تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر (٢)

وقوله:

ذِكِيٌّ تَظَنَّيهِ طَلِيعةُ عَيْنِهِيَرَى قَلْبُهُ في يَومهِ ما تَرَى غَدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال: يقول: لصحة ذهنه وفرط ذكائه إذا ظن شيئا رآه بعينه لا محالة، وهذا كقول دريد:

قليلُ التَّشَكَّي للمَصِيِبَات حَافظٌمن اليَومِ أعقْابَ الأَحَاديث في غَدِ

وأقول: إن بينهما فرقا. وذلك أن دريدا يصف أخاه بأنه متنبه للمكارم، باكتساب المحامد واجتناب الملاوم، لأن قوله:

...... حافظٌمن اليَوْمِ أعقابَ الأحاديثِ في غَدِ

أي: ما يعقب الأحاديث التي يذكر بها الإنسان (بعد موته) من حمد إن كانت خيرا أو ذم إن كانت شرا.

ومن ذلك ما حدث به أبو تمام عن بعض المهلبيين قال: قال يزيد بن المهلب: والله الحياة أحب إلي من الموت، ولثناء حسن أحب إلي من الحياة، ولو أنني أعطيت ما لم يعط أحد لأحببت أن تكون لي أذن تسمع ما يقال في غدا إذا أنا مت!

وأبو الطيب يصف الممدوح بصحة الحدس وحدة الذهن كقوله:

مُسْتَنْبطٌ من عِلْمهِ ما في غَدٍفكأنَّما سَيكونُ فيهِ دُونا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

ولو قال: هذا كقول أوس:

الأَلْمعِيَّ الذي يَظُنُّ لك الظَّنَّ كأنْ قد رأى وقد سَمِعَا

كان أولى من بيت دريد.

وقوله:

عَرَضْتَ له دونَ الحَياةِ وطَرْفِهِوأبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ منكَ مُجَرَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال: لما رآك لم تسمع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.

(وأقول:) وهذا الذي ذكره ليس بشيء!

والمعنى: أن الدمستق لما رأى سيف الدولة خاف منه؛ فلشدة خوفه كأنه حال بين طرفه وحياته وقد:

............ أَبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ منه مُجَرَّدا

أي: في تلك الحال، وقد هاهنا مقدرة، أي: سيف الله لا سيف خلقه، كقوله:

فيا سيف ربك لا خلقه.........

وقوله:

رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍولو شئتَ كانَ الحِلُمُ منكَ المُهَنَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال: أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.

وأقول: الجيد لو قال: (لقتلتهم) بالسيف.

وقوله:

......... ...... كان الحِلْمُ منك المُهَنَّدا

فمن قولهم: عتابك السيف. وقول عمرو:

وخَيْلٍ قد دَلَفْتُ لها بِخَيْلٍتَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضَرْبٌ وَجيعُ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «وخيل قد دلفت لها بخيل»

وقوله:

اليَوْمَ عَهْدُكُمُ فأينَ المَوْعِدُهَيْهاتَ ليس ليَوم عَهْدِكمُ غَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: أي: أموت وقت فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم غد عندي.

وأقول: لهم يفهم معنى هذا البيت، ولا فهمه أحد ممن جاء بعده!

ومعناه: كأنه سأل أحبته: متى الوصال؟ فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ أي: في أي مكان يكون. ثم كأنه تبين له منهم الخلف فقال: هيهات! أي: استبعد أن يكون ليوم عهدهم بالوصال غد. وهذا مثل قول بعضهم:

في كلَّ يَوْمٍ قائِلٌ لي في غَدٍيَفْنَى الزَّمَانُ ومَا تَرَى عَيْني غدا

وقوله:

المَوْتُ أقْرَبُ مِخْلبا من بَيْنِكُمْوالعَيْشُ أبْعَدُ منكُمُ لا تَبْعُدُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: (أي: قبل أن تبينوا عني أموت خوفا لبينكم.

قال: وهذا مثل قوله:

أَرَى أسَفِي ومَا سِرْنا شَديداًفكَيْفَ إذا غَدا السَّيرُ ابْتراكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

يقول: فإذا بعدتم كان العيش أبعد منكم؛ لأنه يعدم البتة وأنتم موجودون، وإن كنتم

بعداء عني فالعيش إذا أبعد منكم لأن بكم الحياة.

وأقول: أخصر من هذه العبارة (وأبين) أن يقول: الموت مني قريب ببينكم، وبينكم أيضا مني قريب. إلا أن الموت أقرب منه، وعيشي إذا بعدتم بعيد، وأنتم بعيدون إلا أن العيش ابعد منكم، فدعا لهم أن لا يبعدوا، وإنما الدعاء له في الحقيقة لأن ببعدهم بعد حياته وبقربهم قربها.

وقوله:

قالَتْ، وقد رأَتِ اصفرارِي: مَنْ بهِ؟وتَنَهَّدَتْ، فأَجَبْتُها: المُتَنَهَّدُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «لما رأيت نهودها قد أقبلت»

قال: أي: من المطالب به؟ كذا معناه.

وأقول: ليس كذا معناه، ومعنى: من به، أي: من في قلبه أو من يهوى؟ فأجبتها: المتنهد، أي: أنت، وهذا أمثل من قوله؛ لأن المطالبة تكون بالقتل، والاصفرار يدل على الهوى (لا على القتل) وهو مثل قول الآخر:

ظَلَّتْ تُسَائِلُ بالمُتَيَّمِ أهْلَهُوهي التي فَعَلَتْ بهِ أفْعَالَها

وقوله:

فَرَأيتُ قَرْنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَىمُتَأوَّداً غُصْنٌ به يتأوَّدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: قرن الشمس: أعلاها؛ أي: قد جمعت حسن الشمس والقمر.

وأقول: المعنى غير ذلك، وهو أنه شبه صفرتها من الحياء بقرن الشمس، وهو أول ظهورها وشروقها، وشبه بياضها بالقمر، فكانت مصفرة الحياء في بياض وجهها كالشمس في القمر.

وقوله:

أبْلَتْ مَوَدَّتَها اللَّيالي بَعْدَنَاومَشَى عَلَيْهَا الدَّهْرُ وهو مُقَيَّدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: هذا مثل واستعارة،

وذلك أن المقيد يتقارب خطوه، فيريد أن الدهر دب إليها فغيرها كما قال أبو تمام:

فَيَا حُسْنَ الدَّيارِ وما تَمَشَّىإليهَا الدَّهْرُ في صُورَ البُعَادِ

وقال الواحدي في قوله:

......... وَمَشى عَلَيْهَا الدهرُ وهو مُقَيَّدُ

وهو الصحيح، أنه أراد المبالغة في الإبادة؛ أي وطئها وطأ ثقيلا، كما قال الحارث بن وعلة:

وَوَطئتَنَا وَطأ على حَنَقٍوَطْأَ المُقَيَّدِ نَابِتَ الهَرْمِ

وقوله:

أبْرَحْت يا مَرَضَ الجُفُونِ بِمُمْرَضٍمَرِضَ الطَّبِيبُ له وَعيِدَ العُودُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يعني بالممرض جفنها.

و:

.........وَرِضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العُوَّدُ

مثل، ولا طبيب هناك ولا عود، ولكن لما جعل الممرض جفونا، جعل لها طبيبا وعودا.

(وأقول:) وهذا ليس بشيء! والمعني بالممرض نفسه، ووصفها بالمبالغة في المرض إلى أن مرض الطبيب والعود رحمة له وخوفا عليه.

والمعنى أن مرض جفون المعشوق أبرح بالممرض، الذي هو العاشق، أي: اشتد وتجاوز في الأذى والألم، فجعل مرض (الجفن) الذي هو ضعيف يشتد على العاشق ويبالغ في أذاه. وذلك عجب وهو من أحسن معنى.

ويدل على أن الممرض نفسه، الضمير الذي يليه في البيت الذي بعده وهو:

فَلَهُ بَنْو عبد العزيز.........

وقوله:

نَظَرَ العُلوجُ فلم يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْلَّما رأَوْكَ وقيلَ: هذا السَّيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: لما رأوك تشاغلوا بالنظر إليك، وبرقت أبصارهم فلم يروا أحدا لديك.

وأقول: لا حاجة إلى ذكر البرق، بل لما رأوا الممدوح لم يروا من دونه؛ لعظمته، اشتغالا به عمن سواه.

وقوله:

كُنْ حَيثُ شِئْتَ تَسِرْ إليك رِكابُنافالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوْحَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: قوله: فالأرض واحدة: أي ليس للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه، وهذا كقوله:

ألِفتُ تَرَحُّلي وجَعَلْتُ أرْضِيقُتُودي والغُرَيْرِيَّ الجُلالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وأقول: لم يرد ذلك، وليس بين البيتين مشابهة. وكيف يقول: ليس علينا في السفر مشقة؟ والمعروف المألوف من الشعراء في أشعارهم أنهم يذكرون للممدوح ما يلقونه من الضرر ومشقة السفر بسلوك القفار، وتحمل الأخطار، يمتون بذلك إليه، ويدلون عليه، فمن ذلك قول الأعشى:

إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرىوآخذُ من كُلَّ حَيَّ عُصُمْ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

وقول علقمة:

إليكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كان وَجِيفُهَابمُشْتَبِهاتٍ هَوْلُهُنَّ مهِيبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

وقول الحطيئة:

إليكَ سَعِيدَ الخَيرِ جُبتُ مَهَامِهايُقَابِلُني آلٌ بهَا وتَنُوفُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

وما أشبه ذلك.

وإنما المعنى: كن حيث شئت من البعد، فإنا نصل إليك على كل حال؛ لأن الأرض

واحدة فلا بد من قطعها، وأنت الأوحد فلا بد من الوصول إليك، فلا نعدل عنك إلى غيرك.

وقوله:

وصُنِ الحُسَام فلا تُذلِهُ فإنَّهُيشكُو يَمِينَكَ والجَمَاجِمُ تَشْهَدُ

قال: يشكو يمينك من كثرة ما يضرب به.

والإذالة: ضد الصون.

وقوله: صنه أي: لا تذله. لأنه به يدرك الثار ويحمى الذمار.

(وأقول): وقال ابن فورجة: كيف أمن أن يقول: ما أذلته إلا لأدرك (ثأري) وأحمي ذماري؟ ثم ذكر وجها من عنده غير حسن!

وأقول: المعنى أن السيف يتنزل من الشجاع منزلة الأخ؛ لطول مصاحبته وملازمته له، وذلك في كلامهم مشهور كقول طرفة:

أخي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضَرِيبةٍإذَا قيلَ مَهْلاً قالَ حَاجِزُهُ ثَدِي
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

فيلزمه حينئذ صونه وحفظه؛ لأنه أخوه وصاحبه، وهو قد أذاله بكثرة ضربه للجماجم حتى شكا يمينه لذلك. وجعل الجماجم تشهد لأنها المباشرة له، فجعل السيف

والجماجم، بالشكوى والشهادة، بمنزلة من يحسن ويعقل ويتكلم. كل هذا استعارة ومبالغة، وكأن هذا ينظر إلى قوله:

لِمَنْ مَالٌ تُمَزَّقُهُ العَطايَاوتَشْرَكُ في رَغَائبِه الأنَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»
ولا ندْعوك صَاحِبهُ فَتَرضَىلأنَّ بِصُحْبةٍ يَجِبُ الذَّمامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

وقوله:

تُعَجَّلُ قِيَّ وُجُوبَ الحُدودِوَحَدَّيَ قَبْلَ وُجُوبِ السُّجودِ

قال: أي: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علي الصلاة، فكيف أحد؟ وليس يريد، في الحقيقة، أنه صبي غير بالغ، إنما يصغر أمر نفسه عند الوالي. ألا ترى أن صبيا لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف.

وأقول: إن تأويله، وصرف الكلام عن ظاهره هو الواجب، ولكن ليس كما قال من أنه يصغر أمر نفسه عند الوالي، ولكن ضرب ذلك مثلا في الظلم. يقول:

أنا

فيما فعل بي من الحبس، وأنا غير مستحق له، بمنزلة صبي حد، وبما قيل عني من الكذب وأنه مستحيل، بمنزلة من قيل عنه، وهو طفل لم يبلغ القعود، إنه ظلم الناس، وهو تفسير البيت الذي يليه.

وقوله:

أُحَادٌ أمْ سُداسٌ في أحَادِلُيَيْلَتُنَا المَنُوطَةُ بالتَّنادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال: كأنه قال: أواحدة أم ست؛ لأن ستا في واحدة ست.

والتنادي: يريد تنادي أصحابه بما يهم به؛ ألا ترى إلى قوله:

أُفَكَّرُ في مُعَاقَرِة المَنَايا.........

