من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر (٤)
فيقال له: معازيل ليس بجمع أعزل، وإنما هو جمع معزال؛ قال الأعشى:
تُذْهِل الشيخَ عن بينه وتَلويبسُوَامِ المِعْزَابة المِعْزَالِ
وقال:
وإذَا هَلكتُ فلا تُرِيدي عَاجِزاًغُساً ولا بَرَماً ولا مِعْزَالاَ
وقوله:
رُدَّي الوِصَالَ سقَى طُلُولَكِ عَارِضٌلو كانَ وَصْلُكِ مثلَهُ ما أَقْشَعَا
قال: وكان الأليق بمثل هذا في صناعة الشعر، أن يقول: لو كان وصلك مثله ما هجرت، ولكن الضرورة حملته على هذا وهو جائز.
وأقول: ليس في هذا ضرورة، ولكن إتقان صناعة، وإحكام صياغة، كما ذكرته في شرح التبريزي.
قوله:
ترَكَ الصَّنَائعَ كالقَواطِع باترا- تٍ، والمَعَالي كالعَوالي شُرَّعَا
(قال): أي: جعل الصنائع مشرقة والمعالي مشرفة.
وقال غيره: ليس غرضه في قوله: كالقواطع وكالعوالي الإشراق والإشراف، وقد كان يجد ما هو أشد إشراقا من هذه وإشرافا، وإنما أراد أنها شهرها على أعدائه فغلبهم بها.
وأقول: ويكون على هذا التفسير ينظر إلى قوله:
ولَهُ في جَماجِم المَالِ ضَرْبٌوَقْعُهُ في جَماجِمِ الأبْطَالِ
وقوله:
مُتَبَسَّماً لعُفَاتِهِ عن وَاضِحٍتُعْشِي لوَامِعُهُ البرُوقَ اللُّمَّعَا
قال: الواضح: ثغرة.
وتعشي: تذهب بنور إبصارها؛ استعار لها العشا، وأحسبه نقله من قول القحيف:
مُتَسَربْلينَ سَوابِغاً مَاذِيَّةًتُعْشِي القَوانِسُ فوقَهَا الأبصَارا
وأقول: إن هذا المعنى، وهو إعشاء الأبصار، قد جاء كثيرا في القرآن والشعر، فلا معنى لتخصيصه بأخذه من القحيف، وإنما المعنى فيه الإغراق والمبالغة بجعل البروق، التي من شأن لوامعها أن تعشي الأبصار، معشية بلوامع ثغره، وهذا من
المقلوب كقوله:
ما مَسَّكِ الطَّيبُ إلاَّأهْدَيْتِ للطَّيبِ طِيبَا
وأمثاله.
وقوله:
الكاتِبَ اللَّبِقَ الخَطِيبَ الواهِبَ النَّدُسَ الْلبِيبَ الهِبْرِزِيَّ المِصْقَعَا
قال لبيق ولبق بمعنى.
وأقول: إنه ذكرهما بمعنى واحد، واستشهد على أحدهما، وهو لبق، بأبيات للعرب، وبأبيات في حكاية عن امرأة من المحدثين. وكأنه استشهد على صحة هذه اللفظة، وأنها منقولة عنهم مقولة، ولم يستشهد على لبيق، وهي أقل من لبق، والاستشهاد عنه على ذلك! يقول عبد يغوث:
وكنتُ إذَا ما الخيل شَمَّصَها القَنَالَبِيقاً بِتَصرِيفِ العِنَانِ بَنَانِيَا
وقوله:
إنْ كانَ لا يَسْعَى لجُودٍ ماجِدٌإلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخَلُ من سَعَى
قال: أي: لما لم يصح سعي ماجد لجود حتى يفعل مثل فعلك، وجب أن يكون الغيث أبخل الساعين لبعد ما بينك وبينه، ووقوعه دونك. فإن قيل: فلم جعل الغيث إذا قصر عن جوده أبخل الساعين، وهلا كان كأحدهم؟ فإنما جاء هذا على المبالغة كما تقول: فالغيث لم يمرر بشيء من الجود.
وأقول: إن جاء على المبالغة ولكن ليس على ما قال، وإنما من المعلوم
أن الغيث أجود الساعين، فإذا أراد أن يسعى الممدوح صار أبخل الساعين، وذلك أن من بخل حاتما كان بخله أفحش من بخل غيره، وهذا ظاهر مسلم لا خلف فيه.
وقوله:
النَّوْمُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌوالليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ
(قال:) ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل والكواكب مما يؤثر فيه حزن لأثر فيها موته.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يصف كثرة سهره وطول ليله لحزنه، فجعله كالبعير المعيي، والكواكب فيه كالأبل الظالعة. وكأنه من قول سويد بن أبي كاهل:
يَسْحَبُ اللَّيلُ نجوماً ظُلَّعاًفَتَوَالِيها بَطِيئاتُ التَّبَعْ
وهو من قول امرئ القيس:
فقلتُ له لمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِوأردَفَ أعجازاً ونَاَء بكلكلِ
وقوله:
أيْدٍ مُقَطَّعَةٌ حَوَاليْ رأسِهِوَقَفاً يَصيحُ بها أَلا مَنْ يَصْفَعُ!
قال: الصفع (ليس) من كلام العرب، وقد أولعت به العامة فقالوا: صفعته، أصفعه، ورجل صفعان؛ كأنه دخيل مولد لا أعرف له في اللغة العربية أصلا.
وأقول: قد ذكره الخليل! قال: يقال صفعت فلانا أصفعه صفعا؛ إذا ضربت بجمع كفك قفاه، ورجل مصفعاني: يفعل ذلك به.
وأما استشهاده على حوالي بقوله:
فلو كنتَ مَوْلى العِزَّ أو في ظِلالِهظَلَمْتَ ولكِنْ لا يَدَي لك في الظلم
وأنه لجرير، فليس له إنما هو الفرزدق يخاطب به عمر بن لجأ، وكان قد رفده بأبيات يهجو بها جريرا ففطن أنها للفرزدق. والقصة مشهورة ذكرها الصولي في أول
شرح ديوان أبي نواس. وقبل هذا البيت:
ما أنتَ إنْ قَرْما تَمِيمٍ تخاطَراأخَا التَّيْمِ إلا كاوَشيظة في العَظْم
فيقال: إن جريرا قال: ما انصفني الفرزدق في شيء إلا في هذا! يعني قوله: قرما تميم.
وقوله:
فاليومَ قَرَّ لكُلَّ وَحْشٍ نَافرٍدَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ
قال: أي: كأنه يهم بالظهور والخروج من غير أن يظهر ويخرج خوفا وجزعا. ونحو هذا أن الحمار إذا أروح الأسد واشتد فزعه قصده وطلبه دهشا وتحيرا. وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لحبيب بن خالد:
سِلاحُ مُجَرَّبِ شَاكٍ إذ مَانفوسُ القَوْمِ هَمَّتْ باطَّلاعِ
أي: من الخوف كما قال الآخر:
وخَفَّضْتُ من نَفْس وَقُورٍ كَريمةٍإذا جَعَلتْ نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
وأقول: كأنه أنشد هذين البيتين على أن النفس الدم، وجعلهما مثل الأول ولم يرد بالنفس هاهنا الدم وإنما أراد الروح، وهي مما يوصف حال الخوف بالتطلع؛ قال عمرو بن معدي كرب:
وجاشَتْ إليَّ النفسُ أولَ مَرَّةٍورُدَّتْ مَكْروهِها فاسْتَقرَّتِ
وكذلك القلوب كقوله تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر). فالدم لا يتطلع؛ وإنما الدم عند الخوف يغور، والنفس تفور. ويحتمل أن يكون أبو الطيب جعل الدم النفس التي هي الروح أو بمنزلتها توسعا ومجازا، فقر دم الوحش بموته أمنا، وكان يتطلع إلى الخروج خوفا؛ يصفه بكثرة الصيد. ويكون بيت أبي الطيب من بيت عمرو المذكور. وأما ضربه لذلك مثلا بالحمار فليس بينهما مقاربة.
وقوله:
وتصَالَحتْ ثَمَرُ السَّياطِ وخَيْلُهُوأَوَتْ إليها سُوقُها والأذْرُعُ
قال: ثمر السياط: أطرافها، وهذه استعارة حسنة لأنه كان يديم ضربه إياها إما لقصد
عدو، وإما لإدمان طرد، وإما لإغاثة مستصرخ، قال سلامة بن جندل:
كُنَّا إذَا ما أتَانَا طَارِقٌ فَزِعٌكان الصُّراخُ له قَرْعَ الظَّنَابيبِ
أي: قرعها بالسياط لمعونته.
وأقول: ليس في هذا مما يستشهد به على ضرب الخيل؛ لأن قرع الظنابيب مثل يضرب للعزم على الأمر والجد فيه؛ يقال: قرع لذلك الأمر ظنوبه، وضرب جروته، وشد له حزيمه. وهذا البيت (- أعني بيت أبي الطيب -) ينظر إلى قول أبي صخر الهذلي
عَجِبتُ لِسَعي الدَّهْرِ بيني وبينَهافلمَّا انْقَضى ما بَينَنَا سَكَنَ الدَّهْرُ
ومثله قول بعض شعراء العصر:
وبَعْدَكِ ضَنَّتْ غداةَ الطَّرادِ أيدي الجِيادِ بما تُسْألُ
وزُرْقِ اللَّهاذِمِ أضْحَتْ لَقّىوبِيضُ الصَّوارِمِ لا تُحْمَلُ
وأما تشبيهه:
... وأوَتْ إليها سُوقُها والأذْرُعُ
بقول أبي النجم:
يَأْوِي إلى مُلْطٍ (له) وكَلْكَلِ
فليس بينهما مشابهة. وذلك أن قوله: وأوت إليها سوقها معناه أنها كأنها (كانت) سلبتها، أو أخذت منها، أو غلبت عليها، فرجعت إليها بقرارها من كثرة الطراد وإدمان القتال. ومعنى بيت أبي النجم: إن (هذا الجمل) يعتمد على اعظائه ويستأند إليها لشدته وقوته.
وقوله:
أَهْوِنْ بطُولِ الثَّواءِ والتَّلَفِوالسَّجنِ يا أبا دُلَفِ
غيرَ اختيارٍ قَبِلْتُ بِرَّكَ بيوالجُوعُ يُرْضِي الأسودَ بالجِيَفِ
قال: أبو دلف هذا صديق له، بره ولاطفه، وهو في سجن الوالي الذي كتب إليه:
أيَا خَدَّدَ اللَّهُ وَرْدَ الخُدودِ.........
فيقال: إذا كان أبو دلف صديقه، وقد بره ولاطفه وأحسن إليه، فكيف يحسن به أن يهجوه؟ ولو أنه غير صديق ولا ذو معرفة وقد أحسن إليه لما ساغ له أن لا يشكره فضلا عن أن يكون صديقه ويهجوه! وإنما هذا غير صديق؛ لعله أراد بحبائه إياه إذلاله فقال له ذلك، وأراد بالبر العطاء.
وقوله:
نَفُورٌ عَرَتْها نَفْرَةٌ فَتَجاذَبَتْسَوَالِفها والحَلْيُ والخَضْرُ والرَّدْفُ
قال: هذا مثل قوله:
إذا ماسَتْ رأيتَ لها ارتجاجاله - لولا سَواعِدُهَا - نَزُوعَا
وأقول: الأقرب أن يكون مثل قوله:
يَجْذِبُهَا تحت خَصْرِهَا عَجُزٌكأنَّهُ مِنْ فِراقِها وَجِلُ
وقوله:
وخَبَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّهاتَثَنَّى لنا خُوطٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
قال: المرط: الثوب والقميص ونحوه، وأنشد الطوسي عن ابن الأعرابي:
تَسَاهَمَ ثَوْباهَا ففي الدَّرْعِ رأدَةٌوفي المِرْطِ لفَّاوانِ رِدْفُهما عَبْلُ
وأقول: المرط في قول الخليل: كساء من خز أو كتان. وفي قول ابن دريد: ملحفة يؤتزر بها. والبيت الذي أنشده يدل على ذلك من قوله:
......... وفي المِرْطِ لفَّاوانِ...
لأنه يريد: فخذان لفاوان، والفخذ يكون في المئزر وما أشبهه، وإنما قال في البيت: ثوباها ثم فسر (أحد القسمين) بالمرط (فلأن) ذلك مجاز لأنهما كلاهما يلبس ويستر الجيد.
وقوله:
يُفَدُّونَهُ حتى كأنَّ دِمَاَءهُمْلجَاري هَوَهُ في عُرُوقِهِمُ تَقْفُو
قال: أي: كأن محبة الناس له أشد تقدما عند أنفسهم واختصاصا بهم من دمائهم.
وأقول: إن هذا مثل قوله:
جَرَى حُبُّهَا مَجْرى دَمي في مَفَاصِلي.........
وفيه زيادة بجعله الدماء التي بها الحياة تقفو هواه وهو متقدم عليها.
وقوله:
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومَنْطِقُهُ حُكْمٌوباطِنُهُ دِينٌ وظاهرُهُ ظَرْفُ
قال: هذه القصيدة من الضرب الأول من الطويل. وعروض الطويل مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت فيكون ضربه مفاعيلن أو فعولن فيتبع العروض الضرب، وليس هذا البيت مصرعا، وقد جاء بعروضه على مفاعيلن وهو تخليط
منه. وأقرب ما يصرف إليه هذا أن يقال: إنه رد مفاعلن إلى أصلها وهو مفاعيلن لضرورة الشعر كما أن للشاعر إظهار التضعيف وإلحاق المعتل بالصحيح، وقصر الممدود، وصرف ما لا ينصرف ردا إلى الأصل فكذلك هاهنا. وذكر أن العرب خلطت فعولن بمفاعلن وأنشد:
لَعَمْري لقَدْ بَرَّ الضَّبابَ بَنُوهُوبَعْضُ البَنينَ حُمَّةٌ وسُعَالُ
وقول النابغة:
جزى الله عَبْساً عَبْسَ آل بَغِيضٍجَزََء الكِلابِ العَوِيَاتِ وقد فَعَلْ
إلا أن مفاعيلن أقبح لأنها لم تأت عن العرب.
وأقول: إن هذا مشبه بالمصرع، وذلك أن المصرع ما غيرت عروضه حملا على ضربه وزنا وتقفية، وهذه محمولة على الضرب وزنا لا تقفية، فأشبهه من أحد الوجهين، وقد جاء مثل هذا للعرب؛ منه قول الربيه بن زياد:
أفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَلِكِ بن زُهَيْرٍترجو النَّسَاءُ عَواقِبَ الأَطْهَارِ
فقوله: نزهيرن: فهلاتن مقطوع من متفاعلن والقطع إنما يكون في الضرب ولا يكون في العروض إلا حملا على الضرب في التصريع، ومنه قول الحارث بن حلزة:
أسَدٌ في اللَّقَاءِ ذو أشْبَالٍورَبَيعٌ إنْ شَنَّعَتْ غَبْراءُ
فقوله: أشبال (مفعولن) مشعث من فاعلاتن، والتشعيث إنما يكون في الضرب، ولا يكون في العروض إى حملا على الضرب أو ما يجوز في الضرب. فهذا امثل مما ذكره أبو الفتح، وهو وما شبه به شاذ، والشاذ الأولى اجتنابه.
وقوله:
وخَصْرٌ تَثْبُتُ الأبصارُ فيهكأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقا
قال: تثبت فيه: أي تؤثر فيه لنعمته وبضاضته. وهذا نحو من قول الآخر:
ومَرَّ بَقَلْبي خَاطِراً فَجَرَحْتُهُولم أَرَ شَيْئاً قَطُّ يجرَحُهُ الفِطْرُ
وأقول: إنه فسر صدر البيت بما فسر، وليس بشيء!؛ والصحيح ما ذكرته في تفسير الواحدي. وقد جاء هذا المعنى في شعر السري أظهر، وهو قوله:
أحَاطَتْ عيونُ العَاشقين بخَصْرِهِفَهُنَّ له دون النَّطاقِ نِطَاقُ
وفي قول بعض شعراء هذا العصر أخضر، وهو قوله من أبيات:
وأَحْوَرُ بَابِليُّ الطَّرْفِ أَحْوىَإلى ألْحَاظِهِ تُعْزَى المُدامُ
تَثَنَّى فالعيونُ له نِطَاقٌوغَنَّى فالقُلوبُ له نِظَامُ
وقوله:
فلا تَسْتَكرَنَّ له ابتِسَاماًإذَا فَهِنَ المَكَرُّ دَماً وضَاقا
قال: فهق: اتسع. وقال:
وإنَّا وإيَّاهَا لكالهَائِم الذيرأَى الماَء يجري من جَداوِلَ تَفْهَقُ
ومنه قول رسول الله ﷺ: (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون).
ويقال أيضا: انفهق المكان أي: اتسع، وركي فيهق: أي: واسعة. أي: إذا كثر الدم واتسع فضاق المكر به - وهو موضع الحرب، وهو من قول الأعشى:
والْتَقَى القَوْمُ بِضَرْبٍ صَادِقٍمَلأ القَاعَ نَجِيعا فَطَفَحْ
فيقال: ينبغي إذا كانت الفظة الواحدة محتملة معنيين أو معاني، واستعملت في مكان، أن يتأمل ذاك المكان وتحمل على ما يليق به فتختص به. وفهق؛ هذه اللفظة؛ قد استعملت بمعنى الاتساع ومعنى الامتلاء؛ قال الخليل: انفهقت العين: امتلأت بالماء.
وقال الأعشى:
نَفَى الذَّمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌكجَابِيةِ السَّيحِ العِراقَي تَفْهَقُ
والبيت الذي أنشده والحديث يحتملان هذا المعنى. فلا يليق بهذه اللفظة من قول أبي الطيب إلا أن تكون بمعنى الامتلاء؛ لأن ضيق المكر إنما حصل بالامتلاء من الدم، فالاتساع يضاد الضيق. ولو أراد بيفهق الاتساع لقال:
......... إذا رَحُبَ المكَرُّ دَما وضَاقَا
ولو قال ذلك حسن (حسن الأول).
وقوله:
ولكِنَّا نُداعِبُ منه قَرْماتَراجَعَتِ القُرومُ له حِقَاقَا
قد أخذ على أبي الطيب في هذا البيت فقيل: كان ينبغي لما ذكر المداعبة أن يبدل قرما بلفظة غيرها؛ فإن القرم بعيد من المجاعبة، أو يبدل نداعب بكلمة تليق بالقرم.
وقال: هذا موضع يدق على أكبر نقاد الشعر.
وأقول: إنه يقول: إن الاستعارة ينبغي أن تكون مناسبة لما استعار له، والمداعبة، وهي الممازحة، لا يحسن أن تستعار للقرم، وإنما تحسن بالرجال، فلو أنه قال: نلاطف أو نلاين لكان مناسبا. ولو وضع موضع قرما ملكا فقال:
ولكنَّا نُداعِبُ منه مَلْكاًصَفَا خُلُقَاً ورَقَّ لنا وَرَاقَا
لكان أيضا مناسبا. ولكن أبا الطيب جاز على طبعه في الجفاء، فليس من شأنه خلق الرقة والصفاء!
وقوله:
فأبْلِغ حَاسِدِيَّ عَلَيْكَ أَنَّيكَبَا بَرْقٌ يحَاوِلُ بي لَحَاقَا
وهَلْ تُغْني الرَّسَائلُ في عَدُوًّإذا ما لم يَكُنَّ ظُباً رِقَاقَا
قال: إن قيل: كيف استجاز أن يجعل الممدوح رسولا مبلغا عنه، وهذا قبيح، قيل: إنما حسن له ذلك قوله:
حَاسِديَّ عليك... ............
فالكاف في: عليك حسنت الصنعة.
ولعمري أن لو قال: فأبلغ حاسدي على غيرك؛ لكان قد هجن المديح، ولكنه أحسن التخلص بالكاف.
وقال الوحيد رادا عليه: ما أغنت الكاف في هذا شيئا؛ بل من شأنها أن تزيد! وذلك أن الملوك يجلون عن الخطاب بالكاف.
وأما قوله: لو قال: فأبلغ حاسدي على غيرك؛ لكان قد هجن المديح فإنه لو قال ذلك لعد من المجانين!
وأما قوله:
فأبِلغْ حاسِديَّ عليك............
فإنه يعد به جافيا جفاء الأعراب، أو سيئ الآداب! لأن الملوك لا يستقبلون بهذا!
وأقول: وفيه أيضا زيادة وهي: أن هؤلاء الذين أمر سيف الدولة بإبلاغ رسالته إليهم، وأنه قد فاتهم في الفضائل فلا يمكن أن يلحقوا به، إذ كان البرق يكبو، دونه، هم أصحابه وجلساؤه وندماؤه. ثم لم يرض ولم يقنع من سيف الدولة بإبلاغ رسالته إليهم إلا بضرب أعناقهم! وفي هذا الإدلال والتحكم غاية الجهل والتهور. وبقوله هذا وأمثاله في أشعاره، وإكثاره، حتى لا تكاد قصيدة تخلو من
تعريضه بهم وتنقصه لهم، حتى أنه في أول لقائه له ومدحه إياه بدأ بهم فقال:
غَضِبْتُ له لَّما رأيتُ صِفَاتِهِبلاَ واصِفِ والشَّعْرُ تَهْذي طَمَاطِمُهْ
ما أحوجهم وألجأهم إلى السعي به، والتتبع له يتوقعون سقطاته، ويترقبون هفواته، إلى أن أضحوه من ظل نعمته، وأقصوه عن منزل كرامته، فكان كما قال صالح بن عبد القدوس:
ما تَفْعلُ الأعْداءُ في جاهِلٍما يَفعل الجاهِلُ في نفسِهِ
وقوله:
لِعَيْنَيْك مَا يَلْقَى الفُؤَادُ وما لَقِيولَلحُبَّ ما لَمْ يَبْقَ مِنَّي وما بَقي
قال: أي دنفي لعينيك فهما سقامي، وجسمي لحبك فهو يذيبه.
وأقول: هذه العبارة قاصرة عن هذا المعنى الطائل. والجيد أن يقال: لعينيك؛ أي: لعشق عينيك ما يلقى الفؤاد من العذاب بهجرك وبعدك وما لقي، وبحبك
ما لم يبق من جسمي؛ يعني: شدة النخول؛ وما بقي: يريد أن العشق أفنى بعضي وسيفي كلي؛ كأنه يقول: سهل عذاب قلبي في عشق عينيك، وسهل سقام جسمي وذهابه في حبك!
وقوله:
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنياتِ واضحٍسَتَرتُ فمي عنه فقَبَّلَ مَفْرقي
قال: يعني بالأشنب ثغرا.
وقال الواحدي: يعني حبيبا.
وأقول: الأحسن ما قال ابن جني، وذلك أنه قال فيما بعد:
وأَجْيَادِ غزلان.........
فعطف الجيد على الثغر، عضوا على عضو، احسن مناسبة من عطف الأجياد على الحبيب.
وقوله:
كَسَائِلِهِ من يَسْألُ الغَيْثَ قَطرَةًكَعَاذِلِهِ من قَالَ للفَلكِ ارْفُقِ
قال: أي: فكما أن القطرة لا تؤثر في الغيث؛ فكذلك سائله لا يؤثر في ماله وجوده.
وقال الواحدي: قال العروضي: هذا الذي قاله أبو الفتح، على خلاف العادة في المدح؛ لأن العرب تمدح بالإعطاء من القليل والمواساة مع الحاجة إليه قال الله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال الشاعر:
وَلَمْ يَكُ أكْثَرَ الفتَيانِ مالاولكن كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعَا
وأقول: يحتمل هذا البيت معنيين:
أحدهما: أن سائله الشيء الكثير بمنزلة من يسأل الغيث قطرة؛ أي: ما يسأله حقير في جنب جوده.
والثاني: أن سائله لجهله، كمن يسأل الغيث قطرة؛ أي: ينبغي له أن لا يسأله؛ فإنه يجود بالكثير من غير سؤال كالغيث، وكذلك عاذله، في جهله، كمن يقول للفلك: ارفق، فسائله وعاذله جاهلان!
وقوله:
إذا شَاَء أنْ يَلْهُو بِلحْيَةِ أَحْمَقٍأراهُ غُبَاري ثم قالَ لَهُ: الحَقِ
قال: هذا أشد مبالغة من قول أبي نواس:
إذَا العِتَاقُ جَرَتْ يوم الرَّهانِ بَدَاقَبْلَ السَّوابقِ يَحْثُو في نَواصِيهَا
فهذا يدل على قرب ما بينه وبينها لمجاورته إياها، وهذا قال: غباري فدل على بعد ما بينهما.
وقال الوحيد: وهب الله للشيخ العافية - ليس هذا ذلك، ولا بين المعنيين قرب. ولو كان كما يظن لكان (فرس) بيت أبي نواس أسبق؛ لأن فرس ذاك الممثل به جرى مع العتاق فبرز عليها، وخرج منها يحثو في نواصيها، وهذا معنى مستوفى. والمتنبي قال:
......... أرَاهُ غُبَاري ثم قالَ له: ألْحَقِ
ولو كان كودنا أو حمارا لفات اللاحق لأن الغبار يرى من بعد، وقد ظلم سيف الدولة من كلفة هذا على تفسير صاحب الكتاب، لأنه أراه إياه وقد جرى فراسخ ثم قال له: الحق، فهذا ظلم، فإن لم يلحق فلا عار عليه لأنه لم يضم معه، ولم يرسلا
معا، وإنما أراه غباره على البعد، فليس للفائت فخر، ولا على الطالب، إن لم يلحق عيب؛ بل هو فرس مطموع في لحاقه على البعد.
وأقول: إما تمثيل بيت أبي الطيب ببيت أبي نواس فليس بينهما مماثلة. والذي ذكره الوحيد على ابن جني في هذا متوجه، والمعنى الذي أراد المتنبي: أن سيف الدولة قد ثبت عنده أني جواد لا يجارى، وسابق لا يبارى، لمن ضمني وإياه طلق، (وجمعني وإياه شأو)، فإذا أراد أن يلهو بأحمق أراه غباري، والغبار يرى من بعد، ثم قال له: الحق ولحاق الفائت إنما يكون للجواد بما دونه، فأما الكودن فإنه لا يمكنه لحاق المرسل معه، فكيف يكون مع الفائت الجواد! فأمره بذلك له هزء به وسخري منه.
وقوله:
وإطراقُ طَرْفِ العَيْنِ ليسَ بنافِعِإذا كانَ طَرْفُ القَبْبِ ليس بمُطرِقِ
قال: الإطراق أن يرمي ببصره إلى الأرض.
قال:
وَمَا كنْتُ أخْشَى أنْ تكونَ مَنِيَّتيبِكَفَّ سَبَنْتَى أَزْرقِ العَيْنِ مُطْرِقِ
(وأقول:) والرواية:
وما كنتُ أخْشَى أنْ تكونَ وفَاتُهُ.........
والشعر للشماخ يرثي عمر بن الخطاب ﵀.
وقوله:
تّذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيبِ وبَارِقِمَجَرَّ عَوَالِينَا ومَجْرى السَّوَابقِ
قال: يعني بالعذيب: العذيبة، وهي في طريق مكة. قالوا في قول كثير:
خَلِيلَي إنْ أمُّ الحكيم تَحَمَّلتْوأخْلَتْ بَخيْمَاتِ العُذَيب ظِلاَلَهَا
أراد العذيبة، فحذف الهاء ضرورة.
وقيل له: أما كثير فيجوز أن يكون أراد العذيبة لأنه حجازي، وأما المتنبي فالعذيب بظاهر الكوفة، وهي بلده. أيضا، ما بين العذيب وبارق يدل على
ذلك. ولو أراد العذيبة لكان بينهما مسافة بعيدة طويلة لا يذكر مثلها هذا الذكر، فإنما يقال: بين كذا وكذا إذا تقارب.
وأقول: إنما فسر العذيب بالعذيبة ليورد ما أورده من الترخيم في غير النداء، ومقصوده تطويل الشرح وتكثير الكلام ليري إحاطته بذلك واطلاعه عليه!
وقال في قوله:
......... مَجَرَّ عَوالينا ومُجْرَى السَّوابِقِ
معنى الكلام: تذكرت مجر عوالينا ومجرى السوابق ما بين العذيب وبارق. فحمل إعرابه على هذا لا يمكن لئلا تقدم صلة (المصدر) عليه، ولكن تحمله على أن
تجعل ما بين العذيب مفعول تذكرت وتجعل مجر عوالينا ومجرى السوابق بدلا منه على أن يكون بدل الاشتمال؛ كأنه أراد: مجر عوالينا فيه، حذف: فيه للعلم بها كقولك: تذكرت أيامنا الخالية: صحتنا وشبيبتنا وأكلنا وشربنا، أي: صحتنا فيها.
وأقول: ويحتمل أن تكون ما زائدة وتكون: مجر عوالينا مفعولا لا على أنه بدل؛ أي: تذكرت بين العذيب وبارق ذلك. وهذا الوجه أوجه من قول ابن جني.
وقوله:
وصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذْبَحونَ قَنِيصَهُمْبفَضْلاتِ ما قَدْ كَسَّرُوا في المَفَارقِ
قال: أي يَذْبَحون قنيصهم ببقايا سيوفهم التي كسروها في هام أعدائهم؛ يصفهم بالفتك والتغرب والجرأة.
وأقول: إن كان (أراد) بالتكسير الانفصال والانقطاع؛ يعمي: كسر السيوف فليس بشيء! لما ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله:
بلادٌ إذَا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرهاحَصَى تُرْبهَا ثَقَّبْنَهُ للمَخَانِقِ
قال: أي إذا حمل حصاها من هذه الأرض إلى النساء الحسان بأرض غيرها ثقبنه لمخانقهن لحسنه ونفاسته. والحصى مرفوع بفعله.
وأقول: ويجوز أن يكون منصوبا بأنه مفعول، ويكون مزورا لنفاسته، وهو أبلغ من الأول.
وقوله:
وأَغْيَدُ يَهْوى نَفْسَُ كلُّ عَاقِلٍعَفيفٍ، ويَهْوَى جِسْمَهُ كلُّ فاسِقِ
وأقول: إن المتنبي كان يبالغ في كلامه وشعره وزيه في التبادي والتعارب. والعرب لا ترى الغلام مظنة لما يراد به من الفسق وجعله بمنزلة المرأة، فلا
معنى لوصف هذا الغلام العواد المغني بحسن الجسم ووصف الفاسق بهواه لينال منه مناه.
وقوله:
أَلمْ يَحْذَروا أَيْدي الذي يَمْسَخُ العِداويَجْعَلُ أَيْدي الأُسْدِ أَيْدي الخَرانِقِ
قال: يد الخرانق قصيرة، أي: يذل العزيز إذا عاداه، ويقبضه عما انبسطت له يداه، وقد لاذ في هذا بقول أبي تمام:
لَوْ أنَّ أَيْدِيَهُمْ طِوالٌ قَصَّرَتْعنه، فكيفَ تكون وهي قِصَارُ!
فيقال له: نعم! يد الخرانق قصيرة، كما ذكر، ولكنه لم يرد بها هاهنا القصر (الذي هو ضد الطول) ولكنه أراد الضعف وذلك أنه قابل بها أيدي الأسد التي إنما يراد بها الشدة لا طول الخلق.
وقوله:
أَبِنَي أَبينَا نَحْنُ أَهْلُ مَنَازِلٍأَبَداً غُرَابُ البَيْنِ فِينَا يَنْعِقُ
قال: عنى بغراب البين داعي الموت، فنقل لفظ الغزل إلى الوعظ، وهذا من عاداته وحسن تصرفه.
فيقال له: ليس نقل الغزل بذكر الموت وفناء الأكاسرة، وهلاك الجبابرة، من حسن التصرف وجوده الصناعة. وذلك أن الغزل إنما ابتدئ به ليبسط النفس ويسر القلب بذكر محاسن امرأة، أو وصف كأس شراب، وما أشبه ذلك مما يرتاح به الممدوح ويصغي إليه، ثم يتخلص منه إلى مديحة، بوصف خصاله، والثناء على خلاله، فيهتاج للعطاء، ويهش للكرم، فيحصل المقصود. ولو قال: إنه يضاد جوده التصرف وحسن التلطف لكان أولى.
وقوله:
أيَّ مَحَلًّ أرْتَقيأيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
الأبيات الثلاثة.
قال: هذا غلو نستعيذ بالله منه!
وقال غيره: هذا كلام ما خرج من راس صحيح!
وقلت: إن من الشعراء من يقع منه في حال شبيبته، أو في حال غضبه، أو سكره (أشعار) يرغب العاقل المستبصر عن إثباتها له، وروايتها عنه، فيسقطها عند إفاقته وتأمله، ولا يكاد يذكرها بعد ذلك. وهذا المتنبي كان يقرأ عليه ديوان شعره إلى حين هلاكه ولا يسقط شيئا منه مما يقدح في دينه وعقله، ويثلم في فضله ومروءته، ولا يغيره. هذا مع أنه لا يشتمل على لفظ بديع ولا معنى غريب.
وقوله:
وقد صارت الأجْفَانُ قُرْحاً من البُكاوصارَ بَهاراً في الخُدودِ الشَّقَائِقُ
قد ذكرنا في خطبة كتابه هذا مل فيه، وما قال وقيل له، فلا فائدة في إعادته.
وقوله:
وهَزٌّ أَطَارَ النَّوْمَ حتى كأَنَّنيمن السُّكْرِ في الغَرَزَيْنِ ثَوْبٌ شُبَارِقُ
قال: يعني: هز السير، وأراد بالسكر سكر النعاس.
وقال الوحيد: قال: أطار النوم، ثم وصف سكر النعاس به، ولم يكن موضع: أطار النوم، ب كان ينبغي أن يكون: أطار السهر حتى كأنني بهذه الصفة، فإذا أطار النوم لم يكن ما وصفه من السكر.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى الذي أراده (أبو) الطيب أن الراكب قد ينام على ظهر راحلته في حال سيره وسراه، فيستريح وتقوى أعضاؤه بذلك في حال انتباهه؛ وهذا هز شديد، وسير مقلق لا يمكن معه النوم لشدته، فقد أطار النوم (الذي ينتفع به) وأرخى سكر النعاس - وهو أوائل النوم - الأعضاء إلى أن صار كالثوب المشبرق، لضعف مفاصله واسترخائها.
وقوله:
شَدَوْا بابن إسحاقَ الحُسَينِ فَصَافَحَتْذَفَاريُهَا كِيْرانُهَا والنَّمارِقُ
قال مستشهدا على الكيران: وليست من الغريب الذي يحتاج إلى استشهاد، وإنما مقصوده ذكر هذا البيت لما فيه من المعنى وهو:
قَوْمٌ إذَا تَرَكَ الكِرامُ مَحَلَّهُمْقَلَبُوا الثَّيابَ وأَرْدَفُوا الكِيرانَا
وقال في تفسيره: هؤلاء لصوص أخذوا في مضلة من الأرض، فكانوا إذا ضلوا
قلبوا ثيابهم؛ يقولون: ستنقلب حالنا هذه إلى حال أخرى.
وقال غيره: الرواية في هذا البيت الشاهد غير ما رواه وهي:
قومٌ إذَا اشْتَبَهَ الخُروقُ عليهِمُقَلَبُوا الثَّيَابَ
وأي معنى في البيت لذكر الكرام ونزولهم في محلهم وهم في فلاة ضلالا؟
وأقول: كأن هذا البيت - أعني بيت أبي الطيب - من قول أبي نواس:
فإذَا قَصَرْتَ لها الزَّمَامَ سَمَافَوْقَ المَقَادِمِ مِلْطَمٌ حُرُّ
وقوله:
غذا الهُنْدُوانِيَّاتِ بالهَامِ والطُّلَىفَهُنَّ مَدَارِيهَا وهُنَّ المَخانقُ
قال: غذاها، أي: تعهد هامها كما يغذى الصبي، فصارت سيوفه للهام كالمداري وفي الأعناق كالمخانق؛ أي: قد صاحبت سيوفه الهام والأعناق كما صاحبتها المداري والمخانق.
وأقول: لا يحسن هاهنا ذكر المصاحبة بين الهام والأعناق والسيوف؛ لأنها لا تبقى معها حتى تصاحبها، ولكن لما كانت تحل في الرؤوس والأعناق جعلها لها مداري ومخانق لأن تينك محلهما.
وقوله:
وَجَدْتُ المُدامَةَ غَلاَّبَةًتُهَيَّجُ للمَرْءِ أَشْوَاقَهُ
تُسِيءُ من المَرْءِ تأدِيبَهُولكن تُحَسَّنُ أخلاقَهُ
قد أخذ على أبي الطيب هذا، ولم يذكر ابن جني فيه شيئا، فقيل: من ساء أدبه فهو بعيد من حسن الخلق بل في نهاية سوئه.
وقوله:
وأَنْفَسُ ما للفَتَى لُبُّهُوذو اللُّبِ يَكْرَهُ إنْفَاقَهُ
وقيل في هذا: إن العقلاء احتالوا لراحة النفس في إنفاق العقل (باللهو) وقتا ما لأنه ثقيل عليها وهو كالحابس لها، فعلى هذا لا يكره إنفاقه على الإطلاق، (وقد قال أبو تمام:
كانَتْ لنا ملعَباً نلهُو بزُحْرُفِهِوقد يُنَفسُ من جِدَّ الفَتَى اللَّعِبُ
وقوله:
لَوْ أَنَّ فَيْضَ يَدَيْهِ مَاءُ غَادِيَةٍعَزَّ القَطَا في الفَيَافي مَوْضِعُ اليَبسِ
قال: استشهاد على الفيافي - قال ذو الرمة:
تَرَى بينَ مَجْرى نِسْعَتَيْهِ وَثِيلهِهَواءً كَفَيْفَاةٍ بَدَا أَهْلُهَا قَفْرِ
وأقول: إن هذا البيت للحطيئة من أبيات أولها:
إذَا قلتُ إنَّي آيبٌ أَهْلَ قَفْرَةٍوَضَعْتُ بِهَا عَنْهُ الوِليَّةَ بالقَصْرِ
وقوله:
أَرُدُهُ منه بِكَالسُّوذَانِقِ
قال: الهاء في تروده يعود على النبت، أراد: أرود فيه، فحذف حرف الجر كما قال الآخر:
في سَاعةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ
أي: يحب فيها
وأقول: لا حاجة إلى تقدير حذف الجر وإضماره، بل: أروده: أطلبه وأنظره.
يقال: بعثنا رائدا يرود لنا الكلأ؛ أي: ينظر ويطلب. فالفعل على هذا متعد في هذا الموضع بنفسه، غير محتاج إلى إضمار جار، وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله أي: ليطلب مكانا لينا.
وقوله:
رَحْبِ اللَّبانِ نَائِهِ الطَّرائقِ
قال: النائه: العالي الشريف؛ يقال: ناه الشيء ينوه إذا علا، ونهت به ونوهته إذا أشدت به، ومنه قيل للنواحة نواهة لرفعها صوتها. والطرائق: جمع طريق وطريفة؛
يعني: الخلق؛ أي: هو مرتفع الأخلاق شريفها لعتقه وكرمه.
وقال الواحدي: قال ابن فورجة: الرواية: نابه، من التنبه، يقال: أمر نابه، إذا كان عظيما جليلا، وقد أتى النابه للبحتري قال:
............ ويَنْحُو نَحْوهَا النَّابِهُ الغَمْرُ
وأراد بالطرائق: طرائق اللحم على متنه وكفله.
وأقول: الصحيح: نابه؛ بالياء؛ بنقطتين من تحتها، وهو المرتفع كما قال ابن جني. ولكن الطرائق (ليست) كما قال من أنه أراد الخلق، ولكن كما قال ابن فورجة، وذلك أنه في صفة خلقه لم يصل بعد إلى صفة خلقه، فأراد أن جلد لبانه رخو مستفل، وطرائق لحمه مرتفعة، فكلاهما محمود وفيه حسن صناعة بالطباق.
وقوله:
مُحَجَّلٍ نَهْدٍ كُمَيْتٍ زَاهِقِ
قال: الزاهق: السمين، وأنشد قول زهير:
......... منَها الشَّنون ومنها الزَّاهِقُ الزَّهِمُ
ثم فسره فقال: الشنون: اليابس، لأنه مشبه بالشن؛ وهو القربة اليابسة، الخلق؛
والزاهق أكثر طرقا من الزهم.
فيقال له: من أين قلت ذلك وكلاهما السمين؟ وهل ذلك إلا تحكم ودعوى بغير بينه، ورجم ظن بغير تحقيق؟ ولو قال قائل: إنه بالضد لم تجد له مدفعا، والظاهر أنه تكرير للتأكيد، وقد جاء ذلك كثيرا.
وقوله:
كأنَّما الجِلْدُ لِعُرْي النَّاهِقِ
مُنْحَدِرٌ عن سِيَتَيْ جُلاَهقِ
قال: الناهق: عظم مجرى دمع الفرس؛ شبه رقة جلده وصلابته على خده بسيتي قوس البندق.
وأقول: هذه عبارة غير مرضية! إنما أراد رقة الخد (وملاسته) وخلوه من اللحم، وذلك من علامات العنق.
قوله:
وزَادَ في السَّاقِ على النَّقَانِقِ
قال: النقانق: جمع نقنق، وهو ذكر النعام، وساقه دقيقة صلبة.
هكذا رأيتها في هذه النسخة التي نقلت منها!
قال: وذلك مستحب في الخيل.
وأقول: الصواب أن يقول: غليظه صلبة. وقد قيل في قول امرئ القيس:
له أيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامةٍ.........
إنما قال: ساقا نعامة لأن النعامة قصيرة الساقين صلبتهما غليظة ظمياء ليست برهلة.
وقوله:
أَيْ كَبْتَ كلَّ حَاسِدٍ مُنَافِقِ
قال: الكبت: القهر والإذلال؛ كأنه يخاطب ممدوحا.
فيقال: إن كان أراد بالممدوح الفرس، الذي ذكره واصفا له، فصواب. وإن أراد بالممدوح (إنسانا) فليس كذلك، ويدل على ذلك قوله: أنت لنا أي: ملكنا وكلنا ملك لله تعالى.
وقوله:
تَسْتَغْرقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبةُوتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْرَبِ العَرِقِ
قال: يصفه بالدمامة وخبث العرض.
وأقول: أراد بالدمامة صغر الخلق لأنه لما قال:
تَستْغرق الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُ.........
توهم أن ذلك معا في وقت واحد بفعل واحد، وذلك لا يلزم؛ لأن الواو لا توجب ذلك، بل تستغرق الكف الفودين في وقت، والمنكب في وقت آخر. ويريد باستغراق الكف لتلك المواضع بسطها لصفعه.
وقوله:
ولَسِرْنَا ولو وَصَلْنَا عليهامِثْلَ أنَفاسِنَا على الأرْمَاقِ
قال: الأرماق: جمع رمق، وهو بقية النفس؛ أي: لو صلنا إليك وهي تحملنا على مشقة، وقد بلغنا أواخر أنفسنا.
فيقال له: ليس هذا الموضع من شأنك باستنباط معناه واستخراج غامضه! هذا أراه تشبيهين بمشبيهين: شبه أجسامهم بالأنفاس (للضعف) ولشدة النحول، وإبلهم تحتها، بالأرماق لشدة الضمر والقفول. وله مثل هذا وهو قوله:
بَرتَنْي السُّرَى بَرْيَ المُدَى فَرَدَدْنَنيأخَفَّ عَلَى المَرْكُوبِ من نَفَسي جِرْمي
وقوله:
كاثَرَتْ نائِلَ الأميرِ مِنَ المَالِ بما نَوَّلَتْ من الإيرَاقِ
قال: الإيراق: مصدر أورق إيراقا. يقال: أورق الصائد إيراقا، إذا لم يصد. قرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لجرير:
إذَا كَحَلْنَ عُيُونا غيرَ مُؤرِقَةٍرَيَّشْنَ نَبْلاً لأَصْحابِ الصَّبا صُيُدَا
وأقول: إنما جعل الإيراق من أورق... إذا لم يصد لأنه رباعي نحو: أوعد إيعادا وأكرم إكراما. ولم يجعله من أرق، وهو عدم النوم، لأنه ثلاثي لا يكون على ذلك. بل يقال: أرق أرقا. فيقال: أيها النحوي التصرفي! ليس هذا من أرق، ولا مصدره إفعال، وإنما هو من: آرق: فاعل ومصدره فعال، يقال: آرق يوارق إراقا كما يقال: قاتل يقاتل قتالا. وقيل: إيراق كما قيل: قيتال؛ أبدلت الياء من حرف التضعيف طلبا للتخفيف. (أو يكون معدى بالهمزة: أأرق على وزن أفعل أفعل فمصدره إفعال كما يقال: ألم زيد وآلمه عمرو إيلاما، كذلك أرق وآرقه إيراقا)
وقوله:
يَا بَني الحَارث بن لقمانَ لا تَعْدَمْكُمُ في الوَغَى مُتُونُ العِتَاقِ
قال: ما أحسن ما دعا لهم! ونكت في البيت نكتا حسنا بقوله: في الوغى، وهو - لعمري - حشو لأنهم ملوك فإنما يركبون الخيل إذا طلبوا عدوا أو أثروا طردا، ولو
لم يقل: في الوغى لكان قد دعا لهم أن لا يفارقوا متونها في كل وقت وهذا من أفعال الرواض لا الملوك! لأنهم يحتاجون إلى تدبير الملك، واستخلاص الرأي، وهذا إنما يليق به الخلوة والاستقرار.
وقد قيل على ذلك: إنه لو لم يقل في الوغى إنه أيضا دعاء لهم بأن لا يزالوا ممن يركبها، والغرض معروف، والمعنى ظاهر لا يلبس بغيرهم من الرواض وأشباههم.
واستشهد - (أعني ابن جني) - على قوله بأن الركوب إنما يكون في وقت القتال بأبيات ثم قال: وأما قول عنترة:
تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍوأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أدهَمَ مُلْجَمِ
فهذا مما توصف به الصعاليك لا الملوك.
قال: وقوله: وأبيت ليلا، وأظل نهارا، وإذا كان يبيت على فرسه فهو بأن يكون عليه نهارا أحرى.
كأنه يقول: إن أمري يضاد من تلك عليه؛ لأنها تمسي وتصبح في التنعم، وأنا أمسي وأصبح في الشقاء.
وأقول: لا يلزم إذا قال:
......... وأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أَدْهَمَ...
أن يظل أيضا فوقه، بل يحتمل أن يظل نهاره مرتقبا كامنا طلبا للغارة، ويمسي ليلة ساريا لئلا ينكشف، فيصابح الغارة صباحا كعادتهم الجارية على ذلك ويدل عليه قول لبيد:
فَعَلَوْتُ مُرْتَقِباً على مَرْهوبةٍحَرجٍ على أعلاْمِهِنَّ قَتامُهَا
حتى إذا ألْقَتْ يَداً في كافرٍوأجنَّ عَوْراتِ الثُغورِ ظَلامُهَا
أسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ مجِذْعِ مُنِيفَةٍجَرْدَاَء يَحْصَرُ دُونَها جُرَّامُهَا
(ومثله قول أبي الطيب:
ويومٍ كلَيْلِ العَاشِقين كَمَنْتُهُأرَاقِبُ فيه الشَّمْسَ أيانَ تَغْرُبُ
وقوله:
جَاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْلم يَكُنْ دونَهَا من العارِ واقي
قال: أي ينضم في منيته كما ينضم في درعه.
وأقول: هذا ليس بشيء يمال إليه أو يعرج عليه! وإنما أراد أن هذا الممدوح إذا
اتقى غيره المنية بالعار، من نحو الهرب أو الاستسلام، أتقى هو العار بالمنية - (أي: يقتل ولا يلحقه عار) - فجعلها له كالدرع، وهذا من المقلوب الذي يستعمله كثيرا ويجيده؛
ومنه قوله:
وإذَا أشْفَقَ الفَوارسُ من وَقْعِ القَنَا أشْفَقُوا من الإشفْاقِ
وقوله:
لو تَنَكَّرْتَ في المَكَرَّ لقَومٍحَلَفُوا أنَّك ابنُهُ بالطَّلاَقِ
قال: في المكر - وإن كان أيضا حشوا - فإنه شبهه به في المكان الذي يتيقن فيه الفضل والشجاعة، فذكر أشرف المواضع فجعل أشبهه به فيه لا في غيره مما ليس له شهرته، وهذا النكت الحسن كثير في شعر البحتري.
فيقال له: هذا - لعمري - نكت (حسن) كما قلت، ولكن لم نتبين ما هو، ولا لم خص الشكر بالمكر دون غيره؟! وقد بينته في شرح التبريزي.
وقوله:
كَيْفَ يَقْوَى بِكَفَّكَ الزَّنْدُ والآفَاقُ فيها كالكَفَّ في الآفاقِ
قال: وهذا مثل قول مروان بن أبي حفصة:
فَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْفَ وَارَيْتَ جُودَهُوَقدْ كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا
فيقال له: ليس هذا لمروان وإنما هو للحسين بن مطير؛ ذكره أبو تمام من كتاب (الحماسة) في باب المراثي من قطعة مشهورة أولها:
ألِمَّا عَلى مَعْنٍ.............
وقوله:
والأَسَى قبل فُرْقَةِ النفس عَجْزٌوالأسَى لا يَكونُ بعد الفِراقِ
قال: مصراعه الأول احتجاج على من شح بنفسه، ومصراعه الآخر احتجاج له؛
أي: هو - لعمري - وإن كان كذا - فإن مفارقة الروح تبطل العجز غيره، وهي النهاية في الخوف والحذر.
فيقال له: ليس المصراع الآخر احتجاجا عليه مثل الأول. يقول: الحزن على النفس قبل فرقتها عجز، أي: ينبغي للإنسان أن لا يحزن على الشيء قبل فقده، والحزن بعد فراق النفس لا يكون، لأن الحزن إنما يكون للحي، فإذا ذهبت النفس فلا حياة، فلا حزن!
وقوله:
شَاعِرُ المَجْدِ خِدْنُهُ شَاعِرُ اللَّفْظِ كلانَا رَبُّ المَعَاني الدَّقَاقِ
قال: وهذا البيت كأنه تفسير الذي قبله وقد سبق إليه البحتري؛ يقول
غَرُبَتْ خَلائِقُهُ وأَغْرَبَ شاعِرٌفيه) فأحَسَنَ مُغْرِبٌ في مُغْرِبِ
وأقول: هكذا رأيته في هذه النسخة أنه للبحتري، والصحيح أنه لأبي تمام من قصيدة يمدح بها عمر بن طوق أولها:
أَحْسِنْ بأيَّامِ العَقيقِ وأَطْيِبِ.........
وقوله:
كُنْ لًجَّةً أيُّها السَّمَاحُ فقدآمنهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ
قال: أي: سيفه له جنة من كل عدو ناطقا كان أو غير ناطق.
وأقول: هذا يقال له فيه: دعوه فإنه يهجر! والمعنى: وصفه له بكثرة العطاء والشجاعة، فقال:
كُنْ لُجَّةً أيها السَّماحُ............
أي: كن كثيرا؛ فإنك لا تقدر على إغراقه. أي: لا يخشى عليه منك فقر وإجحاف لأن سيفه قد آمنه من ذلك، وذلك بما يجدد له من أخذ مال أعدائه بإغارته عليهم وقتله لهم.
وقوله:
وقوله:
إذا التَّودِيعُ أَعْرَضَ قالَ قَلْبيعليكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا!
(قال:) أي: قال لي قلبي: لا تمدح أحدا بعده.
وأقول: إن قوله في هذا: لا تمدح أحدا تفسير لا يقوله أحد، وهل يشكل هذا على من له أدنى تبصر، وأيسر تفكر وقد قال:
إذا التَّوديعُ أَعْرَضَ............
أن قلبه يأمره بالصمت عن ذكر الوداع الذي هو مقدمة الفراق، وقوله:
............ لا صَاحَبْتَ فَاكَا
دعاء عليه نطق به. أولا يرى إلى البيت الذي بعده وهو قوله:
ولولاَ أن أكْثَرَ ما تَمَنَّىمُعَاوَدَة لقُلْتُ ولا مُنَاكَا
كأنه وقع بينه قلبه خصام ومنازعة، فدعا عليه قلبه بأن قال: لا صحبت فاك إن ذكرت الوداع! وقال هو لقلبه: ولولا أن أكثر مناك المعاودة إلى عضد الدولة لقلت: وأنت، لا صاحبت مناك! فإنما قلبه أمر قلبه له بالصمت عن ذكر الوداع لا عن مدح غيره!
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع