من «منتهى الطلب من أشعار العرب» لابن ميمون (ت ٥٩٧هـ)
الأحوص
وقال الأحوص بن محمد بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، يمدح يزيد عبد الملك:
ألا لا تلمْهُ اليومَ أن يتبَلَّدافقدْ مُنعَ المحزونُ أنْ يتَجلَّدا
نظرْتُ رجاءً بالمُوقَّرِ أنْ أرىأكاريسَ يحتلونَ خاخاً ومُنْشَدا
وأوفَيتُ من نَشْزٍ من الأرضِ يافعٍوقدْ يَشعَفُ الإيفاءُ من كانَ مُقصدا
فحالَتْ لطَرفِ العينِ من دونِ أرضِهاوما أتْلي بالطَّرفِ حتى تردَّدا
سُهوبٌ وأعلامٌ كأنَّ سرابَهاإذا استنَّ يُغْشيها المُلاءُ المُعَضّدا
وقلتُ ألا يا ليتَ أسماءَ أصقبَتْوهلْ قولُ ليتٍ جامعٌ ما تبدّدا
وإنّي لأهواها وأهوى لُقِيَّهاكما يشتهي الصادي الشرابَ المبرَّدا
علاقةٌ حُبٍّ لَجَّ في سَنَنِ الصِّبافبَلَّى وما يزدادُ إلاّ تجدُّدا
وكيفَ وقدْ لاحَ المشيبُ وقطّعَتْمُدى الدهرِ حبلاً كانَ للوصلِ مُحْصِدا
لكلِّ مُحبٍّ عندَها من شفائِهِمَشارعُ تحميها الظَّمانَ المصرَّدا
أتحسِبُ أسماءُ الفؤادَ كعهدِهِوأيامِهِ أمْ تحسِبُ الرأسَ أسودا
لياليَ لا نلقى وللعيشِ لذّةٌمنَ الدهرِ إلاّ صائداً أو مُصَيَّدا
وعهدي بها صفراءَ رُوداً كأنّمانضا عرَقٌ منها على اللونِ مُجْسَدا
مُهَفْهَفةُ الأعلى وأسفلُ خَلْقِهاجرى لحمُهُ ما دونَ أن يَتخدَّدا
منَ المُدْمِجاتِ الحُورِ خَودٌ كأنّهاعِنانُ صَناعٍ أنعمَتْ أنْ تُجوَّدا
كأنَّ ذكيَّ المسكِ تحتَ ثيابِهاوريحَ الخُزامى ظَلَّةً تنضحُ الندى
كأنَّ خَذولاً في الكِناسِ أعارَهاغداةَ تبدَّتْ عُنْقَها والمُقلَّدا
بكيْتُ الصِّبا جَهدي فمنْ شاءَ لامَنيومنْ شاءَ آسى في البكاءِ وأسعدا
فإنّي وإنْ أجريْتُ في طلبِ الصِّبالأعلمُ أنّي في الصِّبا لستُ أوْحَدا
إذا كنتَ عِزهاةً عنِ اللهوِ والصِّبافكُنْ حجراً من يابسِ الصخرِ جلْمدا
هلِ العيشُ إلاّ ما تلَذُّ وتشتهيوإن لامَ فيهِ ذو الشَّنانِ وفَنَّدا
لعَمري لقدْ لاقَيْتُ يومَ مُوقَّرٍأبا خالدٍ في الحيِّ نجمَكَ أسعُدا
وأعطيْتَني يومَ التقَيْنا عطيَّةًمنَ المالِ أمستْ يسَّرتْ ما تشدَّدا
وأوقدْتَ ناري باليَفاعِ فلمْ تدَعْلنيرانِ أعدائي بنُعماكَ مُوقَدا
وأصبحَتِ النُّعمى التي نِلتَني بهاوقدْ رجعَتْ أهلَ الشماتةِ حُسَّدا
ولمْ أكُ للإحسانِ لما اصْطَفَيْتَنيكَفُوراً ولا لاعاً منَ المصرِ قُعْدُدا
فلمّا فرَجْتَ الهمَّ عني وكُربَتيحَبَوْتُكَ منّي طائعاً مُتعمِّدا
ثناءَ امرئٍ أثْنى بما قدْ أنلْتَهُوشُكرَ امرئٍ أمسى يرى الشُّكرَ أرْشدا
فأُقسمُ لا أنفكُّ ما عشتُ شاكراًلنُعماكَ ما طافَ الحمامُ وغرَّدا
وقد قلتُ لمّا سِيلَ عمّا أنلْتَنيليزدادَ رَغماً من يحبُّ ليَ الرَّدا
عطاءَ يزيدٍ كلَّ شيءٍ أحوزُهُمنَ ابْيضَ منْ مالٍ يُعَدُّ وأسودا
وما كان مالي طارِفاً عن تجارةٍوما كان ميراثاً منَ المالِ مُتْلَدا
ولكنْ عطاءً من إمامٍ مبارَكٍملا الأرضَ معروفاً وعدلاً وسُؤددا
شكَوتُ إليهِ ثِقْلَ غُرْمٍ لوَ انَّهُوما أشتكي منهُ على الفيلِ بَلَّدا
فلمّا حمدْناهُ بما كانَ أهلَهُوكانَ حقيقاً أنْ يُسَنَّى ويُحمَدا
فإنْ أشكُرِ النُّعمى التي سلفَتْ لهُفأعظِمْ بها عندي إذا ذُكرتْ يدا
تَبلَّجَ لي واهتزَّ حتى كأنّماهزَزْتُ بهِ للمجدِ سيفاً مُهنَّدا
أخو فجَرٍ لم يدرِ ما البخلُ ساعةًولا أنَّ ذا جودٍ على البذلِ أنْفَدا
أهانَ تِلادَ المالِ للحمدِ إنّهُإمامُ هُدىً يجري على ما تعوَّدا
يُشرِّفُ مجداً من أبيهِ وجدِّهِوقدْ أورَثا بُنيانَ مجدٍ مُشيَّدا
شريفُ قُريشٍ حينَ يُنسبُ والذيأقرَّتْ لهُ بالمُلكِ كهلاً وأمْردا
وليسَ عطاءٌ كانَ في اليومِ مانِعيإذا عدتُ من إعطاءِ أضعافِهِ غدا
أقيمُ بحمدٍ ما أقمتُ وإنْ أبِنْإلى غيرِكمْ لم أحمدِ المُتَوَرَّدا
وكم لكَ عندي من عطاءٍ ونعمةٍتسوءُ عدوّاً غائبينَ وشُهَّدا
تَسُورُ بهِ عندَ العطيّةِ شِيمةٌهيَ الجُودُ منهُ غيرَ أنْ يَتجوَّدا
فلو كانَ بذلُ المالِ والعُرفُ مُخْلِداًمنَ الناسِ إنساناً لكنتَ المُخلَّدا
وقال الأحوص:
ألا نَوِّلي قبلَ الفراقِ قَذُورُفقدْ حانَ من صَحبي الغَداةَ بُكورُ
نَوالَ محبٍّ غيرَ قالٍ مُودّعٍوداعَ الفراقِ والزمانُ خَتُورُ
إذا أدلجتْ منكمْ بنا العِيسُ أو غدَتْفلا وصْلَ إلاّ ما يُجِنُّ ضميرُ
مودّة ذي وُدٍّ تعرَّضَ دونَهُتَشائي نوىً لا تُستطاعُ طَحُورُ
فإنْ تَحُلِ الأشغالُ دونَ نَوالِكُمْوينأى المَزارُ فالفؤادُ أسيرُ
ويركدُ ليلٌ لا يزالُ تَطاوُلاًفقدْ كانَ يجلو الليلُ وهو قصيرُ
ويُسعدُنا صَرفُ الزمانِ بوَصلِكمْلياليَ مَبْداكُمْ قَذُورُ حصيرُ
ونَغنى ولا نتخشى الفراقَ ونلتقيوليسَ علينا في اللقاءِ أميرُ
كذلكَ صرفُ الدهرِ فيهِ تَغلُّظٌمِراراً وفيهِ للمُحبِّ سرورُ
إذا سُرَّ يوماً بالوِصالِ فإنّهُبأسخاطِهِ بعدَ السرورِ جديرُ
لعَمرُ أبيها ما جزَتْنا بوُدِّهاولا شكرتْهُ والكريمُ شَكورُ
وتنأى يكادُ القلبُ يُبدي تَشوُّقاًلوَ انَّ اشتِياقاً للمحبِّ يَضيرُ
وتدنو فتَنْوِيلي إذا الدارُ أصفَنَتْقليلٌ وعذْلٌ بعدَ ذاكَ كثيرُ
فإنْ زرتَ ليلى بعدَ طُولِ تَجنُّبٍتأبَّضَ منقوصُ اليدَيْنِ غَيُورُ
يرى حسرةً أن تَصْقِبَ الدارُ مرّةًولو حالَ بابٌ دونَها وسُتورُ
هجرْتُ فقالَ الناسُ ما بالُ هجْرهاوزرتُ فقالوا ما يزالُ يزورُ
أزورُ على أنْ ليسَ ينفكُّ كلّماأتيتُ عدوٌّ بالبنانِ يُشيرُ
وما كنتُ زَوّاراً ولكنَّ ذا الهوىإذا لم يزُرْ لا بدَّ أنْ سَيزورُ
وقد أنكروا بعدَ اعتِرافٍ زيارَتيوقدْ وغِرَتْ فيها عليَّ صدورُ
وشطَّتْ ديارٌ بعدَ قُربٍ بأهلِهاوعادَتْ لهمْ بعدَ الأمورِ أمورُ
ولستُ بآتٍ أهلَها غيرَ زائرٍولا زائرٌ إلاّ عليَّ نصيرُ
وقد جهِدَ الواشونَ كَيما أطيعُهمْبهِجْرَتِها إنّي إذنْ لصبورُ
وقد علموا واستيْقَنوا أنَّ سُخطَهمْعليَّ جميعاً في رِضاكِ يسيرُ
وقد علمَتْ أنْ لنْ أطيعَ بصُرمِهامَقالةَ واشٍ ما أقامَ ثَبيرُ
وأنْ ليسَ للوُدِّ الذي كانَ بينناولو سخطَتْ أخرى المَنونِ ظهورُ
لعَمرُ أبيها إنَّ كِتمانَ سِرِّهالها في الذي عندي لها لَيَسيرُ
وما زلتُ في الكُتمانِ أكْني بغيرِهافيُنْجِدُ ظنُّ الناسِ بي ويَغُورُ
أُحدِّثُ أنّي قد سلوْتُ وكلّماتذكّرتُها كانَ الفؤادُ يطيرُ
يقولونَ أظهِرْ صُرْمَها واجتِنابَهاألا وصْلُها للواصلينَ طَهورُ
أبى اللهُ أن تلقى لوَصلِكَ غِرَّةٌكما بعضُ وَصلِ الغانياتِ غرورُ
تُصيبُ الهدى في حُكمِها غيرَ أنّهاإذا حكمَتْ حُكماً عليَّ تجورُ
وما زالَ منْ قلبي لسَوْدةَ ناصرٌيكونُ على نفسي لها ووزيرُ
فما مُزنةٌ بحرِيّةٌ لاحَ برقُهاتَهلَّلَ في غُمٍّ لهُنَّ صَبِيرُ
ولا الشمسُ في يومِ الدُّجُنَّةِ أشرقَتْولا البدرُ بالميساقِ حينَ يُنيرُ
ولا شادنٌ ترنو بهِ أمُّ شادنٍبجوٍّ أنيقِ النَّبتِ وهو خَضيرُ
بأحسنَ من سُعْدى غداةَ بدَتْ لنابوجهٍ عليهِ نضرةٌ وسرورُ
لَعمرُكَ إنّي حينَ أكْني بغيرِهاوأتركُ إعلاناً بها لًصَبورُ
أغارُ عليها أن تُقبِّلَ بعلَهالَعمرُ أبيها إنّني لغَيُورُ
أقولُ لِعَمرٍ وهو يَلْحى على الصِّباونحنُ بأعلى السَّيِّرَيْنِ نسيرُ
عشيّةَ لا حِلمٌ يَرُدُّ عن الصِّباولا صاحبي فيما لقِيتُ عَذُورُ
لقد منعَتْ معروفَها أمُّ جعفرٍوإنّي إلى معروفِها لفقيرُ
وقد جعلَتْ مما لقيتُ من الذيوجدْتُ بيَ الأرضُ الفضاءُ تمورُ
أطاعَتْ بنا من قدْ قطعتُ منَ اجْلِهاثلاثاً تِباعاً إنّها لكفورُ
فلا تَلحَيَنْ بعدي مُحبّاً ولا تُعِنْعلى لَومِهِ إنَّ المحبَّ ضَريرُ
أزورُ بيوتاً لاصِقاتٍ ببيتِهاونفسيَ في البيتِ الذي لا أزورُ
أدورُ ولولا أن أرى أمَّ جعفرٍبأبياتِكمْ ما درتُ حيثُ أدورُ
وقال الأحوص يمدح عمر بن عبد العزيز:
يا بيتَ عاتِكةَ الذي أتعَزَّلُحذَرَ العِدى وبهِ الفؤادُ مُوَكَّلُ
هل عيشُنا بكِ في زمانِكِ راجعٌفلقدْ تفحَّشَ بعدَكِ المُتعَلِّلُ
أصبحْتُ أمنحْكِ الصدودَ وإنّنيقسَماً إليكِ معَ الصدودِ لأمْيَلُ
فصددْتُ عنكِ وما صددْتُ لبِغضةٍأخشى مَقالةَ كاشِحٍ لا يغفلُ
يأتي إذا قلتُ استقامَ يَحُطُّهُخلفلإ كما نظرَ الخِلافَ الأقبلُ
ولوَ انَّ ما عالجْتُ لِينَ فؤادِهِفقسا اسْتُلِينَ بهِ للنَ الجَندلُ
ولئنْ صددْتِ لأنتِ لولا رِقْبَتيأشهى من اللائي أزورُ وأدخلُ
وتَجنُّبي بيتَ الحبيبِ أحبُّهُأُرضي البغيضَ بهِ حديثٌ مُعْضِلُ
إنَّ الشبابَ وعيشَنا اللذَّ الذيكنّا به زمَناً نُسَرُّ ونُجْذَلُ
ولَّتْ بَشاشَتُهُ وأصبحَ ذِكرُهُشَجَناً يُعَلُّ بهِ الفؤادُ ويُنهَلُ
إلاّ تذكُّرُ ما مضى وصَبابةٌمُنِيَتْ لقلبِ مُتيَّمٍ لا يذهَلُ
أوْدى الشبابُ وأخلقَتْ لذّاتُهُوأنا الحريصُ على الشبابِ المُعولُ
تبكي لِما قلَبَ الزمانُ جديدَهُخلَقاً وليسَ على الزمانِ مُعوَّلُ
والرأسُ شامِلُهُ البياضُ كأنّهُبعدَ السوادِ بهِ الثَّغامُ المُحْوِلُ
وشفيقةٍ هبَّتْ عليَّ بسُحرةٍجهلاً تلومُ على الثَّواءِ وتَعذُلُ
فأجبتُها إنْ قلتُ لستِ مُطاعةًفذَري تَنصُّحَكِ الذي لا يُقبلُ
إنّي كفاني أنْ أعالجَ رِحلةًعُمَرٌ ونبوةُ من يَضُنُّ ويبخلُ
بنَوالِ ذي فجَرٍ يكونُ سِجالُهُعِصَماً إذا نزلَ الزمانُ المُمْحِلُ
ماضٍ على حدَثِ الأمورِ كأنّهُذو رَونقٍ عضْبٌ جلاهُ الصَّيقلُ
يُغضي الرجالُ إذا بدا إعظامُهُفِعلَ الخَشخاشِ بدا لهنَّ الأجدلُ
ويروْنَ أنّ لهُ عليهمْ سَورةًوفضيلةً سبقَتْ له لا تُجهلُ
مُتحمِّلٌ ثِقْلَ الأمورِ حَوى لهُشرفَ المكارمِ سابقٌ مُتمهِّلُ
ولهُ إذا نُسبَتْ قريشٌ فيهمِمجدُ الأرومةِ والفَعالُ الأفضلُ
ولهُ بمكّةَ إذْ أميّةُ أهلُهاإرثٌ إذا ذكرَ القديمُ مُؤثَّلُ
أغنَتْ قرابَتْهُ وكانَ لُزومُهُأمراً أبانَ رَشادَهُ من يعقِلُ
ولقدْ بدأتُ أريدُ وُدَّ مَعاشرٍوعَدوا مواعدَ أخلفَتْ إذْ حُصِّلوا
حتى إذا رجعَ اليقينُ مَطامعييأساً وأخلَفَني الذين أؤمِّلُ
زايلْتُ ما صنعوا إليكَ بنَقلِهِعجلٌ وعندَكَ عنهُمُ مُتحوَّلُ
ووعدْتَني في حاجَتي وصدقْتَنيووفَيْتَ إذْ كذبوا الحديثَ وبدَّلوا
وشكَوتُ غُرْماً فادحاً فحملْتَهُعنّي وأنتَ لمثلِهِ مُتحمِّلُ
فأعِدْ فِدىً لكَ ما أحوزُ بنعمةٍأخرى تَرُبُّ بها نَداكَ الأولُ
فلأشكُرَنَّكَ حُسنَ ما أولَيْتَنيشُكراً تُحَلُّ بهِ المَطيُّ وتُرحَلُ
مِدَحاً يكونُ لكمْ غرائبُ شِعرِهامبذولةً ولغيرِكمْ لا تُبذَلُ
وإذا تَنخَّلتُ القَريضَ فإنّهُلكمُ يكونُ خِيارُ ما أتنخَّلُ
أُثني عليكمْ ما بقيتُ فإنْ أمُتْتَخلُدْ غرائبُها لكمْ تُتَمَثَّلُ
