تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح ابن جني الموسوم بالفسر (٥)

وقوله:

أَذَمَّتْ مَكُرُمَاتُ أبي شُجَاعٍلِعَيْني من نَوَايَ على أُولاكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: أي منعت مكرماته عيني أن تجري منهما دموع كاذبة، أو أختار البعد والمقام

دونه لأني لا أعطى عنه الصبر لما فعلت بي.

فيقال له: هذا ليس لعشك فادرجي!

والمعنى - أيها الشيخ - بضد ما ذكرته! فليتأمل في شرح الواحدي!

وقوله:

فلا غِيضَتْ بحَارُكَ يا جَمُوماًعَلَى عَلَلِ الغَرائِبِ والدَّخَالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

قال: الدخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا على الماء ثانية لقلة الماء، وقال لبيد - وهو من أبيات الكتاب -:

فأرْسَلَهَا العِراكَ ولم يَذُدْهَاولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدَّخَالِ

ثم قال: وهذا البيت - يعني بيت المتنبي - أبلغ في ذكر العطاء والسعة من قول الكميت:

أناسٌ إذا وَرَدَتْ بَحْرَهُمْصَوَادي الغَرائِبِ لم تُضْرَبِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «طربت وهل بك من مطرب»

لأنه لم يصرح بالجموم مع الورود، والمتنبي صرح به وذكر أيضا الدخال وأنه يجم أوقات القلة، فزاد فيه وصار أحق به لما ذكرت لك.

فيقال له: ليس ذكر الدخال بزيادة في المعنى بل نقص! وذلك لما فسره من أنه دخول بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا لقلة الماء، فهذا نقص لقوله:

فَلا غِيضَتْ بِحَارُكَ يا جَمُوماً.........

لأن البحر هو الماء الكثير فلا ترده الإبل دخالا بل جملة مرة واحدة لكثرته. وأما بيت الكميت فإنه صحيح المعنى، حسن اللفظ، منصب في قالب الاسترسال بالطبع.

وقوله:

ولَّما نَشِفْنَ لَقِينَ السَّيَاطَبِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ

قال: أي: لما نشفن من العرق وضربن بالسياط وقعت في مفاصلها على مثل

صفا البلد الماحل. والصفا: الصخر، والماحل: الذي لا مطر فيه؛ فليس على صفاه نبت بل أقرع فهو أصلب له. وهذا كقول الآخر:

وأَحْمَرَ كالدَّينارِ أمَّا سَماؤهُفَرَيَّا وأمَّا أَرْضُهُ فَمَحُولُ

فيقال له: أما تفسيرك البيت فحسن، وأما تمثيلك له بقول الآخر فليس بحسن؛ وذلك أنه قال:

......... أما سَمَاؤهُفَرَيَّا

يعني أهلاه؛ كفله وظهره وما والاهما، والري ضد المحل، وقوله:

............ وأمَّا أَرْضُهُ فَمَحُولُ

يعني قوائمه، فكنى بالري عن السمن وكثرة اللحم، وبالمحل عن التجرد من اللحم. وإنما بيت أبي الطيب أقرب إلى التمثيل بقول علقمة:

......... جلذيَّةٌ كَاَتَانِ الضَّحْلِ عُلْكَومُ

وقوله:

وما بينَ كَاذَتَيِ المُسْتَغيرِكما بينَ كَاذَتَيِ البَائلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: المستغير: الذي يطلب الغارة، قد (اتسعت) فروجهن لشدة العدو.

فيقال له: بل اتسعت فروجهن لجودة الخلق، وذلك أنه يستحب سعة ما بين أيديهن وارجلهن فإن الضيق عيب. وقد قال زهير:

......... ر فَحجٌ فيَها ولا صحَكُ

وقوله:

فَلُقَّينَ كُلَّ رُدَيْنِةٍومَصبْوحَةٍ لَبَنَ الشَّائِلِ

قال: سألت أبا الطيب وقت القراءة عليه عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها، وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة - بالهاء. قال: أردت الهاء فحذفتها!

فيقال له: حذف الحرف الفارق بين الضدين ضعيف.

قال: وسألته عن غرضه في لبن الشائلة فقال: إن الناقة إذا شالت شال لبنها، فحذف ومرؤ، ونجع في شاربيه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكر، وبذلك وردت أشعارهم.

فيقال له: أما كونه خفيفا مريئا (فيحتاج) إلى استشهاد عليه. وأما كونه لذيذا طيبا، فالمعروف بذلك ألبان الحديثات النتاج؛ قال أبو ذؤيب:

وإنَّ حَدِيثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُجَنَى النَّحْلِ في أليْانِ عُوذٍ مَطَافِلِ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»
مَطَافِيلَ أبْكَارٍ حَديثٍ نِتَاجُهَاتُشَابُ بِمَاءٍ مثلِ مَاءِ المَفَاصِلِ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

فاللذيذُ السائغ أنجع وأنفع من غيره. وإنما ألبان الشول تقل وتعز فلا تسقى إلا كرائم الخيل.

قال:

جَزَاني بِلالي ذو الخِمَرِ وصُنعُهُإذَا بَاتَ أطواءٌ بنيَّ الأصاغِرُ
أخادِعُهُمْ عنه لِيُغْبَقَ دونَهُمْوأَعْلَمُ أنَّي بعدَ ذاك مُغَاوِرُ

وأما روايته عنه فكروايته عنه غيرها مما يشهد المعنى أو العرف بخلافه.

وقوله:

بِضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جَائِرٍله فِيهمُ قِسْمَةُ العَادِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: هذا الضرب، وإن كان لإفراطه جورا، فإن قسمته في الحقيقة عدل؛ لأن قتل مثله وقربه إلى الله ﷿ وهذا مثل قول أبي تمام:

أنْ لَسْتَ نعمَ الجَارُ للسُّنَنِ الأُلَىإلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئْسَ الجَارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

فيقال له: إن لك أن لا تصيب، وعليك أن تخطئ إلا نادرا! وهذا الذي قلته لا يقوله أقل محصل وأدنى متأمل!

والمعنى ما ذكرته في شرح أبي العلاء.

وقوله:

فَظَلَّ يُخَضَّبُ منها اللَّحىفَتًى لا يُعيدُ على نَاصِلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: الناصل: المضروب بالنصل، وهو فاعل بمعنى مفعول. أراد إذا ضرب إنسانا بسيفه لم يبق ما يحتاج له إلى إعادة الضربة كما قال طرفة:

حًسَامٌ إذَا ما قُمتُ مُنْتَصِراً بهكَفَى العَوْدَ منه البَدْءُ ليسَ بِمُعْضَدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

فيقال له: أما ناصل بمعنى منصول فليس بشيء! وهذا تعسف وتكلف لا يحتاج إليه، بل الناصل ها هنا من نصول الخضاب؛ يقول: إذا ضرب خصمه ضربة فخضبه بدمه لم يبق، فينصل الخضاب فيحتاج إلى ضربة أخرى إعادته، وهو كما ذكر من قول طرفة، وقد زاد عليه زيادة حسنة يتبينها أولو المعرفة!

وقوله:

فإنَّ الحُسامَ الخَضِيبَ الذيقُتِلْتُمْ به في يدِ القَاتِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قال: الخضيب: الذي من شأنه أن يخضب، وهذا مثل قول الآخر - أخبرنا به ابن مقسم عن ثعلب -:

كَذَبْتُمْ - والذي رَفَع المعاليولَّما يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ

وأقول: إنه يحيد عن الظاهر الحسن إلى الجافي البعيد الغريب لبيت نادر يقع إليه، فيعول في المهم عليه! وأسهل من هذا يكون الخضيب بمعنى المخضوب، إلا أنه لما ظفر بذلك البيت استشهادا على قوله، ترك المألوف المعروف ميلا إلى الإغراب، وتركا للصواب، ولم يذكر هذا الوجه وهو باد لفظه للفهم سافر، واف معناه في الصحة وافر!

وقوله:

يَقُدُّ عِدَاهَا بلا ضَارِبٍويَسْرِي إليهم بلا حَامِلٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أي: ليس هو من الحقيقة سيفا فيحتاج إلى ضارب وحامل، وإنما هو سيف الدولة.

وأقول: الجيد أن يقال: إن سيف الدولة سيف لا كالسيوف؛ لأن السيوف تحتاج إلى ضارب وحامل، وهذا بخلافها. وفيه إشارة إلى عدم مساعد، وفقد معاضد لقوله قبله:

أمَا للخلافَة من مُشْفِقٍعلى سَيْفِ دَوْلَتِها القَاصِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وقوله:

يَعُودُ من كُلَّ فَتْحٍ غيرَ مُفْتَخِرٍوقد أغَذَّ إليه غَيْرَ مُحْتَفِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

قال: أغذ: جد في السير، فإن قيل: كيف يكون مغذا غير محتفل؟ فإنما يعني أنه غير محتفل عند نفسه وإن كان محتفلا عند غيره؛ لأن كبير الأشياء عند سواه صغير عنده.

فيقال له: ليس بين إغذاذ السير وترك الاحتفال تناقض أو تضاد؛ لأن ذلك إسراع إلى فتح الأمصار، وقتل الأعداء بغير احتشاد، وذلك ممكن، وهو مثل قوله:

وما هي إلاَّ خَطْرَةٌ خَطَرَتْ لهبحَرَّان لَبَّتْهَا قَنا ونُصُولُ

وقوله:

ومثلُ الذي دُسْتَهُ حَافِياًيُؤثَّرُ في قَدَمِ النَّاعِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وقوله:

بِمَوْلودِهِمْ صَمْتُ اللَّسَانِ كَغَيرهِولكِنَّ في أَعْطَافِهِ مَنْطِقَ الفَضْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

قال: الصمت والصمات مصدر صمت، وأنشد لبعض الأعراب يذكر إبلا:

ما أنْ رأيتُ من مُغَنَّيَاتِ

ذَوَاتِ آذانِ وجُمْجُمَاتِ

أصْبَرَ منهُنَّ على الصُّمَاتِ

قالوا: غناؤها: صريفها بأنيابها.

وقل أبو زيد: يغنين بالحداء، وأنشد:

فَغَنَّها وهي لك الفِدَاءُ

إنَّ غِنَاءَ الإبلِ الحُدادُ

وقال بعضهم: غناؤهن: أطيط رحالهن.

وأقول: ينبغي أن تكون الرواية على ما ذكر. ولم تتبين له بكسر العين من

مغنيات وفتحها - اسم فاعل أو اسم مفعول - فإذا كان اسم فاعل فقد جعلها تغني مع أنها لا تتكلم، يعني بالصريف، وذلك عجيب منه. ومنه قول المثقب:

وتسمَعُ للذُّبابِ إذا تَغَنَّىكَتَغْريدِ الحَمَامِ على الوُكُونِ
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

قال الأصمعي: الذباب هاهنا: حد نابها إذا صرفت.

وإذا كانت اسم مفعول فقد جعلها صابرة لا تأوه وتوجع كما يفعل ذلك الي يسمع الغناء؛ أي: لا ترغو في حال السير للكلال والإعياء كما قال الأعشى:

كَتُوم الرُّغاءِ إذَا هَجَّرَتْوكانَتْ بَقِيَّةَ ذَوْدٍ كُتُمْ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

وذلك أيضا غريب.

وقوله:

بَدَا وَلَهُ وَعْدُ السَّحابةِ بالرَّوَىوصضدَّ وفينَا غُلَّةُ البَلَدِ المَحْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

وأنشد استشهادا على الروي بقول عمرو بن قعاس المرادي:

وماءٍ ليسَ من غُدُرٍ رَوَاءِولا مَاءِ السَّماءِ قد اسْتَقَيْتُ

قال: يعني أنه رشف ريق امرأة.

فيقال: هذا إن دلت عليه قرينة، وإلا فالمراد بذلك الماء ماء الكرش الذي يفتظ بعقر الإبل عند عدم الماء، فيخرج فيعتصر ويشرب كقوله:

توخَّى بها مَجْرى سُهَيل ودونَهُمن الشَّامِ أعلامٌ تطولُ وتَقْصُرُ
فلمَّا رأى أنَّ النَّطافَ تعذَّرَتْرَأى أنَّ ذَا الكلْبينِ لا يَعَذَّرُ

وقول الآخر:

ويَهْمَاَء يَسْتَافُ الدَّليلُ تُرابَهَاوليسَ بها اليَمَانيَّ خَالِفُ

أي: مستق.

وقوله:

ما بَالُ كُلَّ فُؤَادٍ في عَشِيرتهابها الذي بي وما بي غَيْرُ مُنْتَقِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: أي: جميعنا ثابت المحبة لها غير منتقل الهوى عنها.

وقال غيره آخذا على أبي الطيب: كان ينبغي ان يكون: ما بال العشاق تنتقل، وما بي غير منتقل.

وكلاهما لم يصب الصواب!

والمعنى: إنه كان ينبغي أن ينتقل ما بي من الهوى وأسلو إذ كان كل واحد من

عشيرتها عاشقا كعشقي، فيكونون، حينئذ، أشد غيره عليها، وحماية من دونها، وحفظا لها، فأياس منها فأسلو عنها.

وقوله:

وما الفِرَارُ إلى الأجْبَال من أسدٍتُمْسِي النَّعَام به في مَعقْقِلِ الوعَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: أي: قد أخرج النعام عن البر إلى الاعتصام برؤوس الجبال.

