تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر (٧)

ونحو ذلك، وهو كثير جداً، وإنما استعار هنا لفظ (الظلال) لأن ظل كل شيء ملازمه وعلى سمته، فيريد بذلك احتذاءهم طرق آبائهم وسلوك مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج، كما قال: (شنشنة أعرفها من أخزم).

وأقول: هذا التفسير ليس بشيء! وإنما قال قبل:

متصعلكين............

أي: يفعلون في غزوهم فعل الصعاليك، ثم قال:

يتقيلون ظلال كل مطهم............

من القائلة، كأنهم في الظهيرة يقيلون في ظلال خيلهم، كما تفعل الفرسان المتغربة. ثم وصف الخيل، وهو وصف ومدح لهم، لأنهم يستجيدون الخيل. فقال: (كل مطهم) أي: حسن الخلق، (أجل الظليم): (أي: يصاد الظليم) عليه ولا ينجو،

و (ربقة السرحان) مثله، وهو كما قال امرؤ القيس:

......... قَيْدِ الأوابد َهيكَلِ

وقوله:

يَغشَاهُمُ مَطَرُ السَّماءِ مُفَصَّلٌبمُهَنَّدٍ ومُثقَّفٍ وسِنَانِ

قال: يعني بالسحاب الجيش، شبهه به لكثافته كما قال الراجز:

كأنَّهُمْ لما بَدوا من عَرعَرِ

مُستَلئمينَ لاَبِسِي السَّنَوَّرِ

نَوءُ سَحَابٍ صَيِّفٍ كَنَهورِ

فيقال له: بل السحاب هنا السحاب بعينه!.

يقول: ينزل عليهم قطره والسيوف والرماح والأسنة متواصلا متتابعا كالعقد المفصل، وهذه استعارة حسنة رائقة.

وقوله:

وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجيعُ القَانيفكأنَّهُ النَّارَنجُ في الأغصَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

(قال): القانيء: الأحمر، وأبدل الهمزة مضطرا وأجراها مجرى اللام. ألا ترى جعل الياء وصلا كما جعلها عبد الرحمن بن حسان لما اضطر فقال:

وكُنتَ أذَلَّ من وَتَدٍ بِقَاعٍيُشَجِّجُ رأسهُ بالفهِرِ وَاجِي

فيقال له: ليس في القاني، هاهنا، والواجي اضطرار! وذلك أنه وقف على الهمزة فسكنت وما قبلها مكسور، فقلبها ياء كما قلبت في: ذيب وبير، وقد قريء بهما، وذلك قلب تخفيف لا إضطرار، فكذلك هي في (قاني) و (واجي) قافيتين لطروء السكون فيهما بوجوب الوقف عليهما.

وقوله:

أنسَابُ فَخرِهِمُ إليك وإنَّماأنسَابُ أصلِهِمُ إلى عَدنانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قال: بمثل هذا الثناء الشريف فليمدح الملوك والأجلاء!.

فيقال: هو كما تقول، ولكنه من قول ابن الرومي:

قالوا: أبو الصَّقرِ من شيبانَ، قلت لهم:كَلاَّ - لَعَمري - ولكن منه شَيبَانُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أجنت لك الوجد أغصان وكثبان»
وَكَمْ أبٍ قد عَلاَ بأبنٍ ذُرَا شَرَفٍكما عَلاَ بِرَسُولِ الله عدنانُ!
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أجنت لك الوجد أغصان وكثبان»

وقوله:

كتَمتُ حُبَّكِ حَتَّى منكِ تكرِمَةًثُمَّ استَوَى إسرَارِي وإعلاَنِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كتمت حبك حتى منك تكرمة»
كأنه زَادَ حَتَّى فاضَ عن جَسَديفَصَار سُقمي به في جِسمِ كِتمَانِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: كأنه، أي: كأن الكتمان، فأضمره وأن لم يجر له ذكر، لأنه لما قال: (كتمت) دل على الكتمان. وما علمت أحدا ذكر انستار سقمه وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.

وأقول: لهم يفهم الشيخ المعنى، ولا ألم بشيء منه، ولا قاربه. ولم يتبين له الضمير في (كأنه) إلى (أي) شيء هو راجع، ولا الضمير في زاد، ولا الضمير في به وكل ذلك راجع إلى حبك.

يقول: كتمت حبك من كل أحد، حتى منك، تكرمة له أو لك، وهذا أبلغ ما يكون من الكتمان. ثم بعد ذلك الكتمان الشديد ظهر، فاستوى فيك الإسرار والإعلان. أي: لم يبق إسرار. وبين ما سبب ظهور الحب؟ فقال: (كأنه)، أي: كأن الحب زاد في حتى فاض عن جسدي لكثرته، وجعله بمنزلة الجسم السائل، الذي هو الماء، استعارة فصار سقمي به، أي: بالحب الذي كان يسقمني كتمانه، وذلك سقم شديد في جسم الكتمان، فأضمحل وفني إلى أن صار مثل الإعلان. واختصاره: كتمت حبك إلى أن زاد، وغلبني فبان وزال الكتمان.

وابن جني في تفسير المعاني دون حال أبي العلاء؛ لأن أبا العلاء، في الأكثر، إذا لم يفهم المعنى أعاد اللفظ، وابن جني لا يعيد اللفظ ولا يفهم المعنى!!.

وقوله:

فَطِنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَىوَلِما تَرَكتُ مَخَافَةً أَنْ تَفطُنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قال: أي: قد عرفت مني ما كان من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك لئلا ينمي إليك. أي: فلو لم أتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشيء به إليه، وكأنه مع هذا، أعترف بتقصير منه، ألا تراه يقول:

أضحى فراقُكَ لي عليهِ عُقُوبةًليسَ الذي لَيسَ الذي قاسَيتُ منه هَيِّنَا

وأقول: أن تفسير قوله:

....... ولما تَركتُ مخافةً أنْ تَفطُنَا

بقوله: (ولم أتعرض لضد ذلك) أي: لضد الشكر لك والثناء عليك، يعني: من السب والشتم، كلام في غاية القبح! وهل يحسن بأحد أن يقول لمن احسن إليه وأنعم عليه: إنني ما تركت سبك وشتمك إلا مخافة أن تفطن! ومفهوم الخطاب أنك لو لم تفطن بما أقول في غيبتك لشتمتك وسببتك! والجيد أن يفسر (ما أتيت) و (ما تركت) بأن يقال: ما أتيت من الأفعال الحميدة، وما تركت من الأفعال التي تضادها، فلأنك بصحة ذهنك، وجودة حدسك، تعلم ما غاب عنك منها. والصحيح أنه لم يعترف بتقصير، والضمير في (عليه) لا يعود على ذنب وقع منه أو خطأ إقترفه، وإنما يعود على (فراقك) وذلك أنه ترك المسير معه فرأى كأن ذلك ذنب اجترمه فقال:

أضحى فراقك لي عليه.....

أي على فراقك، وجعل ذلك لعظمه عليه، وشدة أذاه له بمنزلة العقاب والقصاص، ولهذا قال:

........ ليس الذي قَاسيتُ منه هَيِّنَا

أي: من فراقك.

وقوله:

ألقَى الكِرامُ الأولى بَادُوا مكارِمَهُمْعلى الخَصِيبِيِّ عند الفَرضِ والسُّننِ
فَهُنَّ في الحَجرِ منه كُلَّما عَرَضَتْلهُ اليَتَامَى بَدَا بالمَجدِ والمِنَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قال: المكارم بيده وتحت تصرفه، يستعملها في أي وقت شاء، وكيف شاء.

فيقال له: هل يحسن به أن يستعملها وهي في الحجر منه، من جملة اليتامى مقدمة عليها مبدوءا بها قبلها أن هذه لعبارة سخيفة من غفل سخيف!!.

وقوله:

قد شَرَّفَ الله أرضاً أنتَ سَاكِنُهَاوشَرَّفَ الناسَ إذ سَوَّاكَ إنسَاناً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قال: ما أعجبني قوله: (سواك) لأنه لا يليق بشرف ألفاظه، ولو قال: (أنشاك) أو نحو ذلك لكان أليق بالحال.

فيقال له: (سواك) أشرف من (أنشاك) وأليق من جانب اللفظ والمعنى:

أما اللفظ: فلأنها لفظة القرآن، وكلام الله أفصح الكلام (كقوله تعالى: (ثم سواك رجلا).

وأما من جانب المعنى: فإن (سواك) فيها ما في (أنشاك) وزيادة، وهو أن (سواك) بمعنى: أنشاك كاملا غير ناقص. هذا مع أن (سواك) ليس فيها ما في (أنشاك) من الضرورة، وهو قلب الهمزة ألفا من غير علة موجبة.

وهذا مبلغ نقده لجوهر الشعر، وإجلاله لقدر لفظ الذكر!!.

وقوله:

جَزَى عَرَباً أمسَتْ بِبلبيِسَ ربُّهَابشمَعَاتِهَا تَقررَ بذاكَ عُيُونُهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جزى عربا أمست ببلبيس ربها»

قال: بلبيس بأعلى الشام دون مصر، وقد ذكرها أبو نواس في شعره فقال:

حَالَ بِلبِيسُ دُونَنَا فكفرُ شَمسَافَدَاراتُ حارِثِ الجَولانِ

فيقال له: إذا لم تحقق البلاد بعيان أو سماع، فكيف تخبر عنها وتحدها فتقع في

الخطأ، وتنسب إلى الجهل وكثرة الكلام، بجعل بلبيس من الشام؟!. وبيت أبي نواس لا يدل على ذلك فلا وجه إنشاده، فإن كنت أردت تعريفه به فهو أعرف منه!.

وقوله:

غَدَونَا تَنفُضُ الأغصانُ فيهعلى أعرافِهَا مثلَ الجُمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: يريد ما يقع عليها من خلل الأغصان من ضوء الشمس.

وأقول: بل يريد ما يقع من طل الأغصان وشبه ذلك بالجمان؛ وهو حب يعمل من الفضة على شكل الدر، فشبه الطل المتناثر على أعراف الخيل به، والذي ذكره من ضوء الشمس الذي يقع من خلل الشجر هو تفسير البيت الذي يليه - (إلا أنه شبهه بالدنانير لصفرته وجعلها تفر، لأنه لا يمكن إمساكه) - وهو قوله:

وَألقَى الشَّرقُ منها في ثِيَابيدنانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وقوله:

فإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَريقٌإلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: هذا كقوله أيضا لكافور:

ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ ولم أزَلْأُفَتِّشُ عن هذا الكلامِ ويُنهَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وأقول: أنه لم يتبين وجه المشابهة بينهما وهو خفي جدا، وبيانه: أنه اعتذر إليه من مديحه غيره بقوله في البيت الذي قبله:

وَتَعذُلُني فيك القَوافِي وهِمَّتيكأني بِمَدحٍ غَيرِ مَدحِكَ مُذنِبُ

ثم قال:

ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ.....

أي: اضطررت لبعد الطريق إلى أن أتوصل إليك بمدح غيرك، وأنت المقصود بالمدح. ومع ذلك، فإني لم أزل (أفتش عن هذا الكلام)، أي: يطلب مني جعله

بمنزلة الدر المنتقى، أو البز المختار، والأعلاق النفيسة التي يتزين بها، و (ينهب): أي: يتسابق إليه للرغبة فيه ليدخر ويقتنى. وفي هذا إعلام له أنه مطلوب من غيره، مرغوب فيما عدنه. ولو تمثل لقوله في عضد الدولة بقوله في سيف الدولة:

كُلَّمَا رَحَّبَتْ بنا الرَّوضُ قلنا:حَلَبٌ قَصدُنَا وأنتِ السَّبيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

والبيت الذي بعده لكان أشبه به وأقرب منه.