وأقول: إن هذا الذي ذكره ليس فيه طائل ولا له معنى سائغ. وقد كثر الاختلاف في تفسير هذا البيت، والأظهر فيه ما ذكره الواحدي وهو أنه أراد بقوله: سداس في أحاد: سبعة لأنه جعل (الواحد) طرفا للستة ولم يرد الضرب الحسابي، وتلك أيام الأسبوع تدور إلى آخر الدهر. والتنادي: يريد به يوم القيامة، فكأنه قال لما استطال ليلته: أهذه الليلة واحدة أم أيام الأسبوع التي تدور أبدا فهي متصلة بيوم القيامة؟

وقوله:

جَزَى اللَّهُ المَسيرَ إليه خَيْراًوإنْ تَرَك المَطَايا كالمَزادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال: أي: قد أنضاها وهزلها، وأراد المزاد البالية، فحذف الصفة لأن المعهود منهم أن يشبه النضو المهزول بالمزادة، وأنشد:

كأنَّها والشَّوْلُ كالشَّنانِ

تَمِيسُ في حُلَّةِ أرْجُوانِ

(وأقول:) وقال ابن فورجة: لا دليل على حذف الصفة، وأراد: كالمزاد التي تحملها في مسيرها إذ قد خلت من الماء والزاد لطول السفر، والألف واللام في

المزاد للعهد، ولم يدل على ذلك، والدليل (عليه) أنهما في المطايا كذلك، لأنه يريد مطاياهم ولم يرد جميع المطايا.

قال: والمعنى أن المسير إليه، أذهب لحوم مطايانا، وأفنى ماء اسقيتنا، فلم يبق في المطية لحم، ولا في المزادة ماء.

وقوله:

كأنَّ عطاَءكَ الإسلامُ تَخْشَىإذَا مَا حُلْتَ عاقِبَةَ ارتدادِ

قال: يقول: أنت تقوم على سخائك، وتتعهده كما يحفظ الإنسان دينه.

وأقول: إنه أراد المبالغة في محافظته على جوده، فشبه رجوعه عنه برجوعه عن الإسلام في الدنيا عار، وفي الآخرة نار!

وقوله:

لقُوكَ بأَكْبُدِ الإبلِ الأَبَابَافَسُقْتَهُمُ وحَدُّ السَّيفِ حَادي

قال: الأبايا: جمع أبية، فسقتهم وحد السيف حاديك، ضربه مثلا. وهكذا قال أبو الطيب.

وأقول: المعنى: إنه لما ذكر هؤلاء الذين بغوا وعصوا في اللاذقية شبههم بالإبل في إبائهم وغلظ أكبادهم، وجعل السيف حاديهم وسائقهم بخلاف الإبل فإنها تساق وتحدى بالعصا، (فغلظ عليهم مقابلة لأفعالهم).

وقوله:

فإنَّ الماَء يَخْرُجُ من جَمادٍوإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ

قال: يقول: إن الأشياء تكمن؛ فإذا استترت ظهرت.

وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يقول: لا تغتر بلين القول من عدو؛ فإنه يخرج من قلب قاس كالماء من الصخر. ولا تحقر عدوا ضئيلا ضعيفا فربما كبر أذاه واشتد إلى أن يلحقك ضرره، كالنار تخر من عود.

وقوله:

كأَنَّ عطاءكَ بعضُ القَضاءِفما تُعْطِ منه نَجِدْهُ جُدُودا

قال: أي: إذا وصلت أحدا ببر، سعد ببرك وبركتك، وشرف بعطيتك

فصارت جدا. وهذا قريب من قول أبي تمام:

وأقول: لا خلاف في النصف الآخر من البيت أنه كما قال، وأن (عطاء إذا) حصل لإنسان عده حظا وسعادة. وإنما الكلام في النصف الأول وهو قوله:

كأنَّ عَطَاءَكَ بعضُ القَضَاء.........

وما معنى بعض القضاء؟ فإن ابن جني لم يذكره.

وقال الواحدي: (المعنى:) إن القضاء سعد ونحس، ونوالك سعد كله فهو أحد شقي القضاء.

وأقول: إنه كما ذكر الواحدي، وذلك أن القضاء فيه خير وشر، ونفع وضر، وعطاء ومنع، كقوله - سبحانه: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) وذلك (كله) من الباري ﵎ عدل وحكمة، وشطر ذلك من الممدوح خير وجود.

وقوله:

فأنْفَدْتَ من عَيْشِهِنَّ البَقَاَءوأَبْقَيْتَ مما مَلَكْتَ النُّفُودَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال: أي: أنفذت بقاء نفوس العدا، وأبقيت نفاد ما تملكه بسخائك وجودك.

وأقول: هكذا قال أبو الطيب، فلم تزد عليه إلا بتكرار اللفظ! وإنما جعل نفاذ ما يملكه بقاء لأجل الذكر الذي يبقى له به، والقول الذي يثنى به عليه دائما.

وقوله:

كأنَّكَ بالفَقْرِ تَلْغي الغِنَىوبالمَوْتِ في الحَرْبِ تَبْغي الخُلُودا

قال: يقول: كأنك لإفراط سرورك ببذلك وهبات مالك، إنما تبغي بذلك الغنى؛ لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه، وكأنه عندك أن الفقر هو الغنى، وكأنك إذا مت في الحرب أنك مخلد وهذا من قول الحصين:

تَأخَّرْتُ أسْتبَقِي الحَيَاةَ فلم أَجِدْلِنَفْسِي حَيَاةٌ مثلَ أَنْ أتَقَدَّما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»

وأقول: إنه أراد المبالغة فعكس المعنى، (وذلك) أن الإنسان يريد الغنى والحياة، ويكره الفقر والموت، فجعل الممدوح، لكثرة عطائه، وقلة إبقائه على ماله بإنفاده وإنفاقه، وشهوته لذلك وسروره به، كأنه يبغي بذلك الغنى. ولذلك جعله لشدة إقدامه، وإلقاء نفسه في المهالك، وقلة إبقائه عليها من المتالف، كأنه يبغي بذلك البقاء، وهذا مثل قوله:

ضرَبَتْهُ بِصدورِ الخَيْلِ حَامِلَةًقوماً إذا تَلفُوا قُدْماً فَقَدْ سَلِمُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وقوله:

خَلائِقُ تَدْعُو إلى رَبَّهاوآيةُ مَجْد أرَاها العَبِيَدا

قال: أي: هذه تدعو إلى صاحبها، وتدل على معرفته وعلامة مجد أراها الناس لأنهم عبيد له.

وأقول: لو أن هذا البيت في صفة الباري - جلت عظمته - لكان أولى وأحرى من أن يكون في صفة غيره؛ لما فيه من الحكمة والإتقان بأن يكون موضع خلائق بدائع؛ لأن بالصناعة يستدل على الصانع، وعظم الآية من المجد والملك يستدل بها على عظم صاحبها.

وقوله:

مُهَذَّبَةٌ حُلوَةٌ مُرَّةٌحَقَرْنَا البِحَارَ بها والأسُودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال: مهذبة لا عيب فيها؛ حلوة؛ لأن كل أحد يستحسنها ويعشقها، ومرة؛ لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس. ومثل قوله: حلوة مرة قول

أبي تمام:

هو المرْكَبُ المُدْني إلى كُلَّ سُؤدَدٍوعَلْيَاَء إلا أنَّهُ المركَبُ الصَّعْبُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»

وأقول: أنه أراد بذلك حلوة للأولياء بالمنافع، مرة للأعداء بالمضار، وهذا من قول لبيد:

مُمْقِرٌ مُرٌّ على أَعْدَائِهِوعلى الأذْنَيْنَ حُلْوٌ كالعَسَلْ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقوله:

وطَعْنٍ كأنَّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَهُوضَرْبٍ كَنَّ النَّارَ من حَرَّهِ بَرْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: الهاء في عنه تعود على طعن الأول من صفته. والطعن الثاني اسم كأن، وخبرها الجملة بعده، والعائد عليه منها محذوف للعلم به، فكأنه قال: وطعن كأن الطعن لا (طعن) منه أو به عنده.

وأقول: ليس الأمر على ما ذكر في العائد، بل العائد على اسم كأن معنوي، وذلك أن لا لما كانت تنفي نفيا عاما في قوله: لا طعن عنده كان الطعن داخلا تحته (وذلك كقوله:

وأمَّا الصُّدورُ لا صُدورَ لجعْفَرٍولكنَّ أعجازا شديداً ضريرها

وقد شبه الشيخ أبو علي به قولهم: نعم الرجل عبد الله، في أحد الوجهين وقال: فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم الجنس كان عبد الله داخلا تحته وصار بمنزلة الذكر الذي يعود عليه، (وكذلك قال في البيت لعموم النفي). وقوله:

وأَكْرَمُهُمْ كَلْبٌ وأَبْصَرُهُمْ عَمٍوأسْهَدُهُمْ فَهْدٌ وأَشْجَعُهمْ قِرْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

وأقول: لو قال: وأبصرهم خلد لكان مناسبا للأجناس الثلاثة التي ذكرها (وتكون الهمزة في ابصرهم غير معتد بها لزيادتها، أو تكون: أنضرهم، بالنون والضاد، وذلك أحسن في الاستعارة)، ويكون البيت مصرعا، أو يكون إذا نون

خلد مثل

قوله:

تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومنطِقُهُ حُكْمٌوبَاطِنُهُ دِينٌ وظاهرهُ ظَرْفُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

وقوله:

تَلَجُّ دُمُوعي بالجُفُونِ كأنَّماجُفُوني لِعَيْنَيْ كلَّ باكِية خَدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: أي: كلما بكت باكية فكأن دموعها تمر بجفوني كما تمر بخدها، فلست أخلو من بكاء ودموع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع؛ يقول: يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية.

وقوله:

بِنَفسِيَ من لا يُزْدَهَى بِخَدِيعَةٍوإنْ كَثُرَتْ فيها الذَّرائعُ والقَصْدُ

قال: كأنه قال: بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أزدهيك بالخديعة، وأسخر منك

بهذا القول. وهذا مذهبه في أكثر شعره، لأنه يطوي المديح على الهجاء، حذقا منه بصنعة الشعر. ثم ذكر من مديحه في كافور أبياتا تحتمل التوجيه، وأضاف إلى ذلك قوله:

مَدَحْتُ قَوْماً وإنْ عِشْنَا نَظَمْتُ بهمقصائِداً من إنَاثِ الخَيْلِ والحُصُنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

وليس بينه وبين تلك مناسبة؛ لأنه يقول في هذا: مدحت قوما لا يستحقون المديح بقصائد من نظم، وإن عشت نظمت لهم قصائد من خيل، محاربا لهم ومغيرا عليهم، إما لأنهم لم يتجاوزه (على قدر مدحه) وإما لأنهم لا يستحقون ما هم فيه، وأنه أولى به منهم.

وأقول: إن قوله: وهذا كان مذهبه في أكثر شعره يطوي المديح على الهجاء، وصف لأبي الطيب بالطبع الرديء والخلق الدنيء، وتخرض منه عليه؛ لأن هذا

لم يقع (منه) إلا في مدح كافور؛ لأنه كان عبدا أسود خصيا؛ ترك مثل سيف الدولة في الشرف والفضل والكرم، وقصده رجاء الزيادة عنده فوقع في النقص.

وهذا الممدوح - قال ابن فورجة - ذكره الواحدي - من صميم بني تميم، عربي ممدح، ينتابه الشعراء، لا يبعد من فهم. فكيف يسوغ لأبي الطيب ذلك في حقه؟ ولو كان المعني في هذا البيت غيره، وقد أتبعه بأوصاف كثيرة على نسق واحد، لكانت هذه القصيدة خالية أو أكثرها من مدحه.

والصحيح أن معنى قوله: لا يزدهي بخديعة أي: لا يستخف بها وإن كثرت فيها الوسائل توصلا إلى أخذ غرته؛ يصفه بصحة فطنته، وحصافة عقله، ورزانة لبه.

وينبغي أن تكون هذه الخديعة في غير المكارم؛ لأن المكارم ينبغي للكريم أن ينخدع (منها) كقوله:

.........والحُرُّ يُخْدَعُ أحْيَاناً فَيَنْخَدِعُ

وكما يحكى عن معاوية، أنه دخل عليه رجل من أهل الكوفة، فشكا إليه زيادا فقال: يا أمير المؤمنين إن زيادا غصبني داري، وقد اشتريت ساجها بكذا وكذا ألف درهم، وقد دخلها أمير المؤمنين سنة كذا وكذا ورآها! قال: فكتب له: ردها له، وبما ذكره من قيمة ساجها، فلما خرج من عنده أقبل معاوية على أصحابه وقال: والله ما أعرف مما يقول شيئا، وإنما يخادعوننا فننخدع!

وقوله:

ألومُ به مَنْ لاَمَني في وِدادِهِوحُقَّ لِخَيْرِ الخَلْقِ من خَيْرِهِ الوُدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: أي: هو خير الخلق وأنا كذلك، وحقيق أهل الخير أن يود بعضهم بعضا، فحقيق علي إذا أن أوده.

وأقول: إنه يحتمل أن يكون من خيره راجعا إلى آباء الممدوح، كأنه قال: هو خير الخلق من خير الخلق، وهذا الأقرب والأشبه بغرضه، لأن وصفه نفشه بأنه خير

الناس من أقصى الرقاعة، وأقبح الشناعة!

وقوله:

وسَيْفي لأنْتَ السَّيفُ لا ما تَسُلُّهُلِضَرْبٍ ومَّما السَّيفُ منه لك الغِمْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: أقسم بسيفه ثم أقبل على الممدوح فقال: لأنت السيف لا السيف الذي تسله لتضرب به الأعداء؛ أي: أنت في الحقيقة سيف، لا السيف المطبوع من الحديد، لأنك أمضى منه:

......... وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ

أي: ومن الحديد الذي تطبع منه السيوف غمدك.

يقول: إذا لبست الحديد، كالدرع والجوشن ونحوهما، كنت فيه كالسيف، وكان كالغمد. وأقول: إن في قوله:

............ وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ

تفضيلا للممدوح على السيف، وذلك أن السيف من الحديد، والحديد للممدوح غمد؛ أي: درع، والسيف أشرف من الغمد لأن الغمد لأن الغمد للسيف كالخادم فوجب أن يكون أشرف من السيف لأن الذي السيف منه، وهو الحديد، وهو جنسه، له غمد، وهذا كما يقال: زيد من تميم، وتميم لعمرو عبيد، فوجب أن يكون زيد لعمرو عبدا.

وقوله:

وعِنْدَي قَبَاطيُّ الهُمامِ ورِفْدُهُوعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ

قال: قوله:

......... وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ

دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئا، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد؛ لأن لا حرف نفى هنا، أو يجحدوا ما

رزقوا، إن كانوا رزقوا شيئا، ليكون ذلك سببا لانقطاع الخير عنهم.

وأقول: إنه لم يفهم المعنى، وذلك أن قوله في البيت الذي قبله:

......... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ

والبيت الثاني، إلى آخره، في موضع حال من الضمير في ألقى من قوله:

فلا زِلْتُ ألْقَى الحَاسِدين بِمِثْلِها.........

أي: بمثل أياديه التي هي ثناء ثناءٌ.

وقوله:

.........وعندهُمُ مِمّا ظَفِرتُ به الجَحْدُ

أي: عندي الظفر برفد الممدوح وليس عندهم مما ظفرت به إلا الجحد له، أي: ليس عندهم من ذلك العطاء شيء إلا جحدهم له حسدا لي عليه، وكذلك يفعل الضد، والحاسد إما يقلل ما صار إلى محسوده أو ينفيه رأسا، فالجحد إذا إنما وقع من الحاسدين، فيما صار إلى أبي الطيب لا فيما صار إليهم ولا هو دعاء عليهم.

وقوله:

ومَّي استفادَ الناسُ كُلَّ فَضِيلَةٍفَجازُوا بِتَرْكِ الذَّمَّ إن لم يَكُنْ حَمْدُ

قال: قوله: فجازوا، كما تقول: هذا الدرهم يجوز على خبث نقده؛ أي: يتسمح به، أي: فغايتهم أن لا يذموا، وأما أن يحمدوا فلا.

وأقول: إنه قد عابوا عليه هذا التفسير وقيل: كيف يزعم أنه قد أحكم سماع شعر أبي الطيب منه، وقراءته عليه ويقول هذا القول؟ وإنما قوله: فجازوا أمر من المجازاة لا من الجواز، أي: فجازوا على ما استفدتم مني من الغرائب بترك الذم لي إن لم يكن منكم حمد. (وهو مثل قوله:

إنَّا لَفِي زَمَنٍ القَبيحِ بهمن أكْثَرِ النَّاسِ إحْسَانٌ وإجمالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وقوله:

قد يُصيبُ الفَتَى المُشيرُ ولم يَجْهَدْ ويُخْطِي الصَّوابَ بعد اجتْهَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

قال: هم، وإن كانوا قد اعملوا الرأي، فإنهم قد أخطؤوا فيه وإن أصبته عفوا.

وأقول: هذا ليس بشيء!؛ وذلك أن هذا القول (إنما) ضربه مثلا لمشير وكافور هنا هو المشار عليه فليس المثل له، وذلك أن قوما أشاروا عليه بالشقاق والقتال لابن سيده، فأبى ذلك عليهم، ويدل على ذلك ما قبله من قوله:

ولَعَمْرَي لقد هُزِرتَ...

والبيت الذي بعده.

والمعنى أن القوم الذي أشاروا عليه بالخلاف، اجتهدوا في ذلك الرأي وأخطؤوا، وقد يصيب الإنسان الرأي عفوا من غير اجتهاد، فالمثل الذي ضربه بالإصابة والإخطاء لشيء واحد، وليس ذلك لكافور وللمشير عليه (كأنه يقول: أنت فعلت الصواب وقد أشير عليك بالخطأ).

وقوله:

ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُإلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال: أي: لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها.

وأقول: إن قوله: لا يباشر الموت أنفسهم كأنه يريد: لا يمسها بيده استقذارا لها، ولكن يمسها بعود.

وكذلك قال غير ابن جني، وهذا ليس بشيء!

والمعنى أن أنفس هؤلاء الكذابين المخلفين البخلاء، الذين ذكرهم أولا، أنفس منتنة، فإذا قبضها الموت وظفر بها فكأن في يده من نتنها عودا؛ أي: لا يعد ذلك نتنا بل طيبا؛ فرحا بها وسرورا بأخذها؛ وذلك أن اللئيم صعب الموت طويل العمر. (وكأن هذا المعنى من قول الراجز:

يا رِيَّهَا إذا بَدَا صُنَانِي

كأنَّني (جَانِي عَبَثْرَانِ)

وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم، منه قول أبي تمام:

فالماءُ غيرُ عَجيبٍ أنَّ أَعْذَبَهُيَفْنَى وَيْمتَدُّ عُمْرُ الآسِنِ الأَجِنِ

وقول: الأول:

لَعَمْرُكَ أنَّي بالخَليل الذي لهعَلَىَّ دَلالٌ وَاجب لمُفَجَّعُ
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
وإنَّي بالمَوْلى ليس نَافعيولا ضَائري فُقْدانُهُ لَمُمَتَّعُ
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

وقوله:

إنَّ امْرءاً أَمَةٌ حُبْلَى تُدَبَّرُهُلمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفؤودُ

قال: يعرض بابن الإخشيد، يعني ابن سيده.

وأقول: لم يعن بذلك إلا نفسه، فالضمير في تدبره راجع إلى أبي الطيب، ويدل على ذلك ما قبله وهو قوله:

جَوعَانُ ياكُلُ من زَادي ويُمْسِكُني.........

وما بعده وهو قوله، متعجبا من ضيزه عليه وإقامته عنده:

وَيْلُ أمَّهَا خُطَّةً وَيْلُ أمَّ قَابِلها ............

وقوله:

يَنْثَني عنكَ آخرَ اليَوْمِ (منهُنَاظِرٌ أنتَ طَرْفُهُ وَسُهَادُهْ قال: أي: إذا انصرف عنك

آخر اليوم) خلف عندك طرفه فبقي بعدك بلا طرف ولا نوم إلى أن يعود، وهذا مثل، وقد أحسن فيه.

(وأقول): هذا ليس بشيء! وقد قال الواحدي: قال العروضي: هذا هجاء قبيح للممدوح إن أخذنا بقول أبي الفتح؛ لأنه يراه وينصرف عنه أعمى عديم النوم. ومعناه أنه استفاد منه النظر والرقاد وهما اللذان تستطيبهما العين.

وقوله:

نحنُ في أَرْضِ فَارسٍ في سُرورٍذَا الصبَّاحُ الذي يُرَى ميلادُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي: نحن كل يوم في سرور؛ لأن الصباح كل يوم يرى؛ يريد اتصال سرورهم.

(وأقول): وقال الواحدي: قال العروضي: ليس كما ذهب إليه، وإنما يريد أن يخص صباح النيروز بالفضل فقال: ميلاد السرور إلى مثله من السنة هذا اليوم.

وقال ابن فورجة: يريد: أنا في سرور، ميلاده في هذا الصباح؛ يعني: صباح نيروز؛ لأن السرور يولد في صباحه لفرح الناس الشائع في النيروز.

وقوله:

كيفَ يرتَدُّ مَنْكِبي عن سَمَاءٍوالنَّجادُ الذي (عليه نِجادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: يريد طول حمائل سيفه لطوله، وقد تجتوز في هذا قول أبي نواس:

أشَمُّ طُوَالُ السَّاعِدَيْنِ كأَنَّمَايُنَاطُ نِجَادا سيفهِ بِلِواءِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لقد طال في رسم الديار بكائي»

وأقول: هذا ليس بشيء! ولم يتعرض ها هنا لطول نجاده ولا قصره، وإنما أراد علو شرفه، فوضع نجاد سيف ابن العميد على منكبه وقد وهبه له).

(وقوله:)

مَثَّلُوهُ في جَفْنِه خَشيْةَ الفَقْ- دِ فَفي مِثْلِ أُثْرِهِ إغْمَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: كان جفن هذا السيف مغشى فضة منسوجة عليه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه.

وأقول: المعنى غير ما ذكره، وهو ان معنى مثلوه أي جعلوه قائما في جفنه خشية أن يفقد؛ لأن الشمس تزعم أنها رئده، أي: مثله وتربه فتذهب به، أي: تأخذه وتستلبه (للمناسبة التي بيتها وبينه)، وهذا البيت على هذا التفسير مرتب على ما

قبله وهو الصحيح، ولم أسبق إليه!

وقوله:

............ ففي مِثْلِ أثْرِهِ إغْمَادُهْ

أي: جوهره أفخر الجواهر، فكذلك غمده لأنه ذهب لا فضة كما قالوا، ويدل عليه قوله:

مُنْعَلٌ لا من الحَفَا ذَهَباً ............

وقوله:

فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فيهفَارَقَتْ لِبْدَهُ وفيها طِرَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: أي: جعلتنا فرسانا خيل كن في نداه، أي: كانت في جملة ما أعطانا خيل سوابق.

فارقت لبده، أي: انتقلت إلى سرحي وفارقت سرح ابن العميد.

وفيها طراده: أي: قد سرت معه كأحد من في حملته، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليها؛ لأن ذلك بأمره وطلب الحظوة عنده.

(وأقول): وقال الواحدي: قال العروضي: هذا كلام من لم يتنبه من سنة الغفلة! إنما هو: فارقت هذه الخيل لبده وفيها تأديبه وتقويمه.

وقوله:

إنَّني أَصْيَدُ البُزَاة ولكِنَّ أَجَلَّ النُّجُومِ لا أَصْطَادُهْ

قال: لو استوى له أن يقول: ولكن أعلى النجوم لكان أليق.

وأقول: إن أبا الطيب لو أراد ذلك لاستوى له بأن يقول: ولكني أعلى النجوم، بزيادة الياء، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم خفية كالسها وما أشبهه، وذلك قبيح، ولكنه أراد بأجل النجوم الشمس؛ لأنها أعظم الكواكب وأضوؤها وأنفعها.

وقال: الواحدي: عنى بأجل الكواكب زحل.

وقوله:

ما تَعَوَّدْتُ أنْ أَرَى كأبي الفَضْ- لِ (وهذا الذي أتَاهُ اعْتِيادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: أي (لم أمدح مثله فلذلك قصرت عن كنه وصفه و) هذا الذي أتاه من الكرم عادة له لم يتخلق لي به.

(وأقول:) وقال الواحدي: هذا ليس المعنى، لأنه ليس في وصف كرمه، إنما يعتذر عن التقصير في مدحه.

وقوله:)

غَمَرَتْني فَوَائِدٌ شَاَء فيهاأنْ يكونَ الكلامُ مِمَّا أفَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: أي: تعلمت منه حسن القول؛ يصفه بالبلاغة والخطابة.

وأقول: إن أبا الطيب أشار إلى مواضع كان قد أخذها عليه في حال إنشاده:

بادٍ هواك...

يقول: أعطاني عطايا كثيرة، وأفادني فوائد جليلة من أموال، وتحف أراد أن يكون فيها فوائد الكلام، وهذا من قول أبي تمام: (المنسوخ)

.........نأخُذُ من مَالِهِ ومِنْ أدَبِهْ

وقوله:

ما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العَطَايافاشْتَهَى أَنْ يَكونَ فيها فُؤادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: يقول: هذا الكلام الحسن الذي عنده نتيجة عقله وقلبه؛ فكأنه إذا أفاد إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا.

وأقول: إنه لم يفهم معنى البيت؛ لأنه جعل الكلام الحسن الذي يفيده فؤاده، وليس كذلك، ولو كان الأمر على ما يقول، لكان بين البيت الأول والثاني تناقض، وذلك أنه قال في الأول:

غَمَرَتَني مواهبٌ شَاَء فيهاأنْ يكونَ الكَلامُ ممَّا أَفَادُهْ

فقد أراد بهذا البيت و: شاء أن يفاد كلامه، والبيت الثاني:

ما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العَطَايافاشْتَهى أنْ يكونَ فيها فؤادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

أي: لا يشتهي ولا يريد أن يكون فيها فؤاده، أي: كما ذكر. وهذا التناقض إنما وقع في حمله البيت الثاني على الأول وتعلقه به، فجعل الفؤاد كلاما وليس بينهما تعلق. والبيت الثاني من قول مسلم:

يَجُودُ بالنَّفْس إنْ ضَنَّ الجوادُ بهاوالجُودُ بالنَّفسِ أقْصَى غَايةِ الجُودِ

وهذا المعنى كثير ظاهر لكل بصير.

(وقوله:

خَلَقَ اللَّهُ أَفْصَحَ النَّاسِ طُرَّافي مَكَانٍ أَعْرابُهُ أكْرَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

لأنهم أفسد الناس لغة وأردأهم لسانا، فقد خرق الله العادة بهذا الممدوح أن خلقه أفصح الناس من أنكر الناس. ولم يعرف ابن جني هذا المعنى فروى: أفضل، والصحيح: أفصح).

وقوله:

وأحقَّ الغُيُوثِ نَفْساً بحمْدٍفي زَمَانٍ كل النُّفُوسِ جَرادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: جعله كالغيث، وجعل جميع الناس كالجراد. أي: لأنه يعطيهم، وجميعهم يأخذ منه وهو سبب حياته.

وأقول: الصواب؛ أن يجعله كالغيث لعموم نفعه، ويجعل الناس كالجراد لظهور فسادهم في الأرض، ويدل على ذلك قوله فيما يليه:

مِثْلَمَا أحْدَثَ النُّبُوَّةَ في العَالَمِ والبَعْثَ حين شَاعَ فَسَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

(وهو من قول ابن أبي عيينه:

أبُوكَ لنَا غَيْثٌ نَعِيشُ لِظِلِهِوأنتَ جَرادٌ لستَ تُبقِي ولا تَذَرْ

وقوله:

نَسِيتُ وما أَنْسَى عتاباً الصَّدَّولا خجَلاً زادَتْ به حُمْرةُ الخَدَّ

قال: وفيت بمن غدر بعهدي.

وأقول: إنه فسر البيت على نسيت، بضم النون، ولم يجد التفسير، والجيد فتحها.

يقول: نسيت كل شيء ولا أنسى عتاب الحبيب على صده، ولا أنسى خفره عند ذلك وحمرة خده. وهم كثيرا ما يذكرون أيام (الوصال) والوداع ولياليها، وما جرى بينهم وبين أحبابهم فيها، كقوله:

وما أَنْسَ مِ الأشياءِ لا أنْسَ قَوْلَهَاوأدْمُعُها يُذْرين حَشْوَ المكَاحِلِ
تَمَتَّعْ بِذا القَصِيرِ فإنَّهُرَهينٌ بأيَّامِ الشُّهورِ الأطَاوِلِ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وما أنس من الأشياء لا أنس قولها»

(وأشباه ذلك)

وقوله:

يَحُلُّ القَنا يومَ الطَّعَانِ بِعَقْوَتيفَاَحْرِمُهُ عِرْضِي وأُطعِمُهُ جِلْدَي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: يقول: إذا أحاط بي الطعن لم أهرب إشفاقا من أن يعاب حسبي أو يطعن، بل أنصب نفسي وأعرض وجهي له، فإما هلك وإما ملك. وهو قريب من قول الآخر:

نُعَرَّضُ للطَّعَانِ إذَا التَقَيْنَاوجُوها لا تُعَرَّضُ للسِبَابِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

وأقول: إن هذه العبارة غير مرضية في تفسير هذا المعنى المرضي!؛ وذلك أنه يصف نفسه بالشجاعة والأنفة من الفرار، ولما جعل الرماح بمنزلة الأضياف التي تحل بعقوته، جعل قراها إطعامه جلده دون عرضه. يعني أن تخريقها جلده بالطعن أسهل من تخريقها عرضه بالذم للفرار.

وقوله:

إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاَء يَعْرِضُ نَفْسَهُكَرَعْنَ بِسِبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول، فلكثرتها كأنها تعرض أنفسها على الإبل فتشرب منها مستحيية منها لكثرة عرضها نفوسها عليها، وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة، ولكنه جرى مثلا. ويعني بالسبت مشافرها للينها ونقائها، وجعل الموضع المتضمن للماء، لكثرة الزهر فيه، كإناء من ورد

(وأقول:) وقال الواحدي: إن أبا الفضل العروضي روى عن جماعة عن أبي الطيب أن أبا الفتح صحف استحين وبسبت وإنما هو استجبن وبشبيب، أي: إذا ما استجبن الماء، والاستجابة بالعرض أشبه وأوفق في المعنى؛ هذا يعرض نفسه وذلك يجيب. والكرع بالشيب: أن ترشف الماء، وحكاية صوت مشافرها: شيب شيب، ومنه قول ذي الرمة:

تَدَعَيْنَ باسْمِ الشَّيبِ في مُتَثَلَّمٍجَوانِبُهُ من بَصْرَةٍ وسِلاَمِ

قال الواحدي: وليس ما قال ابن جني ببعيد من الصواب.

وأقول: إنه نقص في الإعراب وذلك أن استحين أصله: استحيين، يقال: استحيى يستحي فهو مستحى، كقوله - تعالى -: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا) فيقع الحذف لغير علة. واستجبن ليس فيه حذف والمعنى معه صحيح مستقيم فكان (هو) الصواب، ويكون استجبن بمعنى اجبن؛ قال كعب بن سعد:

وَداعٍ دَعَا: هَلْ مُجيبٍ إلى النَّدَىفَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذَاكَ مُجِيبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

أي: فلم يجبه.

وقوى الواحدي رواية ابن جني بسبت وقال: مشافر الإبل، تشبه في صحتها ولينها بالسبت، وهي جلود تدبغ بالقرظ، واحتج على ذلك بقول طرفة:

وخَدَّ كقِرطاسِ الشَّامي ومِشْفَرٍكَسِبْتِ اليَمَاني قِدُّهُ لم يُجَرَّدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وضعف الرواية بشيب وقال: لا يقال: كرعت الإبل في الماء بشيب.

فيقال له: ولم لا يقال: كرعن بشيب؟، إذا جعله في مكان الحال، والعامل في الجار والمجرور محذوف، كأنه قال: كرعن مصوتة بشيب، فإن ذلك جائز حسن. وإذا قيل: كرعن بسبت، كان الجار والمجرور في مكان المفعول به والعامل فيه الفعل.

وقوله:

يُعَلَّلُنَا هَذَا الزَّمانُ بذا الوَعْدِويَخدَعُ عمَّا في يَديْهِ من النَّقْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: يقول: قد طال انتظارنا لهذا المهدي المتوقع، ولسنا نرى لذلك أثرا، فكأن الزمان يسخر منا ويخدعنا، ولا حقيقة لما يدعيه أناس من ذلك.

وأقول: إن هذه العبارة ليست بحسنة، والحسنة عبارة الواحدي، قال يقول: هذا الزمان يعدنا خروج المهدي فيعللنا بوعد طويل، ويخدعنا عما عنده من النقد

بالوعد. يعني: أن الممدوح هو المهدي نقدا حاضرا، ومن ينتظر خروجه وعد وتعليل وخداع، ثم أكد ذلك بالبيت الذي بعده.

وقوله:

وكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرور بمُصبَحيأَرَى بَعْدَهُ من لا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: أي: وكل من يشاركني في السرور بمصبحي عنده إذا عدت إليه من أهلي وغيرهم، فرأى ما أفدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك - يا ابن العميد - إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، لأنه لا نظير لك في الدنيا.

وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! لأنه لم ينتبه على معودات الضمائر.

والمعنى: أن كل شريك لي في السرور بمصبحي عند ابن العميد أرى بعد المصبح، أو بعد الشريك إنسانا لا يرى مثل شريكي بعدي، لما حصل لي وله من الفوائد والشرف، وأنا أفضل منه ومقدم عليه.

وقوله:

أنا بالوُشَاةِ إذَا ذَكَرْتُكَ أَشْبَهُتَأْتي النَّدَى ويُذاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه»
وإذَا رأيتُكَ دونَ عِرْضٍ عَارِضاًأيْقَنْتُ أنَّ اللَّهَ يَبْغي نَصْرَهُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قد أطال الشيخ أبو الفتح الكلام في قافية هذين البيتين، وأثبت أن الروي قيهما الراء لأن ما قبل هاء الإضمار إذا كان محركا لم يكن إلا رويا احترازا من مثل قول الحطيئة:

يا دَارَ هِنْدٍ عَفَتْ إلاَّ أثَافِيهابين الطَّوِيَّ فَصَاراتٍ فَواديها
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا دار هند عفت إلا أثافيها»

(أو ما أشبه ذلك)

وإذا ثبت أن حرف الروي (الراء) من فتكره ونصره بطلت التقفية في المصراع الأول من البيتين، وذلك لأن ما قبل الهاء، التي هي وصل، الباء.

ثم إنه جوز ذلك من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون الواو في أشبه ملحقة على لغة من يقف بالواو والياء على المرفوع والمجرور كما يقف بالألف على المنصوب.

والثاني: أنه أشبع الضمة فنشأت الواو كقوله:

......... من حيثما سَلَكُوا أدنو فَأنْظُور

والوجه الثالث، وهو أبعدها: أن يكون أكفاء بالحروف المتباعدة المخارج كما جاء عن بعضهم:

خليلَيّ حُلاَّ واترُكَا الرَّحْلَ إنَّنيبمَهْلكَةٍ والدَّائِراتُ تَدُورُ
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة
فبَيْنَاهُ يَشْري رَحْلَهُ قالَ قائِلٌلِمَنْ جَمَلٌ رِخْوْ المِلاطِ نَجِيبُ

فجمع بين الراء والباء رويا كما جاء لأبي الطيب.

وأقول: إنه يحتمل وجها رابعا: وهو أن لا يعتد بالمخالفة في التصريع والتقفية اعتداد ما في أواخر الأبيات فلا يبلغان في القوة، من المراعاة لهما والمثابرة عليهما، مبلغ آخر البيت، فإذا لا يعد ذلك إكفاء، ألا ترى إلى قول امرئ القيس:

خَلِيلي مُرَّا بِي على أمّ جُنْدَبِ.........

وقوله في البيت الثاني:

............ تَنْفَعْني لدَى أمَّ جُنْدَبِ

ولم يعد ذلك إيطاء، وإلى قول الآخر:

أَلْمِمْ بَجَوْهَرَ بالقضبان والمَدَرِوبالعِصِيَّ التي في رأسِهَا عَجَرُ
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقول أبي نواس:

تَخَاصَمَ الحُسْنُ والجَمَالُفيكَ فصارا إلى جِدَالِ

ولم يعد ذلك إقواء.

وقوله:

وأعلمُ أني إذا ما اعتذَرْتُإليك أرادَ اعتذَاري اعْتِذَارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

قال: أي: اعتذاري من غير ذنب منكر، ينبغي أن اعتذر منه.

وقال الواحدي: أي: إذا اعتذرت إليك من غير جناية، كان ذلك كذبا، والكذب مما يعتذر منه.

وأقول: الاعتذار إنما يكون من القبيح الذي يصل إلى من يتعذر إليه، إذ الحسن لا يعتذر منه، وإنما يفعله الإنسان إلى صاحبه حسن أدب ولطف تأت استبقاء لوده، واستلالا لضغنه. فالاعتذار إذا من غير ذنب ذنبٌ لأنه إقرار بالقبيح على نفسه، والعاقل لا يقر على نفسه بالقبيح ثم يعتذر منه! وهذا - لعمري - قد يحسن مع الملوك والأحباء؛ لأنه ربما أفضى بهم الدلال والإدلال إلى التجني على الإنسان بذنوب لم يقترفها، فيحتاج إذا إلى الاعتذار منها، بل ربما جرى بينه وبينهم أشياء، كان الذنب لهم فيها فجعله لنفسه استبقاء للود، وخوفا على النفس، ورجاء للنفع، وقد قال الشاعر:

إذَا مَرِضنَا أَتَيْناكُم نَعُودكُمُوتُذنِبونَ فَنأْتيكمْ فنعتَذِرُ
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وقال عروة:

ويُضْمِرُ عُذْرَهَا ويُعِينُهاعليَّ، فما لي في الفؤادِ نَصِيبُ

وقوله:

تَشْبيهُ جُودكَ بالأَمْطَارِ غَادِيَةًجُودٌ لِكَفَّكَ ثَانٍ نَالَهُ المَطَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.