فلَعمرُ منْ حجَّ الحجيجُ لوجهِهِتَهوي بهمْ خُوصٌ طلائحُ ذُبَّلُ
إنَّ امرءاً قد نالَ منكَ قَرابةًيرجو منافعَ غيرِها لمُضلَّلُ
تعفو إذا جهِلوا بحِلمِكَ جهلهمْوتُنيلُ إنْ طلبوا النَّوالَ فتُجزِلُ
وتكونُ مَعقِلَهُمْ إذا لم يُنجِهمْمن شرِّ ما يخشَوْنَ إلاّ مَعقِلُ
حتى كأنّكَ يُتَّقى بكَ دونَهمْمنْ أُسْدِ بِيشَة خادرٌ مُتَبسِّلُ
وأراكَ تفعلُ ما تقولُ وبعضُهمْمَذِقُ الحديثِ يقولُ ما لا يفعلُ
وأرى المدينةَ حينَ كنتَ أميرَهاأَمِنَ البريءُ بها ونامَ الأعزلُ
وقال الأحوص:
ما ضرَّ جيرانَنا إذا انتجَعوالو أنّهمْ قبلَ بينِهمْ ربَعُوا
إنَّ لُبَيْنى قدْ ضَرَّ أقْرَبُهاولو أرادوا أنْ ينفعوا نفعوا
هم باعَدوا بالذي كَلِفْتُ بهِأليسَ باللهِ بئسَ ما صنعوا
أحْمَوا على عاشقٍ زيارَتَهُفهْوَ بهِجرانِ بيتِهمْ فَظِعُ
بانوا فقدْ فجَّعوا ببَينِهمِولم يبالوا أحزانَ من فجَعوا
وهْوَ كأنَّ الهُيامَ خالطَهُوشابَهُ غيرُ حبِّها وجَعُ
تصُدُّ عنها من غيرِ هيبتِهمْمخافةً أنَّ يمسَّها طمعُ
لمَنعِهمْ أُكْلِفَ الفؤادُ بهاوليسَ يهوى إلاّ التي منعوا
كأنَّ من لامَني لأصرِمَهاكانوا لِلُبْنى ببَينِهمْ شفعوا
أعطي لُبَيْنى منّي وإنْ نزحَتْصفْواً من الوُدِّ خالقٌ صنَعُ
فاللهُ بيني وبينَ قيّمِهايفِرُّ منّي بها وأتَّبِعُ
كأنَّ لُبْنى صَبيرُ غاديةٍأو دميةٌ زُيِّنَتْ بها البِيَعُ
أو ظبيةٌ مُطْفِلٌ أطاعَ لهابقْلٌ بجوٍّ ومَشْرَعٌ كرَعُ
لم ترْعَ يوماً جدباً بمَسرحِهاولم يرُعْها في مَرتَعٍ فزَعُ
أرْخُ لَعوبٌ كأنَّ مَضحكَهابرقٌ تلألأَ في المزنِ يلتَمِعُ
تَعقِصُ وحْفاً كأنَّ مُرسَلَهُأساوِدٌ شَبَّ لونَها جرَعُ
على نقيِّ اللِّيتَيْنِ مُعتدلٍلا وَقَصٌ هابَهُ ولا هَنَعُ
من نسوةٍ خُرَّدٍ مُشابِهُهامنَ الظباءِ العيونُ والتِّلَعُ
أوانِسٌ أمْرُهُنَّ ما أشِرَتْهُنَّ للُبْنى في أمرِها تَبَعُ
يضعْنَ لهوَ الصِّبا مواضعَهُفلا جفاءٌ يُرى ولا خَرَعُ
إذا مشتْ قاربَتْ على مهَلٍمشياً مَكِيثاً واللونُ مُنتقِعُ
تَدافُعُ السيلِ مالَ في جرَعٍينعرجُ الطَّورَ ثمّ يندفِعُ
بل ليتَ شِعري عمّنْ كلِفْتَ بهِمنْ خَثعَمٍ إذْ نآوكَ ما صنعوا
إذْ شطّتِ الدارُ عن ديارِهمِأأمسكوا بالوِصالِ أمْ قطعوا
بل همْ على خيرِ ما عهدتْ وماذاكَ إلاّ التأميلُ والطمعُ
قدْ يحفظُ الوُدَّ والصفاءَ إذاكانَ كريماً والشِّعْبُ مُنصدِعُ
كأنّهمْ إذْ غدَتْ بأجمَعِهمْفي الفجرِ بُزْلُ الجِمالِ تَهتَرِعُ
دلُّوا على بَكْرَةٍ أضرَّ بهانُزّاعُها أو أفاضَها نزَعُ
قد شَفَّ قلبي وهاجَ فُرقَتُهمْشوقاً فنفسي لها جس تقعُ
هلْ لي منَ الشوقِ إذْ كَلِفْتُ بهاشافٍ فإنّي بحُبِّها طَمِعُ
قدْ ضمّنَتْ حُبَّها أخا كُرَبٍقد شفَّهُ الشوقُ فهْوَ مُوتَزَعُ
لا بدَّ من نظرةٍ أُسَرُّ بهامنكِ لُبَيْنى والحبلُ مُنقطِعُ
قد هيَّجَ الشوقَ منزِلٌ لهمُبالجوِّ أمسى وأهلُهُ بِدعُ
وزوَّدوني في النفسِ شَوقَهمُفالعينُ منّي بالدمعِ تَندرِعُ
إنّي وأيدي الخِفافِ يُعملُهاشُعثٌ إلى البيتِ قَلَّ ما هجعوا
ما إنْ أردْنا وِصالَ غيرِهمِولا قطعْناهمُ كما قطعوا
وقال الأحوص يمدح الوليد:
أمَنْزلَتَيْ مَيٍّ على القِدَمِ اسْلَمافقدْ هِجْتُما للشوقِ قَلباً مُتيَّما
وذكَّرْتُما عصرَ الشبابِ الذي مضىوجِدَّةَ حبلٍ وصلُهُ قد تَجذَّما
فإنّي إذا حلَّتْ ببِيشٍ مُقيمةًوحلَّ بوَجٍّ سالماً أو تتهَّما
عراقيّةٌ شطَّتْ وأصبحَ نفعُهارجاءً وظنّاً بالمَغيبِ مُرَجَّما
أُحبُّ دُنوَّ الدارِ منها وقدْ أبىبها صَدْعُ شَعْبِ الدارِ أنْ يتلاءَما
بكاها وما يدري سوى الظنِّ ما بكىأحَيَّاً يُرَجِّي أمْ تراباً وأعظُما
نأتْ وأتى خوفُ الطَّواعِينِ دونَهاوقدْ أنعمَتْ أخيارُها أنْ تَصرَّما
وُعدتُ بها شهرَيْنِ ثُمَّتَ لم يزلْبكَ الشوقُ حتى غِبتَ حَولاً مُحرَّما
أفالآنَ لما جلَّ ذو الأثْلِ دونَهاندمْتَ ولم تندمْ هنالكَ مَندَما
سلمْتَ بذِكراها وما حُكمُ ذِكرِهابفارعةِ الظُّهرانِ إلاّ لتَسْقَما
فدعْها وأحدِثْ للخليفةِ مِدحةًتُزِلْ عنكَ بؤسى أو تُفِدْ لكَ مَغنَما
فإنَّ بكفَّيهِ مفاتيحَ رحمةٍوغيثَ حَياً يحيى بهِ الناسُ مُرْهِما
إمامٌ أتاهُ المُلكُ عَفواً ولم يُصِبْعلى مُلكِهِ مالاً حراماً ولا دما
تَخيَّرهُ ربُّ العبادِ لخَلْقِهِوَلِيّاً وكانَ اللهُ بالناسِ أعلما
فلما ارتضاهُ اللهُ لمْ يدَعْ مُسلماًلبَيعتِهِ إلاّ أجابَ وسَلَّما
ينالُ الغِنى والعزَّ من نالَ وُدَّهُويرهَبُ موتاً عاجلاً إنْ تَنقَّما
ألمْ ترَهُ أعطى الحَجيجَ كأنّماأنالَ بما أعطى منَ المالِ دِرهما
تفقَّدَ أهلَ الأخشبَيْنِ فكلَّهمْأنالَ وأعطى سَيْبَهُ المُتَقَسَّما
فراحوا بما أسدى إلى كلِّ بلدةٍبحمدٍ يهُزُّونَ المَطِيَّ المُخَزَّما
كشمسِ نهارٍ أبَتْ للناسِ إنْ بدَتْأضاءَتْ وإنْ غابَتْ محَتْهُ فأظلما
ترى الراغبينَ المُرْتَجينَ نَوالَهُيُحيُّونَ بَسّامَ العشِيّاتِ خِضْرِما
كأنّهمُ يستمطِرونَ بنَفعِهِربيعاً مرَتْهُ المُعصِراتُ فأثْجَما
تَلِيدُ الندى أرْسى بمكّةَ مجدُهُعلى عهدِ ذي القَرنَيْنِ أو كانَ أقدما
همُ بيَّنوا منها مَناسكَ أهلِهاوهمْ حجَروا الحِجرَ الحرامَ وزَمزما
وهمْ منعوا بالمرجِ منْ بطنِ راهِطٍببِيضِ الصَّفيحِ حَوضَهمْ أنْ يُهَدَّما
عليهمْ منَ الماذيِّ جدْلٌ تَخالُهاتَرِيكَ سيولٍ في نِهاءٍ مُصَرَّما
فمن يكتُمُ الحقَّ المبينَ فإنّنيأبَيتُ بما أُعطَيتُ ألاّ تَكلُّما
وإنّي لأرجو منْ نَداكَ رَغيبةًأفيدُ غِنىً منها وأفرُجُ مَغرما
مُشابهُ صدقٍ من أبيكَ وشِيمةٌأبَتْ لكَ بالمعروفِ إلاّ تقدُّما
فإنّكَ من أعزَزْتَ عَزَّ ومن تُرِدْهَضِيمَتَهُ لم يُحْمَ أنْ يتهضَّما
قضَيتَ قضاءً في الخلافةِ لم تدَعْلذي نخوةٍ يرجو الخلافةَ مَرغَما
رضِيتُ لهمْ ما قد رضُوا لنفوسِهمْوأفْلَجْتَ من قد كان بالحقِّ أعصما
وقدْ رامَ أقوامٌ رَداكَ فعالجواعلى رَغمِهمْ أمراً من اللهِ مُحكَما
قضى فعصَوه رغبةً عن قضائِهِفلم يجدوا عمّا أرادوكَ مَرغَما
أبى لهمُ أنْ يخلُصوا من هَوانِهِوأنْ ينزِعوا إكرامَ من كانَ أكرما
ولم يتركوا ذا لُبْسةٍ رأيُهُ عَماًولم يتركوا ذا الدَّرْءِ حتى تَقوَّما
بأسيافِها بعدَ العَما نصروا الهدىيقينَ البيانِ لا الحديثِ المُرجَّما
وقال الأحوص وهو بالشام، وأقام بعمّان، وهي مدينة البلقاء فارق ليلةً، وقال ويمدح فيها:
أقولُ بعمّانٍ وهلْ طَربي بهِإلى أهلِ سَلْعٍ إنْ تشوَّقْتُ نافعُ
أصاحِ ألمْ تحزُنْكَ ريحٌ مريضةٌوبرقٌ تَلالا بالعَقيقتَيْنِ رافعُ
فإنَّ غريبَ الدارِ مما يشوقُهُنسيمُ الرياحِ والبروقُ اللوامعُ
نظرْتُ على فَوتٍ وأوفى عشيّةًبنا منظرٌ من حِصنِ عمّانَ يافعُ
لأُبصِرَ أحياءً بِخاخٍ تضمَّنتْمنازلَهمْ منها التلاعُ الدَّوافعُ
ومن دونِ ما أسمو بطرْفي لأرضِهمْمَعانٌ ومُغبَرٌّ من البيدِ واسعُ
فأبدَتْ كثيراً نظرَتي من صَبابَتيوأكثرُ منهُ ما تُجِنُّ الأضالعُ
وللعينِ أسرابٌ تفيضُ كأنّماتُعَلُّ بكُحلِ الصابِ منها المدامعُ
لَعمرُ ابنةِ الزيْدِيِّ إنَّ ادِّكارَهاعلى كلِّ حالٍ للفؤادِ لرائعُ
وإنّي إليها حيثُ طارَتْ بها النَّوىمنَ الغَورِ أو جَلْسِ البلادِ لنازعُ
وقدْ ثبتَتْ في القلبِ منكِ مودّةٌكما ثبتَتْ في الراحتَيْنِ الأصابعُ
أهُمُّ لأنسى ذِكرَها فيشُوقُنيرفاقٌ إلى أهلِ الحجازِ نَوازِعُ
فيا ليتَ أنّا قد تعسَّفتِ المَلابنا قُلُصٌ يَلْحَبْنَ والفجرُ ساطعُ
مَوارِقُ منْ أعتاقِ ليلٍ كأنّهاقَطاً قارِبٌ ماءَ النُّمَيرةِ ساطعُ
رَوايا تأنِّيها على كلِّ مَنهلٍقليلٌ إذا ما أمكنَتْها المشارعُ
طَوَيْنَ أدواى أحْكَمَ اللهُ صُنعَهاإذا لم تعالِجْ خَرْزَهُنَّ الصَّوانعُ
بفتوى نحورٍ ما يكَلِّفْنَ مُمسِكاًحناجرَها لمّا استقَيْنَ المَقامعُ
بُغِثْنَ بها زغباً برأسِ مفازةٍتَضمنَّها منها رُباً وأجارِعُ
مُلبَّدةٌ غُبْراً جُثوماً كأنّهاأفانِيُّ لولا رُوسُها والأكارِعُ
تَبوَّأْنَ بَيضاً في أفاحيصِ قَفرةٍفهُنَّ بفَيْفاءِ الفلاةِ ودائعُ
وإنّا عَدانا عن بلادٍ نُحبُّهاإمامٌ طَبانا خَيرُهُ المُتتابعُ
أغَرُّ لمروانٍ وليلى كأنّهُحسامٌ جلَتْ عنهُ الصَّياقلُ قاطعُ
هوَ الفرعُ من عَبدَيْ منافٍ كأنّهُإليهِ انتهَتْ أحسابُهمْ والدَّسائعُ
إذا ما بدا للناظرينَ كأنّهُهلالٌ بدا في ظلمةِ الليلِ طالعُ
فكلُّ غنيٍّ قانعٌ بنَوالِهِوكلُّ عزيزٍ عندَهُ مُتواضعُ
هوَ الموتُ أحياناً يكونُ وإنّهُلغيثُ حَياً يحيا بهِ الناسُ واسعُ
فما أحدٌ يبدو له من حجابِهِفينظرُ إلاّ وهْوَ بالذلِّ خاشعُ
فنحنُ نُرجِّي نفعَهُ ونخافُهُوكِلتاهُما منهُ برِفقٍ نُصانِعُ
لهُ دِسَعٌ فيها حياةٌ وسَورَةٌتُميتُ وحِلمٌ يَفضُلُ الحِلمَ بارعُ
رمى أهلَ نَهرَي بابلٍ إذْ أضلَّهُمْأزْلُّ عُمانيٌّ بهِ الوشمُ راضعُ
بتسعينَ ألفاً كلُّهمْ حينَ يُبتلىجميعُ السلاحِ باسلُ النفسِ دارِعُ
منَ الشامِ حتى صبحتهمْ جُموعُهُبأرضِهمْ والمقْرباتُ النزائعُ
فلمّا رأوا أهلَ اليقينِ تخاذلواورامُوا النجاةَ والمنايا شوارعُ
على ساعةٍ لا عُذرَ فيها لظالمٍولا لهمُ من سطوةِ اللهِ مانعُ
فظلَّ لهمْ يومٌ بهمْ حلَّ شرُّهُتزولُ لهم فيهِ النجومُ الطوالعُ
يَحُوسُهمُ أهلُ اليقينِ فكلُّهمْيلوذُ حِذارَ الموتِ والموتُ كانعُ
وكم غادرَتْ أسيافُهمْ من مُنافقٍيَمجُّ دماً أوداجُهُ والأخادعُ
قتيلٌ نرى ما لا ينالُ وفاتُهُولاقى ذميماً موتَهُ وهْوَ خالِعُ
عَوى فاستجابَتْ إذْ عوى لعُوائِهِعبيدٌ لهمْ في كلِّ أمرٍ بدائعُ
وما زالَ ينوي الغَيَّ من نَوْكِ رأيِهِبعمياءَ حتى احْتَرَّ منه المَسامعُ
وحتى استُبيحَ الجَمعُ منهمْ فأصبحواكبعضِ الأُلى كانتْ تصيبُ القوارعُ
فأضحوا بنَهرَيْ بابلٍ ورؤوسُهمْتُجيزُ بها البيدَ المطايا الخواضعُ
فريقانِ مقتولٌ صريعٌ بذَنْبِهِشقيٌّ ومأسورٌ عليهِ الجوامعُ
لَعمري لقدْ ضلَّتْ ودارَتْ عليهمِبما كرهوا تلكَ الأمورُ الفظائعُ
عصائبُ ولّتْكَ ابنَ دَحْمةَ أمرَهاوذلكَ أمرٌ يا بنَ دَحمةَ ضائعُ
أفالآنَ لمّا بايَعوا لضلالةٍدعَوْتَ فهَلاً قبلَ إذْ لم يُبايِعوا
ومنْ دونِ ما حاولتَ من نكْثِ عهدِهمْوأمِّكَ موتٌ يا بنَ دَحمةَ ناقعُ
فذُقْ غِبَّ ما قد جئتَ إنّكَ ضَلَّةٌإلى جُرمِ ما لاقَيْتَ عطشانَ جائعُ
كفرْتَ الذي أسدوا إليكَ وسدَّدوامن الحُسنِ والنُّعمى فخدُّكَ ضارِعُ
هلَ انتَ أميرَ المؤمنينَ فإنّنيبودِّكَ من وُدِّ البريّةِ قانعُ
مُتمِّمُ أجرٍ قد مضى وصنيعةٍلكمْ عندَنا إذْ لا تُعَدُّ الصنائعُ
وكم من عدوٍّ كاشِحٍ ذي كَشاحةٍومُستمِعٍ بالغيبِ ما أنتَ صانعُ
وقال الأحوص:
أفي كلِّ يومٍ حَبَّةُ القلبِ تُقرَعُوعيني لبَينٍ من ذوي الوُدِّ تَدمَعُ
ألَلْجِدُّ إنّي مُبتلىً كلَّ ساعةٍبهمٍّ لهُ لوعاتُ حزنٍ تَطلَّعُ
إذا ذهبَتْ عني غَواشٍ لعَبْرَةٍأظلُّ لأُخرى بعدَها أتوقَّعُ
فلا النفسُ من تَهْمامِها مُستريحةٌولا بالذي يأتي من الدهرِ يَقنعُ
ولا أنا باللائي تَسنَّيْتُ مُرْزأولا بذوي خَلْصِ الصَّفا مُتمتِّعُ
وأولعَ بي صرفُ الزمانِ وعَطفُهُلتَقطيعِ وصْلٍ خُلّةٌ حينَ تقطعُ
وهاجَ ليَ الشوقَ القديمَ حمامةٌعلى الأيْكِ بينَ القريتَيْنِ تَفجَّعُ
مُطوَّقةٌ تدعو هديلاً وتحتَهالهُ فنَنٌ ذو نضرةٍ يتزعْزَعُ
وما شَجوُها كالشجوِ منّي ولا الذيإذا جزعَتْ مثلُ الذي منهُ أجزَعُ
فقلتُ لها لو كنتِ صادقةَ الهوىصنعْتِ كما أصبحْتُ للشوقِ أصنعُ
ولكنْ كتمْتُ الوجدَ إلاّ تَرنُّماًأطاعَ له منّي فؤادٌ مُروَّعُ
وما يستوي باكٍ لشَجوٍ وطائرٌسوى أنّهُ يدعو بصوتٍ ويسجَعُ
فلا أنا فيما قد بدا منكِ فاعلَميأصَبُّ بعيداً منكِ قلباً وأَوجَعُ
ولوْ أنَّ ما أُعنى بهِ كانَ في الذيأوَمِّلُ منْ معروفِهِ اليومَ مَطمَعُ
ولكنّني وُكِّلْتُ منْ كلِّ باخلٍعليَّ بما أُعنى بهِ وأُمَنَّعُ
وفي البخلِ عارٌ فاضحٌ ونقيصةٌعلى أهلهِ والجودُ أبقى وأوسعُ
أجِدَّكَ لا تنسى سُعادَ وذِكرهافيرقأُ دمعُ العينِ منكَ فتهجَعُ
طربْتَ فما تنفكُّ يحزُنُكَ الهوىمُودِّعُ بَينٍ راحلٍ ومُودَّعُ
أبى قلبُها إلاّ بِعاداً وقسوةًومالَ إليها وُدُّ قلبِكَ أجمعُ
فلا هي بالمعروفِ منكَ سخيّةٌفتُبرمُ حبلَ الوصْلِ أو تَتبرَّعُ
ولا هو إمّا عاتبٌ كانَ قابلاًمن الهائمِ الصَّبِّ الذي يتضرَّعُ
أفِقْ أيُّها المرءُ الذي بهمومِهِإلى الظاعنِ النائي المحَلَّةِ ينزِعُ
فما كلُّ ما أمَّلتَهُ أنتَ مُدركٌولا كلُّ ما حاذَرْتَهُ عنكَ يُدفَعُ
ولا كلُّ ذي حرصٍ يُزادُ بحرصِهِولا كلُّ راجٍ نفعَهُ المرءُ ينفعُ
وكم سائلٍ أمْنِيَّةً لوْ ينالُهالظَلَّ بسوءِ القولِ في القومِ يقنعُ
وذي صَممٍ عندَ العِتابِ وسَمعُهُلِما شاءَ منْ أمرِ السفاهةِ يسمعُ
ومن ناطقٍ يُبدي التكلُّمُ عِيَّهُوقدْ كانَ في الإنصافِ عنْ ذاكَ مَرْبَعُ
ومن ساكتٍ حِلماً على غيرِ ريبةٍولا سَوْأةٍ من خِزيَةٍ يَتقنَّعُ
وقال الأحوص يمدح عبد العزيز:
أقْوَتْ رُواوَةُ منْ أسماءَ فالسَّنَدُفالسَّهْبُ فالقاعُ من عَيْرَيْنِ فالجُمُدُ
فعرشُ خاخٍ قَفارٍ غيرَ أنَّ بهِربْعاً أقامَ به نُؤْيٌ ومُنتضَدُ
وسُجَّدٌ كالحماماتِ الجُثومِ بهِومُلْبدٌ من رمادِ القِدرِ مُلْتَبِدُ
وقدْ أراها حديثاً وهْيَ آهلةٌمنها بواطنُ ذاكَ الجِزعِ فالعَقِدُ
إذ الهوى لم يُغيِّرْ شَعْبَ لِيَّتِهِشَكْسُ الخليقةِ ذو قاذورةٍ وحَدُ
يظلُّ وجْداً وإنْ لم أنْوِ رؤيتَهُكأنّهُ إذْ يراني زائراً كَمِدُ
فيا لها خُلّةٌ لو أنّها بهوىًمنها تُثيبُكَ بالوجْدِ الذي تجِدُ
قامَتْ تُريكَ شَتيتَ النبْتِ ذا أشُرٍكأنّهُ من سَواري صيِّفٍ برَدُ
أهدى أهِلَّتَهُ نَوءُ السَّماكِ لهاحتى تناهَتْ بهِ الكثبانُ والجرَدُ
ومُقلتَيَّ مُطْفِلٍ فرْدٍ أطاعَ لهابَقْلٌ ومَرْدٌ صفاً مُكّاؤُهُ غَرِدُ
يَزينُ لَبَّتَها درٌّ تكنَّفَهُنُظّامُهُ فأجادوا السَّرْدَ إذْ سرَدوا
درٌّ وشَذْرٌ وياقوتٌ يُفصِّلُهُكأنّهُ إذْ بدا جمرُ الغضا يقِدُ
وقدْ عجبْتُ لِما قالتْ بذي سلَمٍودمعُها بسحيقِ الكُحلِ يطَّرِدُ
قالتْ أقِمْ لا تبْنِ منها فقلتُ لهاإنّي وإنْ كنتُ ملْعوجاً بيَ الكمَدُ
لتاركٌ أرضَكمْ منْ غيرِ مَقْلِيَةٍوزائرٌ أهلَ حُلُوانٍ وإنْ بَعُدوا
إنّي وجَدِّكِ يدعوني لأرضِهمِقُربُ الأواصرِ والرفْدِ الذي رفدوا
كذاكَ لا يزْدَهيني عنْ بني كرمٍولو ضِنِيتُ بهنَّ البُدَّنُ الخُرُدُ
بلْ ليتَ شِعري وليتٌ غيرُ مَدْرِكَةًوكلُّ ما دونَهُ ليتٌ لهُ أمَدُ
هلْ تُبْلِغَنِّي بني مروانَ إنْ شحطَتْعنّي ديارُهمُ عَيرانَةٌ أجُدُ
عِيديّةٌ علِقتْ حتى إذا عقدَتْنَيّاً وتَمَّ عليها تامِكٌ قَرِدُ
قرَّبتُها لقُتودي وهْيَ عافيَةٌكالبرجِ لمْ يعْرَها منْ رحلةٍ عمَدُ
يسعى الغلامُ بها تمشي مُشفّعةًمشيَ البغِيِّ رأتْ خُطّابَها شهِدوا
تُرْعَدُ وهْيَ تُصادِيهِ خَصائلُهاكأنّها مَسَّها من قَرَّةٍ صَرَدُ
حتى شددْتُ عليها الرَّحلَ فانْجردَتْمَرَّ الظَّليمِ شأتْهُ الأُبَّدُ الشُّرُدُ
وشواشةٌ سَوطُها النَّقرُ الخفيُّ بهاورَفعُها الأرضُ تَحْليلٌ إذا تَخِدُ
كأنَّ بَوّاً أمامَ الرَّكبِ تتْبعُهُلها نقولُ هواها أينما عَمِدوا
تَنسلُّ بالأمْعزِ المَرهوبِ لاهيةًعنهُ إذا زجرَ الرُّكبانُ أو جلَدوا
كأنَّ أوْبَ يدَيْها بالفَلاةِ إذالاحَتْ أماعِزُها والآلُ يطَّرِدُ
أوْبَ يدَيْ سابحٍ في الآلِ مجتهدٍيهوى يُقَحِّمُهُ ذو لُجّةٍ زَبِدُ
قومٌ ولادَتُهمْ مجدٌ ينالُ بهِمن معشرٍ ذُكروا في مجدِ مَن ولَدُوا
الأكرمونَ طَوالَ الدهرِ إنْ نُسبواوالمُجتَدُونَ إذا لا يُجتدى أحدُ
والمانعونَ فلا يُسْطاعُ ما منعواوالمُنجزونَ لما قالوا إذا وعدوا
والقائلونَ بفصْلِ القولِ إنْ نطقواعندَ العزائمِ والمُوفونَ إنْ عهدوا
مَن تُمسِ أفعالُهُ عاراً فإنّهمُقومٌ إذا ذُكرَتْ أفعالُهمْ حُمدوا
قومٌ إذا انتسبوا ألفَيْتَ مجدَهمُمنْ أوّلِ الدهرِ حتى ينفدَ الأبدُ
إذا قُريشٌ تسامَتْ كانَ بيتُهمُمنها إليهِ يصيرُ المجدُ والعددُ
لا يبلغُ الناسَ ما فيهمْ إذا ذُكِروامِلْ مجدِ إنْ جحفوا في المجدِ أو قَصَدوا
همُ خيرُ سكّانِ أهلِ الأرضِ تعلمُهُلو كان يُخبرُ عن سُكّانِهِ البلدُ
يبقى التُّقى والغِنى في الناسِ ما عَمِرواويُفقَدانِ جميعاً إنْ همُ فُقِدوا
وما مدحْتُ سِوى عبدَ العزيزِ وماعندي لحَيٍّ سوى عبدِ العزيزِ يَدُ
إذا اجتهدْتُ ليُحصي مجدَهمْ مِدَحيلم أعْشُرِ المجدَ منهمْ حينَ أجتهدُ
إنّي رأيتُ ابنَ ليلى وهو مُصطنَعٌمُوفَّقاً أمرُهُ حيثُ انتوى رشَدُ
أقامَ بالناسِ لمّا إنْ نبا بهمِدونَ الإقامةِ غَورُ الأرضِ والنجَدُ
والمُجتَدي مُوقِنٌ أنْ ليسَ مُخْلفَهُسَيْبُ ابنِ ليلى الذي ينوي ويعتمِدُ
لو كانَ ينقُصُ ماءَ النيلِ نائلُهُأمسى وقدْ حانَ منْ جَمّاتِهِ نفَدُ
يَبني على مجدِ آباءٍ لهُ سلَفوايَنْمي لمنْ وَلَدوا المهدَ الذي مَهَدوا
يحمي ذمارَهمُ في كلِّ مُفْظِعَةٍكما تعرَّضَ دونَ الخِيسةِ الأسدُ
صقرٌ إذا معشرٌ يوماً بدا لهمُمنَ الأنامِ وإنْ عَزُّوا وإنْ مَجدوا
رأيتَهمْ خُشَّعَ الأبصارِ هَيبَتَهُكما استكانَ لضوءِ الشارقِ الرَّمَدُ
أوله وقال الأحوص:
ألْمِمْ على طَلَلٍ تَقادَمَ مُحْوِلٍنَحَلُ الزمانُ وعهدُهُ لمْ يَنْحَلِ
وافق الفراغ منه تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثمان مائة من الهجرة النبوية على يد فقير رحمة ربه الكريم علي بن محمد المنظراوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلامه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع