَضْرُ ويحدو بهم سَفْرُ
قال ابن الرومي:
وقد سار شعري شرق أرضٍ وغربهاوغنّى به القومُ المقيمون والسّفرُ
فألفاظ بيت ابن الرومي يأخذ بعضها بأعناق بعض وقد عرف الحضر والسفر بالألف واللام، فيمكن أن يقال إن الناس كلهم قد غنوا به، وأبو الطيب نكر فأمكن أن يكون المعنى فرقة من الحضر وفرقة من السفر، وإذا كان كلام ابن الرومي أشرح وأمدح بإمكان العموم فيما خص فيه أبو الطيب، فابن الرومي أحق بما قال ولعل قائلاً أن يقول: جمع أبو الطيب حالتي الغناء فصارت له زيادة فإنه إنما يحتسب له بذلك لو كان الغناء لا يكون إلا في الحضر فإذا صلح للحضر والسفر لم يصح تقسيمه، وقد قال عمر بن الخطاب:) الغناء يعم زاد الراكب (، فجعله بمنزلة الزاد لمسافر.
وبعدها قصيدة أولها:
ما الشّوقُ ممتنع مني بِذا الكَمَدِحتى أكونَ بلا قلبٍ ولا كَبدِ
قال) فيها (:
ما زالَ كُلُّ هزيمِ الودْقِ يُنْحِلهاوالسُّقْمُ يُنحُلني حتّى حكتْ جَسدي
يشبه قول ابن الرومي:
درساً براهن البلى بَرى الضنىجِسمي لبين قطينها المترحل
ولبعض العرب:
ألا إنّما تذري دموعي مهارقفسرى إعلان ولست أبوحُ
أسائل عَنْه منزلاً شفه البلىكما شف جسمي السّقم وهو صحيحُ
وليس قول أبي الطيب داخلاً في حسن الخروج المليح إلى الهجاء أو المديح وبينما يخبر عن زفراته إذ سأل أين منك ابن يحيى صولته الأسد فخرج عن حديث الهوى والحزن الشاغل إلى أن يسأل ابن يحيى أين صولته من صولة الأسد وهذا من ذاك غير متقارب ولا متناسب وذلك قوله:
فأينَ من زَفَراتي من كَلفتُ بهوأينَ منك ابن يحيى صَولةُ الأَسَدِ
وقال المتنبي:
لمّا وزنتك بالدنيا فَملت بهاوبالورى قَلَّ عِنْدي كَثْرةُ العَدَدِ
ينظر قوله:) قلّ عندي أكثر العدد (إلى قول القائل:
ما أكثرَ الناس لا بل ما أقلهمالله يعلم أني لمْ أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحهاعلى كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا
هذا يذكر أنه على كثرة عددهم قليل، وأبو الطيب يذكر أنهم قلوا بالقياس الممدوح وكلا القصدين) صحيح (.
وقال المتنبي:
إِذا ما ذكرْنا جُودَهُ كان حاضراًنأى أو دنا يسْعَى على قَدمِ الخضْرِ
هذا لا يقرن بالبيت الذي قبله ولا يجانسه وهو على تباعده منه مسروق من قول مسلم:
فحث مطي الراحِ حَتَّى ظَننتهُ قفاأثر العنقاء أو سَائر الخَضْراء
الجود: عرض وليس بجسم وسعيه على قدم الخضر وقدمه جسم غير صحيح وإن كنا نعلم أن مراده من هذا الكلام سرعة حضور جوده، ولكن تشبيه مسلم المتحرك بجسم يقفو أثر ما لا يجد أو يساير الخضر أصح مقصداً وله من ذكر العنقاء زيادة يستحق بها.
يتلوها قصيدة أولّها:
أحادٌ أم سداسٌ في آحادِليلتنا المنُوطَةُ بالتَّنادي
أي ست ليال في ليلة وما عدت العرب أكثر من رباع ولكن أبا حاتم
حكى أن العرب تقول أحاد إلى عشار وكأنه قال لا يجوز ثم عاد فأجازه فأستشهد بقول الكميت:
فَلمْ يَستر يثُوكَ حتى رَميْتَ فوقَ الرجالِ خِصالاً عُشارا
وما أراه رجع إلا ببيت الكميت أو ما علم أنّ الأصمعي قال: تقول العرب برق ورعد وأنشد المتلمس:
فإذا حللتُ ودُون قومي عاوةٌفأبرق بأرضك ما بَدا لك وأرْعُدِ
فقيل له قد قال الكميت:
أبرق وأرعد يا يزيد فما وعيدك لي بضائرْ
فقال الأصمعي: الكميت مولّد لا يحتج بشعره فعلى هذا فقد أستعمل
المتنبي المختلف فيه وقاس على كلام العرب الذي ينبغي أن تؤخذ لغتهم سماعا يأتي بما أتت فيه أتباعاً وصغر ليلة على لفظها وقد سمع منه ليلية كأنه تصغير ليلاة وإن لم يسمع ذلك وهذا التصغير التعظيم كقول بعض الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقتها المرحب.
وعلى هذا تصغير الأسماء مثل كليب وعمير، وما أدري لما أراد وصف هذه الليلة بالطول وأقتصر على سداس لم أقتصر على سداس فيقول: أحاد في عشار فيكون أطول لما أحب وصفه بالطول ثم أخبر أنها موصولة بالتنادي يعني بالتنادي بالرحيل فكأنما المسافة بينه وبين
وقوع التنادي ست ليال على قياس لفظه، وهذا كلام به من قلة الماء وبهجة الرواء ما ترى.
وقال المتنبي:
كأَنَّ بنات نعشٍ في ذُراهاخرائد سَافرات في حِدادِ
يقال: سافرات على النعت وسافرات على الحال، وقال أبو العباس الناشئ:
كأن محجلات الدهم فيهخَرائد سَافرات في حِدادِ
هذه سرقة توجب القطع. وقال ابن المعتز:
وأرى الثُريا في السمّاءِ كأنَّهاقدمُ تبدت في ثيابِ حِدادِ
وقال آخر:
كأنَّ كؤوس الراحِ والليلُ مُظلموجوهُ عذارى في ملاحف سُود
الخريدة الخبية وهذه معان يقرب بعضها من بعض وتتساوى فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
زَعيما للقنا الخطّى عَزميبسفكِ دمِ الحواضر والبَوادي
هذا يدل على قلة رأفة ودين لأنه لم يقل دم المشركين ولا المنافقين ورأى قتل العباد غويّهم ورشيدهم وذميمهم وحميدهم بغير جناية، هذا لا يدخل في العدل ولا يحسن في العقل وقد سبقه إلى هذا القبيح أبو دلف فقال.
وأحسنُ من نَزوات الصباإذا ما اللبيب أطاعَ اللبيبا
ركوبُ الجيادِ وطي البلادِوقتل العبادِ شعوباً شعوبا
ولا خير في المعنيين فيشتغل بها.
وقال المتنبي:
وشُغْلُ النّفسَ عن طلب المعاليببيعِ الشِّعر في سُوق الكَسادِ
أخذه علي بن بسام:
قالوا تغير شعره عن حَالِهوالفكرُ يَقطعه عن الأشعار
لا تعذلوهُ إذا تغير شِعرهفالسوق كاسِده بغير تجار
وهما معنيان متساويان والأول أولى بقوله.
وقال المتنبي:
وَما ماضى الشباب بمستردٍولا يوم يمرَ بِمستعادِ
قال عدي بن زيد:
أمسك أمس قَدْ مَضى فانقضىلَيْس لأمسٍ قَدْ مضى مرتجعُ
وقال الحطيئة:
إذا ذهبَ الشباب فبان مِنهُفليس لما مَضى مِنه لِقاءُ
وقال أبو العتاهية:
لا يُستعَاد اليومُ إنولّى ولا للأمسَ ردُ
وقال البحتري:
فهل عقب الزمان يَعُدنَ يوماًبيومٍ من لقائك مُستفادُ
فكل هذه المعاني متساوية وهي إخبار بما لا يجهل ولكنه كالتوجع والتفجع غير أن أبا الطيب أختصر الكثير الطويل في الموجز القليل وذلك أنه خبر أن ماضي الشباب لا يسترد وأن يوماً يمر غير مستعاد. خبر عن الشباب
والزمان وأفرد غيره بالإخبار إما عن الزمان وإمّا عن اليوم وكان بيت أبي الطيب ينوب عن أبياتهم فهو أحق به.
وقال المتنبي:
مَتى لحظت بياضَ الشيب عَينٌفقدْ وجدتهُ مِنها في السَّوادِ
هذا من قول القائل:
في كل يومٍ أرى بيضاء نابتةٍكأنّما تنبت في حبةِ البَصرِ
فالمعنى المعنى ولكن مبنى أبي الطيِّب أرجح مما يأتي به من المطابقة بين البياض والسواد والأول ذكر البياض وجعل حبة البصر موضع السواد من بيت المتنبي، ولو قال:) في أسود البصر (كانت الصنعة واحدة وكان أحق بما قال، ولكن تأتي لأبي الطيب أن رجح كلامه على كلام من أخذ عنه فصار أولى به.
وقال المتنبي:
مَتى ما ازددت من بعد التَّناهيفقد وقع انتقاصي في ازديادي
أخذه من محمود الوراق:
إذا ما ازددت من عمري صُعوداًينقصه التَزيُّدُ والصُّعُودُ
أما السرقة في هذا الكلام ففاضحة، إلا أن لفظه من أبي الطيب أصنع ألا ترى أن الزيادة مع النقصان ضدان والصعود مع الهبوط ضدان فأبو الطيب
أوقع اللفظ على استحقاقه في استعمال الأضداد، ومحمود تساهل في ذلك، فرجح كلام المتنبي، واستحق ما أخذ، فأما قول أحمد) بن (أبي طاهر:
متى ما زاد عمرك كان نقصاًونُقصانُ الحياة مع التَّمامِ
فالنقص والتمام ضدان وقد استوفى معنى بيت أبي الطيب في صدر بيته، وعجزه زيادة في المعنى ما هو من تمامه ومثله قول أبي المعتصم:
كمالُ المرء نقصٌ في قواهونقصُ المرءِ من بعد الكمالِ
وهو يشبه بيت أحمد بن أبي طاهر سواء، وهذا يدخل في قسم المساواة وللسابق فضل السبق.
وقال المتنبي:
جَزى الله المسير إليه خيراًوإنْ تَرك المطايا كالمزادِ
المزاد: يكون فيها الملاى الجديد فيكون التشبيه يدل على الصلابة والسمن وقلة الكد وليس هذا مراده لأنه لا يوجب على الممدوح ذماً ما في قصده لأنه ما كد إليه راحلة ولا جهد نفسه في إتيانه وقد تكون فارغة يابسة فيشبه الهزلي من الإبل ولكنه ما أتبع هذا بنعت يفسر إرادته، والجيد قول بعض الأعراب:
كأنّها والشوكُ كالشنانتَميسُ في حلةِ أرجوانِ
فالشنان: القرب البالية جمع شنّة فدل بمعنى الشنان على بلاها وهزالها فرجح لفظه على لفظ أبي الطيب.
وقال المتنبي:
فَلمْ تلق ابن إبراهيم عنسىوفيها قُوتُ يومٍ للقُدادِ
هذا معنى ينظر إلى قول الحطيئة:
سناماً ومحضاً أنبتا اللحم فاكتستْعظامُ امرئ ما كان يَشبع طائرهُ
أي لو وقع عليه طائره ما كان يشبع طائره من لحمه فجعل الناقة مكان الرجل وجعل القداد مكان الطير وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به.
وقال المتنبي:
وأبعدَ بعدنا بعد التَّدانيوقرّب قُربنا قُرب البِعادِ
معناه وأبعد بعدنا مثل بعد التداني وأقرب قربنا مثل قرب البعاد كان
بيننا أي قربني إليك بحسب ما كان بيننا من البعد فهذا كما قلنا إنما يشبه كلام أهل علم الباطن) خذني مني وغيبني عني حتى لا أبقى أنا بلا أنا (وهذا مما لا يلتمس له استخراج سرقة وإنما فسرت لك معناه لئلا تسمع تهويلاً فتتوهم أن له محصولاً.
وقال المتنبي:
فلما جئته أعلى مَحلّيوأقعدني على السّبعِ الشّدادِ
قد ألمّ بمعنى زهير:
لو كَانَ يقعد فَوقَ الشمسِ من كرمٍبآبائهم أو مجدهم قَعدوا
فزهير أحترس وقال:) لو جاز أن يقعد قوم بحسب أو مجد فوق الشمس لقعدوا وأبو الطيب حقق جلوسه على السبع الشداد فليس هذا في قدرة الممدوح فكان زهيراً بالاقتصاد في المحال ورجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه أحق بما قال.
وقال المتنبي:
تَهلَّل قبل تَسليمي عَليهِوألقىَ كيسهُ قبل الوِسادِ
أما ذكر التهلّل فلا أعرف فيه أحسن من قول زهير:
تراهُ إذا ما جئته متهلّلاًكأنَّك تعطيه الذي أنت سائلُه
وذلك أنه قد عرف مقدار تهلله لأنه قد يتهلل المعطي ولا يبلغ تهلل
المعطي ما يفرح به وذكر الكيس واللقاء به ليس مدح فأخر ولا يبلغ نهاية المدح بالجود لأنه قد يلقي كيساً ليس فيه ما يغني المعطى ولا يفقد المعطي والبدرة أولى من الكيس بإغراق في المدح وخبر أنه ألقى الكيس وأتبعه وساداً فخبر عن الممدوح بالسخاء وإكرام عفاته فكأنه ينبه على المعنى بقول أبي الهندي:
سألناهُ الجزيلَ فما تلكىوأعطى فَوقَ منيتنا وزادا
وأحسن ثم أحسنَ ثم عُدنافأحسنَ ثم عُدتُ له فعادا
مراراً ما قصدت إليه إلاتَبسَّم ضاحكاً وثنى الوسادا
فذكر معاودته مراراً والتكرم يكون مع كثرة المعاودة غير مأمون وخبر ببشاشة وإفراط هشاشة، فإن قال قائل شرط أبو الطيب إلقاء الكيس قبل الوساد والإكرام أولى بالتقديم وقد خبر أبو الهندي بأنه أعطاه فوق منيته وذلك مما يتسع الظن في كثرته وأنه عاوده دفعات فكلامه يفيد معاني من كرمه يرجح بها على أبي الطيب.
وقال المتنبي:
وأنّكَ لا تجودُ على جَوادٍهباتُكَ أن يلقب بالجوادِ
هذا من ألفاظه التي تحتاج إلى تفسير فإذا فسرت قلت فائدة مسبوكها ومعناه هباتك لا تجود على أحد بأن يلقب جواداً ولو قال أن يسمى بالجواد كان أحسن من قوله) أن يلقب (.
وقال المتنبي:
كأنَّ الهامَ في الهَيجا عيُونٌوقَدْ طُبعتْ سُيوفكَ من رقادِ
فسر هذا بعض النحويين فقال: إن معناه أن سيوفك تألفها الهام كما تألف العيون الرقاد، وهذا ضعف في النقد وخروج عن القصد لأن الهام تكره السيوف ولا تألفها قال أبو محمد: وهذا الكلام يحتمل معنيين أحدهما أن لا يقدر الهام على الامتناع من سيوفك كما لا تمنع العيون دخول الرقاد عليها أحبته أو كرهته والآخر أن يكون أراد موقع سيوفك في هامهم كموقع الرقاد في المقل يريد إمّا بطلان الحس والغيبة بها أو يريد حسن وقعها كوقع الرقاد في العيون كقول الأول:
فكأنما وقع السيوف بهامهمخَدرُ المنية أو نعاس الهاجع
يقرب منه قول أبي نواس:
ولها دَبيبُ في العظامِ كأنَّهُأخذ النعاسِ، وقبضهُ بالمفصلِ
وكلام أبي نواس يشبه نعنى الأول إذ ليس يمتنع العقل ولا المفصل لمن عمل النعاس فيهما وأخذه إياهما لأنه فعل للطبيعة يدخل عليهما من حيث لا يمتنع.
وقال المتنبي:
وقَدْ صُغتَ الأَسنَّة من هُمومٍفما يخطُرنَ إلا في فُؤادِ
يجوز الكسر والضم في الطاء من) يخطرن (ومن أراد الرماح كسر، وهو ينظر إلى قول أبي تمام:
كأنّه كان تربَ الحبِّ مُذْ زمنٍفليس يُعجزه قلبُ ولا كَبد
وقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى أخذاً جلياً واضحاً قبيحاً ومن ذلك قول بعض بني عبد شمس:
الطاعنُ الطعنة النَّجلاء عن عرضٍأثر الكتيبة يُرميه ويرميها
بلهذمٍ من همومِ النفسِ صيغتهُفليس ينفكُّ يجري في مَجاريها
وكلام الشمسي مساو لكلامه في معناه فالأول أحق بما قال.
وقال المتنبي:
ويْومَ جلبتَها شُعثَ النَّواصيمُعَقّدة السَّبائبِ للطِّرَادِ
هذا بيت لا معنى فيه فيطلب له استخراج سرقة وإنما ذكرناه للضمير الذي لم يجر له ذكر ولكنه ذكر من الهيجاء والرماح ما يدل على حضور الخيل فاستعمل الإيجاز والاختصار واكتفى بعلم المخاطب وهو مذهب صحيح قد ورد في القرآن والشعر ففي القرآن قوله تعالى:) حتى توارت بالحجاب (و) كل من عليها فانٍ (ولم يجر للشمس ولا للأرض ذكر وفي الشعر قال حميد بن ثور أول قصيدة:
وأدماء منها كالسَّفينة تضحتْبه الحَمل حتى زاد عشراً عَديدُها
فقال منها يريد ناقة وأضمرها لعلم المخاطب.
وقال المتنبي:
وَحام بِها الهلاكُ على أناسٍلهمْ باللاَّذقيةِ بَغيُ عادِ
قال ابن الجهم:
أعطاكَ يا ابن أبي داود رُتبةًفجريت في ميدانِ أحمر عَادِ
وهذا يدخل في باب التساوي.
وقال المتنبي:
لقُوكَ بأكبدِ الإِبلِ الأبايَافسقتهم وَحدُّ السَّيق حَادي
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع