من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (١٢)
وقال المتنبي:
بدت قمراً، ومالت خُوط بانٍوفاحتْ عنبراً، ورنت غَزالا
ووقوع) فاحت عنبراً (بين هذه التشبيهات التي هي أعضاء قلة صنعة وضيق عطن بما يليق في البيت ولو قال:) وماجت لجة (يريد ردفها كان البيت كله تشبيهات وكان أحسن في صنعة الشعر ولو جعل البيت بثلاثة تشبيهات فقال:) تثني ما بدا ورنت غزالا (لاكتفى بذلك وجميع البيت موجود في قول ابن الرومي:
إن أقبلتْ فالبدرُ لاحَ وإنْ مشتفالغصنُ مال وإنْ رنت فالريم
وقال البحتري:
فهي الشمسُ بهجةً، والقضيبُ الغض ليناً، والريم طوقاً وجيدا
وهذه معان متداولة مستعملة ولكن إذا بسط لأحدها فلا بد من إخراج مواضعها ومع ذلك فقد عرفتك نقصان صنعته فيها وكلاهما بالسلامة من مطعن أرجح وهما أولى بما قالا.
وقال المتنبي:
كأنَّ الحزنَ مشعوفٌ بقلبيفساعةَ هجْرِها يجد الوِصَالا
معكوس هذا من قول ابن أبي فنن:
أعرني ما تكون بي اللياليإذا مّا قيل قد وصل الحبيب
وقوله أيضاً:
فإِذا هجرت يعودُ بي سقميوإِذا وصلت برأت من سقمي
وقال المتنبي:
كذا الدنيا على من كان قبليصُروفٌ لم يُدْمِنَ عليه حالا
يشبه قول القائل:
أصبر لدهر نال منكفهكذا مضتْ الدُهورُ
فرحٌ وحزنٌ مرةً لاالحزنُ دام ولا السرورُ
فهكذا مضت الدهور، كذا مضت الدنيا على من كان قبلي وقوله:) لا الحزن دام ولا السرور (هو صروف لم يدمن عليه حالاً ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل، وقد أختصر أبو العتاهية كاختصاره فقال:
دار سوءٍ لم يَدُمْ فرحٌلامرئ فيها ولا حزنُ
فساواه مبنى ومعنى.
وقال المتنبي:
أشدُّ الغم عندي في سرورٍتيقَّنَ عنه صاحبه انتقالا
هذا من قول ابن الرومي:
إِذا طاب لي عيش تنغصت طيبهيصدقُ نفسي أن سيذهب كالحلمْ
ومن كان في عيش يراعي زوالهفذلك في بؤسٍ وإن كان في نعمْ
وقال ابن المعتز:
ما أعجبَ الدهر في تصرُّفهونقل سلطاته ودولته
من كان يدري أنَّ النعيم إلىبؤسٍ رأى الهمَّ في مسرَّته
أما ابن الرومي فإنه إن كان جاء بمراده في بيتين فإنه قد زاد في كلامه ما هو من تمامه والمعنى في شعر ابن المعتز في البيت الثاني يساوي قول أبي الطيب
فقد أستحقه عليه.
وقال المتنبي:
على (قلق كأنَّ الريح تحتيأوجِّهُها جنُوباً أو شمالا
ينظر إلى قول القائل:
فلو أني استطعت هوىً وشوقاًركبتُ إِليك أعناقَ الرياحِ
وقال المتنبي:
إلى البدر بن عمار الذي لميكن في غرّة الشهر الهلالا
لم ينون عماراً فإن كان ذهب إلى قول الفراء وهو المعروف فقد ذهب مذهباً لأنه يقول: إن حقها لا تصرف لثقلها وأستشهد على ذلك بقوا الشاعر:
لمصعبٍ عند جدِ الأمر أكثرها وأطيبها
وقد روى الكوفيون:
لما عصى مصعب أصحابهأدى إليه الكيل صاعاً بصاع
وقال الأصمعي: لأنّه لما عصى أصحابه هرب من ترك الصرف
وجميع البصريين لا يجيزون ترك صرف ما لا ينصرف هذا إذا فتح عمار فإن كسره فلا وجه إلاّ على قول عبد الله بن قيس الرقيات:
تذهل الشيخ عن بينه وتبديعن راها العقيلة العذراء
ويرجع إلى المعنى، وقد قال ابن الرومي:
وكل هلالٍ فهو غرة شهرهِووجهكْ فينا غُرةُ الشهرِ والشهرِ
ذكر أبو الطيب أنّه في سائر زمانه بدر ولم يكن هلالاً على حال وجعله ابن الرومي هلالاً وغرة الشهر فنقصه عن مرتبته عند أبي الطيب ولكن قد قال ابن أبي عون الكاتب:
لقد جانا الأفق الغربيبدرٌ ما كان قطُ هلالا
فساوى أبا الطيب ومن المليح الزيادة البين الإفادة قول ابن الرومي:
أيُّها البدر لا تزل في كمال الأمرِبدراً وفي السماء هلالا
فأغرب وزاد على الجماعة.
وقال المتنبي:
ولم يعظم لنقصٍ كان فيهولم يزل الأميرُ ولن يَزَالا
ولو قال:) ولم يكمل لنقص كان فيه (لأجاد الكمال ضد النقص، وليس العظم ضده، وأما الصنعة فقد قال البحتري:
وإني لم أزل كلفاً بليلىعلى رغم الوشاةِ، ولن أزالا
فهذا من استخراج معنى من معنى أتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
بلا مثلٍ وإن أبصرتَ فيهلكلُّ مغيّبٍ حَسَنٍ مثَالا
قال فيه مثال لكل حسن وهو مع ذلك بغير مثال كأنه يجمع ما في غيره من المحاسن فيه ولا يكمل في غيره جميع ما فيه، وهذا كأنه يشبه قول القائل:
من فيه ما فيكم من كل صالحةوليس في كلكم ما فيه من حسن
وقال المتنبي:
حسامٌ لابن رائقٍ المرَّجىحسام المُتقي أيّامَ صالا
وأتبعه بأن قال:
سنانٌ في قناةِ بني معدٍّبني أسدٍ إذا دعوا النِّزالا
) حسام المتقي (معنى معروف. وقوله) أيام صالا (حشو غث فارغ كأنه إنما يكون حسامه في أيام صولته ويسقط عنه هذا الاسم في غيرها وقد جمع منصور النمري بيته في بيته فقال:
فكنت قناة ثابتاً في سنانهوسيفاً له غضباً يقر الهواديا
فاختصر الطويل في الموجز القليل وسلم من الحشو الفارغ فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
يكون أحق ثنائي عليهعلى الدنيا وأهليها مَحَالا
قال أبو تمام:
إلى واحد الدنيا الذي لو بمدحهمدحتُ بني الدنيا كفتهم فَضَائِلُه
فخبر عنهم بالاكتفاء بفضائله، وقال أبو الطيب تكون من الحق من الثناء على الممدوح إذا مدحت به الدنيا وأهليها محالاً لأنه إفراط يستحيل كونه مثله فهو أشد
مبالغة منه فهو بذلك أرجح وأمدح وأولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ويبقى ضعفُ ما قد قيل فيهإذا لم يَتَّرِك أحد مقالا
تحديد الضعف سديد يتضح لمن وازن بين الفضائل حتى عرف أن الباقي معه منها بمنزلة الماضي وهذا تبعد والممكن ما قاله ابن أبي حفصة:
ولا بلغ المداح في الوصف غايةًوإن أطنبوا إِلا الذي فيك أفضل
وقال أشجع:
وما ترك المداح فيك مقالةًولا قال إِلاَّ دُون ما فيك قائل
وقال أبو العتاهية:
ما قلتُ في فضله شيئاً لأمدحهُإِلاَّ وفضلُ يزيدٍ فوق ما قُلْتُ
هذا هو المدح المعتاد فوق ودون وأكثر فأما ذكر الضعف فيحتاج إلى تعب حتى تعلم حقيقته.
وقال المتنبي:
فيا بْنَ الطاعنين بكل لَدْنٍمواضع يشتكي البطل السُّعالا
ذهب إلى قول كثير:
وأقمُ أنَّ حبك أم عمروٍلدى عند منقطع السّعالِ
وقال المتنبي:
وقالوا هلْ يبلغك الثريَّافقلت نعم إذا شئت استفالا
هذا من محالاته لأن القوم سألوه هل يبلغوه الثريا إلاّ وهو دونها فكيف يبلغ ما هو أعلى منه إذا شاء يستفل ولو قال:) اقتصاداً (لو أمكن ذلك وإذا طلبت دون أملي فيه أوطى بهمته في رفع منزلتي، وأحسن من قوله قول البحتري:
إذا ذكروا بشهرةِ يوم فخرٍتناسيت النباهةُ والخُمولُ
قصير المشهور خاملاً بالقياس مبالغة ورجحاناً على صير الصعود استفالاً.
وقال المتنبي:
هو المُفْنِي المَذَاكي والأعاديوبيضَ الهند والسُّمْرَ الطّوالا
إسكانه الأعادي من ضروراته الجائزة في الشعر وجاء بعد بيته بما عطفه على المذاكي كقوله:
وقائدُها مسوّمةً خِفَافاًعلى حي تُصبحُهُ ثقالا
قال أشجع:
بسيوفٍ ورين من قيسِ غيلان ثِقال على العدو خِفَافُ
وتبعه ابن أبي زرعة فقال:
إِنَّ عندي منها حساماً على الهام ثقيلاً وفي الأكفِّ خفيفا
وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه جعل المذاكي مكان السيوف في قول غيره، والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
جوائل بالقنى مثقفاتٍكأنَّ على عواملها الذُّبالا
قال ابن الرومي:
كان الزَّجاج اللهذميات بالضحُىفتيلٌ بأطراف الرُّدينّي مُسْرج
فاكتفى أبو الطيب بفهم المخاطب لمراده، وأحتاط ابن الرومي بمسرج، وأصل هذا التشبيه قول الضحاك بن عمارة:
بكل رديني كأن سنانهسنا لهبٍ لم يتصل بِدُخانِ
وقال المتنبي:
إِذا وطئت بأيديها صُخُوراًيَفْئِنَ لِوَطْءِ أرجُلها رِمالا
هذا يساوي قول ابن المعتز:
أمراءُ قادوا أعنَّة جيشٍيتركُ الصخر خلفه كالكثيب
وقال المتنبي:
جوابُ مُسَائلي أَلَهُ نظيرٌولا لك في سؤالك لا أَلاَ لاَ
أخذه من قول المعتز بالله:
قال العشائر هل بصرت بمثلهأم هل سمعت به فقلت أَلاَ لاَ
وقال المتنبي:
لقد أَمِنَتْ بك الإِعْدَامَ نفسٌتَعُدُ رجاءها إِياك مالا
قال ابن الرومي:
ما ترى في اصطناع حرّ كريمقد رآه رجاء مالك ماله
فلأنت الذي إذا أمه الأملعادت آماله أمواله
وقال ابن الرومي:
أعد رجائي فيك مالاً محصلاًإِذا برّ في قومي عوادٍ زيّمُ
وكل هذا من قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وقد وجلت قلوبٌ منك حتىغدت أوجالها فيها وجالا
وبسطت الرجاء والخوف حتىخافك الخوف وارتجاك الرجالا
أحسن الصنعة في الجمع بين الأضداد من الخوف والرجاء وصارت له زيادة يرجح بها فهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
إذا سألوا شكرتهم عليهوإن سكتوا سألتهُمُ السّؤالا
قال أبو تمام:
يعطي ويشكر من يأتيه يسألهفشكره عِوض ومالُهُ هَدرُ
فنصفه يشاكل نصف بيت أبي تمام وفي بيت أبي تمام زيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال ابن الرومي:
يا من إِذا سألناهُ أستهلَّ لنافإِن سَكَتْنَا تجنَّى علةَ الطلبِ
وهذان البيتان يأتيان على معنى بيت أبي الطيب بكماله، وقال البحتري:
جاد حتى أفنى السّؤال، فلماباد منها السؤال جاد ابتداء
وهذا أحسن من معنى بشار وابن الرومي وأبي الطيب لأنهم ما تجاوز بالممدوح، أنه إذا سئل الإعطاء أعطى وإذا سكت عنه بالسؤال سأل أن يسأل مشقة أعفى البحتري السائل من ذلها وذكر أنّه يجود ابتداء فذهب مذهب سلم الخاسر في قوله:
يحيى بن خالد الذييعطي الجزيل ولا يُبالي
أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال
والمبتدئ النوال أبين كرماً ممن سأل أن يسأل وشبه قول البحتري قول ابن الحاجب:
إن سيل كان عطاؤهُ فوق الغنىويملُّ سائله السؤال فينتدي
وقال المتنبي:
وأسعد من رأينا مستميحٌينيل المستماح بأن ينالا
هذا البيت صعود وحدور وسهول وغور، معناه بيت فضله مشهور وهو قول زهير:
تراهُ إِذا ما جئته متهّللاًكأنّكَ تُعْطيه الذي أنت سائِله
وهذا من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي ولو كان بعد أبي الطيب قوله لاستحق قوله عليه.
وقال المتنبي:
وأُقسمُ لو صلحتْ يمين شيءٍلما صلحَ العباد له شمالا
قال ابن أبي فنن:
قد فضلت الملوك بأساً وجوداًمثل ما يفضلُ اليمين الشِمالا
وقال البحتري:
فإِن قصّرت أكفاؤه عن مَحلّهِفإِنَّ يمين المرءِ فوق شماله
فالمعنى المعنى، وفي قول أبي الطيب زيادة أنه إذا صار يميناً لشيء لم تصلح العباد له شمالاً، فكلامه أرجح من كلامهم.
وقال المتنبي:
أقلبُ منك طرفي في سماءٍوإنْ طلعت كواكبها خِصَالا
هذا من قول ابن الرومي:
كللت كفه سماء المعاليبنجوم المعروف والإِحسانِ
فجعل للمعالي سماء نجومها معروفه وإحسانه، وجعل أبو الطيب الممدوح سماء نجومه خصاله وهذا من قسم المساواة.
ويتلوها أبيات أولها:
إِنَّما بدر بنْ عمارٍ سحابٌهطلٌ فيه ثوابٌ وعقابُ
قال العروضيون: هذا البيت صحيح لأنه مصرّع فتبعت عروضه ضربه فأما ما بعده من هذه القطعة فمضطرب الوزن وهي من الرمل لأنه جعل العروض
) فاعلاتن (والعروض هاهنا لم يستكمل إلا محذوفة السبب ووزنها فأعلن، قال عبيد:
مثل سحقِ البرد عفّى بعدك القطر مغناهُ وتأويبُ الشَّمالِ
والمعنى من قول ابن الرومي:
بنو مصعب فينا سماء رفيعةلها درر ليست مدى الدهر تَهْدِمُ
سماءٌ أظلت كل شيءٍ وأعلمتسحائب شتى صوبها المال والدمُ
وقد طول ابن الرومي، وكلام أبي الطيب أخصر.
وقال المتنبي:
ما يجيلُ الطرفَ إلاَّ حَمِدَتْهُجُهْدَهَا الأيدي وَذَّمتْهُ الرّقابُ
ينظر إلى قول العكوك:
وما مددت مدى طرف إلى أحدٍإلا قضيت بأرزاق وآجالِ
وقال المتنبي:
ما به قتلُ أعاديه ولكنيتّقي إخلاف ما ترجو الذئابُ
هذا من طريق المدح أن يمدح الرجل بقتل بني آدم لئلا يخلف رجاء الذئاب
وإذا كان لا يقتل أعاديه خوفاً منهم ولكن يقتلهم من أجل تحقيق رجاء الذئاب، والذئاب تريد أن تشبع ولا يشترط الشبع من لحوم الناس فإذا كان هذا همّه فالحسن أن يشبعها من لحم حلال ليحقق رجاءها ويصير من أهل العفو وتجتنب المآثم والكف عن الاستنكار بالمظالم.
وقال المتنبي:
فله هيبةُ من لا يترجَّىوله جُودُ مُرجى لا يُهَابُ
وليس تمتيع الهيبة من الرجاء ولا الجود من الهيبة والجيد قول أبي نواس:
يرجو ويخشى حالتيك الورىكأنَّك الجنة والنار
فجاء بمعنى صحيح من الرجاء والخشية وزاد بتشبيه فائق ومعنى رائق من ذكر الجنة والنار.
وقال المتنبي:
باعثُ النفس على الهول الذيليس لنفسٍ وقعت فيه إيابُ
وصف الممدوح بالجهل لأنه إذا بعث نفسه على ما لا إياب لنفس منه فقد أهلكها وهذه صفة الجاهل، فأما الشجاع، فالحال التي قالها الشاعر تمثل به معاوية:
شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصةفإِن لم تكن لي فرصة فجبانُ
وقال المتنبي:
ليس بالمنكر أن برّزت سبقاًغير مدفوعٍ عن السبق العرابُ
ذكر المؤنث هاهنا ولا فرق بين أن يقول: مثل هذا أو تقول: الهندات قائم وذلك غير جائز وليس تعمد ركوب هذه الضرورات ولكن يغيب علمها.
يليها قصيدة أولها:
في الخد أَنْ عَزَمَ الخليطُ رحيلامطرٌ تزيد به الخدودُ محولا
قال الأول:
وقفنا فأمطرنا سماء دموعناجفونَ عيون والبقاعُ صدود
قال أبو تمام:
مطرٌ من العبرات خدّي أرضُهُحتى الصباح ومُقْلتايَ سماؤُهُ
هذان بيتان قد وفيا حقهما من الصنعة لأن شاعريهما لما سميا الدموع أنابا
عن المطر وعما يقتضيه ذكره من سماء أو أرض وما يقع عليه وأبو الطيب ذكر الخد والمطر بغير شرح فلولا ما أتبعه مما يخالف عادة المطر من المحول الذي أغرب به وخرج عن فعل المطر إذ المطر يفعل الخصب وأنواع الرياض لكان كلامه فارغاً وهو على ذلك ناقص الكلام عن من أخذ عنه فيهما، فهما بما قالاه أحق منه.
وقال المتنبي:
أجدُ الجفاء على سواك مروءةًوالصبر إِلاَّ في هواك جميلا
صدر هذا البيت غير صحيح لأنه إذا كان سواها منصفاً فليس جفاؤه مروءة فإن قال قائل: اجتناب المأثم: المروءة قلنا له فحكمها في هذا وحكم سواها واحد، وقوله: والصبر إلا في هواك جميلاً مثل قول العتبي:
والصبرُ يحمد في المواطن كلهاإِلا عليك فإِنَّه مذمومُ
قال أبو تمام:
الصبر أجمل غير أنّ تلدّداًفي الحب أحرى أن يكون جميلا
فإن اعترضنا معترض أوردت بيتين قد سلم صاحباهما أن الصبر
محمود وأنه جميل إلا فيمن وصفناه فكيف صار الجميل قبيحاً والمحمود مذموماً، قيل له للعشاق حدود يقون عندها ولا تحسن إلاّ منهم وسنن تحمد إلا عندهم فمنها الحقد على المحبوب وهو مسيء والمكافأة بذلك لا تحسن وحسن الصبر عند فراقه والدعاء عليه إذا ظلم يدخل عندهم في جفاء طباع العشاق ولا تحمد عند الظراف الرقاق فقد صار ذلك عندهم شريعة يدعونها وسنة لا يخالفونها فلذلك انساغ لهم تقبيح الجميل وذم المحمود ألا ترى إلى طعن أبي تمام على من خالف سنة العشق في قوله:
لن يُسْعِدَ المشتاقَ وسنانُ الهوىيبسُ المدامع باردُ الأنفاسِ
فمنع أن يسعد المشتاق من كان بهذه الصفة لقلة البكاء وعدم العزاء وممن قال فيه ابن أبي زرعة:
أرى جزعي إلا لبينك ضِلّةكما الصبرُ إِلا عند بيتك يجملُ
وقال المتنبي:
تشكو روادفك المطيّةُ فوقهاشكوى التي وجدت هواك دخيلا
) شكوى المطية أردافها (مبالغة إنما المعتاد الذي يقال أن يقول: شكاء حصرها ردفها وجار عليه، فأما المطايا فهي تحمل أثقل الناس أردافاً وجسماً وأضخمهم جثة وجرماً.