وقوله:

دَعَتهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء منهالِيَومِ الحَربِ بِكرٍ أو عَوَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

رواية ابن جني: (بموضع الأعضاء).

قال: أي: دعته السيوف بمقابضها، والرماح بأعقابها؛ لأنها مواضع الأعضاء منها، وحيث يمسك المحارب والطاعن. ويحتمل أن يكون أراد: دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح. ومعنى (دعته): اجتذبته وأمالته.

وقال الواحدي: قال ابن فورجة: هذا مسخ للشعر لا شرح له. وما قال الشاعر إلا (بمفزع الأعضاء) يعني: دعته الدولة عضدا، والعضد مفزع الأعضاء؛ كأنه شرح قوله:

بِعضدِ الدَّولة إمتَنَعَتْ وَعزَّتْ........

وهو على ما قال، يريد أن الدولة سمته عضدها، وهي مفزع الأعضاء؛ لأن الأعضاء عند الحرب تفزع إلى العضد، والعضد هي المدافعة عنها المحامية لسائر الأعضاء.

وأقول: وهو ما قال الواحدي إلا أنهم لم يبينوا ما معنى قوله: (دعته) وهو أنها

نادته فقالت: يا عضدي؛ أي: يا حافظي وكالئي، والناصر لي، والمدافع عني؛ فهذا معنى دعائها له.

وقوله:

أعلَى قَنَاةِ الحُسَين أوسَطُهَافيه وأعلَى الكَمِيِّ رِجلاَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

قال: (فيه) أي: في هذا المأرق، وسألته عن معنى هذا البيت فقال: هو مثل البيت الآخر:

ولَرُبَّما أطَرَ القناةَ بفارسٍوَثَنَى فَقَوَّمَهَا بآخَرَ منهُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

أي: قد انثنت القناة لما طعن بها فارسا، فصار أوسطها أعلاها، وأعلى الكمي رجلاه. وقال شيخنا أبو اليمن الكندي: يردي: أن الرمح ينفذ في الكمي فيناطر، حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس (فيه) كقول امرئ القيس:

...... أرجُلُهُمْ كالخَشَبِ المآئِلِ

وأقول: الأحسن أن يكون (أعلى القناة أوسطها) بالكسر لا بالانثناء، وأعلى الكمي رجلاه بالانقلاب على رأسه عن سرجه، وهذا أقرب إلى الحقيقة وأمثل في الطريقة.

وقوله:

تُنشِدُ أثوَابَنا مدائِحَهُبِألسُنٍ ما لَهُنَّ أفوَاهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

قال: أي: تقعقع لجدتها. ولهذا فسر البيت الذي يليه، وهو قوله:

إذَا مَرَرنْا على الأصَمِّ بهاأغنَتهُ عن مِسمَعَيهِ عَينَاهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

بقوله: أي: يراها الأصم فيستغني عن صورتها وهو مما يجانس الأول.

(وأقول): هذا تفسير يقعقع، يجهل ذاكره، وينادي بعمى قلبه! وإنما يقول: إذا رأى الناس ثيابنا التي هي خلع أبي العشائر، وتفردها بالحسن والشرف، علموا أنها من عطائه، فهي بلسان الحال تنشر ثناءه وتنشد مدائحه، وهذا من قول نصيب:

فَعَاجُوا فَأثنَوا بالذي أنتَ أهلُهُولو سَكَتُوا أَثنَتْ عليك الحَقَائِبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

وقوله:

قَالُوا: ألم تَكنِهِ؟ فقلت لهم:ذلك عِيٌّ إذا وَصَفنَاهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»

قال: في هذا البيت اختلال من جانب الإعراب، وذلك أنه لم يكن أبا العشائر في هذه القطعة، فأنكر قوم عليه ترك الكناية فإذا قال: (ألم تكنه) فدخول همزة الاستفهام على النفي تقرير يوجب أنه كناه كقوله تعالى: (ليس الله بكاف عبده) وقول جرير:

ألَستُمْ خَيرَ من رَكِبَ المَطَايَا.........

أي: الأمر كذلك. ودخولها على الإثبات نفي كقوله تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) أي: ليس الأمر كذلك. فعلى هذا قوله:

قالوا: ألم تكنه.....

تقرير لكنايته إياه، وهم أنكروا عليه تركها؛ فكان خطأ لذلك.

وأقول: لعل هذه الحكاية موضوعة، وهي إنكار ترك كنايته، ولعل ابن جني توهم قوله:

قالوا: ألم تكنه.....

أنه من الكناية التي هي: أبو فلان، أو قصد ذلك ليورد عليه ما أورد، ولم يرد أبو الطيب بقوله: (ألم تكنه) أبا العشائر؛ وإنما أراد الكناية التي هي الإضمار، أي: لم تذكر أسمه، فيكون معنى قوله:

قالوا: ألم تكنه....

التقرير، أي: قد كنيته، أي: أضمرته، ولم تبين أسمه الذي هو أبو العشائر، وذلك إنكار عليه، فقال في جواب قولهم:

......... ذلك عِيٌّ إذَا وَصَفنَاهُ

أي: إذا وصفناه وأظهرناه وسميناه، كانت هذه بلاغة، وهي عي على الحقيقة؛ لأن الوصف، والإظهار، والتبيين؛ إنما يكون عند البأس غيره به، وهو كما قال في

البيت الذي يليه:

لا يَتَوَفَّى أبو العَشَائرِ مِنْلَبسِ مَعَاني الوَرَى بِمعنَاهُ

فهذا الذي أراده أبو الطيب؛ وهو استفهام بمعنى التقرير والإيجاب كما ذكر ابن جني، إلا أنه ما قصده، والزمه عليه ما الزمه. ويدل على (ما) قلته قولهم: نحن العرب أقرى الناس للضيف. ولم يحتاجوا أن يرفعوا (العرب) تأكيدا ل (نحن) أو خبرا عنه، ليتميزوا به من غيرهم، أو يخبروا عنه أنهم أقرى الناس، بل ألما قالوا: (نحن) علم من هم؟ وأنهم العرب، ونصبوا على المدح والاختصاص، حتى كأن الكلام قد تم بقولهم: (نحن)، ولو قالوا: نحن أقرى الناس، ولم يذكروا (العرب) لعرفوا، وإنما يذكر التأكيد والوصف والإظهار عند الالباس بالمشاركة، وكذلك قول الراجز:

نَحنُ بني ضَبَّةَ أصحابَ الجَملْ

وقول الآخر:

إنا بني نَهشَلٍ لا نَدَّعِي لأبٍعنهُ ولا هو بالأبنَاءِ يَشرِينَا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

وأن ما دعا ابن جني أن حمل قوله: (ألم تكنه) أنه من الكنية بأبي فلان، أنه ذكر في هذه الأبيات الحسين ولم يذكر أبا العشائر، وهو أشهر من الحسين. والذي حملني على

أن جعلت (ألم تكنه) من الكناية التي هي الإضمار أنه أضمر أسمه من أول الأبيات إلى آخرها، من قوله:

.......... ما لَمْ يروك..........

ولم أحفل بذكر الحسين؛ لأنه ليس باسم له، وإنما أسمه كنيته، وهو أبو العشائر، والحسين موضوع عليه مستعار له. فيصبح إذا قول المتنبي على هذا الاعتلال ولا يحمل على الاختلال.

وقوله:

تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسَمَتْمن مَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: وقد دل في هذه الأبيات على أنها كانت متكئة عليه، وعلى غاية القرب منه، يصيب خديه شيء من ريقها!.

فيقال له: هذا أبرد تفسير، وأغث معنى بأن جعل بصاقها ينزل على وجهه، ويسيل على خديه ولحيته!! والمعنى ما ذكرته مستقصى في شرح التبريزي.

وقوله:

في بَلَد تُضرَبُ الحِجَالُ بهعلى حِسَانٍ وَلَسنَ أشبَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: أي: كل واحدة منهن منفردة من الحسن، بما لا يشاركها فيه غيرها. ويجوز أن يكون (لسن أشباها) أي: قد صارت هذي المشبب بها سببا لإختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن كقوله أيضا:

الناسُ ما لَمْ يَرَوكَ أشَبَاهُ.....

وأقول: هذا التفسير قد تلقاه عنه جميع من شرح هذا الديوان بعده، وليس بشيء! والمعنى: أنه شبه هؤلاء النساء بالظباء، فقال: لقيننا في بلد تضرب الحجال فيه على ظباء حسان - يعني النساء - ولسن أشباها؛ لأنهن بخلاف الظباء؛ لأن الظباء لا تضرب عليهن (الحجال) وهن متشابهات. ودل على ذلك قوله بعده:

كلُّ مَهَاةٍ تَقُولُ مُقلَتُهَا......

وقوله:

يُعجِبُها قَتلُهَا الكثمَاةَ ولايُنظِرُهَا الدَّهرُ بَعدَ قَتلاَهَا

قال: يقول: يعجب الخيل أن تقتل الكماة، كما يعجب فرسانها. ألا تراه يقول في موضع آخر:

تَحمَى السُّيوفُ عَلى أعدائِهِ مَعَهُكأنَّهُنَّ بَنُوهُ أو عَشَائِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

فإذا جاز أن يوصف السيف بأنه يحمى مع صاحبه، فالحيوان الذي يعرف كثيرا

من أغراض صاحبه - لأنه مؤدب معلم - أحرى بذلك.

فيقال له: هذا الذي ذكرته استعارة، والاستعارات لها مواضع تحسن فيها وتقبح، وهو جائز على وجه المجاز، وقد يقع المجاز في بعض المواضع أحسن من الحقيقة، ولكن الحقيقة، وهي أصحاب الخيل هاهنا، أولى من الخيل، فالضمير في: (يعجبها) في اللفظ راجع إلى الخيل، وهو في المعنى لأصحابها؛ يصفهم بالشجاعة والجرأة على القتل وسفك الدماء؛ يقول: يعجبها أن تقتل الكماة ولا تنظر بعدهم بل تموت في أثرهم.

وقوله:

هو النَّفيسُ الذي مواهِبُهَأنفَسُ أمَوالِهِ وأسنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: هذا تقصير في مدح ملك أن يقال له: هو النفيس.

فيقال له: ولم كان ذلك تقصيرا، والنفيس: هو الشيء الفاخر المرغوب فيه، المضنون

به؟ يقال: نفس الشيء نفاسة، إذا كان كذلك. على أنه وإن كان فيه تقصير، فقد طوله حسن الترديد، وهو قوله:

.......... أنفَسُ أموالِهِ وأسنَاهَا

فحسن لذلك.

وقوله:

النَّاسُ كالعَابدِين آلِهَةًوعَبدُهُ كالُوَحِّدِ اللاَّها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، مفوض بالرجاء إليه، لا يلتفت إلى من سواه لإغنائه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو هذا أخرى.

وأقول: هذا ليس بشي!.

والمعنى أن الناس من غير عبيده في ضلال، وعبده في هداية.

وقوله:

إذا كنتَ تَرضَى أن تعيش بِذِلَّةٍفلا تَستَعِدَّنَّ الحُسَامَ اليَمانِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال: أستعمل النفي في موضع الاستفهام، في قول ربيعة بن مقروم:

فَدَعَوا: نَزَالِ، فكنتُ أوَّلَ نَازِلٍوعَلامَ أركَبُهُ إذا لَمْ أنزِلِ؟
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

قال: ومثل هذا الاستفهام قول الآخر:

فَلِمْ طَالَ حضملِي جَفنَهُ وجَفِيرَهُإذَا أنا لم أطعَنْ إذا الخَيلُ كَرَّتِ

فيقال له: أقلب تصب! وذلك (أن) ربيعة استعمل الاستفهام في موضع النفي؛ لأن قوله:

...........وعَلامَ أركَبُهُ إذَا لَمْ أنزِلِ؟

بمعنى: لا ركوب أنتفع به إذا لم انزل، وكذلك التقدير في بيت الآخر، فبيت أبي الطيب محمول على الحقيقة لأنه نفي، وبيت ربيعة محمول على المجاز، لأنه استفهام في موضع النفي، فالأولى أن يحمل المجاز على الحقيقة، ولا تحمل الحقيقة على المجاز.

وقوله:

إذَا الجودُ لم يُرزَقْ خلاصاً من الأذَىفلا المَجدُ مَكسُوباً ولا المالُ بَاقِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال: شبه (لا) بليس فنصب الخبر، قال سعد بن قيس:

مَنْ صَدَّ عن نِيرانِهَافأنا ابن قَيسٍ لا بَراحُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «كن كيف شئت فلا براح»

فيقال له: نعم، هي مشبهة بليس إذا وليتها النكرة، وهاهنا وليتها المعرفة، وإنما حملت - هاهنا - (لا) على (ما) في دخولها على المعرفة لنفي الحال كما حملت عليها في نفي الماضي المقرب من الحال في قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى).

وقوله:

بِعَزمٍ يَسِيرُ الجسمُ في السَّرجِ راكباًبه وَيَسيرُ القَلبُ في الجسمِ ماشِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال: أي: لقوة العزم ما يكاد القلب يتحرك من موضعه، ولو تحرك في الحقيقة

لمات صاحبه، وقد أتى نحو هذا أبو تمام في قوله:

مَشَتْ قلوبُ أُنَاسٍ في صُدُورِهمُلمَّا رأوكَ تَمَشَّى نَحوَهُمْ قُدُمَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»

وطريق أبي تام أسلم؛ لأنه ذكر تحرك القلب في موضع الشدة والمهلكة، ألا ترى إلى قولهم: قد انخلع قلبه فمات! أي: فارق موضعه، فلهذا كانت أسلم.

فيقال له: ما كان أغناك عن التعرض لشرح معاني الشعر، وأنت فيها بهذه المنزلة، وأحوج هذا الديوان إلى غيرك! ولو كان تصرفك في المال، كتصرفك في المعاني، لكان ينبغي أن يحجر فيه عليك، ويؤخذ به على يديك! ولقد أخطأت سبيل هذا المعنى وتجاوزت طريقه، فأنت في واد وهو في واد، وهو قوله:

بِعَزمٍ يَسِيرُ الجِسمُ.............

أي: بعزم شديد يسير القلب به تعبا في الجسم، وأن كان الجسم مستريحا بركوبه في السرج، فكنى عن تعب القلب بمشيه في الجسم لكثرة قلقه واضطرابه وكنى عن راحة الجسم بركوبه في السرج لكونه مستقرا فيه، مستقلا محمولا.

فهذه آخر المآخذ على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني الذي قويت عليه يد الطاقة، ووصلت إليه يد المنة.

الحمد لله حق حمده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، أئمة الدين، وأصحابه المنتجبين الأكرمين.

سمع مني - بقراءتي - مآخذي على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني، المولى الشيخ العلامة الفاضل الكامل البارع شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الإربلي أدام الله سعادته وإسعاده. وأجزت له أن يرويه عني، ويقرأه لمن شاء حيث شاء.

وكتب أحمد بن علي بن معقل الأزدي ثم المهلبي لثلاث بقين من رجب سنة ست وثلاثين وست مائة، حامدا لله على نعمه ومصليا على محمد وآله.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.