وقيل له: أنت أضل من الضب عن حجره! فأين يذهب بك! شبه خيله بالنعام لسرعتها. ومعناه: تمسي به الخيل المشبهة للنعام سرعة، في معقل الوعل؛ يعني رأس الجبل. يقول: أين الفرار إلى الأجبال ممن هذه حاله؟

وأقول: قد روي: تمسي بالشين المعجمة والسين، وقد ذكرت ما معناهما في شرح الواحدي.

وقوله:

وكُلَّمَا حَلَمَتْ عَذْرَاءُ عندهُمُفإنَّما حَلَمَتْ بالسبَّيِ والجَمَل

قال: أي: لخوفها ذلك، واستماعها إياه.

وقد أخذ على أبي الطيب قوله: عذراء وتخصيصها بذلك دون غيرها، إذ كان من طريق الخوف، وهو قد عم القوم كما ذكر.

وقيل: إن غير العذراء أولى لأنها أعلم بالأمور، وأثبت قلبا، وأكثر تجارب.

وأقول: إنما خص العذراء، وهي البكر، لأنها أشفق على نفسها من غيرها، لأنها تخاف أن تفتض بالسبي فليزم العار عشيرتها وأهل دينها.

وقوله:

إذَا كانَ شَمُّ الرَّوح أَدْنَى إليكمفلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قد ذكرت في شرح الواحدي قوله، وما قيل فيه، وبينت الوجه الذي أراده الشاعر ولم يبينه سواي أحد!

وقوله:

وأضْحَتْ بحصْنِ الرَّانِ رَزْحَى من الوَجَىوكلُّ عَزيزٍ للأمير ذَلِيلُ

قال: وقوله:

......... وكلُّ عَزيزٍ للأميرِ ذَليلُ

اعتذار لها؛ أي: لم يلحقها ذلك لضعفها؛ ولكن كلفها من همة صعبا.

وأقول: هذا ليس بشيء!

وقوله:

......... وكُلَّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ

ليس فيه إشارة إلى الخيل واعتذار لها بأنها لم يلحقها ذلك لضعفها وكلالها، بل أخبار عن علو هم سيف الدولة وشدة عزمه بما كلفها من شدة السير، وطول الغزو، إلى أن كلت في حال ذل له به كل عزيز.

وقوله:

أتَاكَ كأنَّ الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُوتَنْقَدُّ تحْتَ الذُّعْرِ منه المَفَاصِلُ

قال: أي: يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه على المصير إليك هيبة لك.

وأقول: هذا التفسير بضد المعنى؛ ولو قال في موضع يتبرأ بعضه من بعض: يتداخل بعضه في بعض لأصاب؛ لأن الخائف كذلك يفعل؛ يتجمع ويتضاءل، والآمن يتظاهر ويتطاول.

وقوله:

كَريمٌ إذَا اسْتُوهِبْتَ مَا أَنْتَ راكِبٌوقد لَقِحَتْ حَرْبٌ فإنكَ نَازِلُ

قال: وهو كقوله:

ولو يَمَّمْتَهُمْ في الحَشْرِ تَجْدولأعْطَوْكَ الذي صَلَّوا وصَامُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

وأقول: ويحتمل أن يكون هذا من قول أبي تمام:

أخا الحَرْبِ! كَمْ أَلْقَحْتَها وهي حَائِلٌوأَخَّرْتَهَا عن وَقْتِها وهي مَاخِصُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «مهاة النقا لولا الشوى والمآبض»

فيكون قوله:

... إذَا استُوهِبْتَ ما أنتَ راكِبٌ.........

من الجد في القتال، وقد لحقت الحرب، أي: في أوائلها وعند اتصالها فإنك نازل؛ أي: تارك لها كرما وحياء وإبقاء. ويكون هذا البيت مثل شطر بيت أبي تمام

إلا أن أبا الطيب كان إذا أخذ معنى زاد عليه ولم ينقص منه، والجيد حمله على التفسير الأول.

وقوله:

إذَا الجُودِ أعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مالِكٌولا تُعْطِيَنَّ الناسَ ما أنَا قائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

قال: أي: لا تعط الناس أشعاري فيفسدوها بأخذ معانيها.

وقيل فيه معنى آخر: وهو أنه خوفه بارتحاله عنه إلى غيره؛ يقول: لا تعاملني

معاملة أرحل بسببها فيحصل مدحي لغيرك، كأنك أنت أعطيته إياه!

وقوله:

خِطْبةٌ لِلحِمامِ ليس لها رَدْدُ وإنْ كانَتِ المُسَمَّةَ ثُكْلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قال: يقول: الموت يجري مجرى الخطبة من الحمام للميت، وإن كان الناس يسمونه ثكلا.

وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما قال:

خِطْبَةٌ لِلخَمامِ ليسَ لهَرَدْدٌ

أشار إلى هذه الميتة بأنها شريفة، وأن ليس لها كفؤ فيكون منه خطبة لها، فلو كان الخاطب (لها) غير الموت لرد. وكأن هذا ينظر إلى بيت مهلهل:

أنْكَحَها فَقْدُها الأرَاقِمَ فيجَنْبٍ وكانَ الحِبَاءُ من أدَمِ
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أنكحها فقدها الأراقم في»
لَو بأبانَيْنِ جاَء يَخْطُبُهاضُرَّج ما أنفُ خَاطبٍ بَدَمٍ
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أنكحها فقدها الأراقم في»

والذي يَدُلُّ على صِحَّة هذَا التفسير البيت الذي يليه وهو قوله:

وإذَا لم تَجِدْ من النَّاسِ كفؤاًذاتُ خِدْرٍ أَرَادَتِ المَوتَ المَوتَ بَعْلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

وقوله:

شِيَمُ الغَانِيات فِيهَا فَلاَ أَدْرِي لذا أنَّثَ اسْمَها الناسُ أَمْ لاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قال: إنما سميت الدنيا لأنها الدار الدانية، وليست الآخرة المتوقعة، فأظهر تجاهلا ب ذا لما فيه عذوبة اللفظ وصنعة الشعر، وهذا كقول زهير:

وما أدْرِي وَسَوْفَ إخالُ أَدْرِيأَقَوْمٌ آلُ حِصْنِ أم نِسَاءُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

أي: أرجال أم نساء هم، وهو يدري أنهم رجال، ولكن تعامى عن هذا؛ لأن فيه ضربا من الهزء.

وأقول: ليس التشكك والتجاهل في بيت المتنبي لأجل عذوبة اللفظ وصنعة الشعر،

ولكن للتقريب بين الدنيا وبين النساء في الأخلاق وتقلبها وأنها لا تدوم على حال،

وذلك (في التقريب) مثل قول ذي الرمة:

أَيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاَجِلوبين النَّقَا أنتِ أَمْ أُمُّ سَالمِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا اليوم حتى تسلما»

وكذلك القول في بيت زهير، وفيه زيادة ما ذكره من التهكم بهم والسخري منهم.

وقوله:

فأتَتْهُمْ خَوضرقَ الأرْضِ ما تَحْمِلُ إلاَّ والأبْطاَلاَ

قال: أي: تخرق الأرض بحوافرها؛ يعني خيل سف الدولة، وهذا نحو قوله:

إذَا وَطئَتْ بأيْدِيها صُخُوراًبَقينَ لِوَطءِ أرْجُلِها رِمَالاَ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

يَتْرُكُ في حِجَارةِ الأبَارقِ

آثارَ قَلْع الحَلْي في المَناطِقِ

وقول أبي النجم:

يُغَادرُ الصَّمْدَ كظَهْرِ الأجْزَلِ

فيقال له: لم يرد شدة التأثير بالحوافز كما زعمت، وإنما يريد قطع الأرض بسرعة، كقوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا).

وقوله:

أَقْلَقَتْهُ بَنِيَّةٌ بَيْنَ أُذْنَيْ- هِ وبَانٍ بَغَى السَّماَء فَنَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: يعني قلعة الحدث، وذكر مؤخر رأسه لأن أبلغ في هجائه.

فيقال له: لم يرد مؤخر رأسه ولا هجاءه بذلك، وقوله: بين أذنيه، أراد: جملة رأسه، وهذا كما يقال: يعجبني ما بين شفتيها، يعني: ثغرها، وما بين جفنيها، يعني: طرفها. والمعنى: أن هذه البنية كأنها، لثقلها عليه، حامل لها فوق رأسه،

البيت الذي بعده يدل على ما قلته وهو:

كُلَّمَا رَامَ حَطَّهَا اتَّسَعَ البَنْيُ فَغَطَّى جَبِيْنَهُ والقَذَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

وقوله:

أخَذُوا الطُّرْقَ يَقْطَعُون بها الرُّسْلَ فكانَ انقِطَاعٌها إرْسَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: أي: لما أبطأت الأخبار، وخالفت العادة، تطلعوا إلى ما وراء ذلك؛ فوقعوا على الخبر، فعادوا به إلى سيف الدولة.

وقال الواحدي: تطلع سيف الدولة.

(وأقول:) وكلاهما أخطأ المعنى وهو ما ذكرت في شرح الواحدي.

وقوله:

تَحْمِلُ الرَّيحُ بينَهُمْ شَعَرَ الهَامِ وتُذْرِي عليهمُ الأَوْصَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: أي لم يبعد العهد بمن قتلته، فشعورهم وأوصالهم هناك موجودة بعد.

فيقال له: لا تطير الريح الشعور عن الرؤوس، وتذري الأوصال من العظام إلا لكثرة بلى، وطول عهد بالحياة، ولكن ليس بطول أفنى رسوم الأجسام، وأعدم ما يدل عليه

من الآثار، وقوله (قبله):

نَزَلُوا في مَنازلٍ عَرَفُوهايَنْدبونَ الأعْمامَ والأخْوَالاَ

يمكن أن تكون (المعرفة) للحضور فيها قبل، وللمشاهدة لها مع الأعمام والأخوال، وتقدم ذلك إلى أن صاروا كما ذكر من البلى، وأن لا يكون بالحضور، والمشاهدة للقتال، لأنه أفنى ذلك الجمع، بل بما سمعوه من أخبارهم، واستدلوا عليه من آثارهم.

وقوله:

ما يَشُكُّ اللّضعِينُ في أَخْذِكَ الجَيْشَ فَهَلْ يَبْعَثُ الجُيوشَ نَوَالاَ

قد أخذ على أبي الطيب لفظة النوال هاهنا، وقيل: إن النوال العطية، فكان ينبغي

أن يضع موضع النوال الجزية، أو الرشوة وما أشبههما مما يقرب به إليه.

وأقول: إنه ذكر النوال على وجه الهزء به السخري منه.

وقوله: (الخفيف (

غَصَبَ الدَّهْرَ والملوكَ عليهافَبَنَاها في وَجْنَةِ خَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: ما علمت شيئا قيل في بنية أنشئت مراغمة مثل هذا في الحسن! على أن مزردا قد قال:

فمَنْ أرْمِهِ مِنْها بِسَهْمٍ يَلُحْ بِهِكشَامَةِ وَجْهِ، ليسَ للشَّامِ غاسِلُ

وما أحسن استعارته في قوله:

............ في وَجْنَةٍ الدَّهْرِ خَالاَ

ونصب خالا على أنه حال.

وقد قيل في هذا ما معناه: إنه لا يخلو من أن يكون بنى في وجنة الدهر مع غصبه إياه ما يزينه أو يشينه. فإن كان ما يزينه، فبعيد مع الغضب، وإن كان ما يشينه فهذا هجو، مع أنه كرر لفظ الدهر، ولو وضع في صدر البيت غير الدهر لحسن اللفظ.

وأقول: (قوله:

غَصَبَ الدَّهْرَ والملوكَ............

لا يريد أنهم كانوا مستحقين لها فأخذها منهم ظلما، ولكن يريد أنه غلبهم عليها، وهو ملك، وهم ملوك، إلا أنه كان أقدر.

وأما قوله: الدهر فإنها استعارة، لأنه كان بين كثرة غير مالكها، ثم ملكها وبناها. فلا يبعد على هذا أن تكون زينة الدهر؛ لأنها صارت ملكا له).

وأما تكرار لفظ الدهر فإنه وضع المظهر موضع المضمر، وهو كثير، منه قوله:

لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شيءٌنَغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيَرا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «إِن للدهرِ صولة فاحذرنها»

أو أظهر لتعظيم الدهر والموت وتفخيمهما.

وقوله:

في خَميس من الأُسُود بَئيسيَفْتَرسْنَ النُّفُوسَ والأَمْوالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: سمي الخميس خميسا، أي: يخمس ما وجده، أي: يأخذه.

وأقول: هذا غير معروف. لم يجيء في اللغة خمسة بمعنى أخذه، إنما يقال: خمست القوم إذا أخذت خمس أموالهم.

والذي قيل: إنه إنما سمي خميسا لبلوغه خمسة آلاف.

وقيل: إنما خميسا لعظمه في أنه خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق، (على أن أبا نواس قال:

لِنَخْمِسَ مالَ اللهِ من كلَّ فاجِرٍوذي بِطْنَةٍ للطَّيَّبَاتِ أكْولِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»

فهذا مما يشهد لقوله إلا أنهم لم يستشهدوا به).

وقوله:

وظُباً تَعْرِفُ الحَرامَ من الحِلَّ فَقَدْ أَفْنَتِ النُّفُوسَ حَلالاَ

قال: هذا مثل ضربه؛ أي: سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف الحلال من الحرام.

وأقول: هذه استعارة ومجاز لكثرة قتله الأعداء. يقول: ظباه لا تقتل إلا من يستحق القتل، وأراد بذلك سيف الدولة، وقد استقصيت ما في هذا البيت في شرح الواحدي فيتأمل هناك.

وقوله:

إنْ تَرَيْني أَدُمْتُ بعد بَيَاضٍفَحميدٌ من القَناةِ الذُّبُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال: أي: إن كانت الأسفار لوحت وجهي فليس بعيب في، وإن كان عيبا في

غيري، بل هو وصف في كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة، فإنه محمود فيها لأنه يؤذن بقوتها كما قال أبو تمام:

لأنَتْ مَهَزَّتُهُ فَعَزَّ وإنَّمايَشْتَدُّ بَأْسُ الرُّمْحِ حينَ يَلِينُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بذ الجلاد فهو دفين»

وأما قوله: بعد بياض فلا معترض به بل هو مشدد للمعنى لأنه لم يبال تغير لونه وشحوبه وسهومه، وإن كان غيره من الناس يستوحش لذلك ويشفق منه، فإنه هو يحمده من نفسه، ولو كان لم مدح نفسه لقلة الحفل بتغير لونه، وإنما لأجل أن بياضه استحال فلم يعبأ به (بل) ارتاح له ما بجح هذا وفخر به. فأما قول من يجهل وليس من أهل هذه الصناعة هلا قال.

......... فَحَمِيدٌ من القَنَاةِ السَّوادُ

أو نحو ذلك من الألوان ليتطابق أو البيت وآخره، فليس في وزن من يلتفت إليه؛ لأن صناعة الشعر تؤذن بخرسه وبكمه؛ لأن الشاعر إذا وافق بين الشيئين وجمعهما من حيث اجتمعا؛ فقول من قال: هلا جمع بينهما من الوجه الآخر جهل منه، ولو كان الشيئان لا يتشابهان حتى يتضارعا من جميع الوجوه لما أمكن أن يوجد تحت الفلك شيئان متشابهان، لأنهما لا يخلوان أن يكونا جوهرين أو عرضين. ثم أبطل أن يكون التشابه لكونهما جوهرين باختلاف محليهما، وأن يكونا عرضين لجواز عدم أحدهما مع بقاء الآخر.

فيقال له: هذه سفسطة! والسؤال ها هنا حسن متوجه لم يجب عنه إلا بالسب والتنقص، والسب لا تقام به الحجة، والشتم لا تدفع به الشبهة.

والجواب عنه في قوله: إن... أدمت ثم قال:

......... فَحَميدٌ من القَنَاةِ الذُّبولُ

ولم يقل: الأدمة، ليتطابق صدر البيت وعجزه، أن الذبول يكون معه تغير اللون إلى الأدمة فأقامه مقامها لأنه مصاحب لها ويدل عليها، ومثل هذا كثير؛ منه قوله:

ولو ضَرَّ مَرْءاً قَبلهُ ما يَسُرُّهُلأثَّرَ فيهِ بأسُهُ والتكرُّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

فأقَامَ لأَثَّرَ مقام لأضَرَّ بهِ لأنه في معناه وقد جعل نفسه، هاهنا، القناة مجازا، (مثلا)، كأنه قال: فحميد مني الذبول، أي: الأدمة.

وأما قوله: إن الأدمة بعد البياض، وإن كانت مكروهة من غيري، فإني أسر بها وأجذل؛ لأني اكسبها من طلب المعالي كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة فإنه محمود فيها. فلو وضع موضع أسر بها فإنها حميدة في كما أن الذبول حميد في القناة فحذف حميدة أولا استغناء عنها بحميد آخرا لدلالته عليها لأصاب المعنى، وأطاب المجنى.

ومثله: إن تبسم زيد، فحميد من السحاب البرق؛ كأنه قال: فحميد منه التبسم كما أنه حميد من السحاب البرق. فعلى هذا التفسير لا يكون زيد السحاب، ولا أبو الطيب القناة، بل يكون ذلك مثلا لهما، وعلى التفسير الأول: هما هما.

وقوله:

نَحْنُ أَدْى وقد سَأَلْنَا بنَجْدٍأَطَويلٌ طَريقُهُ أمْ يَطُولُ

قال: أطويل هو في الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك أنه أراده في قوله:

شِيَمُ الغَانِيَاتِ فيها فَمَا أَدْرِي لذَا أنَّثَ اسْمَهَا الناسُ أم لا

وهذا كنحو قول زهير:

وما أَدْرِي وسوفَ إخَالُ أَدْريأقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ؟
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

ألا تراه يقول بهد هذا:

وكَثِيرٌ من السُّؤالِ اشْتِيَاقٌوكَثيرٌ من رَدَّهِ تَعْلِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

فهذه طريقة للشعراء؛ يظهرون التجاهل بالشيء وإن كانوا يعرفونه، وهذا من نحو

قول أبي تمام:

ومكَارِماً عُتُقَ النَّجَارِ تَليدةًإنْ كانَ هَضْبُ عَمَايَتَيْنِ تَلِيدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

ألا تراه أدخل الكلام شرطا، فأوقع في لفظه شكا؟ لأن أحدا لا يجهل أن هضب عمايتين قديم تليد غير معروف الأول. ومن خاص كلام العرب، ونظر إلى تصرفها، ومذاهبها، وإشاراتها، أجاز ما منع غيره، ومنع ما يجيزه. أولا ترى إلى قول بشر:

أُسَائِلُ صَاحَبَيَّ وقد أَرَانيبَصسِراً بالظَّعَائنِ حيثُ سَارُوا

وله أشباه كثيرة.

وأقول: هذا التمثيل غير صحيح! أما بيت أبي الطيب فتفسيره البيت الذي يليه؛ يقول: نسأل عن طريق نجد ونحن أعلم به، وإنما نفعل ذلك لأن من السؤال اشتياقا؛ أي: لشوقنا نفعل ذلك؛ ولأن من رد السؤال تعليلا؛ أي: لنتعلل به، فليس ذلك لتجاهل.

وأما بيت أبي الطيب الذي مثله به وهو قوله:

شِيَمُ الغَانِيات فيها.........

وقول زهير:

ومَا أَدْرِي...............

فلا خلاف أنهما تجاهل وتشكك ليقرب أحد الشيئين من الآخر، إذ أراد هجوهما فقرب الدنيا من الغانيات لتغيرها وتنقلها، وقرب آل حصن من النساء لعجزهم وضعفهم.

وأما بيت أبي تمام وهو قوله:

ومَكَارِماً عُتُقَ النَّجَار............

فليس من قول زهير في شيء، وأنه أراد به التشكك والتجاهل، بل أراد التحقيق

والإثبات بقياس مركب من مقدمتين:

الأولى شرطية وهي قوله: إن كان هضب عمايتين قديما.

والأخرى: حملية محذوفة وهي أن هضب عمايتين قديم.

فنتج من هاتين المقدمتين أن مكارم الممدوح قديمة، وهذا تحقيق - كما ترى - لا تشكيك.

وأما بيت لشر وهو قوله:

أسائِلُ صَاحَبَيَّ...............

فلم يرد التجاهل، وإنما سألهما عن الظعائن، وهو عالم بهن، تعللا (بهن) واشتياقا إليهن، كقول أبي الطيب:

وكثيرٌ من السُّؤال اشْتِيَاقٌ.........

أو حبا لذكرهن، ولهجا بالحديث عنهن؛ كقول أبي الشيص:

......... حُباً لذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ

وقول أبي نواس:

ألا سَقَّنِي خَمْراً وقُلْ لي هي الخَمْرُ.........

وقوله:

وإذا العَذْلُ في النَّدَى زار سَمْعاًفَفِداهُ العَذُولُ والمَعُّولُ

قال: أي: المعذول الذي يدخل العذل سمعه لا غيره ممن يرد العذل.

فقيل له، على هذا التفسير: فينبغي للمتنبي أن يقيد هذا في لفظ البيت ليأمن نقصان العبارة واللبس بنقصان المعنى.

وأقول: إن قوله: لا غيره ممن يرد العذل ليس بشيء! وإنما يريد: إذا زار العذل سمع إنسان؛ أي: استمعه ولم يصم عنه، إذ استماعه منقصة ولوم، ففداه العذول

لأنه لا يسمع منه، والمعذول لأنه ليس كهو في استماع العذل. وهذا المعنى

مطروق، كثير؛ منه قول بعض بني حميد:

أَصَمًّ عن الكَلِمِ المُحْفِظاتِوأحْلُمُ والحِلْمُ بي أشْبَهُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أصم عن الكلم المحفظات»

وضده قول قعنب:

صُمٌّ إذَا سَمِعوا حَيْراً ذُكِرْتُ بهوإنْ ذُكِرْتُ بِشَرًّ عندَهُمْ أَذِنُوا

وقوله:

أنت - طُولَ الحَيَاةِ - للرَّومِ غَارٍفَمَتَى الوَعْدُ أنْ يكونَ القُفولُ

لم يقل ابن جني في هذا البيت شيئا.

وقال غيره: إذا جعله طول الحياة غازيا فلا قفول له إلا بالموت. فقوله: فمتى الوعد هاهنا ليس بحسن.

وأقول: لو قال:

أنْتَ غَارِ للرُّوم في كل وَقْتٍسَائرٌ والمسِيرُ منكَ قُفُولُ

لحسن اللفظ وسلم المعنى.

وقوله:

مُحِبَّي قَيَامي ما لذلكمُ النَّصْلِبَريئاً من الجَرْحَى سَليماً من القَتْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محبي قيامي ما لذلكم النصل»

قال: معناه: يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بمنصلي أعدائي ولم اقتلهم؟!

قال الوحيد: ليس هذا أراد الرجل، ولو أراده لقال، بدل قيامي، مقامي والوزن واحد، ولكن قيامي هاهنا من قمت بالأمر ولذلك سمي القائم المنظر. يقول: يا من يحب نهوضي بالأمر، ما لكم لا تخرجون معي وتساعدونني حتى نجرح أعداءنا ونقتلهم؟

وقوله:

هَا فانْظُري أوْ فَطُنَّي بي تَرَيْ حُرَقاًمن لَمْ يذُقْ منها فَقَدْ وَأَلاَ

قال: أي: إن لم تريني أهلا أن تنظري إلي ففكري في تري من أمري كيت وكيت.

وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يقول: تنبهي فانظري - من النظر الذي هو طلب الرؤية - أو فظني - من الظن الذي هو اليقين كقول دريد:

فقلت لهم: ظُنُّوا بأَلْفيْ مُدَجَّجٍ.........

أي: أيقنوا.

وتري: يحتمل أن يكون من رؤية العين، ويكون جواب فانظري: أي: فانظري تري.

و (أن) يكون أيضا، جواب فظني.

ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، ويكون أيضا، جوابا لهما.

يقول: تري حرقا عظيمة؛ (يعني: حرقه)؛ من لم يذق اليسير منها فقد نجا، والذي ذاق اليسير لم ينج، فكيف بمن ذاق العظيم منها؟! وهذه مبالغة عظيمة كما ترى.

وقوله:

كَمْ مَهْمَه قَذَفٍ قَلْبُ الدَّليلِ بهقَلْبُ المُحِبَّ قَضَاني بعد ما مَطَلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قال: يريد شدة رعب سالكه.

وأقول: قد أخذ على أبي الطيب قوله:

......... قلبُ المُحِبَّ......

وقيل: كان ينبغي أن يقول: إذا كان على رقبة من واش، أو اتقاء من غائر ونحو ذلك.

وأقول: هذا غير لازم، بل قلب المحب قلق على الإطلاق، فلا يحتاج إلى التقييد، وقوله:

............ قَضَاني بعد ما مَطَلاض

من قول أبي نواس:

من للجذاع إذا المَيْدَانُ ما طَلَهابشَأوِ الغَايَاتِ قَد قَرَحَا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا»

وهما من قول كثير:

قَضَى كلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُوعَزَّهُ مَمْطولٌ مُعَنَّى غَرِيمُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفت غيقة من أهلها فحريمها»

وقوله:

أَحْبَبْتُ برَّكَ إذْ أَرَدْتُ رَحِيلاَفَوَجَدْتُ أكثرَ ما وَجَدْتُ قليلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
ورأَيْتُ أنك في المَكَارِم رَاغبٌصَبٌّ إليها بُكْرَةً وأصيلا
فَجَعَلْتُ ما تُهْدي إِليَّ هَدَّيةًمنَّي إليكَ وظَرْفَها التَّأمِيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
بِرٌّ يَخِفُّ على يَديكَ قَبُولُهُويكونُ مَحْملُهُ عَليَّ ثَقِيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: هذا البيت يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يكون أهدى إليه شيئا كان أهداه إليه صديقه الممدوح؛ فيكون هذا استعمالا لما ركبه ابن الرومي في قوله:

أيُّ شيءٍ أُهْدي إليك وفي وَجْهِكَ من كُلَّ ما تُهُوديَ مَعْنَى
منك يا جّنَّةَ النَّعِيمِ الهَدايَاأفَأُزْجِي إليْكَ ما مِنْكَ يُجْنَى

إلا أن المتنبي أخبر أنه أهدي إليه ذلك الشيء بعينه، وابن الرومي قال: كيف أهدي إليك ما من عادة مثله أن يهدى منك، فبينهما فصل لطيف، فهذا أحد المعنيين.

والمعنى الآخر أن يكون أراد أني جعلت ما من عادتك أن تهديه إلي وتزودنيه وقت فراقك هدية مني إليك؛ أي: أسألك أن لا تتكلفه لي.

والقول الأول أشد اتساقا وأظهر، والقول الثاني أقوى وألطف.

وأقول: انظروا - هداكم الله - إلى إرسال عنانه في الضلال، وإقامته لصور المحال، وذكره لهذين الوجهين القبيحين اللذين لم يصدرا إلا عن قبح فهم، وخبط

في ظلم الشك ورجم. وما العجب من تفسيره هذا وحده بل العجب من الجماعة الذين جاءوا بعده يقتصون في ذلك أثره، ويسلكون سبيله!

والمعنى أني أحببت برك إذ أردت الرحيل عنك، يخاطب الممدوح، فوجدت أكثر ما وجدت من المال، ومما يحسن أن يهدى قليلا بالإضافة إلى ما يصلح وما يكون على قدرك. ورأيت رغبتك في المكارم، فجعلت الذي تهديه إلي هدية مني إليك لأنك ترى وتعتد الذي تعطيه كأنك تعطاه، وهذا من قول زهير:

......... كأنك تُعْطِيِهِ الذي أنت سائِلُهْ

وقد بَسَطتُهُ في مَوْضِعٍ آخر من هذا الكتاب بسطا تاما، وذكرت ما جاء من قوله مثلا له.

وقوله:

فَما وَرَدَتْ رُوحَ امْرِئ رُوحُهُ لهولا صَدَرَتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

قال: إذا وَرَدَت السُّيوفُ رُوحَ امرئ، كانت أملك بها منه وصار، إن كان باخلا، كأنه غير باخل؛ لأنها ق نالت منه ما بغت.

وأقول: معنى قوله:

فما وَرَدَتْ رُوحَ اْمرِئ روحُهُ له.........

أي: إن السيوف إذا وردت روح امرئ غلبت عليها؛ أي: أخذتها. وقوله:

... ولا صَدَرتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخِلُ

أي: لأنها تخرجه عن صفة البخل بخروجه عن صفة الحياة والموت، لأنه إنما يوصف بالبخل من يوصف بالحياة فصفة الحياة مصححة لصفة البخل، فإذا مات خرج عن الصفتين.

وقوله:

رأيتَ ابنَ أمَّ المَوْتِ لو أن بأسهفَشَا بَيْنَ أهْل الأرْضِ لا نَقَطَعَ النَّسْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

قال: أي: لأن الناس كان يفتل بعضهم بعضا.

وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما أراد المبالغة في وصف شجاعته. يقول: هو يخفي من بأسه بقيا على الناس من خوفه، لئلا ينقطع النسل (بإفشائه) وانقطاعه، إما بأن يكون بإسقاط قواهم عن الجماع لشدة الخوف، وإما بإهلاكهم، وهو أبلغ من الأول.

وقوله:

وله في جَماجِمِ المالِ ضَرْبٌوقعُهُ في جَماجِمِ الأَبْطَالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال: أي يهب المال فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال.

فيقال له: هذه عبارة غير مرضية، والمعنى ما ذكرته في شرح الواحدي.

وقوله:

فحَلَّ كَلاَّبي وَثَاقَ الأحْبُلِ

قال: وثاق، جمع وثيق، مثل: طويل وطوال. فأما الوثاق فمصدر، وقد تكسر الواو.

فيقال له: الكلب المعلم لا يحتاج إلى الأحبل الوثيقة، ويكفيه حبل واحد، فلا يكون وثاق الأحبل جمعا، كما زعمت، ولا مصدرا؛ لأنه في معنى الجمع لإضافته إليه؛ بل الوثاق، ما يشد به كالعقال والزمام؛ واحد (لا جمع) وإضافة إلى الأحبل.

فإن قال: فقد قال فيما بعد:

عن أشْدَقٍ مُسَوْجَرٍ مُسَلْسَلِ

وهذا يدل على صعوبة الكلب فيقال: يكفي مع السلسلة والساجور - وهو عصا تجعل في عنق الكلب - حبل واحد فلا حاجة إلى الزيادة على ذلك.

وقوله:

آثارُهَا أمثَالُهَا في الجَنْدَلِ

قال: هذا من إغراقاته التي ذكرت؛ لأنه لم يوصف كلب قط بمثل هذا من ثقل

الوطء، وإنما جاء هذا عنهم في آثار الخيل والإبل، قال أبو النجم:

يُغادرُ الصَّمْدَ كظَهْرِ الأجْزَلِ

(فيقال له: لم يرد ثقل الوطء كما ذكرت، بل خشونة القوائم. وقولك: وإنما جاء هذا (عنهم) في آثار الخيل والإبل غير صحيح، بل إنما جاء صفة لحوافرهن وخفافهن بالصلابة لا بثقل الوطء). وليس من الإغراقات وصفه بثقل الوطء، بل بالسرعة والخفة حتى إنه يوصف بالطيران كقول أبي نواس:

يَكادُ عندَ ثَمَلِ المِرَاحِيَطِيرُ في الجَّو بلا جَنَاحِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد أغتدي في فلق الإصباح»

وإذا وصف بذلك، لم يكن له أثر في الأرض البتة، كقوله في صفة براثنه:

ينشطُ أُذْنَيْهِ بهنَّ نَشْطَا

فَمَا يَقَعْنَ إِلاَّ فَرْطَا

أي: إلا بعد حين. يقول: كأنه يطير كقول كعب:

......... وقعُهُنَّ الأرْضَ تَحْلِيلُ

وقوله:

ذِي ذَنَبٍ أجْرَدَ غَيْرِ أَعْزَلِ

يَخُطُّ في الأَرْضِ حِسَابَ الجُمَّلِ

كأَنَّهُ من جِسمِهِ بِمَعْزِلِ

قال: هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه ويتميز عنه، وقد لاذ فيه بقول ذي الرمة إلا أنه تجاوزه:

لا يَذْخَرانِ من الإيغَالِ باقيةًحتى تكادَ تَفَرَّى عنهُما الأهُبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقول أبي نواس:

تراهُ في الحُضْرِ إذا هَاهَا بِهِ

يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ من إهابِهِ

فهذا ذكر الجلد، وهو ذكر جميع الجسم.

فيقال له: ليس الضمير في قوله كأنه راجعا إلى الكلب حتى تفسره هذا التفسير، وتقرنه بذلك النظير، وإنما الضمير راجع إلى الذنب، والذي يدل عليه ما قبله وما بعده، وإنما أنت في كثرة الكلام وقلة الصواب كقولهم في المثل: أسمع جعجعة ولا أرى طحنا.

وقد غلط، أيضا، في البيت الذي يليه وهو قوله:

لو كانَ يُبْلي لسَّوْطَ تَحْرِيكٌ بَلِي

فجعله صفة للكلب ففسره بقوله: أي: هو كالسوط في الصلابة والجذل فلا يؤثر في السوط التحريك. وإنما هو صفة للذنب.

وقوله:

كأنَّما قَدُّهَا إذَا انْفَتَلَتسَكْرانُ من خَمْرِ طَرْفِها ثَمِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: أي: يتثنى قدها كأنه نشوان لأنه نظر إلى طرفها فسكر.

وأقول: قوله: لأنه نظر إلى طرفها فسطر كلام واهن القوى، واهي العرا، وإنما ينبغي أن يقال: وصفها بشيئين؛ بحسن القد، وحسن الطرف، فجعل قدها، لتثنيه، كأنه ثمل، وطرفها، لإزالته العقل، كأن فيه خمرا شرب (منه) قدها فمال سكرا، وهذا مذهب غريب، وطريق عجيب، أرى أن يكون من صناعة البديع، وينضم إلى التكميل وذلك أنه كمل الوصف بأن جعل المشبه والمشبه به كليهما منها. أو يزاد في صنعة البديع ويسمى التوشيع. وهذا مثل قوله في خلعة خلعها عليه سيف الدولة:

فكأنَّ صِحَّةَ نَسْجِهَا من لَفْظِهِوكأنَّ حُسْنَ نَقَائِها من عِرضِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فعلت بنا فعل السماء بأرضه»

وقد جاء مثل هذا لبعض أهل العصر في بعضه:

حَسُنَتْ لنا أخْلاَقُهُ فكأنَّهَامن ذِكْرِهِ في النَّاسِ أو أشْعَارِهِ

وقوله:

يَجْذِبُهَا تَحْتَ خَصْرْهَا عَجُزٌكأنَّه من فِراقِهَا وَجِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: وهذا البيت نسيب الأول، ولقد أحسن فيهما وعذب لفظه. يقول: كأن عجزها وجل من فراقها، فهو متساقط متحرك قد ذهبت منته وتماسكه.

وأقول: هذه عبارة واهية قد ذهبت منتها وتماسكها!

ومعنى قوله:

......... كأنَّهُ من فِراقِهَا وَجِلُ

قيل فيه: إن العجز لما كان مرتجا مضطربا شبه بإنسان عاشق لها خائف من فراقها فهو يضطرب لذلك؛ يريد ارتجاجه.

والذي عندي في هذا، أن الوجل العجز نفسه على وجه المجاز والاستعارة. وذلك أنه لما كان خصرها (خفيفا) دقيقا نحيلا، وعجزها ثقيلا نبيلا، وهو يجذبها إذا أرادت القيام، فكأنه خاف أن ينفصل منها فوجل لذلك فاضطرب بارتجاجه.

وقوله:

جَرْدَاَء مِلءْ الحِزَامِ مُجْفَرَةٍتَكونُ مِثْلَيْ عَسِيِبهَا الخُصَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قد أخذ على أبي الطيب قوله:

... مِلءِ الحِزَامِ مُجْفَرةٍ.........

وقيل: مجفرة في معنى: ملء الحزام، فالصفتان شيء واحد فلو اجتزأ بإحداهما وجاء بصفة تخالف الأخرى لكان أحسن له.

وأقول: لو قال:

... مِلءْ الحزَامِ ضامرةً.........

نصبا على الحال، أي: في حال ضمرها ودقتها تكون ملء الحزام، لزاد المعنى

زيادة ظاهرة حسنة.

وقوله: ملء الحزام من قول أبي نواس:

......... مِلْءِ الحَبَالِ كأنَّهَا قَصْرُ

وقوله:

وكان مَسيرُ عِيسهِمُ ذَميلاًوسَيْرُ الدَّمعِ إثرَهُمُ انهِمَالا

قال: أي سبقت دموعي عيسهم وجاوزت حدها.

وأقول: لم يرد أبو الطيب أن عيسهم سارت وسارت دموعي تسابقها في السير فسبقتها، ولو أراد ذلك لكان - لعمري - معنى سائغا بالغا، ولعله أراده! والظاهر أنه

وصف عيسهم بالجد في السير، ووصف نفسه بالجد في البكاء، وأن جده في ذلك أكثر من جدهم. وجعل صفة الانهمال في الانحدار أوفى من صفة الذميل في السير.

وقوله:

وضفَّرْنَ الغَدَائِرَ لا لِحُسْنٍولكِنْ خِفْنَ في الشَّعَرِ الضَّلالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال: الغدائر: الذوائب. قال امرؤ القيس:

......... تَضِلّ العِقَاصُ في مُثَنى ومُرْسَلِ

فجعل أن العقاص تضل في الشعر، وهذا جعلهن يضللن فيه، فزاد على ذكر العقاص.

وقيل: هو المدرى.

وأقول: إن الضلال يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يكون الضلال الغيبة من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض) أي: غبنا.

والآخر: أن يكون ضد الهداية، وهو الحيرة.

والبيت يحتمل المعنيين، فإن أريد به الغيبة عني به الكثرة؛ يريد: فخفن أن يغبن في

شعورهن لكثرتها. ولو أريد به الحيرة عني به شدة السواد وتشبيهه باليل؛ يريد: فخفن أن يحرن فيه لشدة سواده. وبيت امرئ القيس فيه الوجهان كالأول، (والغيبة فيه أولى.)

وقوله:

سِنَانٌ في قَنَاةِ بني مَعَدًّبَني أَسَد إذا دَعَوُا النَّزَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه: أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء: يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع مقام سنان مركب في قناتهم؛ لأنهم إذا دعوهم أغنوا عنهم.

(وأقول:) قال الواحدي: هذا تكلف وتمحل كلام من لم يعرف وجه المعنى! والمتنبي يقول: الممدوح سنان في قناة العرب الذين هم بنو معد، ثم خصص فأبدل من بني اسد، فكأنه قال: سنان في قناة بني أسد عند الحرب إذ أسد من ولد معد؛ فلهذا جاز إبدالهم من بني معد لاشتمالهم عليهم.

وقوله:

يَعْلَمْنَ ذاكَ ومَا عَلِمْتِ وإِنَّماأولاكُمَا يِبُكى عليه العَاقِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي: منازل الحزن بقلبي تعلم ما يمر بها من ألم الهوى، وانتن تجهلن ذلك.

وأقول: هذا القول ليس بشيء!

والمعنى: أن منازل الهوى في الفؤاد، اللاتي هن منازل لمنازل الأحبة يعلمن ما تجهله منازلهن من أن لهن في الفؤاد منازل، وأنهن مقفرات من الأحبة، و (أن) منازل الفؤاد منهن أواهل.

(وقوله: ذاك إشارة إلى المنازل في البيت قبله وهذا تفسيره)

وقوله:

لو لَمْ يَخَفْ لَجَبَ الوُفُودِ حَوالَهُلسَرَى إليه قَطَا الفَلاةِ النَّاهِلُ

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.