وقال المتنبي:
ويغيرني جذبُ الزمامِ لقلبهافَمَها إِليك كطالبٍ تقبيلا
ليس من عادة الجمال تقبيل الناس فكيف وقع له هذا الوهم حتى أغاره ولا سيما وهو يشاهد جذب الزمام مشاهدة وإن كان لم يحقق بقوله: كطالب ولكنه تخيل فاسد واضح من هذا قول أبي نواس:
يثرى لأنقاض أضرّ بها جذب الزمام فحدودها صغر
فكأنَّها مصنع لسمعه بعضُالحديثِ بإِذنه وَقِرُ
فبالغ في قوله: بإذنه وفرقه، وقد قال إبراهيم بن المهدي:
إِذا حدثت بها الأنساغ أصغت كإِصغاء النحي إلى النحى
وقال المتنبي:
حِدَقٌ يذم من القواتل غيرهابدرُ بن عمّار بن إِسماعيلا
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح، وقد قال أبو دلف:
كم في بني الروم من أعجوبةٍ مثليُبقى وفي العربِ من ذي نجده بطلِ
إنا بأسيافنا نعلو أكابرهم قهراًويقتلنا الولدان بالمقلِ
إِذا رجعنا بتسرى من سُراتهمنالوا التراث بلحظ الأعين البخلِ
فقوله:) نالوا التراث (ينظر إلى قول أبي الطيب بدم من القواتل غيرها.
وقال المتنبي:
محك إذا مطل الغريم بِدَيْنِهِجعلَ الحسامَ بما أراد كفيلا
يساوي قول ابن أبي زرعة:
أبى الله إِلا أنَّ سيفَ محمدكفيلٌ بنصر الدين والدينُ ضامنُ
وفي هذا البيت زيادة يرجح بها على من أخذ منه، وقد قال ابن الرومي:
فافتضيناهُمُ الديونَ، وقِدْمالم يُفتنا بها الغريمُ المُلشطُ
برماحٍ مداعسٍ، وسيوفٍباتراتٍ لهن قدِّ وقط
كأنه قد ألمَّ بمعناه، وقد قال أبو العباس النامي في رسالة له في مأخوذ أبي الطيب، قال أبو تمام:
لا تأخذني بالزمان فليس ليتبعاً ولستُ على الزمان كفيلا
وقال: أخذ منه ولا أعلم له به تعلقاً إلا بلفظ كفيل فإن كان أول من تكلم
بكفيل أبو تمام فقد أخذ لفظه لا معناه وإلا فما يتعلق كلام أبي تمام بكلام أبي الطيب في شيء أصلاً، ولو قال أبو العباس إن أبا الطيب أخذ هذا من قول أبي تمام:
ما زال ذاك الصبر وهو عليكمللموت في قبض النفوس وكيلا
كان أقرب إلى المعنى وهذا نقد من يساجل أبا الطيب في الشعر ويظن أنه قربه.
وقال المتنبي:
أعدى الزمانَ سخاؤه فسخا بهولقد يكونُ به الزمانُ بخيلا
وذكر أنه أعدى الزمان سخاؤه حتى سخى به وتبع أبا تمام فقال:
هيهات لا يسخو الزمانُ بمثلهإِن الزمان بمثلهِ لبخيلُ
فمنع وجوده ما أخذه فصار كلامه أمدح ولفظه أرجح، وقال البحتري:
قد لعمري أعدت شمائلك الدْهر فأضحى من بعد لؤمٍ كريما
وقال المتنبي:
فكأن برقاً في متون غمامةٍهندية في كفه مسلولا
وقال أبو عيينة بن أبي عيينة:
وغيث إذا ما لاَحَ لاحتْ بُروقهكما هزت الأيدي مِتون الصفائِح
وقال المتنبي:
رقَّت مضاربه فهنَّ كأنَّمايبدين من عشق الرقاب نُحولا
إنما ينحل العاشق بالهجر فإن كان هذا السيف لا يصل إلى الرقاب فيجوز أن ينحل من عشقها وإلا فمنع مواصلتها لا ينحل، ونحن نحتكم إلى قوله:
تعلقها هوى قيس لليلىوواصلها فليس به غرامُ
وقال المتنبي في الأسد:
وردٌ إذا ورد البحيرة شارباًوَرَدَ الفُراتَ زئيرهُ والنِّيلا
وتعظيم زئيره جيّد وليس لصوت زئيره في الماء إلا ما له في البر مع عدم الماء فكيف اقتصر على ذكر البحيرة والفرات والنيل أتراه لا يسمع إلا في ماء.
وقال المتنبي:
ما قُوبلتْ عيناهُ إِلا ظُنَّتَاتحت الدُّجى نارَ الفريق حُلولا
يشبه قول أبي نواس في باز: كأنما ينظر من سراج
وقال المتنبي:
أسدٌ يرى عضويه فيك كليهمامتناً أزلَّ وساعداً مفتُولا
قد ألم في ذلك بقول البحتري:
هزبرٌ مشى يبغي هزبراً، وأغلبُمن القومِ لاقى باسل الوجه أغلبا
وقال المتنبي:
في سُرج ظامئة الفُصوص طمرّةٍيَأبى تفرُّدُها لها التَّمثيلا
هو موجود في قول ابن الرومي:
أصف الحبيبَ ولا أقول كأنَّهُكلا لقد أمسى من الأفرادِ
إني لأستحي محاسن وجههألا أنزهه عن الأندادِ
فأبى تفرد الناس التمثيل لها وأتى تفرد محبوب ابن الرومي التشبيه له لتفرده وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
أنف الكريم من الدنيّةِ تاركٌفي عينه العددَ الكثير قليلا
هذا من قول الأسود بن يعفر:
وللموتِ خيرٌ لامرئ من علاقةٍمن العارِ يرميه بها كل قائل
وقال ابن الجهم:
فقلَّلَ في عيني عُظْم جُمُوعِهمعزيمةُ قلبٍ فيه ما جلَّ يصغُرُ
فجعل ابن الجهم قلة عددهم في عينه لكبر قلبه، وجعل أبو الطيب الأنف من الدنيّة مقللاً عدد كثيرهم في عينه وإن أختلف السببان فهما يدخلان في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
والعارُ مضّاضٌ وليس بخائفٍمن حَتْفِهِ من خاف مما قِيلا
ينظر إلى قول أبي تمام:
فتىً لا يرى أنَّ الفريضة مقتلاًولكن يرى أنَّ العيون المَقَاتِلُ
وينظر أيضاً إلى معنى أبي الطيب قول أبي تمام:
مُثَل الموتُ بين عينيه والعارُوكُلاًّ يراه خطباً عظيما
ثُمَّ سارت به الحميةُ قدماًفأماتَ العِدَى ومات كريما
وقال المتنبي:
قبضتْ منيَّتُهُ يديه وعُنْقَهُفكأنما صَادَفْتَهُ مغلولا
قد حام في هذا على معنى ابن الرومي في قوله:
حصرتَ عميد الزَّنج حتى تخاذلتْقُواهُ، وأودى زادُهُ المتزوَّدُ
فطلَّولم تعتلْهُ بلفظ نفسهُ وظل ولم تأسِرْهُ وهو مقيَّدُ
وقال المتنبي:
وأمرّ ممّا فرّ منه فرارُهُوكقتله أَلا يموتَ قتيلا
هذا من قول أبي تمام:
ألِفُوا المنايا فالقتيلُ لديهممن لم يجل الحرب وهو قتيلُ
وقال المتنبي:
لو كان علمك بالإِله مُقسماًفي الناس ما بعث الإِلهُ رسُولا
أحوج الناس إلى ما غنى عنه يداً لقصور علمهم عما يعلمه.
وقال المتنبي:
لو كان لفظك فيهم ما أنزل القُرآنَ والتوراة والإِنجيلا
جعل لفظه يعني الناس عن الثلاثة كتب المعجزات من قول الباري تعالى عما يقول علواً كبيراً.
وقال المتنبي:
نطقت بسُؤددك الحمامُ تغنيِّاًوبما يُجَشِّمُها الجيادُ صَهيلا
صدره من قول القائل:
ولقد سمعت حمامة أنشدتهافيك المديح فعددت تغريدا
وعجزه من قول عنترة:
فأزور من وقع القنا بلبانهوشكا إِليَّ بعبرةٍ وتحمحُمِ
وقال المتنبي:
ما كلُّ من طلب المعالي نافذاًفيها ولا كلُّ الرجال فُحُولا
يشبه قول ابن أبي داود:
أكلُ امرئ تحسبين امرءاًوناراً توقد بالليل نارا
وينظر إلى قول البحتري:
وأعلمُ ما كلُّ الرجال مُشَّبعُولا كل أسباب الرِّجال حُسامُ
وأبيات أولها:
نُهني بصورٍ أم نهنئها بكاوقل الذي صُورٌ وأنت له لكا
يشبه قول إبراهيم بن العباس:
أنهنيكَ بطوسأم نُهني بك طوسا
أصبحتْ بعد طلاقبك يا فضلُ عروسا
واستقلاله لبدر من قبله لا يحسن ببدر أن يسمعه ولا يقبله.
وقال المتنبي:
تحاسدت الأمصار حتى لو أنهانفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا
مأخوذ من قول أبي نواس:
تتحاسد الآفاقُ وجهك بينهافكأنهن حيث كنتَ ضرائرُ
قال أبو تمام:
فلو أن شوقاً رمته فاستطعتهلصاحبنا شوقاً إِليك مغاربُهْ
يدخل في قسم التساوي.
بعدها أبيات أولها:
أرى حللاً مطوّاةً حِسَاناًعداني أن أراك بها اعتلال
يقول فيها:
وهبك طويتها وخرجت عنهاأتطوي ما عليكَ من الجَمَالِ
يقرب من قول ذي الرّمة:
زَيْنُ الثياب وإن أثوابُها استلبتعلى الحشيّة يوماً زانها السلبُ
يليها قصيدة أولها:
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسناوألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
النصف الأول من قول القائل:
قالت عييت عن الشكوى فقلت) إنهاحد الشكاية أن أعيا عن الكَلِمِ
وعجزه من قول أبي العتاهية:
ما خير حُبٍ يخفيه صاحبهلا خير في الحب دون أن ظهرا
وقال البحتري:
وما الحبُّ ما ورّيتَ عنه تستراًولكنَّه ما ملت فيه إلى الجَهْرِ
وقد استوفى أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
وتوقّدت أنفاسنا حتى لقدأشْفَقْتُ تحترق العواذل بيننا
هذا معنى قد تكرر من غيره قال الديك:
وضاحكٍ عن بردٍ مشرقٍناجيته من بين جُلاّسي
فكلما قبلته خفتُ أنيذوب من نيران أنفاسي
وقال آخر:
لو أنه أطلق أنفاسهمن صدره أحرق وجهَ الجليسِ
وقال آخر:
هاك اتركي فوق قلبي من يديك يداًلتعلمي ما الذي ألقى من الحرقِ
ثم ارفعيها من تلهبها علىأناملها أخشى من الحرق
وقال نصر الخبزأرزي:
ما أن تركت وداعه من سلوةولقد جزعت لبينه وفراقع
لكن مخافة أن يُذيبَ فُؤادهنار تعلق منه عند عناقه
وقال أيضاً:
إني لأشفق إن ظفرت بوصلهامن ضم أحشائي إلى أحشائِها
لو أنني لايمتها لأذبتهابتوقد الأنفاسِ في برحائها
وكل هذه الأبيات تدخل في قسم التساوي ولكن الخوف والإشفاق ما وقع من قائلها غيره لأنه أشفق العذال الذين قد كثر ذمهم في أشعار الشعراء والداع عليهم، فهم بذلك أرجح منه في قوله.
وقال المتنبي:
أفدي المودعةَ التي أتبعتُهانظراً فُرادى بين زفرات ثنا
أسكن الفاء من) زفرات (وحقها الحركة والمعنى فيه أنه كان ينظر نظرة بين زفرتين لا يفيد بيته غير هذا والذي قال الحماني أبلغ وهو:
أتبعتها نفساً تدمى مسالكهكأنه من حُمى الأحشاء مقدودُ
بقوله: تدمى مسالكه وكأنه من حما الأحشاء مقدود زيادة يرجح بها على أبي الطيب فهو أولى بقوله، وقال الديك في قسم ما يحتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه:
ولعيني دمع تسيل مثانيهويجري رباعه وثلاثه
وقال المتنبي:
أنكرتُ طارقة الحوادث مرَّهثمَّ اعترفتُ بها فصارت دَيْدَنَا
قال البحتري:
فأنستْ من خطوب الدهر كثرتهافليس يرتاعُ من خَطْبٍ إِذا طَلَعا
وقد قيل ما وجدته في كتاب الحماسة:
لقد جعلتُ نَفْسي على النأي تنطويوعيني على فقد الحبيب تناه
وفارقتُ حتى ما جنَّ إلى هوىوإن بان جيران على كِرام
وقد اختصر خداش بن زهير فقال في هذا المعنى:
وبعد عينيه الخبرين حصنوقد باليت حتى ما أُبالي
فالتساوي شامل الأبيات والأول أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
ووقف منها حيث أوقفني النَّدىوبلغت من بدر بن عمَّار المنا
) أوقفني (لغة ضعيفة غير مستعملة إلا شاذاً وأجرى عماراً على ترك الصرف وهو فعال للتكثير مصروف وقد أجراه مجرى عمر في المعدول فمنعه الصرف.
وقال المتنبي:
وشجاعةٌ أغناه عنها ذِكرُهاونهى الجبانَ حديثُها أن يجبُنا
يشبه قول العكوك:
فتىً علم الإِعطاء كل مُنحلٍّوعلّم حبّ الموتِ كلّ جبانِ
جاء بما جاء به أبو الطيب وزاد بمعنى آخر فرجح كلامه وأستحقه.
وقال المتنبي:
نيطتْ حمائلُه بِعَاتِقِ مِحْرَبٍما كرّ قطّ وهل يكُرُّ وما انثنى
معناه أن الكر يكون بعد الفر وهذا لم يفر قط فيحتاج أن يكر وهذا إخبار بجنون وهوج والحزم الكر في مكانه والفر على حسب ما يوجبه الرأي فلذلك قال معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصةفإِن لم تكن لي فرصةٌ فجبان
وقال آخر:
لمثلها سميتُ مقشعراًأعيش حراً وأموت حُرا
لا بأس بالفارس أن يكرإذا رأى ذاك وأن يفرا
وقال المتنبي:
فكأنهُ والطعنُ من قُدَّامِهِمتخوف من خلفه أن يُطْعَنا
وقال أبو العتاهية:
كأنَّ المنايا ليس يجرين في الوغىإذا التقت الأبطالُ إِلا برائكا
فما آفة الأملاك غيرك في الوغىولا آفة الأموال غير حبائكا
كأنك يوم الكرّ في الحرب إنماتفر من الطعن الذي من ورائكا
كلام أبي الطيب أوضح ومعناهما متساوٍ.
وقال المتنبي:
نفت التوهمَ عنه حدةُ ذهنهفقضى على غيب الأمور تَيَقُّنا
هذا من قول القائل أنشده ابن قتيبة:
بصير بأعقابِ الأمور كأنّمايخاطبه من كل أمرٍ عواقبه
وقال أشجع:
له نظرٌ لا يغمض الأمر دُونهتكاد ستورُ الغيب عنه تُمزَّقُ
وقال البحتري:
وإِذا استعان بنظرةٍ من فكرِهِيوماً فتسترُ الغيب ليس بِمُسجفِ
وقال القاضي التنوخي:
وفطن ترى بعينِ الرأي ما لمتره كما ترى ما قد يُرى
وقال المتنبي:
مُسْتَنْبِطٌ من علمه ما في غدٍفكأَنَّ ما سيكون فيه دُوَّنا
قوله:) دُوَّنا (مستكره جداً، والأبيات الماضية كلها من قسم المساواة، ويشبه هذا البيت قول ابن الرومي:
يقطانُ ما زالَ تُغْنيه قريحتهعن التجارب يلقاهُنَّ والدُّرب
تلمحه تدرك العُقبى إذا احتجبتعن العقول بغيبٍ كلُ محتجبِ
وقال المتنبي:
يَتَفَزَّعُ الجبار من بغتاتهفيظلُّ في خلواته مُتكفّنا
قال أبو تمام:
قَصْدٌ يخاف المشركون شذاتَهُمتواضعٌ خولٌ له الجبارُ
فما زاد كلام أبي تمام عن فزع الجبار منه، ولأبي الطيب من الإخبار بتكفينه في الخلوات خوفاً مما يرد منه في البغتات زيادة يرجح بها كلامه فهو أولى بما قال.
وقال أشجع:
منعت محافيل النفوس حديثُهابالأمر يكرهه وإن لم يَعْلَمِ
فجاء بما جاء به أبو الطيب.
وقال المتنبي:
يجد الحديد عَنْ بَضَاضَةِ جِلْدهثوباً أخفَّ من الحديد وألْيَنَا
وقال البحتري:
أناسٌ يعدّون الرماحَ مخاصراًإِذا زعزعوها، والدُّروع غلائلا
فالحديد الذي عناه أبو الطيب هو الدروع وما أشبهها وهي أثقل من الغلائل، وقد شغل صدر بيته بكلام مليح فصار أرجح كلاماً وأوفى نظاماً وأولى بما قال.
وقال المتنبي:
لا يسكنّ الرّعبُ بين ضُلوعهيوماً ولا الإِحسان أن ألا يُحسنا
هذا من قول القائل:
يحسنُ أن يُحْسِنَ حتى إِذارام سوى الإِحسان لم يحسن
ما قال لا عند سؤال وإنهمّ) بلا (لجليج كمالا لكن
حتى إِذا همَّ بترك الأطم ...) همّ (بإِفصاح على الألسن
فالبيت الأول عجزه كعجز بيته، ولكن له في صدره من ذكر الرعبِ زيادة.
وقال المتنبي:
أرجَ الطريقُ فما تمر بموضعٍإِلاّ أقامَ به الشَّذى مُسْتوطنا
الأرج: هيجان الريح الطيبة، والشّذا هاهنا: حدة رائحة الطيب، ويقال بل الشذا: المسك، قال بشار:
غرّاء حوراءَ في طيبٍ إذا سكنتْللبيت والدّار من أرواحها أرج
وقال العرجي:
فملتُ أهوى إلى رحالهمأُهدي إليها بريحها الأرج
وهو من قسم التساوي.
وقال المتنبي:
لو تعقلُ الشجر التي قابلتهامدّت محييةً إِليك الأغْصُنا
ليس كل الشجر تصلح للتحيات، ولكنه خصص بقوله) التي قابلتها (فيمكن
أن يكون ما قابله منها شجر الأترج والتفاح فتمد أغصانها وفيها ثمرها، وقد قال أبو تمام:
يكادُ ركن الحطيم من فرحٍبهم يحييهم إِذا استلموا
وقال البحتري:
ولو أن مشتاقاً تكلّف فوق مافي وُسْعِهِ لسعى إِليك المِنْبرُ
وهذا استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
أقبلت تبسمُ والجيادُ عوابسُيحيين بالحلق المضاعف والقنا
قال مهلهل:
ولقد سبقْتَ سراتهم في مأزقٍوالخيلُ تعتر بالقنا وتعيش
وفي بيت أبي الطيب مطابقة ليست في بيت مهلهل وفي ابتسام الممدوح عند لقاء الخيل ما يدل على الشجاعة فكلامه أرجح.
وقال المتنبي:
عقدتْ سنابكها عليها عثيراًلو تبتغي عنقاً عليها أمْكنا
وقال البحتري:
لما أتاك يقودُ جيشاً أرعنايَمْشي عليه كثافةً وجُمُوعا
هذا يقارب معنى وينظر إلى إرادته.
وقال المتنبي:
فأغفر فدىً لك وأحْبُنِي) منبعدها (لتخصّني بعطيّة منها أنا
قال الحسن الخليع:
أتراني أنسى حقوق أياديك وروحي من بعضها وبناني
وذلك يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وَأنْهَ المشيرَ عليك فيّ بضلةٍفالحرُّ ممتحنٌ بأولادِ الزّنا
قال ابن بسام:
يا من يصادفني والله يصرفهعن الحياةِ سريعاً لا عن العملِ
أنت الفداء لمن بالأمس فارقنييعطي الجزيل بلا مَنَّ ولا نجلِ
جرى الحسين على أعراقٍ أولهكما جريت على أعراقك الأول
لأصبحن وإن أصبحت ممتحناًوإنّما أمتحن الأحرار بالسفل
والمعنى المعنى والحرُّ ليس ضد أولاد الزّنا والبر أولى بالبيت واللئام
ضد الأحرار وكلا البيتين في ضعف الصنعة متساوٍ.
وقال المتنبي:
ومكايد السفهاء واقعةٌ بهموعداوة الشُّعراء بئس المقتنى
ما قيل في التحذير من عدادة الشعراء أجود من قول ابن الرومي:
لا تعنْ بالشعراء ثم تعقّهمفتنام والشعراء غير نيام
واعلم بأنهم إِذا لم ينصفواحكموا لأنفسهم على الحُكام
وعقوبة الجاني عليهم تنقضيوعقابهم يبقى على الأيامِ
وقال المتنبي:
لُعِنَتْ مقارنةُ اللئيم فإِنَّهاضيفٌ يجر من الندامةِ ضَيفنا
صنعة هذا البيت على صنعة بيت أنشده أبو الطيب بن الوشاء:
لُعنتْ مواصلة اللئيمِ فإِنَّهُيبدي القبيح ويكتمُ المعروفا
وقال المتنبي:
أمْسى الذي أمسى برّبك كافراًمن غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
هذا بيت مذموم لأنه جوز وجود الكافر بالله شكاً فيه ولا يقع منه شك في فضل الممدوح.
وقال المتنبي:
خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلَهافأعاضهاك الله كي لا تحزنا
إن كان عوض الله ﷿ الليل البدر من الشمس لئلا تحزن البلاد لفقده فينبغي أن لا يسر النهار بالشمس لوجود عوض يغني عنها به. وقد قال ابن المعتز:
اسقينها خمراً لا تستخلف الشمس سُناها على سواد الليالي
فالمستخلف يقوم مقام من أستخلفه في غيبته، وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
ويليها أبيات أولها:
أصبحتَ تأمرُ بالحجابِ لخلوةٍهيهاتَ لستَ على الحجاب بقادرِ
ثم قال:
من كان ضوءُ جبينه ونوالُهُلم يُحْجَبَا، لم يَحْتَجِبْ عن ناظِرِ
أمّا ضوء جبينه إذا كان لا يحتجب بالحجاب فهو معنى قول أبي نؤاس في الخمر:
ترى ضوءُها من ظاهرِ الكأس ساطعاًعليك ولو غطَّيتها بغطاءِ
وأتبعه بقوله:
فإِذا احتجبتَ فأنت غير مُحجَّبٍوإذا بطنتَ فأنت عين الظَّاهِرِ
أما نواله فلا يدخل في ظهوره، لأنه قد يكون محجوباً غير محجوب النوال كما قال البحتري:
وإن أتى دونه الحجابفلن يحجب عنا آلاءه حُجْبهُ
ذكر أن وجهه محجوب وآلاءه غير محجوبة، وقال أبو تمام:
يا أيها الملك المحجوب غرتهعنا ونائله من طالبٍ جيبُ
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاإِن السماء ترجىّ حين تحتجب
وقال أبو تمام أيضاً:
فنعمت من شمسٍ إذا حجبت بَدَتْمن نورها فكأنَّها لم تحجب
وقد ألمّ في هذا أبو تمام بقول أبي نواس الذي ذكرته في الخمر، وهذه معاني مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وبعد ذلك بيتان هما:
لم تر من نادمت الإِكالا لسوى ودّكَ لي ذاكا
) الإك (يجوز استعمالها في الشعر والوجه في الكلام إلا إياك لأن) لا (ليس لها قوة الفعل ولا هي عاملة، وأمتن أبو الطيب على الممدوح لمنادمته إياه وهو ودّه له وأتبع هذا بقوله:
ولا لِحُبيها ولكنَّنيأمسيتُ أرجوك وأخشاكا
ومن نادمه لودّه إياه فقد جاء بعلة شريفة هي أرفع من العلة الثانية التي جاء بها من الرجاء والخوف والتي لا تتعلق بها رغبة ولا رهبة إنَّما هي لعين الشخص أفضل.
ويتلوها أبيات أولها:
يا أيها الملك الذي ندماهُشركاؤُهُ في مِلْكه لا مُلْكِهِ
في هذا البيت تجنيس ولكنه غير طائل المعنى لأنه شركة الندماء له في ملكه أن يبسط قدرتهم في دولته ويرفع منازلهم بتواتر نعمه وهذه تجمع الشركة في الملك والملك وقد بين المعنى من جوده وأقصر هو فيه وذلك قول ابن الرومي:
ومن كثرتْ في ماله شركاؤُهُغدا في معاليه قليل المشاركِ
فذكر المعالي مكان الشرك في شعر أبي الطيب والمعالي تحسن ألاّ يشركه فيها أحد وقد أحسن التقسيم فيها ابن الرومي وهذب كلامه، وما أحسن ما قال ابن الرومي أيضاً:
مشتركُ المال لا محصلهمحصلُ العرضِ غيرُ مشتركِ
فجوَّز الشركة فيما تحسن الشركة فيه ومنع منها فيما يحسن الانفراد به وكلام ابن الرومي أرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.
وبعدها أبيات أولها:
بدرٌ فتى لو كان من سُؤالهيوماً توفَّر حظُّهُ من مالِهِ
هذه مبالغة أغرب فيها ولكن فيها مطعن وكان يجب أن يشترط بغيره عن خلفه في السخاء حتى يتوفر حظه من ماله وإلا فإن كان سخاؤه باقياً فالنصب الحاصل له من ماله دون الأصل الذي فرقه سخاؤه فكيف يوفر عليه بعض ماله وسخاؤه متلف كله.
وقال المتنبي:
سفك الدماء بجودهِ لا بأسهكرماً لأن الطّير بعضُ عِيَالِهِ
فأخبر أن سفكه الدماء للجود لا للبأس فبقي من فضيلة الأمر أما هو أحوج إليه وأخص بصفاته ولو كان قائد جيش بخيلاً كان أقل عيباً من أن يكون جباناً وقد أستحسن هذا المعنى حتى كرره فقال:
ما به قتلُ أعاديهِ ولكنْيتّقي أخلافَ ما ترجو الذّئابُ
فخبر أنه سفك دماء الناس خوفاً من أخلاق الذئاب رجاها وكذلك سفكها لأن الطير من عياله وما يحسن أن يسفك دماء بني آدم بغير استحقاق ليشبع
بلحومهم الذئاب، والطير قد يسفك لها المفصد دم ما هو أحسن سفك دم من دماء الآدميين وأجلّ فإن قال قائل فقد قال النابغة:
إِذا ما غزا بالجيش حلّق فوقهمعصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
جوائح قد أيقنّ أنَّ كتيبهإذا ما التقى الجمعانِ أول غالبِ
وقال الأفوه الأوري ومنه أخذ النابغة:
وترى الطير على آثارنارأي عينٍ ثقةً أن سَتُمارُ
وقال أبو نواس:
تتأبا الطيرُ غدوتهثِقةً بالشبعِ من جزره
وقال مسلم:
قد عوّد الطير عاداتٍ وثقن بهافهنَّ يتبعنه في كلّ مرتحلِ
وقد سبقه الناس إلى ما عيب عليه. قلنا ليس الأمر كما ظننت لأن هؤلاء كلهم إنما قصدوا أن الممدوحين مظفرون ويسفكون الدماء في كل حرب، وقد تعودت الطير ذلك منهم فهي تتبعهم واثقة بالعادة منهم ولم يخبر أحد من الشعراء أن دماء الناس يقصد بسفكها إشباع الطير، إنما يسفك بمقصد عقلي فإن سفكت انتفعت الطير بها فهذا الفرق بين المذهبين.
وقال المتنبي:
إِن يُفن ما يحوي فقد أبقى بهذكراً يزولُ الدهرُ قبل زواله
هذا من قول منصور النمري:
فإِن تك أفنيتَ الليالي وأوشكتْفإِن له ذكراً سيلي الليالي
ومثله لغيره:
بهجاتُ الثيابِ يخلقها الدهر وحسن الثناء غض جديدُ
فاكسني ما يبيد أصلحك اللهـ فإِني أكسوك ما لا يبيدُ
وهذا يدخل في قسم التساوي والسابق أولى به.
وبعدها بيتان وهما:
قد أبتُ بالحاجةِ مقضيةًوعفت في الجلسةِ تطويلها
هذا بيت فارغ والذي يليه:
أنت الذي طول بقاءٍ لهخيرٌ لنفسي من بقائي لها
فذكر أن بقاء الممدوح خير من نفسه ومن بقائها وما يجدي عليه بقاء أكثر العباد خيراً وأعمهم نفعاً وميزاً بعد ذهاب نفسه وإنما المعتاد أن يقال إذا بقيت لنا لم ينال بمن هلك فأما أن يقال ما نبالي أن تبقى ونهلك نحن فهو ملق كاذب غير صادق وفيه عدول عن طريق الحقائق، والصحيح قول القائل:
لسنا نُبالي إِذا سلمت لنامن خانهُ دهرهُ ومن سَلِما
فإنما يقول أنه يريد بقاء من مدحه لصلاح بقائه فهذا هو الصحيح المعنى.
ويتلو هذا قوله:
يا بدرُ إنك، والحديثُ شُجونُمن لم يكن لمثاله تكوينُ
قال بعده:
لَعَظُمْتَ حتى لو تكونُ أمانةًما كان مؤتمناً بها جبرين
أرجو أن لا يكون هذا القول صدر منه عن فساد نيّة ونحن نسأل الله تعالى الإعاذة من فتنة القول كما نسأل الإعاذة من فتنة العمل لأن هذا البيت قد خون فيه مأموناً جعله الله واسطة في أمانته ورضيه أميناً على رسالته وقد أخذ هذا المعنى من أبي فنن أبيات مجن فيها:
قامت تُشجعني ضلاً بتضليلِوللشجاعةِ قلب غَير مجهولِ
هاتي شجاعاً بغير القتل منيتهأريك ألف جبان غير مقتول
لما رأيتُ سيوف القومِ مصلتةًتجري تحير في عرضي وفي طُولي
الله سلمني منهم وخلصنيمصفر الوجه مخضوب السَراويلِ
والله لو أن جبريلاً يضمن لينفسي لما وثقت نفسي بجبريلِ
فالبيت مثل البيت يدخلان في قسم التساوي، ويليه:
بعضُ البريةِ فوق بعضٍ خاليافإذا حضرتَ فكلّ فوق دُونُ
هذا من قول أبي نواس:
أَلاَ يا خيرَ من رأتْ العيوننظيرك لا يحسن ولا يكونُ
خُلقتَ بلا مشاكلةٍ لشيءٍفأنت الخلق والثقلان دُونُ
وقال الحصني:
أنت دون الإِله خوفاً من اللّهـ ما دون ذاك حاشاك دون
وهذا معنى يدخل في قسم التساوي ويدل هذا القول أنّه قد دار في خلده أن يقول هذا القول للحصني ولكنه خاف الله فمنعته التقية وقد همّ لولا ذلك بقول المعصية.
وبعدهن أبيات أوّلها:
فدتكَ الخيلُ وهي مُسوّماتوبيضُ الهند وهي مُجرّداتُ
يقول فيها:
وصفتكَ في قوافٍ سائراتٍوقد بقيتْ وإن كثرتْ صِفاتُ
أملح من هذا وأخصر قول ابن الرومي: لم يفن ما قيل بل الكلام وقال أشجع:
وما ترك المداح فيك مقالةًولا قالَ إلا دون ما فيك قَاتلُ
أبو الطيب ذكر أنّه بقي عنده صفات، وذكر ابن الرومي أن كلامه فني ولم يفن ما فيه، وكلام أشجع أشعر ما قيل في هذا المعنى لأنه أخبر أن المداح لم يتركوا فيه مقالاً وأنهم اجتهدوا فكان اجتهادهم يقصد فهو أرجح وأولى من الأخذ عنه.
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع