تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح أبي العلاء المعري الموسوم باللامع العزيزي

﷽

هذه مآخذ على الشّيخ أبي العلاء المعرّي في شرحه ديوان أبي الطّيب المتنبي، المعروف باللاّمع العزيزي:

فمن ذلك في قوله:

أنساعها ممغوطة وخفافهامنكوحة وطريقها عذراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

جعل الطريق عذراء، والعذراء هي التي جرت العادة بأن تنكح، وهي هاهنا ناكحة لأنّها التي أدمت الخفاف.

فيقال: العذراء من النّساء التي لم تفتضّ، فجعل هذه الطريق التي لم تسلك، بمنزلة المرأة التي لم تفتضّ، وجعل ناقته مفتضّة منكوحة، بملاقاة حصى المعزاء والظّرّان التي هي في الطّريق كقول لبيد:

بجسرة تنجل الظّرّان ناجيةإذا توقّد في الدّيمومة الظّرر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «راح القطين بهجر بعدما ابتكروا»

والمعنى، إنه يصف نفسه بكثرة سيره في الفلوات الموحشة، التي لم يسلكها أحد قبله، وتلك من شيم اللّيالي.

وقال في قوله:

جمد القطار ولو رأته كما رأىبهتت فلم تتبجّس الأنواء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الأجود أن تكون الأنواء فاعلة رأته، ويجوز أن يكون العامل فيها الفعل المتأخّر وهو تتبجّس، والأول مذهب الكوفيّين، والثاني مذهب البصريين.

وأقول: بل الأجود أن تكون الأنواء فاعلة تتبجّس لأنّها تليها، وكلا الفعلين متوجّه إليها. ويجوز أن تكون الأنواء مرتفعة ببهتت مفعولا لم يسمّ فاعله.

وقال في قوله:

وتنكر موتهم وأنا سهيلطلعت بموت أولاد الزّناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

إثبات الألف في أنا هو عند بعض النّاس ضرورة، لأن هذه الألف لا تثبت إلاّ في

الوقف.

وكان محمد بن يزيد يتشدّد في ذلك، ولا يجيزه وقد جاء في مواضع كثيرة، من ذلك قول الأعشى:

فكيف أنا وانتحالي القوافي بعد المشيب كفى ذاك عارا

وقول حميد بن بحدل:

أنا زين العشيرة فاعرفونيحميد قد تذرّيت السّناما

وأقول: قول الشّيخ: إثبات الألف عند بعض النّاس ضرورة أن كان يريد ببعضهم الآخر، إثباتها من غير ضرورة فصواب، وإن كان يريد أن إثباتها لا يجوز، لا في الكلام ولا في الشّعر، فذلك خطأ على خطأ، وذلك إنها قد جاءت في القرآن في قوله تعالى: (لكنا الله هو ربي) بحذف الهمزة من أنا والإدغام وإثبات الألف، وهي قراءة ابن عامر. وفي قوله تعالى: (أنا أحيي) بإثبات الألف من أنا فكيف لا يجوز المبّرد إثباتها في الشعر، وهو موضع ضرورة، وقد جاءت فيما لا ضرورة فيه؟

وقال في قوله:

وكلّ نجاة بجاويّةخنوف وما بي حسن المشي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال: البجاويّة منسوبة إلى البجاة، ويقال: إنه اسم جيل من النّاس.

وقيل: بل البجاة البلد، ولهم نجب موصوفة. ويجب أن يكون قوله: بجاوية منسوبة

إلى على غير قياس، لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل بجوي.

وأقول: أن الجوهريّ ذكر أن البجاوية تنسب إلى بجاء، قال: وبجاء اسم قبيلة، والبجاويات من النّوق تنسب إليها، فعلى هذا تكون منسوبة على قياس.

وقال في قوله:

وأمست تخبّرنا بالنّقاب وادي المياه ووادي القرى

النّقاب: من قولهم: ورد الماء نقابا، أي: لم يشعر حتى هجم عليه. وقد بالغ في صفة النّجائب، وأخبر إنها تعلم الرّكبان بمكان المياه، فهي أعلم بها منهم.

وأقول: الرواية الكثيرة: تخيّرنا بالياء منقوطة باثنتين من تحتها. والمعنى أن الإبل أوصلتنا إلى النّقاب، وفيه طريقان، إحداهما إلى وادي المياه، والأخرى إلى وادي القرى، فأيّا شئنا سلكنا، وكلاهما يؤدي إلى المقصود ويحصّل الغرض في السيّر.

(والنّقاب: يحتمل أن يكون جمع نقب.)

وقال في قوله:

وقلنا لها أين أرض العراقفقالت، ونحن بتربان، ها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

تربان: موضع، وذكره يتردّد في الشعر، قال النّابغة:

أو ذو وشوم بحوضى بات منصلتايقرو الدّكادك من تربان والأكما

وأقول: ليس هذا البيت كما أنشده، ولا فيه ذكر تربان، وهو مركّب من نصفي بيتين للنّابغة، الأول منهما من قوله:

أو ذو وشوم بحوضي بات منكرسافي ليلة من جمادى أخضلت ديما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانَتْ سُعادُ، وأمْسَى حَبلُها انجذما،»

والآخر منهما من قوله:

حتّى غدا مثل نصل السيّف منصلتايقرو الدكادك من نيّان والأكما

وقال في قوله:

وجابت بسيطة جوب الرّداء بين النّعام وبين المها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

المها: بقر الوحش، سميّن بذلك لبياض ظهورهنّ، ويصفون الأشياء البيض بمها، والمها: البلّور، ويقال للأسنان مها، قال المسيّب (بن علس):

ومها يرفّ كأنّه إذ ذقتهعانيّة شجّت بماء يراع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»

ويجعلون الشّمس مهاة، قال الشاعر:

وبيضاء لم تطبع ولم تدر ما الحياترى أعين الفتيان من دونها خزر

قال أبو الصلّت الثّقفي:

ثم يجلو الظلام ربّ قديربمهاة لها ضياء ونور

فيقال: أن العرب وضعت أسماء لمسميّات، وكأنّها في أصل وضعها للتّشبيه، فقالوا لبقرة الوحش مهاة، لبياضها، وقالوا للمرأة مهاة، على وجه التّشبيه لا على إنه اسم لها كالمهاة للبقر. وكذلك يقال في بيت المسيّب:

ومها يرف.........

يعني الثّغر، إنه شبّهه بالمها، لبياضه وصفائه.

وكذلك إذا جعلته درا فقال: رأيت درا، أو أعجبني درّ، ولم يذكر الموصوف، ولا في الكلام ما يدلّ عليه، كما تقول: هذا ثغر، وأعجبني ثغر، لم يجز إلاّ على التّشبيه.

وكذلك يقال في بيت أبي الصلّت، إنه شبّه الشّمس لبياضها وصفائها بالمهاة، فجعلها مهاة على طريق المجاز والإغراق، لا أن تكون المهاة من أسمائها، كما أن من

أسمائها الجونة. وهذه الطريقة في المجاز واسعة كثيرة في أشعارهم، ويراد بها التّشبيه، من ذلك قول امرئ القيس:

كأنّي بفتخاء الجناحين لقوةعلى عجل منّي أطأطئ شملالي

فجعل فرسه عقابا على وجه التّشبيه.

ومثله قول أبي الطّيب:

وفي اكفّهم النّار التي عبدتقبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

جعل السيوف نارا، وإنما تشبّه بالنار. وقال في قوله:

ولاح لها صور والصّباحولاح الشّغور لها والضّحى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

ذكر عن أبي الفتح ابن جنّي، إنه قال كلاما معناه: صور لا يعرف في المواضع وإنما المعروف صورى. وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والممدود، وإنما أراد المتنبي: صوار فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها.

وقد

ذكر الفرزدق هذه المواضع في شعره فقال:

فما جبرت إلاّ على عنت بهاقوائمها إذ عقّرمت يوم صوأر

هذا وأقول: أما قول ابن جني. أن صور لم يعرف في المواضع، فمحتمل أن يكون الاسم صور لهذا الموضع ولم ينقل، كما إنه يكون بعض أسماء النّاس، لم ينقل لكثرة المواضع وكثرة النّاس.

وأما الوجه الذي ذكره الشيخ أبو العلاء فظاهر محتمل.

وصور من غير حذف الهمزة شاذّ، لتحرّك الواو وانفتاح ما قبلها، ولم تقلب ألفا، والشذوذ كثير في الأعلام، نحو محبب وموظب. وصوأر: فوعل، ولا يكون فعأل ولا فعلل، لأن زيادة الواو فيه أولى من زيادة الهمزة، وإذا ثبت (ذلك) فلا يكون فعلل، لأن الواو مع ثلاثة أصول لا تكون إلاّ زائدة.

وقال في قوله:

فيا لك ليلا على أعكشأحمّ البلاد خفيّ الصّوى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وردنا الرّهيمة في جوزهوباقيه أكثر مما مضى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قد اختلف في الضّمير في جوزه فقيل: هو راجع إلى أعكش المكان، أي:

وردنا الماء الذي هو الرّهيمة في جوز اعكش. ولا يجعل الضمير اللّيل، لئلاّ يتناقض، لقوله:

....... وباقيه أكثر مما مضى

فلا يكون الورود في جوزه إذ لم يحصل التّساوي الذي يقتضيه الوسط.

وقال الشّيخ أبو العلاء: وبعض من لا علم له بالعربية، يسأل عن هذا البيت، ويظنّ إنه مستحيل، لأنه يحسب إنه لمّل ذكر الجوز، وجب أن تكون القسمة عادلة في النّصفين فيذهب إلى أن قوله:

......... وباقيه أكثر ممّا مضى

نقض الكلام المتقدّم، وليس الأمر كذلك، ولكنه جعل ثلث اللّيل الثّاني كالوسط، وهو الجوز، ثم قال:

......... وباقيه أكثر مما مضى

كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه، وبقي ثلاثة أرباعه أو أكثر، وهذا بيّن واضح. والهاء في باقيه يجوز أن ترجع إلى الجوز، وإلى اللّيل.

وأقول: الأولى أن يقال في هذا: أن مقاربة الشيء تستعمل بمعنى الوصول إليه، والحلول فيه كقوله تعالى: (وإن منكم إلاّ واردها)، جعل مقاربة جهنّم

والإشراف عليها ورودها،

(منها قولهم في التّأكيد: جاء الجيش اجمع، وجاءت القبيلة احترازا من أن يكون بقيت منها بقيّة). فيكون، على قوله، في جوزه الضمير راجعا إلى اللّيل في البيت الذي قبله، ويكون الورود قريبا من جوز الليل (أو بقيت منه بفيّة فكأنه في جوزه، وصحّ أن يقول:)

......... وباقيه أكثر مما مضى

على هذا التّفسير، ولا يكون نقضا للأول. وإنما أوقع الشيخ في هذا التّقدير، جعل الضّمير في ماضيه راجعا إلى جوزه، والصحيح الذي يصحّ به المعنى، إنه راجع إلى اللّيل كما تقدّم.

وقال في قوله:

فلمّا أنخنا ركزنا الرّماح فوق مكارمنا والعلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

أي: أسندناها إلى شيء، كما جرت العادة، وكأنه ذهب بهذا القول إلى انهم لم يكن معهم شيء تركز إليه الرّماح، لأنها يعتمد بها المكان العالي، فركزوها فوق مكارمهم، لأنّها رفيعة عالية.

وأقول: ليس الرّكز الإسناد، ولكن الرّكز القيام في الأرض، والإسناد القيام إلى شيء على الأرض. فقوله: أي أسندناها إلى شيء كما جرت العادة وكذلك قوله: كأنه ذهب في هذا القول، إلى أنهم لم يكن معهم شيء يركزون إليه الرماح ليس

بشيء! والجيّد أن يقال في قوله:

...... ركزنا الرّماحفوق مكارمنا

أي لم نركزها فوق الأرض، كما جرت به العادة، بل فوق مكارمنا وعلانا الرّفيعة العالية، يريد بذلك الإغراب في المعنى، والمبالغة كعادته الجبارية.

وقال في قوله:

بها نبطيّ من أهل السّواديدرّس انساب أهل الفلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

يعرّض بالوزير أبي الفضل بن الفرات، لأنه لم يحظ عنده بطائل.

ويقال: أن القصيدة الرّائية التي في ابن العميد:

...... وأيّ خلق كبّرا

كانت فيه، وكان قد نظمها على قوله:

لأيّ كف بشّرتبابن الفرات

وبناها على قوله: جعفرا

وأقول: هذه القصيدة الرائية، فيها مواضع، تدلّ على أن اصل وضعها في ابن العميد منها قوله:

أرجان أيّتها الجياد............

ومنها قوله، يصفه بأنه من العلماء الفلاسفة:

من مبلغ الأعراب أنّي بعدهاشاهدت رسطاليس والاسكندرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
وسمعت بطليموس دارس كتبهمتملّكا متبديّا متحضّرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

كما وصفه في القصيدة الدّالية بأنه من الفلاسفة، في قوله:

عربيّ لسانه، فلسفيّرأيه، فارسيّة أعياده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

ومنها قوله:

تركت دخان الرّمث في أوطانهطلبا لقوم يوقدون العنبرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

وذلك أن الرمث مرعى من مراعي الإبل، وقد يستعمل وقودا، ولد دخان أسود إلى الغبرة، يقال: بعير أورق كدخان الرّمث، والإبل ومراعيها تختصّ بالعرب التي تركت ناقة أبي الطّيب بلادهم، ومصر من بلاد العرب، فالذين يوقدون العنبر هم الفرس في بلادهم.

وقال في قوله:

وشعر مدحت به الكركدنّ بين القريض وبين الرّقى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

الكركدنّ: لفظة ليست بالعربية، وليس لها اصل في كلامهم، وقد كثرت الأحاديث عن الكركدنّ. والذي ذكر ابن الأعرابي، إنه دابّة أصغر من الفيل، له قرن واحد، وزعم إنه يسمى الهرميس وأنشد:

بالموت ما عيّرت يا لميس

قد يهلك الأرقم والفاعوس

والأسد المذرّع الحؤوس

والفيل لا يبقى ولا الهرميس

وقول أبي الطّيب:

....... بين القريض وبين الرّقى

كأنه ممزوج منهما، أي: أردت خديعته به.

وأقول: إنما شبّهه بالكركدّن، لعظمه بالسّمن وثقله، لقوله في قوله:

عيد بأيّة حال عدت يا عيد ............

أن امرءا أمه حبلى تدبّرهلمستضام سخين العين مفؤود

وقول الشيخ في قوله:

......... بين القريض وبين الرّقى

أي: أردت خديعته به ليس بشيء!

ولو قال: أردت السلامة منه به، لأنّ ذلك فعل الرّقى، لكان أولى.

وقال في قوله:

أسامرّيّ ضحكة كلّ راءفطنت وأنت أغبى الأغبياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أسامري ضحكة كل راء»

سامرّاء اسم محدث سمّي بشيء فغيّرته العامّة، لأن الذي سمّاها جعلها: سر من رأى، فثقل ذلك على السن العوامّ، فغّيروه إلى ما هو عكسه، وانشدوا لعبد الله بن سعيد الأموي، وكان من أهل العلم:

لعمري ما سررت بسرّ من راولكنّي عدمت بها السّرورا!

وقال بعض المحدثين:

ما سرّ من را بسرّ من رابل هي سوء لما رآها

ومن العجائب أن البحتري سمّاها سامرّاء، على مذهب العامّة ولم يتهيّب)

الخليفة، قال:

أخليت منه البذّ وهو قرارهونصبته علما بسامرّاء

فيقال: أن الذي ابتدأ هذه المدينة واختطّها المعتصم، لكثرة الجند ببغداد، وتعسّفهم على العوامّ، وإنما سمّاها: سرّ من رأى. ولعلّ هذا الاسم غيّره عن وضعه من

جاء بعده من الخلفاء، لكونه لم تعجبه هذه المدينة، ولم توافق غرضه فسمّاها بضدّ اسمها سامرّا وحذف الهمزة من ساء كما حذفت الأخرى من رأى وأدغم النون في الرّاء فقال: مرّا. ولم يكن ذلك من فعل العوامّ.

وأما تعجّبه من البحتري، في إنشاده البيت الذي قافيته سامرّاء ولم يتهيّب في إنشاده الخليفة، فظنّ منه أن الشعر مديح في الخليفة، وهو في أبي سعيد الثّغري، ولو إنه في الخليفة فلعلّه هو الذي غيّر هذه اللفظة فلا يتهيّبه.

وقال في قوله:

سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئة وذهوب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يريد أن أهل الأرض المتقدّمين، لو كانوا باقين لم يكن المتأخرون خلقوا. وهذه مأخوذ من قول بعض الحكماء لبعض الملوك لمّا قال: ما أطيب الملك لو دام! فقال لو دام لم يصل إليك!

فيقال له: لم قلت: لو أن أهل الأرض المتقدّمين باقون، لم يكن المتأخرون خلقوا؟ وما أنكرت أن يعمّر المتقدمون، ويخلق المتأخرون، ويكونوا معهم مجتمعين، فإن ذلك غير مستحيل كما أن تعمير نوح ألف سنة، لم يمنع من خلق من خلق بعده. ومعنى قول الحكيم: لو دام الملك لم يصل إليك يريد: أن العادة الجارية في الدّنيا بتغيير الأحوال وزوال الملوك والملك كما قال ابن الزّيّات:

لا تجعلنّ، رويدا، إنها دولدنيا تنقّل من قوم إلى قوم

فلو دام الملوك، ولم تتغيّر الأحوال، لدام الملك لمن تقدّمك، ولم يصل إليك.

ومعنى بيت أبي الطّيب: أي: لو عاش أهل الدنيا، ولم يموتوا، لأدّت بهم الكثرة إلى الازدحام فيها، للامتلاء والامتناع من الحركة بالمجيء والذّهاب. وفي هذا تعزية لسيف الدولة، بكثرة من مات من الأمم الخالية، وتسلية له عن مملوكه يماك المعزّى به.

وقال في قوله:

ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

ادعاء أبي الطّيب أن الدنيا، لا فضل فيها للشجاعة، والنّدى، وصبر الفتى، لولا الموت. غير صحيح، لأن الناس لو كانوا مخلّدين، لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة.

فيقال للشّيخ: لا لبس في أن الشّجاع، لو تقدّم في الحرب، واقدم على الطّعن والضرّب، وهو على يقين من السّلامة، لم يكن له فضل في ذلك، لأنه قد وثق بالحياة، فلا يضرّه إلقاء نفسه للمهالك. فكان الناس يتساوون، فلم يكن لأحدهم مزيّة على الآخر. وكذلك يقال في الجواد، وإنه إذا تيقّن البقاء، ووثق بالسّلامة، لم يكن له فضل في العطاء، لأنه قادر على إخلافه بالإغارة على الأموال ولا يقتل، ورده بالتّجارة في البرّ والبحر، ولا يهلك، ولا يغرق. فهذا يبين لك إنما يحمد الإقدام، ويحسن السّماح، عند تجويز الهلاك. ولولا ذلك لم يكونا كذلك.

وقال في قوله:

فتى الخيل قد بلّ النّجيع نحورهاتطاعن في ضنك المقام عصيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قوله: فتى الخيل كلام فيه حذف، وإنما يريد: فتى الخيل الذي يفضل الفتيان، كما تقول: فلان رجل بني فلان، أي: هو أفضل رجل فيهم. وقد يجوز أن يكون فيهم

جماعة يقع عليهم هذا الاسم،

ومنه قول الهذليّ:

لعمر أبي لطّير المربّة بالضّحىعلى خالد أن قد وقعن على لحم

أي: لحم رجل عظيم الشأن!

ومنه حديث يروى عن رجل من اليهود رأى عليّا ﵇ يشتري جهازا لامرأة، فقال له: بمن تزوّجت؟ فقال: بفاطمة بنت محمد ﵉، فقال

اليهوديّ: لقد تزوّجت بامرأة! أي: ذات شرف عظيم، وقد علم أن هذا الاسم يقع على النساء.

وأقول: إذا قيل: زيد فتى الخيل، فالمراد: فتى فرسان الخيل، فليس في الكلام حذف غير المضاف وهو فرسان لدلالة على الحال عليه، وبما ذكره من إنها تطاعن، وهذا يفيد حذف المضاف. فلا فرق أن يقال في الإفادة: زيد فتى الفتيان، أو فتى الفرسان، وليس هذا كما مثّله في الشّعر: وقعن على لحم ولا بقوله في الحديث: لقد تزوّجت بامرأة لأن هذا الخبر لا يفيد كإفادة الاوّل، والتقدير: وقعن على لحم أيّ لحم، أي: عظيم جدا، ويراد به صاحبه. وكذلك قوله: بامرأة أي: بامرأة جدّ امرأة، أي: شريفة جدا، وعلى ذلك قوله:

أن امرءا غرّة منكنّ واحدةبعدي وبعدك في الدنيا لمغرور

أي: لمغرور جدّ مغرور، أو لمغرور جدا.

وقول الآخر:

لئن كان يهدى برد أنيابها العلالأفقر مني أنّني لفقير
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «لقد كثر الأخبار أن قد تزوجت»

أي: لفقير جد فقير، أو: لفقير جدا.

وقال في قوله:

وكيف التذاذي بالأصائل والضّحىإذا لم تعد ذاك النّسيم الذي هبّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

يقال: أصيل وآصال. قال الهذليّ:

لعمري لأنت البيت أكرم أهلهوأقعد في أفيائه بالأصائل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

وأقول: ليس أصائل جمع أصيل، بل أصائل: جمع آصال، وآصال جمع أصل، واحدا فردا، كقولهم جمل وأجمال وجمائل. قال ذو الرّمّة:

وقرّبن بالزّرق الجمائل بعدما.........

وقال في قوله:

ومن واهب جزلا ومن زاجر هلاومن هاتك درعا ومن ناثر قصبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

هلا: من زجر الخيل، أن شئت نونّت وان شئت لم تنوّن، وقد أخرجوه من زجر الخيل فاستعملوه في الآدميين، قالت ليلى الاخيلية:

أعيّرتني داء بأمّك مثلهوأيّ حصان لا يقال له: هلا

فيقال: ما أخرجوه من زجر الخيل وهي تقول:

......... وأيّ حصان لا يقال له: هلا

وإنما ذكرته استعارة، وضربته مثلا للذّكران من الآدميين، وهو على أصله ولفظه في الخيل.

وقال في قوله:

ولا تصبك اللّيالي أن أيديهاإذا ضربن كسرن النّبع بالغرب

النّبع: شجر يوصف بالصّلابة، من أشجار الجبال. والغرب: شجر ينبت على الأنهار، ليس له قوة. والعرب إذا وصفوا الحّيزين المقتتلين بالشّدة قالوا: النّبع بالنّبع يقرع، ولذلك قال زفر بن الحارث:

فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع بعضهببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

ويروى: عيدانهم، ولم يكن ثم نبع يقرع بعضه ببعض، وإنما وصف الفريقين بالشّدة والصّلابة.

وأقول: إنما قال:

فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع...............

لأنّ زفر بن الحارث من كلاب، وكلاب من مضر بن معدّ، وتغلب من ربيعة بن معد، فالفريقان بعضهم من بعض لكونهم من ولد معد بن عدنان، وقوله فيما قبل يدلّ على ذلك وهو:

وكنا حسبنا كلّ بيضاء شحمةعشيّة لاقينا جذام وحميرا

أي: حسبنا تغلب ضعفاء كجذام وحمير، وهما من ولد يعرب بن قحطان، فأنّا لما

لقيناهما وجدناهما من الضّعف بمنزلة الشّحمة

وهذا المثل السائر: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة فلمّا لقينا بني تغلب وجدناهم بضدّ ذلك من القوة والشّدة، ولم يكونوا كجذام وحمير شحمة، فقرع القنا (النّبع) بعضه ببعض كناية عن (قتال) القبليتين كلاب وتغلب، انهم بعض من بعض!

وقال في قوله:

تعثّرت به في الأفواه ألسنهاوالبرد في الطّرق والأقلام في الكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يريد أن هذا الخبر (نبا) عظيم، لا تجترئ الأفواه على النّطق به، فهذا قد يجوز أن يكون صحيحا، لأن الإنسان ربّما هاب الشيء لعظمه في نفسه. وكذلك الكاتب الذي يكتب بالخبر الشّنيع، ربّما تعثر قلمه فيه هيبة للأمر، وإنما التّعثر من الكاتب، وأمّا ادّعاؤه التّعثّر للبرد، فكذب لا محالة، لأن البريد لا يشعر بالخبر. وقد ذكر أبو الطّيب في مكان آخر، ما يدلّ على أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه، غير شاق عليه حمله فكيف بالدابّة التي لا يحكم عليها بالعقل؟! فمن ذلك قوله لعضد الدولة:

حاشاك أن تضعف عن حمل ماتحمّل السّائر في كتبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

فيقال له: ليس تعثّر البرد بحمل الخبر الذي هو نعيّ حقيقة، بل مجازا مبالغة وإغراقا. وهذا، في كلامهم أكثر من أن يحصى، فمن ذلك قول الشّماخ:

ابعد قتيل بالمدينة أظلمتله الأرض تهتزّ العضاه بأسؤق
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أبعد قتيل بالمدينة أظلمت»

وقول الآخر:

أيا شجر الخابور مالك مورقا؟كأنّك لم تحزن على ابن طريف

وقول المتنبي:

إذا ظفرت منك العيون (بنظرةأثاب بها معيي المطيّ ورازمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

على أن الشّيخ قد قال في تفسير قوله:

طربت مراكبنا فخلنا إنهالولا حياء عاقها رقصت بنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

والمراكب جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدّابة، ويجوز أن تسمّى الدابة مركبا، وكون المركب في معنى السّرج أبلغ في هذا الموضع، لأنّ الدابة حيوان، فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.

فهو كما ترى قد جعل الجماد الذي هو خشب، يرقص لفرحه. فهلاّ أجاز في الحيوان، الذي هو بريد، أن يعثر لحزنه. وكلاهما استعارة ومجاز.

وقد قال: إنما التّعثّر في الأقلام من الكاتب، فلم لا جعل التعثّر في البريد من الرّاكب لكآبته وحزنه فهو لا يهتدي الطريق، فيسلك الحزن، والوعر ضلالا، فيتعثّر فرسه فكأنّه هو المتعثّر؟

وقوله: أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه، غير شاقّ عليه خطأ، لأن مثل هذا الرّزء العظيم بهذه المرأة العظيمة، التي هي أخت سيف الدولة، لا يقال: إنه لا يشتهر موتها، فيحمل البريد بذلك كتابا لا يعلم ما فيه، فلا يشقّ عليه!

وقال في قوله:

حللتم من ملوك الناس كلّهممحلّ سمر القنا من سائر القصب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

سائر، عند البصريين، مأخوذ من سؤر الشيء (وهو بقيّته، يرون إنه يجب أن يقدّم قبل هذه الكلمة بعض الشيء) الذي هي مضافة إليه فيقال: لقيت الرّجل دون سائر بني أبيه، لأنّ الرّجل بعضهم، وكذلك قول الشّاعر:

وما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس له من سائر عاذر

لا يحسن أن يقال: لقيت اليوم سائر الناس، لأنه لم يتقدّم شيء تجعل سائر بقيّة له. وعلى هذا النّهج أكثر كلام العرب، ومنه قول الهذلي:

وغيّر ماء المرد فاها فلونهكلون النّؤور وهي إدماء سارها

أي: سائرها، وحسن ذلك لأنه قال:

وغيّر ماء المرد فاها............

ففوها: شيء قد تقدّم بكون ما بعده سؤرا له.

وقال قوم: سائر مأخوذ من سار يسير، وقولهم: لقيت سائر القوم، أي: الجماعة التي يسير فيها هذا الاسم وينتشر، وممّا جاء على هذا الوجه قول الرّاجز:

لو أن من يؤجر بالجماميقوم يوم وردها مقامي

إذا أضلّ سائر الأحلام

أي: كلّها.

وبيت أبي الطيب، على مذهب البصريين، يضعف، لأن القنا، ليس من القصب في الحقيقة. فكأنه قال: لقيت عنترة العبسيّ، دون سائر بني كلاب. وعنترة ليس منهم، والبيت على الوجه الآخر، لا كلام فيه.

فيقال له: بل القنا من القصب على الحقيقة، وهو نوع منه صلب اصلب من غيره، وهو من القصب في النّبات بمنزلة البخت من الإبل، والجواميس من البقر، في الحيوان، وإذا كان كذلك فبيت أبي الطّيب يصحّ على مذهب من جعل سائر من سار يسير وتنزل منزلة قول القائل: لقيت مسلمة المرواني دون سائر بني أمية.

وقال في قوله:

تخالف النّاس حتّى لا اتفاق لهمإلاّ على شجب والخلف في الشّجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»
فقيل تخلص نفس المرء سالمةوقيل: تشرك جسم المرء في العطب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الملحدون يزعمون أن النفس تهلك كما يهلك الجسم. وقد روي عن أفلاطون

وارسطاطاليس في ذلك أقوال، فيذكرون أن أحدهما كما يقول ببقاء النّفس الخيّرة بعد خروجها من الجسد. وأمّا الآخر فكان يقول ببقاء النفس المحمودة والمذمومة. ومن يذهب إلى هذا الوجه، يزعم إنها تكون ملتذّة بما فعلته من الخير في الدنّيا الفانية.

وأقول: ليس الملحدون مختصّين بالقول بهلاك النّفس بهلاك الجسم بل من المسلمين الموحّدين المعتقدين للبعث والنشور من يقول بذلك. وهو كلّ من يرى أن الرّوح عرض، يفتقر إلى ضرب من البنية مخصوص، وذلك أن العرض لا يقوم بنفسه، فإذا فني ما يقوم به، فني بفنائه.

وقال في قوله:

أتاهم بأوسع من أرضهمطوال السّبيب قصار العسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

وحّد السّبيب هاهنا ضرورة، لأنه كان ينبغي أن يقول: طوال السّبائب.

فيقال: ليس إقامة الواحد مقام الجمع ضرورة، ولكن توسّعا، وقد جاء ذلك كثيرا على غير وجه الضرورة، كقوله:

كلوا في بعض بطنكم تعفّوافأنّ رمانكم زمن خميص

وقول الآخر:

بها جيف الحسرى فأمّا عظامهافبيض وأمّا جلدها فصليب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

وكذلك يقال في إقامة الجمع مقام الواحد في قوله:

فشيّب أيام الفراق مفارقيوأنشزن نفسي فوق حيث تكون

وقولهم: بعير ذو عثانين.

وأشباه ذلك.

وقال في قوله:

وقد لبست دماؤهم عليهمحدادا لم تشقّ لها جيوبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحداد: الثوب الذي يلبسه الحزين، وجعل الطّير لوقوعها على هؤلاء القتلى، وأكلها لحومهم، قد اختضبت بدمائهم، فكأنّها لابسة حدادا لم تشقّ جيوبه، لأن الدّم قد عمّ جميع شخوصها، فليس منها شيء بالظاهر، وذلك ضدّ ما يجب إذ كانت مسرورة بقتلهم، والحداد إنما يلبسه الحزين.

وأقول: أن أبا الطّيب اغرب في هذه الاستعارة إغراب حذاقة في صناعة، وذلك إنه لمّا قال:

وما سكني سوى قتل الأعاديفهل من زوة تشفي الكروبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال:

تظلّ الطير منها في حديثتردّ به الصّراصر والنّعيبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

فاستعار للطّير حديثا، للمناسبة التي بينه وبين الزيارة. ثم قال: تردّ به أي: بالحديث، الصّراصر، وهي أصوات الجوارح، والنعيب، وهو صوت الغربان، وأصواتها مستعملة في النّوح وذلك كثير. وجعل تلك الزيارة ليست كغيرها من زيارات الفرح والسّرور. ولمّا وصف الطّير بالنّوح، وهو من علامة الحزين، أردفه بما يجانسه من لبسها ثياب الحداد، وهو أيضاً من شعار الحزن في قوله:

وقد لبست دماؤهم عليهمحدادا

ثم نبّه على أن ذلك الشّعار والزّيّ ليس بحزن، على الحقيقة، بقوله:

...... لم تشقّ لها جيوبا

كعادة الحزين، لأن من شأنه أن يشقّ جيبه على من يفقده من أحبابه، والمفقود هاهنا ليس من أحباب الطّير بل من أعدائها، لأن الطّير من أصحاب الممدوح، واتباعه، وعياله. فكأنها مبدية، بالنّوح ولبس الحداد، الحزن في الظاهر، وإن كانت مسرورة في الباطن.

وقال في قوله:

كأنّ نجومه حلي عليهوقد حذيت قوائمه الجبوبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

الجبوب: الأرض.

والمعنى أن الليل قد عمّ الأرض فكأنّها حذاء لقوائمه.

وأقول: إنما قال:

وقد حذيت قوائمه الجبوبا

إشارة إلى طول اللّيل بتثّبته، وتثّبطه عن الزّوال والانقضاء، لا لأنه عمّ الأرض ولكنّه جعل الأرض حذاء للّيل، وهو حذاء ثقيل لا تكاد تنقله رجله، فكأنه أمسكها عن السير والانتقال. ولهذا قال فيما قبل:

أعزمي طال هذا اللّيل............

وقال في قوله:

فشم في القبّة الملك المرجّىفأمسك بعد ما عزم انسكابا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تعرض لي السحاب وقد قفلنا»

أكثر ما يستعمل عزمت وعزم مع حرف الخفض، أو مع أن والفعل، فيقولون: عزمت على الارتحال، وإن ارتحل. إلاّ أن ذلك جائز، لأن العزم القطع والإمضاء.

وأقول: إنه ظنّ أن قوله انسكابا من قوله: عزم انسكابا: مفعول به، فتأوّل عزم بمعنى قطع ليعديّه، وليس كذلك،. وإنما هو مفعول له، أو مصدر في معنى الحال، لأنّ عزم غير متعدّ، لقول الله تعالى: (فإذا عزمت فتوكّل على الله) وقول الشّاعر:

عزمت على إقامة ذي صباحلأمر ما يسوّد من يسود
للشاعر أنس بن مدرك الخثعمي، اقرأ القصيدة

وورد البيت شاهدا في اغلب كتب النحو دون عزو.

وقال في قوله:

وكلّما لقي الدينار صاحبهفي ملكه افترقا من قبل يصطحبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

جمع بين ضرورتين في قوله: يصطحبا: حذف أن وأعمالها، وذلك مفقود في الشّعر الفصيح.

فيقال له: ليس في هذا، إلا ضرورة واحدة، وهو إنه أعطى المحذوف المقدّر حكم الثابت فنصب بأن محذوفة مقدّرة، كما ينصب بها ثابتة، وذلك كأعمال حرف الجر محذوفا مقدّرا في القسم، وبعد حرف العطف.

وقوله: وذلك مفقود في الشّعر الفصيح.

فيقال له: قد جاء ذلك (في) قول طرفة:

ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى.........

فيمن رواه بنصب أحضر، فهل عندك ذلك من الشّعر الفصيح؟

وقال في قوله:

أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلبوأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

يريد: والشّوق أغلب منّي، أي: أني لا أطيقه. وذهب أبو الفتح ابن جنّي، إلى أن أغلب هاهنا من قولهم: أسد أغلب، أي غليظ العنق، يصف الشّوق بالشّدّة، ويزعم إنه يغالبه، وهو كاللّيث الأغلب. وهذا المعنى، قريب من الأول، إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون إقرارا من أبي الطّيب بأنه مغلوب، وهذا أشبه بمذهبه. والوجه الأول فيه إقرار للشّوق بالغلبة. وقد أنكر بعض الناس قول أبي الفتح، وليس بمنكر.

فيقال للشّيخ: إذا تأملت تركيب البيت في صدره وعجزه، تحقّقت أن قول ابن جنّي في أن أغلب بمعنى أسد أغلب، ضيف جدا، وإن الجيّد القول الأول، أي أغلب مني، كما أن أعجب أراد به من الوصل، فكلا أفعل في الصّدر العجز للتّفضيل. وهذا الذي توجبه الصّناعة، ويقتضيه التركيب.

وقوله: إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون إقرارا من أبي الطّيب إنه مغلوب،

وهذا أشبه بمذهبه ليس بشيء! لأن هذا غزل، وهذا متغزّل، وليس بحماسة. والأشبه بمذهبه المبالغة في شعره، والمبالغة في التّفسير الأول، وهو أن الشّوق أغلب مني، والوصل أعجب من الهجر، أي: لا يتّعجب من الهجر أن وقع لكثرته (ولطوله) بل يتّعجب من الوصل أن وقع لقلّته.

وقال في قوله:

إذا لم تنط بي ضيعة أو ولايةفجودك يكسوني وشغلك يسلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

إذا لم تنط بي ضيعة تقطعني إياها، فجودك يكسوني، وشغلك عنّي يسلبني.

وأقول: الأجود أن لا يكون المصدر معدى بعن، ولكن معدى باللاّم، أي: وشغلك لي يحسبني ويمنعني من التّصرف بنفسي، فأنفق ما تعطيني إياه وذلك يسلبني. ويدل على ذلك الرواية بفتح الشّين: وشغلك.

وقال في قوله:

وعن ذملان العيس أن سامحت بهوإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكلام يستغني عن قوله:

وعن ذملان العيس............

ثم ابتدأ كلاما فقال: أن سامحت العيس بذملانها ركبتها، وإلا تسامح، ففي أكوارهنّ عقاب، أي: أنا اقدر، من السيّر والتّصرف في الأسفار، على ما لا تقدر عليه العقبان.

وأقول: الكلام لا يستغني عن قوله:

وعن ذملان العيس............

ولا يتمّ إلا به، وهو معطوف على البيت الذي قبله، متعلّق به، وهو قوله:

غنيّ عن الأوطان لا يستفزّنيإلى بلد سافرت عنه إياب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهذا (الذي) ذكر الشّيخ ليس بشيء! ولا الذي (ذكره) غيره في هذا البيت من شرّاح الديوان!

وأقول: أن قوله: وإلاّ شرط لقوله:

غنيّ عن الأوطان............

وعن مسامحة العيس بالذّملان. (والتقدير:) وإلاّ اغن عنها، لما يعرض لي من سوء المقام، عند من أنا مقيم عنده، واحتجت إليهما، فأني صبور على سير الابل، تشيط، خفيف، كأنّي في أكوارها عقاب.

وقال في قوله:

فديناك أهدى النّاس سهما إلى قلب ............

ومن خلقت عيناك بين جفونهأصاب الحدور السّهل في المرتقى الصّعب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي»

الحدور: كلّ مكان ينحدر فيه، وهو اسهل عندهم من الصّعود، لأن الصّعود شاقّة، قال الهذليّ:

وأنّ سيادة الأقوام فأعلملها صعداء مطلبها طويل
للشاعر حبيب الأعلم، اقرأ القصيدة

وكلام أبي الطّيب مؤدّ هذا المعنى، كأنه قال: أصاب الحدور السّهل في الصّعود.

وأقول: انظر إلى هذا التّفسير وقوله المعنى: أي: أصاب الحدور السّهل في الصّعود!

وهكذا قال أبو الطّيب، إلا إنه وضع موضع المرتقى الصّعب الصّعود، فغيّر العبارة ونقصها، ولم يذكر المعنى الذي أراده الشّاعر. والمعنى: إنه لمّا وصف، أولا، هذا المتغزّل به بقوله:

فديناك أهدى النّاس سهما إلى قلب ............

وعنى بذلك طرفه، أراد المبالغة بقوله:

ومن خلقت عيناك بين جفونه.........

فأن الأشياء الصّعبة سهلة عليه، وتطيعه وتنقاد اليه، لما هو عليه من الحسن، بهذه الصّفات المذكورة التي تفرّد بها، وملك القلوب بها، ويعني بذلك المخاطب.

وقال في قوله:

فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤهإلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المعنى إنه وصف بناء هذا الموضع بالعلوّ وإنه قد تناهى بانيه فكأنّ أعلاه في السّماء وأسفله قد شقّ الأرض.

وأقول: كأنّه لم سيفهم المعنى، وهو إنه قد تناهى في وصفه، فجعل البناء الذي من شانه أن يبني من اسفل إلى فوق بالعكس، فجعله، لعلوّه، كأن بدأه من فوق إلى أسفل، قد شقّ الكواكب أولا، فهي له كالأساس، ووصل إلى التّرب فشقّه، فكأنّ أبا الطّيب عكس قول السّموأل:

رسا أصله تحت الثّرى، وسماؤهإلى النّجم فرع لا يرام طويل

وقال في قوله:

أهذا جزاء الصّدق إن كنت صادقاوهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

هذا بيت فيه عتب شديد على سيف الدولة. يقول: أهذا الفعل الذي فعلت بي، من الإبعاد والإخافة، جزاء مدحي؟ فإن كنت صادقا، فما يجب أن تجازيني بقبيح، وإن (كنت) كاذبا، فإكرامي يجب أكثر مما يجب على الصّدق، لأني تقولّت لك من المكارم ما ليس فيك!

فيقال: هذا الذي ذكره في تفسير كاذبا لا يسوغ أن يقابل به بعض العوامّ، فكيف بعض الملوك، لما فيه من قبح الخطاب، وسوء الأدب!! وقد ذكرت ما فيه في شرح ابن جنّي.

وقال في قوله:

وما بك غير حبّك أن تراهاوعثيرها لأرجلها جنيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»
مجلّحة) لها أرض الأعاديوللسّمر المناخر والجنوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

يقول: ما بك داء، إلا أن ترى الخيل، والغبار طائر من تحت أرجلها، وهو يتبعها، كأنه جنيب لها.

وأقول: هذا التّفسير ظاهر، كما ذكره الشّاعر. والمعنى معه غير سائر ولأن مرض المحبّ إنما يكون من تمنّع حبوبه بهجره، وبعده وعدم وصاله. وسيف الدولة داؤه، كما ذكر أبو الطّيب، رؤية الخيل مثيرة للغبار، كريهة الوجوه، لها أرض الأعادي، وللسّمر مناخرها وجنوبها. وعلى هذا لا يخلو سيف الدولة من أن يكون قادرا عليه، أو عاجز عنه، فإن كان الأول، فالوصل حاصل، فما وجه المرض؟ وإن كان الثاني فهو هجو لسيف الدولة، بكونه لا يقدر عليه. إلا أن يكون ذلك وقت مهادنة، فبذلك يصحّ المعنى، وإلا فلا وجه لصحّته، لكنّ قول أبي الطّيب:

فقرّطها الأعّنة راجعاتفأنّ بعيد ما طلبت قريب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

يدلّ على أن ليس ثمّ مهادنة ومعاهدة، وقد يكون مرض العشق مع الوصال، خوفا من الانفصال.

وقال في قوله:

إذا داء هفا بقراط عنهفلم يوجد لصاحبه ضريب؟

الناس يختلفون في إنشاد هذا البيت، واصحّ ما يقال:

إذا داء...............؟

أي: أهذا داء؟ وتكون الألف للتقرير، والاستفهام الخالص، كأنه لمّا ذكر داء سيف الدولة، وإنه حبّ الحرب، وشوقه إليها، قال: أهذا الدّاء داء، لم يعرفه بقراط.

فأمّا من روى:

إذا داء...............

فلا وجه لروايته، على إنه يؤدي معنى انفراد سيف الدولة بهذا الدّاء، إذا جعلت الفاء جوابا لاذا.

وأقول: قد ذكر في ذلك ثلاثة اوجه:

إذا داء...............؟

بفتح الهمزة على الاستفهام.

وبفتحها أيضاً على النّداء، وذا بمعنى صاحب.

وبكسرها، وإذا ظرف.

وكلّ يؤدي معنى انفراد سيف الدولة بهذا الدّاء الذي هو نفسه الصّحة وعي الفضيلة.

وقال في قوله:

بغيرك راعيا عبث الذّئابوغيرك صارما ثلم الضّراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يجوز أن يكون نصب راعيا وصارما على التمييز وعلى الحال.

وأقول: الجيّد أن يكون راعيا وصارما نصبا على الحال، لا على التّمييز، لتقدّمهما على العامل فيهما. وأجاز ذينك المازنيّ والمبرّد، ولم يجز سيبويه، والخليل على ذلك، إلا في الحال وأنشد على صحة ذلك:

أتهجر سلمى للفراق حبيبهاوما كان نفسا بالفراق تطيب

ودفعت رواية نفسا، وقيل إنما هي نفسي. ولو صحّت رواية نفسا في البيت لم يكن حجّة في الكلام، لأن الشّعر ضرورة لإقامة الوزن، وليس كذلك في النثر.

وقال في قوله:

وتملك أنفس الثّقلين طرّافكيف تحوز أنفسها كلاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الثّقلان: يراد بهما الإنس والجنّ، ولو تؤول انهما العرب والعجم، لكان ذلك وجها، لأن الجنّ لا يظهرون للأنس. وأمّا الثّقلان اللذان في الحديث، فتفسيرهما معهما،

وهو قوله ﷺ: تركت فيكم الثّقلين، كتاب الله، وعترتي، أهل بيتي وإنما ذلك مأخوذ من ثقل الرّجل الذي يحتاج إلى حمله ومراعاته فكأنّ كتاب الله وعترته ثقلا النّبي ﷺ اللذان يجريان مجرى متاعه.

فيقال له: قول أبي الطّيب

وتملك انفس الثّقلين............

ليس المراد بهما إلا الإنس والجنّ، وإن كانت الجنّ لا تظهر كما ذكر. وأراد بذلك المبالغة والاغراق، وهو مستعمل، كثير في المنظوم والمنثور من الكلام، فلا وجه للعدول عنه إلى غيره. وتفسير الثّقلين بالعرب والعجم، لا يجوز، لأن ذلك لم يستعمل، ولم ينقل عنهم، ولم يسمع منهم. ولا يجوز أن يقاس على قول النبي ﷺ خلّقت فيكم الثّقلين، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي لأن ذلك نقل عنه ﷺ وهو سيد العرب، وافصح الفصحاء، وصاحب الشّريعة.

وقال في قوله:

وما قلت للبدر أنت اللّجينولا قلت للشمس أنت الذّهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

يقول: أنى تناهيت في مديحك، فلم أجعلك، وأنت بدر فضّة، ولم أقل لك، وأنت شمس، إنك ذهب، لأن الذّهب والفضّة يستهلكان، والشّمس والقمر ليسا كذلك.

وأقول: تعليله بقوله: لأن الذّهب والفضّة يستلكان، والشمس والقمر ليسا كذلك ليس بشيء! ولو قال: لأن الذّهب والفضّة ليسا في القدر والشّرف، بمنزله الشّمس والقمر لكان صوابا. ولو قال: لم أنقصك من المدح، فأعطيك دون ما تستحق، لكان أولى.

وقال في قوله:

ومن ركب الثّور بعد الجواد أنكر أظلافه والغبب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

يقال: غبب الثور وغبغبه.

والأظلاف تستعمل للبقر والغنم، وقد جاءت مستعملة للنّاس، قال الشّاعر:

سأمنعها وسوف أجعل أمرهاإلى ملك أظلافه لم تشقّق

وأقول: لم يذكر الشّيخ معنى هذا البيت، (ولعله) استرذله، وذلك كأنه يشير بالثّور، إلى كافور، وبالجواد إلى سيف الدولة. فلفظه ركب معهما غير سائغة. وإن كنى بذلك عن حاله معهما في الضّعة بعد الشّرف، فذلك سائغ حسن.

وقال في قوله:

مبارك الاسم أغرّ اللّقبكريم الجرشي شريف النّسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

يعنى بالجرشي النّفس، قال الأسديّ:

بكى جزعا من أن يموت وأجهشتإليه الجرشّي وارمعلّ خنينها

الخنين هاهنا الانف، وجعله أغرّ اللقب، لأن لقبه سيف الدولة، والسّيف يوصف بالبياض.

وأقول: أن الشّيخ ذكر معنى قوله: أغرّ اللقب، ولم يذكر معنى مبارك الاسم. وكان الأولى أن يذكره، ويبدأ به، وهو عليّ مشتقّ من العلّو، والعلو مبارك، لاسيّما وهو اسم علي بن أبي طالب ﵇ واسمه مشتقّ من اسم الباري ﵎ للحديث: أنّي خلقته، وشققت له اسما من اسمي، فأنا العليّ الأعلى، وهو عليّ.

وقوله: الخنين هاهنا الأنف، غير صحيح، بل الخنين: مصدر خنّ يخنّ خنينا، وهو صوت يخرج من الأنف عند البكاء، قال الشّاعر:

وقلت لعبد الله إذ خنّ باكياتعزّ وماء العين منهمر يجري

قال ابن دريد: والخّنّة أشدّ من الغنّة.

وارمعلّ خنينها: ارتفع بكاؤها.

وقال في قوله:

يا حبّذا المتحمّلون وحبّذاوادلثمت به الغزالة كاعبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

وقد سميّت الشمس الغزالة، وهي في هذا البيت الشمس بعينها، وانشد قول ذي الرمة:

وأشرقت الغزالة رأس حوضيأراقبهم فما أغني قبالا

وأقول: لا خلاف، أن الغزالة من أسماء الشّمس. وبيت ذي الرّمّة، يقضي بقوله: أشرقت على ذلك، لأن الإشراق من صفاتها المختصّة بها، ولكن الأحسن، أن تكون الغزالة في بيت أبي الطّيب الظّبية لذكر الوادي، وحسن الاستعارة بذكر المناسبة والمصاحبة التي بينهما، ولأنه أقرب وأشبه بذكر اللّثم، ووصفها بالكاعب.

وقال في قوله:

وحبيت من خوص الرّكاب بأسودمن دارش فغدوت امشي راكبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

جعل حظيّ من خوص الركاب، هذا الحذاء الذي أمشي به. وقد كرّر هذا المعنى في قوله:

لا ناقتي تقبل الرّديف ولابالسّوط يوم الرّهان اجهدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

وقد سبق الناس إلى هذا المعنى، ومنه قول القائل:

......... إليك امتطينا الحضرميّ الملسّنا

فيقال: بل السّابق إلى هذا المعنى، أبو نواس في قوله:

إليك أبا العبّاس من بين من مشىعليها امتطينا الحضرميّ الملسّنا

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.