من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر (٣)
قال: أي: قد أفرطت كفك في الجود، حتى جادت على المطر بأن شبه بها.
(وأقول:) وقال الواحدي: أي: إذا شبهنا جودك بالأمطار التي تأتي بالغدوات، وهي أغزرها، كان ذلك جودا ثانيا لكفك، لأن المطر يسر ويفتخر أن يشبه بجودك.
وأقول: المعنى أنك إذا جدت على إنسان بجود استكثره فشبه، لكثرته، بالمطر، وتشبيهه بالمطر بعد جوده على الطالب جود ثان على المطر بأن شبه به وهو أغزر منه. ومن عادة الأقل أن يشبه بالأكثر ولا ينعكس، فلما شبه الأكثر بالأقل كان ذلك بمنزلة الجود عليه.
(وقوله:
وكنتَ السَّيْفَ قائِمُهُ إليهموفي الأعْدَاء حَدُّكَ والغرارُ
فأمْسَتْ بالبَدِيَّةِ شَفْرَتَاهُوأَمْسَى خَلْفَ قائِمِهِ الحِيَارُ
قال: الحيار أقرب إلى العمارة من البدية، والبدية أدخل في البر من الحيار، فلما خالفوه ضربهم بالسيف الذي كانوا يضربون به أعداءهم، ثم عظم حال لسيف فقال: كان الحيار خلف قائمه؛ أي: قائمة أدنى إلى العمارة من الحيار وكانت شفرتاه، وقت كون قائمه دون الحيار بالبدية، وبين الحيار والبدية مسيرة ليلة، فطال السيف إليهم لطول باع حامله وراءهم، فكأنه مد يده إليهم فلم يفوتوه.
فيقال له: إذا كان الحيار أقرب إلى العمارة - كما ذكرت - وكان خلف قائمه،
فكيف يكون قائمه أدنى إلى العمارة من الحيار وهو خلفه؟! هذا خلف من القول! والمعنى: إنه
كان سيفا في أيديهم حين الطاعة، فلما عصوه صار سيفا فيهم، وذلك أنه جاوز الحيار إليهم وهم في البدية فأوقع فيهم.).
وقوله:
يُغادِرُ كلَّ مُلْتَفِتٍ إليهولَبَّتهُ لِثَعْلبهِ وِجَارُ
قال: يقول: يطردهم بكل رمح، إذا التفت الفارس المنهزم لينظر أين هو منه طعنه في لبته، فصارت لبته لطرف الرمح، وهو ثعلبه، بمنزلة الوجار للثعلب؛ أي: دخل السنان وما في جبته من طرف الرمح في لبته.
وأقول: إن هذه استعارة حسنة، ما علمت أنه سبق إليها. وذلك أنه لما ذكر الثعلب من الرمح جعل الطعنة في لبة الفارس وجارا لدخوله فيها وللمناسبة التي بينهما. وقد استعملت بهده هذه الاستعارة كثيرا، من ذلك قول بعض أهل العصر:
ضَبَحَ الثَّعْلَبُ من خَطَّيَّهِفي وِجَارِ الصَّدْرِ لَّما وَلَغَا
فزاد عليه في ذلك زيادتين وهما: الضبح والولوغ.
وقوله:
إذَا صَرَفَ النَّهارُ الضَّوَْء عنهمدَجَا لَيْلاَنِ لَيْلٌ والغُبَارُ
قال: أي: إذا زال ضوء النهار، دخلوا في سواد الليل وظلمة الغبار، فكأن هناك ليلين.
وكذا قال في البيت الذي يليه (في صفة الليل) وهو قسيمه في معناه.
قال: وقد أتى النابغة بمعنى هذين البيتين في بيت واحد في قوله في وصف الجيش
تَبْدو كَوَاكِبُهُ والشَّمْسُ طَالِعَةٌنُوراً بِنُورٍ وإظْلاما بإظلامِ
وأقول: هذا المعنى قد جاء كثيرا، وكأن معنى أبي الطيب وترتيبه من قول أبي
تمام:
ضَوْءٌ من النَّارِ والظَّلْمَاءُ عَاكِفَةٌوظُلْمَةٌ من دُخَانٍ في ضُحى شَجِبِ
فالشَّمْسُ طَالِعَةٌ مِنْ ذَا وقَدْ أفَلَتْوالشَّمْسُ واجِبةٌ مِنْ ذَا ولم تَجِبِ
إلا أن بيتي أبي الطيب أقصر وزنا، وأظهر معنى، وأقل كلفة، فإن كان أخذ المعنى منه، فقد زاد عليه فيه، وإن كان وارده (فيه) فهو أحق به منه. والأظهر أن أبا الطيب لم يكن ليعتمد إلا على ما يجلبه فكره ويستنتجه خاطره.
وقوله:
فكانُوا الأُسْدَ لَيْسَ لهَا مَصَالٌعلى طَيْرٍ وليسَ لهَا مَطَارُ
قال: أي: كانوا قبل ذلك أسدا، فلما غضبت عليهم وقصدتهم لم تكن لهم صولة على طير لضعفهم، ولم يقدروا أيضا على الطيران فأهلكتهم.
وأقول: ليس هذا بشيء! لأنه جعل الضمير في لها التي في صدر البيت، ولها التي في عجزه (للفرسان)، وليس كذلك بل الأولى للفرسان والثانية للخيل.
يقول: هؤلاء الأعراب كانوا كالأسد في الشدة والشجاعة، ولكن ليس لها مصال على خيل كالطير في السرعة، وليس لتلك الخيل مطار؛ إما لما حل بها من الإعياء والكلال، أو لما لحقهم من الخذلان والخوف (والخبال) بلحاق سيف الدولة لهم، (وهذا المعنى والتفسير لم أسبق إليه، ولا ثم معنى سواه).
وقوله:
فَهُمْ حِزَقٌ على الخابور صَرْعَىبهم من شُربِ غَيْرِهِمُ خُمَارُ
قال: ومعنى البيت انهم ظنوا ان قد قصدهم فهربوا من بين يديه فتقطعوا.
وأقول: إن هذا مثل ضربه، وذلك أن العادة جارية بحدوث الخمار فيمن يشربون الخمر فتحدث لهم سكرا وصرعا بالنون، لا فيمن لم يشربها. وهؤلاء - بنو نمير الذين أجفلوا خوفا من سيف الدولة مما صنع ببني كلاب الذين أوقع (بهم) -
بمنزلة الذين صرعوا سكرا وخمارا من شرب غيرهم.
وقوله:
تَصَاهَلُ خَيْلُهُ مُتَجَاوِبَاتٍوما من عَادَة الخَيْلِ السَّرارُ
قال: يقول: كأن بعضها يسر إلى بعض شكيته، لما يجشمها من ملاقاة الحروب وقطع المفاوز، ألا ترى إلى قوله:
نَطَقَتْ بسُؤدَدِكَ الحَمَامُ تَغَنَّياًوبِمَا تُجَشَّمُهَا الجِيَادُ صَهِيلاَ
ويجوز أن يكون معناه أن خيله مؤدبة فتصاهلها سرارا هيبة له كقوله في أبي شجاع يصف خيله ورجاله:
ما يَتَحَّركْنَ سِوَى انْسِلاَلِ
فَهُنَّ يُضْرَبْنَ على التَّصْهَالِ
كُلُّ عَليلٍ فَوْقَهَا مُخْتَالِ
يُمْسِكُ فاهُ خَشْيَةَ السُّعَالِ
وأقول: إنه فهم المعنى مقلوبا!
قال الواحدي: قال ابن فورجة: لفظ البيت لا يساعده على واحد من التفسيرين؛ فإنه ليس في البيت ذكر التشاكي ولا المسارة في الصهيل، ولكن المعنى أنها تتصاهل من غير سرار، وليس السرار من عادة الخيل، أي: إن سيف الدولة لا يباغت العدو ولا يطلب أن يكتم قصده العدو لاقتداره وتمكنه، والذي يطلب المباغتة والتستر عن عدوه يضرب فرسه على الصهيل كما قال:
إذا الخَيْلُ صَاحَتْ صِياحَ النُّسورحَزَزْنَا شَراسِيفَها بالجِذَمْ
وقوله:
لَهُمْ حَقٌّ بِشَركِكَ في نِزَارٍوأَدْنَى الشَّركِ في أَصْلٍ جِوَارُ
قال: يقول: أنت تجتمع معهم في نزار، فهذه قرابة لهم تعطفك عليهم.
وأقول: إنه فسر النصف الأول ولم يفسر الثاني، ومعناه: أن هؤلاء؛ بني كلاب، لهم حق عليك بمشاركتهم لك في نزار، وأقل ما يوجبه حق الشركة، (في الأصل)، أن تجيرهم بالعفو عنهم.
وقوله:
لعَلَّ بَنِيهمُ لِبَنيكَ جُنْدٌفأوَّلُ قُرَّحِ الخَيلِ المِهَارُ
قال: أي: الأمور أوائلها صغار وأواخرها كبار.
وأقول: ليس هذا المعنى، وإنما هو ما ذكره الواحدي؛ قال: يستعطفه عليهم ويحثه على العفو عنهم؛ يقول: لعل أبناءهم يكونون جندا أبنائك، فالمهار من الخيل تصير قرحا، أي: الصغير يصير كبيرا، كما قال بعض العرب:
وإنَّما القَرْمُ مِنَ الأفِيلِ
وسُحُقُ النَّخْلِ من الفَسِيلِ
وقوله:
فَقَدْ تَيَقَّنَّ أَنَّ الحَقَّ في يَدِهِوقَدْ وَثِقْنَ بأَنَّ اللَّهِ ناصِرُهُ
قال: هذا مثل قول النابغة:
جَوَانِحُ قد أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُإذَا ما التَقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِبِ
وأقول له: إن الطير وصفهن باليقين لما ذكره فيما بعد من قوله:
لَهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةٌ قَدْ عَرَفْنَهَاإذَا عُرَّضَ الخطيُّ فَوْقَ الكَوائِبِ
وأنت فلم تذكر لم وصفهن أبو الطيب باليقين والثقة، وكان ينبغي أن يقول: إنما وصفهن بذلك لما قبله من قوله:
تَحْمَى السُّيُوفُ على أَعْدَائِه مَعَهُكأَنَّهُنَّ بَنُوهُ أَوْ عَشَائرُهُ
إذَا انْتَضَاهَا لَحْرْبٍ لم تَدَعْ جَسَداًإلاَّ (وباطُنُهُ للعَيْنِ ظاهِرُهُ
وقوله:
رَأَتْ وَجْهَ مَنْ أَهْوَى بِلَيْلٍ عَوَاذِليفَقُلْنَ: نَرَى شَمْساً ومَا طَلَع الفَجْرُ
قال: إنما خص العواذل هنا دون غيرهن؛ لأنهن لم يعترفن له بهذا إلا لما فاق عندهن الوجوه، فعذرنه في محبته، وذلك الغاية في معناه.
(وأقول:) وقال الواحدي: وخص العواذل لأنهن إذا اعترفن بهذا، مع إنكارهن عليه حبها، كان ذلك أدل على حسنها.
وأقول: إن العواذل إنما يعذلن العاشق شفقة عليه ورحمة له، فمن شأنهن أن يصغرن حال المحبوب عنده، ويقبحنه في عينه، ويخدعنه عنه ليزهد فيه؛ فيحصل لهن الغرض الذي قصدنه منه. وكأن عواذل أبي الطيب لم يرين محبوبه قبل تلك الليلة، فلما رأينه بهرهن وجهه بالحسن الذي أراهن، كأن الشمس طالعة بالليل، فلم يقدرن على المخادعة والمغالطة، ووصفنه بذلك فعدن، بعد إذ كن يعذلنه؛ يغرينه، لأن وصف المحبوب إغراء به وتعريض لعشقه كما قال الشاعر:
وَلسْتُ بواصِفِ أَبداً حَبِيباًأُعَرَّضُهُ لأَهْوَاءِ الرَّجَالِ
(وقوله:
أو يَرْغَبُوا بقصُورِهِمْ عن حُفْرَةٍحَيَّاهُ فيها مُنْكَرٌ ونَكِيرُ
قال: أعيذهم أن يتركوا زيارة قبره ويلزموا قصورهم.
وقال الواحدي: قال العروضي: ما أبعد ما وقع، وإنما أراد: لا يحسبوا قصورهم أوفق له من الحفرة التي صارت من رياض الجنة حتى حياه فيها الملكان.
وأقول: ما العجب (من وقوعه) في مثل هذا، بل سلامته!)
وقوله:
غَاضَتْ أنَامِلُهُ وَهُنَّ بُحورُوخَبَتْ مَكائِدُهُ وهُنَّ سَعِيرُ
قال: أي: لما مات بطلت أفعاله، إلا من الذكر الجميل.
وأقول: هذا الاستثناء (الذي ذكره) لا يدل عليه اللفظ، وإنما ذكر غيض أنامله وهن بحور، وخبو مكائده وهن سعير، على وجه الإعظام والتعحب للبحار، مع كثرة مائها كيف تغيض، وللنار مع شدة اضطرامها (- ويعني نار جهنم -) كيف تخبو؟!
(والواو في وهن المكررة للحال.)
والمعنى: أنه يصفه بكثرة الجود على الأولياء، وبكثرة الانتقام من الأعداء.
وقوله:
طَارَ الوُشَاةُ على صَفَاءِ ودادِهِمْوكذا الذُّبَابُ على الطَّعام يَطِيرُ
قال: معنى طاروا: ذهبوا وهلكوا، لما لم يجدوا بينهم مدخلا.
قال الواحدي: وقال أبو علي بن فورجة: كيف يعني بقوله: طاروا: ذهبوا وهلكوا وقد شبه طيرانهم على صفاء الوداد بطيران الذباب على الطعام؟ وإنما يعني أن الوشاة تعرضوا لما بينهم، وجهدوا أن يفسدوا ودهم، كما أن الذهاب يطير على الطعام، ومثله قول الآخر:
وَجَلَّ قَدْرِيَ فاسْتَحْلَوا مُسَاجَلَتيإنَّ الذُّبَابَ على المَاذِيّ وَقاعُ
قال الواحدي: والمعنى أن اجتماع الوشاة وسعيهم فيما بينهم بالنمائم، دليل على ما بينهم من المودة كالذباب، لا يجتمع إلا على طعام، كذلك الوشاة إنما يتعرضون للأحباء المتوادين.
قال: وقال العروضي، فيما أملاه علي: يظلم نفسه ويغر غيره من يفسر شعر المتنبي بهذا النحو، ألا تراه يقول:
.......... وكذَا الذُّبابُ على الطَّعَامِ يطِيرُ
أذهاب هذا عنه أم اجتماع عليه؟!
وقال:
طَارَ الوُشَاةُ عَلَى............
ولو أراد ما قال أبو الفتح لقال: (طار) عنه.
وأقول: هذا (الذي) أخذوه على ابن جني حسن، إلا أنهم لم يبينوا المعنى ويكملوه؛ وهو أن الوشاة تعرضوا لإفساد ما بينهم من الوداد، ولا يعبأ بهم لحقارتهم عندهم، فكانوا بينهم بمنزلة الذباب الذي يطير على الطعام متعرضا لفساده فلا يعبأ به ويطرد عنه.
وقوله:
مَرَتْكَ - ابنَ إبراهيمَ - صَافِيَةُ الخَمْرِوهُنَّئْتَهَا من شَارِبٍ مُسْكِرِ السّكْرِ
قال: معنى مسكر السكر: إما لأنك لا يغلبك السكر، ومن عادته أن يغلب كل شيء، فكأنك قد غلبته، وإما أنه استحسن شمائلك فسكر لحسنها، وكلاهما يحتمله البيت.
وأقول: الصحيح الوجه (الأول)، والثاني ليس بشيء! والمعنى أنه أراد المبالغة فعكس فجعله يسكر السكر الذي من عادته أن يسكر، ولا يسكره السكر. وهو مثل قوله:
طِوَالُ الرُّدَيْنياتِ يَقْصفُها دَميوبيضُ السُّريْجِياتِ يَقْطَعُها لَحْمِي
وقوله:
عَدُويَّي كُلُّ فيكَ حَتَّىلَخِلْتُ الأُكْمَ مَوُغَرةَ الصُّدُورِ
قال: وقوله:
......... لَخِلْتُ الأكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدُورِ
يحتمل أمين: أحدهما: أنه يريد أن الأكم تنبو به فلا يستقر فيها، ولا تطمئن به فكأنه ذلك لعداوة بينهما.
والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي فيها من الحر والبرد، وأنها
موغرة الصدور من شدة حرارتها، ويؤكد هذا قوله في هذه القطعة أيضا:
......... وأَنْصِبُ حُرَّ وَجْهي للهَجِيرِ
وذكر الواحدي عن ابن فورجة تزييف الوجهين؛ بأن قال: لم يرد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئس ما يختار لداره ومقامه، وكيف خص الأكم بشدة الحر، والمكان الضاحي للشمس أولى بالحر؟ وللأكم ظل فهي أبرد من المكان الذي لا ظل فيه.
ثم إنه ذكر وجها ثالثا ليس يحسن كالوجهين الأولين يذكر في شرح الواحدي.
وأقول: إنما خص الأكم، ويريد بها الجبال، وجعلها موغرة الصدور لحسدها له حيث يفضلها في العلو والثبات والرصانة، وقوله: كل شيء أطلق وأراد التخصيص أي: كل شيء حسن عال غال، كقوله - تعالى: (وأوتيت من كل شيء).
وقوله:
ولو كُنْتَ امْرءاً يُهْجَى هَجَوْناولكِنْ ضَاقَ فِتْرٌ عن مَسِيرِ
قال: أي لست ممن يستحق الهجاء.
وأقول: هذه عبارة ناقصة، والمعنى: أنت أقل من أن تهجى، كما أن الفتر أضيق من أن يسار فيه؛ كأنه يقول: ليس لك (عرض)، وإنما يهجى من له عرض.
وقوله:
ذَرِ النَّفْسَ تأخُذْ وُسْعَهَا قبلَ بَيْنِهَافمُفْتَرِقٌ جَارانِ دَرُهُمَا عُمْرُ
(قال: أي: إنما النفس مجاورة لهذا الجسم مدة العمر، ثم يفترقان إذا فني العمر.)
وأقول: فسر عجز البيت، وعجز أن يفسر صدره وهو: دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذة أو مال أو حرب؛ فإنها غير باقية مع الحسد.
وقوله:
إذَا الفَضْلُ لم يرفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍعَلَى هِبَةٍ فالفَضْلُ فِيمَن له الشُّكْرُ
قال: أي: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر الأصاغر من الناس على ما تتبلغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك، لا للممدوح المشكور.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء!
وقال الواحدي: قال أبو الفضل العروضي: يقول أبي الطيب: الفضل فيمن له الشكر، ويقول أبو الفتح: الفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى، وإنما أوقعه في ذلك أنه توهم قوله، فالفضل فيمن له الشكر أنه الشاكر، وإنما هو المشكور. والذي أراد أبو الطيب أن الفضل إذا لم يرفعك عن شكرك الناقص على هبة، فالناقص هو الفاضل؛ يشير إلى الترفع عن هبة الناقص لئلا يلتزم شكره.
وقوله:
وكَمْ من جِبَالِ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني الجِبَالُ وبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّي البَحْرُ
لم يفسر البيت لظهوره.
إلا أن قوله: أنني البحر يسبق إلى الوهم أنه في الجود، ولم يكن أبو الطيب
ليدعي ذلك، ولا يدعى له، وإنما أراد: في العلم.
وأقول: لو كان (قال):
وكم من جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّنيأخُوهَا
لكان (أقل كلفة، وأوقع تشبيها،) وأحسن من الإدماج في البيت، وتشبيه الواحد بالجمع. ولكنه لما قال:
............. وبَحْرٍ شَاهدٍ أنَّني البَحْرُ
أراد أن يكون الأول مثل الآخر في ازدواج اللفظ فأوقعه في ذلك، والتكلف ظاهر فيه مع سوء التشبيه.
وقوله:
وخَرْقٍ مكانُ العِيسِ منهُ مَكَانُنَامِنَ العِيسِ فيه واسِطُ الكُورِ والظَّهْرُ
قال: ومعنى البيت: أن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، وهو المتسع من الأرض، ليست تذهب فيه ولا تجيء، وذلك لسعته، فكأنها ليست تبرح منه كما قال آخر في صفة خرق:
يُمْسِي به القَوْمُ بِحَيْثُ أَصبْحَوا
أي: فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل، فكذلك هي، كأن لها من أرض هذه الخرق كورا وظهرا، فقد أقامت به لا تبرحه.
وأقول: هذا كلام من لم يشم رائحة هذا المعنى فضلا عن أن يذوقه! وهو ما قاله الواحدي، ويقوله كل من له أدنى تأمل!: أنه توسط هذا الخرق راكبا ظهر البعير في جوزه، فمكانه من ظهر البعير من الخرق. والمعنى: نحن في وسط ظهور الإبل والإبل في وسط الخرق، ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها، ثم ذكر سيرها في البيت الثاني.
وقوله:
ولا يَنْفَعُ الإمكانُ لولا سَخَاؤهوهَلْ نَافِعٌ لولا الأكُفُّ القَنَا السُّمْرُ
قال: يقول: لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع، كما أن القنا لو لم تحفزها الأكف لم تقتل.
وأقول: الصحيح؛ أن الانتفاع راجع إلى الممدوح لا إلى الناس. يقول: لولا سخاؤه لما انتفع بكثرة ماله، وضرب مثلا للثراء والسخاء بالقنا السمر والأكف، فالثراء لا ينتفع (به) لولا السخاء، كما أن القنا السمر لا ينتفع به لولا الأكف.
وقوله:
كأَنَّكَ بَرْدُ المَاءِ لا عَيْشَ دَونَهُولو كُنْتَ بَرْدَ لم يكُنِ العِشْرُ
قال: يقول: لو كان برد الماء مثلك لما وردت الإبل العشر؛ أي: كانت تتجاوز مدة
العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
وأقول: إنه فهم المعنى مقلوبا!
والمعنى: أنه شبهه ببرد الماء؛ لأنه لا حياة دونه ولا صبر عنه. ثم قال: ولو كنت برد الماء حقيقة لم يكن العشر؛ أي: لم تصبر الإبل عنك مدة العشر كالصبر عن الماء لأن النفع بك والحاجة إليك أمس من الماء، فجعله أفضل من الماء يصبر عنه، وهو لا يصبر عنه.
وقوله:
أَنتَ الوَحِيدُ إذَا ارْتَكبتَ طريقةًفَمَنِ الرَّديفُ وقد رَكِبْتَ غَضَنْفرا
قال: يقول: قد ركبت من خلائقك وطرائقك (أمرا) لا يتبعك فيه أحد مخافة الفضيحة لتقصيره عن مداك وتأخره عن مغزاك.
وأقول: الأحسن في هذا تفسير الشيخ أبي الحسن الواحدي: قال: يقول: أنت فرد الطريقة في كل أمر تقصده، لا يقدر أحد أن يقتدي بك في طريقتك، كراكب الأسد لا يقدر أحد أن يكون رديفا له، وعلى هذا القول: الغضنفر مركوب. ويجوز أن يكون (راكبا بأن يكون) حالا لممدوح: يقول: لا يقدر أحد أن يكون رديفا لك وأنت غضنفر.
وقوله:
أَرَأَيْتَ هِمَّةَ نَاقتي في نَاقَةٍنَقَلَتْ يداً سُرُحاً وخُفا مُجْمَرَا
لم يذكر ابن جني معنى هذا البيت ولا الذي بعده، وهو معنى لطيف، واشتغل بذكر الغريب من المجمر والرمث وطول فيهما بتكثير الاستشهاد.
قال الواحدي: أخبر عن علو همة ناقته إذ قصدته، وذلك إخبار عن علو همة نفسه بأنها تركت دخان الرمث الذي توقده الأعراب؛ أي: تركت الأعراب وأتت قوما
وقودهم العنبر. وهذا مثل قول البحتري:
نَزَلُوا بأرضِ الزَّعفَرانِ وجَانَبُواأرْضاً تَرُبُّ الشَّيحَ والقَيْصُومَا
وقوله:
وتَرَى الفَضِيلةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةًالشّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كنَهْوَرَا
قال: وروي: لا ترد، أي: وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها؛ كما ترى الشمس إذا اشرقت، والسحاب إذا كان متكاثفا عظيما.
وقوله: لا ترد أي: مقبولة غير مردودة. ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر؛ كأنه قال: ترى، برؤية فضائلك، الشمس والسحاب، ونصب فضيلة على الحال.
وخبط تخبيطا كثيرا يرغب عن ايراده!
(وأقول): وإنما أوقع في هذا التفسير أبا الفتح، تصحيف الضم من الفتح! ولولاه لما احتاج إلى هذا الخبط الشديد، والتعسف لتقدير الإعراب البعيد! ونصب فضيلة ب ترد مفعولة، فاعلها الضمير فيها، والشمس والسحاب بدلا من الفضيلة.
والمعنى ما قاله غير أن جني، أي: الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهد في المتضادين. ثم فسر ذلك فقال: ترى الشمس مشرقة كنهورا؛ أي: في حال واحدة يريك هذا الممدوح هذين المتضادين؛ إذ وجهه كالشمس (إشراقا)، ونائله كالسحاب إغداقا، ومع (ذلك) لا يتنافيان في حاله كالضدين.
قال الواحدي: وقد أوضح ابن الرومي هذا المعنى حيث يقول:
يُلْقَى مُغِيماً مُشْمِساً في حَالهٍهَطِلَ الإغَامَةِ نَيَّر الإشْمَاسِ
قال: وتبعه البحتري فقال:
وأبيضُ وَضَّاحٌ إذَا ما تَغَيَّمَتْيَداه تَجَلّى وَجْهُهُ فتَقَشَّعَا
وأقول: إن تسبيه وجهه بالشمس، لا ينبغي أن يكون من أصل الخلقة؛ لأن ذلك ليس بفضيلة للممدوح، وقد قال أبو الطيب:
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تُرُدُّ فَضِيلةً ............
فأثبت له فضيلتين لا ترد إحداهما الأخرى، وينبغي أن يراد بالشمس ما في وجهه من البشر (والطلاقة)، والتهلل والبشاشة، عند العطاء؛ وذلك أن الإنسان إذا أعطى ناله، والأول بمنزلة الروح، فربما تعير وجهه، وهذا الممدوح قد جمع بين كثرة البشر فشبه (وجهه) بالشمس (مشرقة)، وبين كثرة العطاء فشبه جوده بالسحاب كثيرا عزيرا فجمع بين هاتين الفضيلتين ولم ترد إحداهما الأخرى.
وقوله:
سَلَّهُ الرَّكْضُ بعد وَهْنٍ بِنَجْدٍفَتَصدَّى للغَيْثِ أَهْلُ الحِجَازِ
قال: أي: ظنوا لمعانه ضوء برق فتعرضوا للغيث.
قال: قال - يعني المتنبي: وإنما خصصت أهل الحجاز لأن فيهم طمعا. ولم أسمع هذا منه، فإن يكن على ما حكي، وإلا فالذي قاده إليه القافية كقول الراجز:
رَعَيْتُهَا أكْرَمَ عُودٍ عُودَا
الصَّلَّ والصَّفْصَلَّ واليَعضِيدا
والخَاز بازِ السَّنِمَ المجُودَا
بحيثُ يَدْعو عَامِرٌ مَسْعُودا
ولم يرد رجلين على الحقيقة، اسم أحدهما عامر واسم الآخر مسعود، ولو كانت القافية نونية لجاز أن يقول:
بحيث يَدْعو عَامِرٌ سَعْدَانَا
وكذلك لو كانت ميمية لجاز أن يقول:
بحيث يَدعُو عَامِرٌ تَمِيمَا
وأقول: إنه قد منع أن يكون ثم وجها ثالثا يحمل عليه قوله: أهل الحجاز، وفر مما لا معنى له إلى مثله؛ لأن تلك اللفظة - كما قال: - لا معنى لها، وإنما قاده إليها
القافية. والمعنى بتلك اللفظة، اظهر من أن يخفى على من له أدنى نظر، وذلك الحجاز بلاد شديدة الحر؛ قليلة المطر، مجاورة لنجد؛ فلما سل الركض السيف بليل أومض فظن أهل الحجاز أنه برق، والبرق مظنة الغيث، فتصدوا له.
وقوله:
تَقْضَمُ الجَمْرَ والحَدِيدَ الأعاديدونَهُ قَضْمَ سُكَّرِ الأَهْوَازِ
قال: أي تقضمها حنقا عليه، وقصورا عنه كقول الأعشى:
فَعَضَّ جديدَ الأَرْضِ إن كُنتَ سَاخِطابِفيكَ وأَحْجارَ الكُلابِ الرَّواهِصَا
وأقول: إنما خص الجمر والحديد بالذكر دون غيرهما؛ لأنه جعل أعداءه، من خوفه، بمنزلة النعام تأكل الجمر والحديد، والنعام يوصف بذلك، كقوله:
إنَّما مُرَّةُ بنُ عَوْفِ بن سَعْدٍجَمَراتُ لا تَشْهِيهَا النَّعامُ
ويوصف بالخوف والذعر كقول يزيد بن قفافة:
كأَنَّ بصَحراءِ المُريط نعامَةًتبادِرُهَا جِنْحَ الظَّلامِ نَعَائِمُ
أعَارَتْكَ رِجْليْهَا وهَافِيَ لُبَّهَاوقد جُرَّدَتْ بِيضُ السيوف صَوَارِمُ
وقوله:
إنْ تَرْمِني نَكَباتُ الدَّهْرِ عن عُوضٍُتَرْمِ امرءاً غَيْرَ رِعْديد ولا نَكِسِ
قال: النكس: الساقط الفسل من الرجال. وأصله أن السهم يرمي به فينكسر فينكس؛ أي: يجعل رأسه أسفله.
وقال الواحدي: لم اسمع بالنكس بمعنى النكس إلا في هذا البيت.
وأقول: إن لم يسمع النكس - بفتح النون - فينبغي أن يكون بكسرها، ويكون أصله: نكس بسكون الكاف، فنقلت الكسرة التي على اللام إلى العين وحمل الوصل على الوقف كقوله:
بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلَّ.........
ويكون مثل قوله:
علَّمَنا إخوانُنَا بَنُو عِجِلْ
شُرْبَ النَّبِيذِ واصْطِفَاقاً بالرَّجِلْ
وقوله:
هذي بَرَزْتِ لنَا فَهِجْتِ رَسِيسَاثم انْصَرَفْتِ وما شَفَيْتِ نَسيسَا
قال: هذي: أي: يا هذي؛ ناداها وحذف حرف النداء ضرورة؛ لأن هذي تصلح أن تكون وصفا لأي، ألا تراك تقول: يا أيتهاذي، كما يقال: يا أيها الرجل. فلما كان كذلك كرهوا حذف أي ويا جميعا. قال: وذلك يجوز في ضرورة الشعر كقوله:
جارَيَ لا تَسْتَنْكِر] عّذِيري
أراد: يا جارية.
و (أقول): قال أبو العلاء: هذي موضوعة موضع المصدر، وإشارة إلى البرزة
الواحدة، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة، وأنشد:
يا إبلي إما سَلِمْتِ هّذي
فَاسْتَوسِقي لصَارِمٍ هَذَّاذِ
وطَارقٍ في الدَّجْنِ والرَّذَاذِ
يريد: هذه الكرة.
وهذا التأويل يخرج قول أبي الطيب من الضرورة في الشعر إلى الجائز في الكلام.
وقوله:
إنْ كُنْتِ ظَاعِنَةً فإنَّ مدامِعيتَكْفِي مَزَادَكُمُ وتُروي العِيسَا
قال: وهذا نقيض قوله:
ولا سَقَيْتُ الثَّرَى، والمُزْنُ مُخْلِفُهُ،دَمْعاً يُنَشَّعُهُ من لَوْعةٍ نَفَسِي
لأن هناك، ذكر أن نفسه ينشف دموعه فيذهب به، وهاهنا ذكر أن مدامعه تكفي المزاد وهذا يدل على كثرتها. وما عدمت هذا الشعراء، ألا ترى أنهم ذهبوا
من قول زهير:
قِفْ بالدَّيَارِ التي لم يَعْفُها القِدَمُبَلَى وغَيَّرها الأرْوَاحُ والدَّيَمُ
إلى أنه رد على نفسه.
وكذلك قول امرئ القيس:
فَتُوضِحَ قالمقراةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَالِمَا نَسَجتْهَا من جَنُوبٍ وشَمْأَلِ
ثم قال:
......... فَهَلْ عند رسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ
وأقول: إن ابن جني طبعه تكثير الكلام، وغرضه تكبير الكتاب، فما يبالي بعد ذلك أخطأ أم أصاب!
والجواب عن ذلك سأذكره فيما بعد، فإنه قد نقل عنه، وأخذ منه، وأعجب به غيره ممن هو في الفطانة مثله!
وقوله:
وإنما يُظهِرُ تَحْكيِمَهُلِيُحْكِمَ الإفْسَادَ في حِسَّهِ
قال، يقول: إذا اعتقد تحكيم العبد على نفسه، ورضي به في الظاهر كما رضي به في الباطن؛ فقد حقق عند الناس فساد حسه لقبح اختياره.
وأقول: ليس في كلام أبي الطيب ما يدل على الرضا لا ظاهرا ولا باطنا، وإنما يقول: إن من حكم عبدا لئيما جاهلا عليه يتصرف به تصرف المالك، وأظهر
تحكيمه للناس؛ فقد بالغ في إفساد حسه. هذا فيمن روى: ليحكم، ومن روى: ليظهر، وهو الأظهر، فيقول: من أظهر تحكيم العبد على نفسه مثلي، فقد أظهر فساد عقله للناس! وفي هذا توبيخ لنفسه، وزراية على فعله بقصده كافورا وانقطاعه إليه، وما بعده يدل عليه.
وقوله:
فلا تُرَجَّ الخَيْرَ عند امْرئٍمَرَّتْ يَدُ النَّحَّاس في رَأسَهِ
قال: وهمز عين الفعل من رأسه لأن القافية غير مردفة كما قال:
يقولُ ليَ الحَدَّادُ وهو يَقُودنيإلى السَّجنِ: لا تَجْزَعْ فما بك من بَأسِ
ألا تراه يقول في هذه القصيدة:
......... ويتركُ عُذري وهو أَضْوَا من الشَّمْسِ
فجعل همزة بأس بازاء ميم شمس.
وأقول: إنما فعل ذلك لأن عين رأس أصلها الهمز فأتى بها على الأصل، وإذا كانت كذلك فهي موازية موازنة لجميع الحروف الصحاح، الميم وغيرها، وإنما الكلام فيها إذا خرجت عن أصلها فجاءت في قصيدة مردفة ردفا كقول الحطيئة:
أزْمَعْتُ يأساً مُرِيحاً من نَوالِكُمُولن تَرَى طارداً للحُرَّ كاليَاسِ
من قوله:
واللهِ ما مَعْشَرٌ لأَمُوا امْرَءا جُنُباًفي آلِ لأْيِ بن شَمَّاسٍ بأْكَياسِ
فحينئذ يقال: إنما ترك الهمز هاهنا، وهو أصل، لأجل الردف، إذ القصيدة مردفة. فالشيء إنما يعلل إذا خرج عن أصله، وإنما الشيخ جار على طريقته المألوفة، وشنشنته المعروفة، في كثرة الكلام بالتمويه والإيهام!
وقوله:
فَما خَاشيكَ للتَّكذِيبِ رَاجٍولا رَاجيكَ للتَّخْييبِ خَاشي
قال: ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذبه ويخطئه في خوفك، لأن الناس مجمعون على خوفك.
ومعنى راج: خائف، كقوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)، وقال الشاعر:.
إذَا لَسِعَتْهُ النَّحْلُ لم يرْجُ لَسْعَهَاوخَالَفَهَا في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ
وأقول: إن الذي ذكره في هذا البيت من جنس كلامه قبله في إيهامه، ونفخه وجفخه، باطلاعه على غريب اللغة، واستخراجه منها ما يخفى على غيره في راج أنه بمعنى خائف، واستشهاده على ذلك بالآية والبيت. وليس راج إلا من الرجاء، وهو الطمع، وصنعة البيت بتركيبه وترتيبه يدل عليه، وهو قلب صدره على عجزه!
والمعنى أن خاشيك في الحرب لا يرجو التكذيب من نفسه أو من غيره، وراجيك في الجود لا يخشى التخييب؛ لأنه واثق منك بالعطاء وبلوغ الرجاء.
وقوله:
بُلِيتُ بهِمْ بَلاَء الوَرْدِ يَلْقَىأُنُوفاً هُنَّ أوْلَى بالخِشَاشِ
قال: أي: تأذيت بلقاء غيرك من الرؤساء، ولم يليقوا بي، كما لا يليق الورد بأنوف الإبل.
وأقول: إنه يريد ببليت بهم أي: اضطررت إليهم، وامتحنت بهم، وهم لئام صعاب جهال لا يلائمونني ولا يليقون بي، فتأذيت بهم كالورد الذي يقرب من أنوف الإبل لتشمه (وهي لا تفهمه) فيتأذى بها، وهي بتقريب الخشاش إليها أولى ليذلها ويقودها.
وقوله:
فَعَلَتْ بِنَا فِعْلَ السَّماءِ بأرْضِهِخِلَعُ الأَميرِ وحَقَّهُ لم نَقْضِهِ
أقول: إنه لم يذكر معناه، فكأنه استغنى عن ذكره بذكر مثله وهو قوله:
فَبُورِكْتَ من غَيْثٍ كأنَّ جُلُودَنَابه تُنْبِتُ الدَّيبَاجَ والوشيَ والعَصْبَا
قال في هذا: جعله كالغيث، وجلودهم كالأرض التي تنبت إذا أصابها
وأقول: إنه يحتمل البيتان معنى آخر، وهو أن الغيث إذا أصاب الأرض أنبتت
أنواعا من الزهر، وألوانا مختلفة، فجعل الخلع في اختلاف ألوانها بمنزلة الزهر في اختلاف ألوانه، وهذا أجود من المعنى الأول.
وقوله:
وإذا وَكَلْتَ إلى كَريمٍ رأيَهُفي الجُودِ بَانَ مَذيقُهُ من مَحْضِهِ
فأقول: لم يذكر معنى هذا البيت أيضا وهو مثل قوله:
وللنَّفْسِ أَخْلاقٌ تَدُلُّ على الفَتَىأكانَ سَخَاءً ما أَتَى أم تَسَاخِيَا
كأنه جعل الكرم المحض الذي هو بطبعه ومن تلقاء نفسه، والمذيق الذي هو باقتضاء أو بشافع، وهذا معنى كثير مطروق. وهو ينظر إلى قول امرئ القيس:
على هَيْكَلٍ يُعطِيكَ قَبْلَ سُؤالِهأفَانِينَ جَرْيٍ غْيرَ كَزَّ ولا وَانِ
وقوله:
مَضى اللَّيْلُ والفَضْلُ الذي لك يَمْضِيورؤيتكَ أَحْلى في العُيونِ من الغُمْضِ
على أنَّني طُوَّقْتُ منكَ بنعمةٍشَهيدٌ بها بَعْضِي لغَيْري على بَعْضِي
قال: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل لها، فحذف أول الكلام للدلالة عليه.
وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال؛ أي: على أنني ملتبس بنعمتك.
وإن شئت كان المعنى: على أنني طوقت بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية. ألا
تراه يقول بعد هذا البيت:
سَلام الذي فوقَ السَّموات عَرْشُهُ.........
وأقول: الأجود في هذا أن يكون على بمعنى اللام كقول الراعي:
رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عَلَيْهَافطَارَ النَّيُّ فيهَا واستغَارَا
ويكون هذا تعليلا لما قبله من قوله:
... والفَضْلُ الذي لك يَمْضي.........
(أي: لتطويقك إياي)
وقد أنكر بعضهم قوله: لغيري وقال: إنه حشو رديء لا يحتاج إليه.
والصحيح، أنه يحتاج إليه لتصحيح المعنى أو لتكميله، وذلك أن الشهيد لابد أن يكون لشيء وعلى شيء، فلغيري هو الذي له الشهادة، وهو الممدوح، وبه يتم المعنى.
وقوله:
ولو رآهُ حَوارِ يُّهُمُ لبَنَوْاعلى مَحَبَّتِه الشَّرْعَ الذي شَرَعُوا
(قال:) الحواريون: أصحاب عيسى ﵇. وإنما أضافهم إليهم؛ لما بينهم من التناسب بلزومهم شرعهم، واتباعهم ملتهم عندهم.
وأقول: إن هذه عبارة سيئة!
ولو قال: لادعائهم ملتهم وانتسابهم إلى شرعتهم، لكان أولى وأسلم.
وقوله:
وَجَدْتُمُوهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُكأنَّ قَتْلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
قال: حدثني أبو الطيب قال: لما هزم سيف الدولة الدمستق، وقتل أصحابه جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، ينظرون من كان به رمق قتلوه.
قال: وكانوا يقولون لهم: رميس رميس، ليوهموهم أنهم من الروم، فإذا تحرك
أحدهم اجهزوا عليه، فبينا هم كذلك، أكب المشركون عليهم لاشتغال سيف الدولة فلذلك قال:
وَجَدتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمُ.........
أي: في دماء قتلاكم، وكأن قتلاهم قد فجعوهم فهم قعود بينهم يتوجعون لهم.
وأقول: تأمل - هداك الله - هذه الخرافة المتناقضة التي ينقض آخرها أولها! وذلك أن هؤلاء المسلمين الذين كانوا يجهزون على من وجدوا به رمقا من جرحى الكفار لا يستحقون أن يسلموا إليهم، وقد قال أبو الطيب:
قُلْ للدُّمُسْتُقِ: إنَّ المُسلمين لكُمْخَانُوا الأميرَ فَجَازَاهُمْ بما صَنَعُوا
لأن إجهازهم على الكفار ليس بخيانة، وإنما الخيانة بما ذكره بعد من قوله:
وجدتُموهُمْ نياماً في دمَائِكُمُكأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
أي: من قصورهم في القتال، وفتورهم في الطلب جعلهم نياما وليسوا نياما على الحقيقة.
وقوله: في دمائكم أي: في طلب دمائكم، لا كما ذكروا من التلطخ بدماء القتلى للنوم بينهم خوفا من الروم. وهذه الحكايات التي تؤخذ من ظاهر الألفاظ لا يعتد بها السباق من الشعراء، ولا يغتر بها الحذاق من الأدباء، وأبو الفتح فيهم ليس بعريق النسب ولا بغزير النشب!
وقوله:
لا تَحْسِبُوا من أَسَرْتُمْ كانَ ذَا رَمَقٍفَلَيْسَ تأكُلُ إلاَّ المَيَّتَ الضَّبُعُ
(قال:) أي: إنما أسرتموهم وهم ضعاف مغترون.
وأقول: إن تفسيره هذا، الأولى أن يكون أراد بالضبع (- كناية عن الروم لضعفهم واغترارهم -) لا بمن تأكله الضبع؛ وذلك أن الضبع تغتر (وتوصف بالاغترار) كقول أمير المؤمنين ﵇: والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم
حتى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها. (جعل الروم بمنزلة الضبع في الضعف من بين السباع، والاغترار بأن الذي أسروه به شجاعة وله غناء، وليس كذلك بل هم كالم (سلمين) (؟) والروم في أخ (ذهم) (؟) كالضبع)
وقد أخذ على أبي الطيب قوله:
......... وليسَ تأكُلُ إلاَّ المَيَّتَ الضَّبُعُ
وقيل: إنها تأكل الميت وغير الميت، وإنها أخبث الوحوش؛ تدخل على الغنم فتخنق عشرا حتى تأكل واحدة، وقد استفاض ذلك من أخبارها وكثر في أشعارها، وقال الراجز:
سَلَّطْ على أُولئِكَ الأَغْنَامِ
سَمَيْدَعاً مُعَاوِدَ الإقْدَام
أو جَيْأرً ظَلَّتْ بذَاتِ الهَامِ
تَلُفُّهَا مُدْ لَمَّسَ الظَّلامِ
لَفَّ العَجُوزِ قَرَدَ القُمَامِ
وإنما أراد أبو الطيب الميت من الناس، دون غيرهم فأطلق، وذلك المهور في أشعارهم، كقول الشنفري:
إذا احتَمَلَتْ رأسي وفي الرأس أكْثَريوغودِرَ عند الملتقَى ثَمَّ سَائري
وقول متمم:
يا لَهْفَ من عَرْفَاَء ذاتِ فَلِيلةٍجاَءتْ إليَّ على ثَلاثٍ تَخْمَعُ
وغيرهما. وغيرها من السباع يأكل الحي والميت (والناس)، كالأسد والنمر والذئب.
وقوله:
رَضِيتَ منهم بَأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرأَوْاوأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيضِ فَاسْتَمَعُوا
قال: يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم، أي: أنا أضرب معك بالسيف وهم متخلفون عنك.
وأقول: هذا على رواية رضيت بالفتح، وزرت وقرعت بالفتح، ويكون الضمير في منهم عائدا على دني.
والجيد أن يكون الضمير راجعا إلى الملوك، ويكون رضيت بالضم، (وكذلك زرت وقرعت) ويعني نفسه. أي: رضيت من الملوك - أي: من عطاء الملوك - ويعني به سيف الدولة، أن زرت الوغى، فرأى فيها قتالي، واستمع ضربي حبيك البيض. وفي هذا تقريع لسيف الدولة وتوبيخ له وعتب عليه. وهذا التفسير يشهد له بالصحة ما قبله وما بعده.
وأما من روى فتح الضمائر الثلاثة فليس تحته معنى طائل.
وقوله:
أَبَحْرٌ يَضُرُّ المُعْتفِينَ وطَعْمُهُزُعَاقٌ كبَحْرٍ لا يَضُرُّ وينْفَعُ
قال: فيه قبح لأن المشهور عندهم أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لأوليائه، والمضرة لأعدائه؛ ألا ترى إلى قول الآخر:
ولكِنْ فَتَى الفِتْيَانِ من رَاحَ واغتَدَىلِضَرَّ عَدُوَّ أو لنَفْعِ صَدِيقِ
وقال الآخر:
كَفَّاك كَفٌّ ما تُلِيقُ درهما
جوداً وأُخْرى تُقْطِرُ السَّيفَ دَمَا
فيقال له: ليس في هذا قبح، وإنما فيه مبالغة، وقد جاء هذا المعنى لغيره قبله وكأنه مأخوذ منه وهو:
عند المُلوكِ مَضَرَّةٌ ومنافِعٌوأرَى البرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنْفَعُ
وبيت المتنبي أسلم من هذا؛ وذلك أنه لما جعله كالبحر في جوده وسعة كرمه،
وهذه صفة حسنة، نفى عنه ما يكره منه، وهو الملوحة، وما يؤذي ويضر؛ كالغرق وغيره، وهذه مبالغة في المدح، ونهاية في الحذق.
وقوله:
ألاَ أيُّهَا القَيْلُ المُقِيمُ بِمَنْبِجٍوهمَّتُهُ فَوْقَ السَّمَاكَيْنِ تُوضِعُ
قال: القيل: دون الملك.
وأقول: بل القيل الملك نفسه، وكذلك قال ابن السكيت: والقيل: الملك من ملوك حمير.
وقال ابن فارس: أقوال حمير ملوكها.
وقد وافق ابن حماد ابن جني فقال في القيل مثل قوله، وهو مأخوذ منه. وكأن ابن جني أخذ ذلك من الاشتقاق من قولهم: فلان يتقبل أباه، أي: يتبعه، فجعله، فجعله يتبع الملك بمنزلة الردف للملك. والاشتقاق صحيح؛ إلا أنه من أن الثاني يتبع الأول. ومنه أيضا تبايعه اليمن، لأنه في معناه. ولم يذكر ما قال ابن جني، الخليل ولا ابن دريد.
وقوله:
وَمَا وَجَدْتُّمْ في الصَّراةِ مُلوُحَةًمِمَّا أُرَقْرِقُ في الفُراتِ دُمُوعي
قال: وذلك أن دمع الفرح حلو ودمع الحزن ملح.
وأقول: إن هذا شيء لم يرد في الاستعمال، ولم يعلم بالاختبار. وقد ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله:
ما زلتُ أَحْذَرُ من وداعِكَ جَاهداًحَتَّى اغْتَدَى على التَّوديعِ
قال: هذا قريب من قوله:
أَسَفي على أَسَفي الذي دَلَّهْتِنِيعن عِلْمِهِ فَبِهِ عَليَّ خَفَاءُ
وأقول: لو قال: من البيت الذي بعده لكان أقرب وهو:
وَشَكِيَّتي فَقْدُ السَّقَام لأنَّهقَدْ كانَ لَّما كانَ لي أَعْضَاءُ
وقوله:
مُلِثَّ القَطْرِ أَعْطِشْهَا رُبُوعاوإلاَّ فاسْقِهَا السَّمَّ النَّقِيعا
أُسَائِلُها عن المُتَدَيَّرِيهافَلاَ تَدْرِي ولا تُذْرِي دُمُوعا
قال: دعا عليها لأنها لم تجبه ولم تبك على أهلها الماضين عنها.
وقال غيره: بلى! قد اجابته لو سمع، وبكت عليهم لو فهم، كما فهم غيره كلام الربوع، وبكاءها على أهلها، ولكنه سلك مسلك الجفاء، وما لا يطرب من النسيب.
وأقول: إن معنى قول هذا الآخذ على أبي الطيب أن الديار تجيب وتبكي (يعني): بلسان الحال؛ كقول أمير المؤمنين ﵇: ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت: ذهبوا في الأرض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا.
وقوله:
وليس مُؤدَّباً إلاَّ بِسَيْفٍكَفَى الصَمْصَامةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
قال: أي أغنى السيف السوط عن التعب؛ فقد أقم سيفه في التأديب مقام سوطه.
وقد قيل: إنه وصفه على هذا التفسير بالخرق، واستواء الذنوب صغيرها وكبيرها، وهذا ذم لا مدح.
وأقول: كأنه يقول: هذا الممدوح أمير كبير عظيم الشأن لا يؤدب بالسوط فعل الشرطي، وإنما يؤدب بالسيف من يستحق القتل فيرتدع من دونه وهو من استحق الجلد فلا يتعب السوط؛ أي: لا يؤدب به.
وقوله:
عَلِيٌّ قَاتِلُ البَطَلِ المُفَدَّىومُبْدِلُهُ من الزَّرَد النَّجِيعا
قال: أي: يقتل قرنه، ويسلبه درعه، ويلبسه الدم.
وأقول: أحسن من هذا التفسير، أن لا يلبسه درعه كقول (أمير المؤمنين ﵇ ويعني عمرو بن عبد ود:
وعَفَفْتُ عن أثوابهِ ولَوَ أنَّنيكنْتُ المُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثوابِي
وقول) أبي تمام:
إنَّ الأُسُودَ - أسودَ الغَابٍ - هِمَّتُهَايَوْمَ الكَريهِة في المَسْلوبِ لا السَّلَبٍ
ولكن يهتكُ الدرعَ عليه بالضرب، ويبدله منها الدم.
وقوله:
قد اسْتَقْصَيْتَ في سَلْبِ الأعَاديفَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجُوعَا
قال: أي سلبت أعاديك كل شيء حتى النوم، فلاد عليهم الهجوع.
فيقال له: ولم يرد عليهم سلب النوم، وهو أضر الأسلاب لهم، وهم اعداؤه؟ وإنما المعنى ما ذكرته في شرح الواحدي.
وقال في قوله:
فلا عَزَلٌ وأنتَ بلا سِلاحٍلَحاظُكَ ما تكونُ به مَنِيعا
العزل: مصدر الأعزل؛ وهو الذي لا سلاح معه، وجمع اعزل: عزل وقالوا: عزل وأعزل ومعازيل، وأنشد أبياتا استشهادا على ذلك.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع