تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٤)

وأقول: هذا كلام من لم يفهم هذا المعنى مع وضوحه!

والمعنى إنه يهب الجواري وعليهن الحبر، والخيل وعليهن الأرسان. وهو من قول النابغة:

الوَاهِبُ المئةَ الأبكارَ زَيَّنَهاسَعدانُ تُوضِحَ في أوبارِهَا اللِّبَدِ
والسَّاحباتِ ذُيولَ الرِّيْط فَنَّقَهَبَرْدُ الهَوَاجِر كالغِزْلانِ في الجَرَدِ

وقوله:

خَلائِقٌ لو حَوَاهَا الزَّنْجُ لانْقَلَبُواظُمْيَ الشِّفَاهِ جِعَادَ الشَّعْرِ غُرَّانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قال: يريد بالخلائق الخلق، جمع الخليقة، وهي الخلق، وليس يريد السجايا لأن السجايا الحسان قد تكون في الصورة القبيحة، والزنج لا يجتمع فيهم بياض الوجه مع جعودة الشعر ورقة الشفاه؛ لان شفاههم غليظة وهو سود الألوان.

ومعنى: ظمى الشفاه: رقاق الشفاه كأنها لم ترو فتغلظ.

والمعنى: لو أن خلقهم للزنج لحسنوا مع جعودة شعرهم فكانوا احسن خلق الله، وهذا معنى قد ذكرناه؛ إلا أن الخليقة بمعنى الخلقة لا يصح، وإذا حملنا الخلائق على السجايا فسد معنى البيت لأن الخلقة لا تتغير بالسجية.

فيقال له: أن الخليقة بمعنى الخلقة لا يصح كما ذكرته وقدرته. ويصح أن تُحمل الخلائق على السجايا ولا يفسد المعنى، وهو الذي أراده أبو الطيب، وذلك على وجه المبالغة؛ يقول: إن خلائقهم لو حواها الزنج الذين يوصفون بالقبح لوصفوا بالحسن، واستجمعوا هذه الأشياء المتضادة فجعل خلائقهم تؤثر في الخلقة، حتى تجعل القبيح الصورة حسنا، فالمعنى على هذا صحيح غير فاسد.

وقوله:

أوْفَى فَكُنْتُ إذا رَمَيْتُ بِمُقْلَتيبَشَراً رأيتُ أرَقَّ من عَبَراتِهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

ذكر أن الضمير في عبراتها للمقلة ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير للبشر. وأراد

بالعبرات عرقهن الذي يسيل منهم، ويكون فيه إشارة إلى أنهن قد عرقن من الإعياء.

فيقال له: يجوز أن يكون الضمير في عبراتها للبشر كما ذكرت، ولا يريد بالعبرات عرقهن بل دموعهن حزنا وجزعا عند الفراق، ويُحمل الكلام على الحقيقة وهو الوجه السديد لا على المجاز الغريب البعيد.

وقوله:

لَيْسَ التَّعَجُّبُ من مَوَاهِبِ مَالهِبل من سَلامَتِهَا إلى أوقاتِهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال: يقول: لسنا نتعجب من كثرة مواهبه وعطاياه، وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأنه من عادته الإمساك. ومعنى: إلى أوقاتها: إلى أوقات بذلها.

وأقول: في هذا اخذ على الممدوح في اجمام ماله وترك تفريقه ولم يعتذر له. والجواب: إنما أخره انتظارا لمستحق فلما وجده أخرجه مرة واحدة، فدل على أن ترك تفريقه واجمامه إنما كان انتظارا لمستحقه، وليس هو من بخل.

وقوله:

كَرَمٌ تَبَيَّنَ في كَلامِكَ مَاثلاًويَبينُ عِتْقُ الخَيْلِ في أصْوَاتِهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال: الماثل: الظاهر.

يقول: إذا سمع إنسان كلامك عرف كرمك، كما أن الفرس الكريم إذا صهل عرف عتقه بصهيله. والمعنى: إن كلامك أمر بالعطاء ووعد بالإحسان وما أشبه ذلك مما يدل على كرمك.

وأقول: هذا وهم منه إذ توهم أن الكرم هاهنا الجود والعطاء والوعد بالإحسان. وإنما الكرم هاهنا جودة النفس وكرم الاصل، وذلك إنه وصفه قبل هذا بجودة القراءة وحسن الترتيل حتى جعل ذلك آية، ثم قال:

كَرَمٌ تَبَيَّنَ في كَلامِكَ...... .........

أي: جودة نفسك وكرم أصلك يبين في حسن صوتك كما يبين عتق الخيل، أي: كرمها، في أصواتها وذلك كقول الشاعر:

ويَصْهِلُ في مِثْلِ جَوْفِ الطَّوِيِّصَهِيلاً يُبَيَّنُ للمُعْرِبِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

وقوله:

ولا يَنْفَعُ الإمْكَانُ لَوْلاَ سَخَاؤهُوهَلْ نافِعٌ لوْلاَ الأكُفُّ القَنَا السُّمْرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: لولا سخاؤه ما انتفع الناس بإمكانه وغناه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع. والمعنى: إن الوجود لا ينفع بلا جود كالرماح لا تنفع ولا تعمل بلا راح.

وأقول: الأولى أن يكون النفع راجعا إليه لا إلى الناس كما ذكرته قبل.

وقوله:

كأنَّكَ بَرْدُ الماءِ لا عَيْشَ دونَهُولو كُنْتَ بَرْدَ الماءِ لم يَكُنِ العِشْرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

قال: العشر: أبعد إظماء الإبل.

يقول: لو كنت الماء لوسعت، بطبع الجود، كل حيوان في كل مكان، وفي ذلك ارتفاع الإظماء. ويجوز أن يقال: لو كنت برد الماء لما عاودت غلة أطفأتها.

وقال ابن جني: حتى كانت تتجاوز المدة في وردها العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.

وأقول: انظر إلى هذا التفسير الذي هو خبط عشواء في ظلماء من قوله: لارتفعت الإظماء! وأبو الطيب إنما نفى العشر وهو أحد إظماء الإبل وآخرها فكيف ينتفي الجميع؟ وكان ينبغي على هذا أن يقول: لم يكن الغب أو الثلث؛ لأنه إذا نفى ذلك انتفى ما فوقه. وإيراده قول ابن جني، وهو ضد المعنى، دليل على إنه غير واثق بوجهيه المظلمين، والمعنى قد ذكرته في شرحه.

وقوله:

أعَزْمي طالَ هَذا اللَّيلُ فانْظُرْأمِنْكَ الصُّبْحُ يَفْرَقُ أَنْ يَؤوبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال: قال ابن فورجة: أراد: لعظم ما عزمت عليه، ولشدة الأمر الذي هممت به كان الصبح يفرق من عزمي ويخشى أن يصيبه بمكروه فهو يتأخر عنه ولا يؤوب.

وقال العروضي: يخاطب عزمه، يقول: انظر يا عزمي: هل علم الصبح بما اعزم عليه من الاقتحام فخشي أن يكون من جملة أعدائي؟

وأقول: ويحتمل أن يكون المعنى إن الصبح لما عوده من إغارتي فيه، وإثارتي عجاج الخيل حتى أرده مظلما كالليل، خاف أن يؤوب لذلك؛ فخاطب عزمه وسأله لأن ذلك إنما يكون به. وهذا وجه ظاهر كثير في الكلام، مستعمل، فهو أولى مما ذكراه أو أراده فجمجما عنه ولم يبيناه!

وقوله:

أَيَا مَنْ عَادَ روحُ المَجْدِ فيهِوصَارَ زمَانُهُ البَالي قَشِيبَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: قال ابن جني: معناه: أي: روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد على المبالغة.

وقال غيره: يا من عاد روح المجد في المجد. يعني إن المجد كان ميتا فعاد به حيا وعاد الزمان، الذي كان باليا، جديدا.

وأقول: قول ابن جني هو الأولى من جانب اللفظ لأنه لا يفتقر إلى تقدير محذوف، وقول غيره يفتقر اليه، فيقال: أيا من عاد روح المجد في المجد به أو بجوده أو ما أشبه ذلك.

وقوله:

سأطلبُ حَقِّي بالقَنَا ومشَائخٍكأنَّهُمُ من طُولِ مَا الْتَثَمُوا مُرْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: أراد إنه يطلب حقه بنفسه وبغيره، فكنى بالقنا عن نفسه وبالمشائخ عن أصحابه.

وأقول: لم يكن بالقنا عن نفسه، وإنما كنى بها عن الحرب؛ أي اطلب حقي، وهو أشبه بالمعنى، بالإباء والقهر والقتال، لا بالتذلل والتضرع والسؤال كما يفعل السائل.

وقوله:

ويُنْفِذُهُ في العَقْدِ وهو مُضَيَّقٌمن الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ واللَّيلُ مُسْوَدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

وأقول: إن أبا الطيب أتى في هذا من المبالغة بما لم يكد يأتي لغيره وذلك إنه قال: وينفذه يعني السهم، والرمي منه نافذ وغير نافذ، فبالغ بذكر الإنفاذ.

ثم قال: في العقد وهو مضيّق والعقد يكون منه مضيّق وغير مضيّق فبالغ بذكر المضيّق

ثم قال: من الشعرة والعقد يكون في الشَّعرة وفي غيرها من خيط وحبل فبالغ بذكر الشعرة

ثم قال: السوداء والليل مسود فبالغ بذكر السوداء في الليل لخفائها. ولم يقنع بذلك حتى وصف الليل بالاسوداد، ومثل هذا قول الأعشى:

كنتَ المُقَدَّمَ غير لاَبِسِ جُنَّةٍبالسَّيفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أبْطَالَهَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

وذلك إنه قال: كنت المقدم فبالغ لأن من الفرسان من يكون متقدما وغير متقدم.

ثم قال: غير لابس جنة فبالغ في الإقدام لأن من الشجعان من يكون لابس جنة.

ثم قال: بالسيف فبالغ لان منهم من يطعن بالرمح، وهو دون الضرب بالسيف.

ثم قال: معلما فبالغ لأنه لا يُعلم إلا كل مشهور بالبأس.

ثم قال: أبطالها فبالغ لأنه خص بذلك الأبطال دون غيرهم لشدة إقدامه.

وكنت اجتمعت ببعض متأدبي حلب وقد جرى ذكر المبالغة في الوصف والإغراق

فذكرت له بيت أبي الطيب هذا ومبالغته في صفة الرمي فقال لي: قد جاء مثل هذا المعنى للشيخ أبي العلاء في قصيدته الطائية وأنشد:

ونَبَّالةٍ من بُحْتُرٍ لو تَعَمَّدوُابِلَيْلٍ أنَاسِيَّ النواظرِ لم يُخْطُوا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

فقلت: هذا من هذا إلا إنه قصّر عنه وذلك إنه قال: أناسي النواظر فأطلق، فدخل في ذلك ناظر الأسد والهر وهما يريان في الليل، كالنارين، اظهر من النهار فيمكن رميهما، ونقص مع ذلك من درج المبالغة. فاعترف بذلك بعد مدة وشدة!.

وقوله:

ويَصْطَنِعُ المَعْروفَ مبتدئاً بهِويَمْنَعُهُ مِن كُلِّ من ذَمُّهُ حَمْدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يصفه بالتيقظ، ومعرفة ما يأتي وما يدع. يقول: يمنع معروفه من كل ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه، لأنه يُنبئ عن بُعد ما بينهما. يعني إنه يُعطي المستحقين وذوي القدر ويبدأهم بالإحسان قبل أن يسألوه.

وأقول: هذا الذي ذكره قول ابن جني؛ نقله فجعل المصدر مضافا إلى ضمير الفاعل، والمفعول محذوف لقوله: إذا ذم أحدا فقد مدحه لأنه ينبئ عن بُعد ما بينهما. وليس الأمر كذلك وهذا لا يعطي معنى صالحا، وإنما المصدر مضاف إلى ضمير المفعول والفاعل محذوف كقولك: يعجبني من زيد ضربه، أي: ضربك إياه، أي: أن ضربته. فيكون على هذا المعنى: إنه يصطنع المعروف ابتداء إلى الأفاضل، ويمنعه الأراذل الذين إذا ذممت أحدهم تنزّل ذمه منزلة الحمد، أما لأنه مستحق لذلك، أو لجهله ولؤمه يتساوى الأمران عنده فلا يفرق بينهما.

وقوله:

ألُومُ به مَنْ لامَنِي في وِدَادِهِوحُقَّ لخَيْرِ الخَلْقِ من خَيْرِهِ الوُدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: يقول: من لامني في وده لمته بما وصفت من فضائله، فيتبين أن من أحبه لا يستحق اللوم، وإنه أهل أن يحب وحق له مني الود؛ لأنه خير الأمراء، وأنا خير

الشعراء، وحقيق على أهل الخير أن يود بعضهم بعضا.

وأقول: القول الصحيح أو الأجود في هذا قد ذكرته قبل.

وقوله:

أمَّا الفِراقُ فإنَّهُ ما أعْهَدُهُوَ تَوْأمي لو أنَّ بَيْناً يُولَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما الفراق فإنه ما أعهد»
ولَقَدْ عَلِمْنَا أنَّنَا سَنُطِيعُهُلمَّا عَلِمْنَا أننا لا نَخْلُدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما الفراق فإنه ما أعهد»

لم يذكر أحد من شراح الديوان تعلقا بين البيت الأول والثاني ولا فسروا معناهما تفسيرا جليا تسكن إليه النفس ويقبله القلب. وأقول: إنما ذكر البيت الثاني عذرا لما ذكره في البيت الاول، وذلك إنه أخبر فيه عند وداع صديقه عن ألفه للفراق، وصبره عليه لمّا جعله أخا له فهو لا يستنكره وقد نظر فيه إلى قول طفيل:

وما أنا بالمُسْتنكرِ البَيْنَ إنَّنيبذي لَطَفِ الجِيرَانِ قِدْماً مُفَجَّعُ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «جزى الله عوفا من موالي جنابة»

قال: إنما قلت ذلك لأنه لا يجدي الجزع للفراق والامتناع منه شيئا، وأقسم على ذلك فقال: والله لقد علمنا إننا سنطيعه، واستدللنا على ذلك بالموت المفرق بين الأخلاء والأحباء، وذلك لا يمكن الإباء له والعصيان عليه فعلمنا بوجوب فراق الأرواح أفادنا علمنا بطاعة فراق الأجسام وسهله علينا.

وقوله:

وأطَاعَتْهُمُ الجُيوشُ وهِيبُوافَكَلامُ العِدَا لَهُمْ كالنُّحازِ

قال: قال ابن فورجة: أي لم يعبئوا بكلام أحد لما صاروا إلى هذه الحال.

وأجود من هذا أن يقال: السعال يرقق الصوت. والمعنى: لهيبتهم كانوا لا يرفعون الصوت بين أيديهم

فيقال له: أما الوجه الذي ذكرته عن ابن فورجة فإنما هو لابن جني قلبه!

وأما قولك: إن السعال يرقق الصوت فهو بخلاف المعلوم بل يجفي الصوت،

والمراد أنهم كانوا لعظم هيبتهم إذا كلمهم الناس خافوهم فضغط الخوف النفس وقطع الصوت فلا تتبين الحروف فيكون كلامهم كالسعال لا يفهم منه معنى.

وقوله:

سُهَادٌ أتَانَا مِنْكَ في العَيْنِ عِنْدنَارُقَادٌ وقُلاَّمٌ رَعَى سَرْبُكُمْ وَرْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: يقول: السهاد، إذا كان لأجلكم، رقاد في الطيب، والقلاّم، على خبث رائحته، إذا رعته ابلكم ورد.

فيقال: لم يُرد بالقلام خبث الرائحة، وإنما أراد الخشونة.

وقوله:

ضَروبٌ لِهَامِ الضَّاربي الهَامِ في الوَغَىخفيفٌ إذا ما أثْقَلَ الفَرَسَ اللِّبْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: يقول: هو خفيف مسرع إلى الحرب، إذا بلغ الفرس من الجهد ما يثقل عليه لبده.

وأقول: لم يرد إنه خفيف إلى الحرب، ولكن في الحرب بعد طول القتال والطراد والوصول إلى حال يُثقل الفرس فيها لبده من الجهد والكلال، فيكون في تلك الحال خفيفا، أي: قويا شديدا لم يثقل بالتعب على ظهر فرسه عن حمل درعه وسلاحه أو عن لقاء قرنه.

وقوله:

بتأمِيلِهِ يَغْنَى الفَتَى قَبْلَ نَيْلِهِوبالذُّعْرِ من قَبْلِ المُهَنَّدِ يَنْقَدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: يقول: إذا أمله الفتى صار غنيا قبل أن يأخذ عطاءه، ومعنى غناه أن يُنفق ما يملكه، ثقة بالخلف من عنده، إذا كان يأمل عطاءه فيعيش عيش الأغنياء.

فيقال له: لم يرد بقوله:

...... يَغْنَى الفَتَى قَبْلَ نَيْلِهِ .........

ما ذكرته من إنه ينفق ماله ثقة بالخلف؛ لان هذا يسوغ فيمن له مال، وإنما أراد

بذلك الإطلاق على وجه المبالغة والإغراق لا على وجه الحقيقة.

يقول: إذا أملّه الفتى تيقن بلوغ الامل، وحصول النيل قبل النيل فكأنه مستغن فجعل تأميله لثقته به لعطائه وهذا كقوله:

لقد أمِنَتْ بك الإعْدامَ نَفْسٌتَعُدُّ رجاَءهَا إيَّاكَ مَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وقوله:

وأنْفُسُهُمْ مَبْذُولَةٌ لوفُودِهِمْوأمْوَالهُمْ في دَارِ من لم يَفِدْ وَفْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: أي أنهم غير محجوبين عمن يقصدهم من الوفود، وأموالهم ترد على من لم يأتهم لأنهم يبعثونها إليهم.

وأقول: لم يرد انهم غير محجوبين عمن يقصدهم؛ فإن ذلك ليس فيه كبير فائدة، ولكنه قسّم الناس قسمين: وفود عليهم، وغير وفود، فجعلوا للوافدين إليهم مزيدا على غيرهم بأن بذلوا لهم أنفسهم، والذين لم يفدوا إليهم، جعلوا أموالهم تفد إلى بلادهم عليهم.

فالمعنى على هذا التقسيم والترتيب في غاية الكمال، وعلى ما قال في غاية النقص!

وقوله:

أحْبَبْتُ تَشْبِيهاً لهافَوَجَدْتُهُ ما لَيْسَ يُوجَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وزيارة عن غير موعد»

قال: يقول: أردت أن أشبهها بشيء فوجدت تشبيهها معدوما. ويجوز أن يريد بالتشبيه المفعول، وهو المشبه به، فقال: أردت مشبها لها فكان مستحيل الوجود، فإن قيل: هذا يناقض ما قبله؛ لأنه ذكر التشبيه، قلنا: ذاك تشبيه جزئي لأنه ذكر خضرة النبات على حمرة التراب في التشبيه وأراد في هذا البيت تشبيه الجملة فلم يتعارضا.

وأقول: هذا تخليط من أخلاط في الدماغ! وإنما يقول: أحببت تشبيها لها بجنة

أخرى فأقول: كأن هذه الجنة جنة فلان فوجدت ذلك غير موجود. ولهذا قال في البيت

الذي بعده: إنها واحدة، أي: ليس لها مثيل من جنة اخرى، وكذلك صاحبها أوحد.

وقوله:

لأنِّي كُلَّمَا فَارقْتُ طَرْفيبَعِيدٌ بَيْنُ جَفْني والصَّبَاحِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يقاتلني عليك الليل جدا»

قال: هذا تعليل لقوله:

......ومُنصَرفي له أمْضَى السِّلاح

لأني كلما لم أرك، طال ليلي فبعُدما بين جفني والصباح لسهري شوقا إلى لقائك ولو قال:

...... ......... بينَ عَيْني والصَّبَاحِ

كان اظهر؛ لان الصبح إنما يُرى بالعين لا بالجفن.

فيقال له: إن النائم والساهر والرائي، على الحقيقة، إنما هو الإنسان وإنما خص الجفن بالذكر لأنه بانطباقه يتبين النوم وبانفتاحه يتبين السهر. والعين، وإن كانت آلة النوم، والجفن فيه تبع لها، إلا إنه فيه اظهر منها، ولو قال:

......بعيدٌ بين عَيْني والصَّبَاحِ

وقد قال قبله:

كلَّمَا فارَقْتُ طَرْفي .........

والطرف هو العين، لحصل التكرار ولزم الإضمار، فكأنه قال: إذا فارقت عيني سهرت فلم يغمض جفني، وطال بالسهر عليه الليل فبعُد عنه الصباح. والموصوف على الحقيقة بذلك إنما هو الحي لا أعضاؤه.

وقوله:

فماذا تَركْتَ لمن لم يَسُدْوماذَا تَرَكْتَ لمن كانَ سَادَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن كل شيء بلغت المرادا»

قال: يعني لم يبق شيء من أسباب السيادة إلا وقد جمعتها، فلم تترك منها شيئاً يختص به من لم يسد أو من ساد من قبل.

وأقول: لم يزد في الشرح على ما في الشعر! وقوله:

فماذَا تَرَكْتَ لمن لم يَسُدْ .........

أي: لو أراد الإنسان أن يسود، أي: يأتي بفضيلة غريبة لم يسبق إليها ليعلو بها ويدعى سيدا لم يجد، لأنك قد سبقته إليها. وقوله:

......وماذا تَرَكْتَ لمن كانَ سَادَا

أي: أنك صغّرت أفعالهم العظيمة، التي سادوا بها بحسن أفعالك؛ فكأنك سلبت مآثرهم ومحاسنهم بمآثرك ومحاسنك، وقد حقّرتها وأخفيتها.

وقوله:

يُسَارُ من مَضِيقهِ والجَلْمَدِفي مِثْلِ مَتْنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وشامخ من الجبال أقود»

أقول: لم يذكر معنى قوله:

في مثلِ مَتْن المسَدِ......

وذلك إنه شبه طريقا في وسط هذا الجبل وطرفيه في الخشونة والخزونة بحبل ليف عقد وسطه ولم يُعقد طرفاه فجعل الجبل الذي في وسط الطريق كالعقد التي في وسط الحبل، وطرفيه في الخشونة كطرفيه، وهذا من بديع التشبيه وغريب التمثيل.

وقوله:

للصَّيْدِ والنُّزْهَةِ والتَّمَرُّدِ

أقول: النزهة والتنزه، على ما ذكر ليس من كلام العرب، إنما التنزه التباعد عن الريف والمياه لئلا يتأذى بها. ولذلك قالوا: فلان يتنزه عن الأقذار، إذا

كان يباعد نفسه عن الدنايا، وفلان نزيه كريم إذا كان بعيدا من اللؤم. والعامة تجعل التنزه

الخروج إلى البساتين وهو غلط. وقد جوز ذلك ابن قتيبة على طريق التوسع وقال: لان في كل مصر وبلد بساتين، فإذا أرادوا الخروج إليها فقد تباعدوا عن المنازل، ثم كثر ذلك حتى صارت النزهة القعود في الخضر والجنان. وقول ابن قتيبة في ذلك ليس بحجة، إلا أن العرب تجوزت في ذلك كما تجوزت في الفرس وأصله دق العنق، ثم كثر ذلك في كلامهم، حتى صار كل قتل فرسا. وكذلك: الاخيذ: المشدود ثم كثر حتى صار كل اخيذ أسيرا، شُد أو لم يُشد، وأشباه ذلك كثير في كلامهم.

وقوله:

غيرَ أنِّي تَرَكْتُ مُقْتَضَبَ الشِّعْرِ لأمْرٍ مِثْلي به مَعْذُورُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ترك مدحيك كالهجاء لنفسي»

قال: لم يبين العذ الذي اعتذر به في ترك الشعر؛ كأنه كان واضحا قد عرفه الممدوح فأهمل ذكره.

فيقال له: بلى، قد بينه وذكره من حيث لم تعلم، وهو واضح ظاهر ولم تره في البيت الذي يليه من أوله إلى آخره في قوله:

وسجَايَاك مَادِحَاتُكَ لاشِعْري وَجُودٌ على كلامي يُغِيرُ

وهو في موضع الحال.

يقول: تركت اقتضاب الشعر مادحا لك لأمر أنا به معذور، وهو أن سجاياك مادحة لك لا شعري، وجود لك يغير على كلامي، أي: يأخذه ويستغرقه ويستنفده؛ لأنه أكثر وأقوى منه، فجعله بمنزلة الجيش الذي يغير على ما دونه فيأخذه فقد اعتذر بأمرين:

أحدهما: أن سجايا الممدوح، أي: خلاله العظيمة الكريمة، تمدحه لشهرتها، فشعر أبي الطيب غير شيء بالإضافة إليها. والثاني: أن جوده أكثر من شعره فقد غلبه وملكه وأهلكه، وقد فسره هو بهذا التفسير إلا إنه لم ينتبه له إنه عذر!

وقوله:

فإنَّ نَهَاري ليلةٌ مُدْلَهِمَّةٌعلى مُقْلَةٍ من فَقْدِكُمْ في غَيَاهِبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: إنما جعل النهار ليلا، إشارة إلى إنه لا يهتدي إلى شيء من مصالحه، أو إلى أن جفونا فُتحت على وجوههن، مختومة لا تُفتح على غيرها، وإذا انطبقت الجفون فالنهار ليل كقوله:

ولو أنِّي استَطَعْتُ خَتَمْتُ طَرْفيفَلَمْ أُبْصِرْ به حَتَّى أرَاكَا

وأقول: تفسير هذا البيت على ما ذكره، يفسده البيت الذي يليه وهو قوله:

بعيدةُ ما بَيْنَ الجُفُونِ كأنَّماعَقَدْتُمْ أعَالِي كلِّ جفنٍ بحاجِبِ

فكيف تكون الجفون مختومة لا تُفتح على غيرها، وهي بعيد ما بينها، لولا أن هذه غفلة شديدة وفطنة بعيدة؟! ولو استدل على معنى هذا البيت بما قبله لأمن النقض بما بعده، وهو ما ذكره ابن فورجة: لا صباح إلا وجوههن، وإذا كان كذلك فنهاره ليل مدلهم بعدهن ومقتله في غياهب لفقدهن.

وقوله:

وأحْسِبُ أنِّي لو هَوِيتُ فرِاقَكُمْلفَارَقْتُهُ والدَّهْرُ أخْبَثُ صَاحِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

قال: يريد أن الدهر يخالفه في كل ما اراد، حتى لو أحب فراقهم لواصلوه وكان من حقه أن يقول: لفارقني؛ لأن قوله: لفارقته، فعل نفسه، وهو يشكو الدهر فلا يشكو فعل نفسه ولكنه قلبه؛ لأن من فارقك فقد فارقته فهذا من باب القلب.

وأقول: لم يرد بذلك: لو أحب فراقهم لواصلوه. ولا قوله: فارقته، من باب القلب. وإنما معنى قوله:

...... لو هَوِيتُ فراقَكُمْ .........

أي لو أن فراقكم الذي هو غاية المكروه والأذى مما يُهوى، لاضطرني الدهر إلى أن أفارقه قصدا لعنادي وخلافي؛ يذم بذلك صحبة الدهر في إنه لا يقع منه

لصاحب مساعدة بل مخالفة ومعاندة.

وأما قوله: كان من حقه أن يقول: لفارقني، لما علل به، فليس بشيء، وقوله: لفارقته أبلغ لأن معناه لاضطررت إلى فراقه، وإذا كان كذلك فالشخص المحبوب الذي تضطر إلى أن تفارقه أنت بنفسك، أبلغ في أذاك من أن يفارقك هو بنفسه لأن ذلك لا يمكن أن يقع من جهة المحب اختيارا، ويمكن أن يقع من جهة الحبيب اختيارا.

وقوله:

إليك فإني لسْتُ مِمَّنْ إذا اتَّقَىعِضَاضَ الأفَاعي نَامَ فَوْقَ العَقَارِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

أقول: إنه ذكر عن ابن فورجة في معنى هذا البيت كلاما فيه طول، وليس بطائل فأذكره وأجيب عنه. وذكر قول ابن جني وذكرت ما فيه وأجبت عنه وبينت المعنى هناك.

وقوله:

وزَادَ في السَّاقِ على النَّقَانِقِ

قال: زاد في طول الساق وشدتها على النعام، كما قال امرؤ القيس:

لهُ أيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامَةٍوإرخاءُ سِرْحَانٍ وتَقْريبُ تَنْفُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

وأقول: النعامة لا توصف بطول الساق بل بقصرها وغلظها وصلابتها، وطول وظيفها، وكذلك ساق الفرس ووظيفها، وبخلاف ذلك اليد فانه يُستحب قصر وظيفها وطول ذراعها لأنه اشد لرميه بها.

وقوله:

يُمَيَّزُ الهَزْلَ من الحَقَائقِ

قال: أي يعرف أن صاحبه إذا استحضره يطلب بحضوره هزلا أم حقيقة.

وأقول: هذا لا يعرفه الفرس وإنما يصفه بصحة السمع، أي: يميز الصوت

الصحيح الذي يسمعه من الذي ليس بصحيح، وهذا من قول طرفة:

وصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ في السُّرَىلِهَجْسٍ خَفِيٍّ أو لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ

وقوله:

وعيني إلى أذْنَيْ أغَرَّ...... .........

وقوله:

...... ......... فكأنَّما يُبْصِرْنَ بالآذَانِ

ويدل على ما قلته قوله بعده:

وَيُنْذِرُ الرَّكْبَ بِكُلِّ سَارِقِ

أي: إذا أحس بسارق صهل ليعلم مكانه.

وقوله:

يُرِيكَ خُرْقاً وهو عَيْنُ الحَاذِقِ

قال: أي لشدة جريه وتناهيه في العدو، يُظن به خرق، وهو مع ذلك حاذق، وحذقه أن لا يُخرج ما عنده من الجري مرة واحدة، بل يعلم ما يراد منه فيستبقي جريه كما قال:

ولَلْقَارِحُ اليَعْبُوبُ خَيْرٌ عُلالَةًمن الجَذَع المُرْخَى وأبْعَدُ مَنْزَعَا

وأقول: كأن الشيخ قليل المخبرة بالخيل فلذلك لم يُصب في صفاتها، فإن كان ذلك لقلة اقتنائه لها واعتنائه بها فهلاّ استقرأ ذلك من أقوال الشعراء فيها؟!!

وهذا الذي ذكره ليس بشيء!

والمعنى: إنه يصف هذا الفرس لنشاطه ونزقه وحدة قلبه بالخُرق، وقد يتجاوز ذلك إلى وصفه بالجنون كقول امرئ القيس:

ويَخْضِدُ في الآرِيِّ حَتَّى كأنَّمابه جِنَّةٌ أو طَائِفٌ غيرُ مُعْقِبِ

وأما استشهاده بالبيت الذي ذكره فليس على ما قال، وإنما القارح من الخيل الذي

استكمل قوته، والجذع لم يستكمل قوته؛ فكان بُعد منزعه أي: غايته، وعلالته: أي: بقية جريه لقوته، ومثل ذلك قول أبي نواس:

مَنْ للجِذَاعِ إذا المَيْدانُ مَاطَلَهَابِشَأوِ مُطَّلعِ الغَايَاتِ قَدْ قَرَحَا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا»

وقوله:

والنَّاسُ قَدْ نَيَذُوا الحِفَاظَ فَمُطْلَقٌيَنْسَى الذي يُولَى وعَافٍ يَنْدَمُ

قال: يريد أنهم لا يحافظون على الحقوق، ولا يُراعون الاذمة؛ فمطلق من الإسار ينسى ما أُزلّ إليه من الإحسان، وعاف عن مجرم يندم لأن صنيعته كُفرت فلم تُشكر.

وأقول: إن قوله: يندم لأن صنيعته كُفرت فلم تُشكر ليس بشيء لأنه إذا كُفرت صنيعته، وندم على وضعها في غير موضعها لم يكن نابذا للحفاظ وإنما يقول: الناس اثنان؛ محسن اليه، وهو المطلق من إسار، ينسى الذي أولى من الجميل، ومحسن عاف عن مجرم يندم على العفو من غير سبب وكلاهما تارك للحفاظ.

وقوله:

يَقْلِي مُفَارَقَةَ الأكُفِّ قَذَالُهُحَتَّى يَكَادَ على يَدٍ يَتَعَمَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

قال: يريد إنه صفعان فيكاد يتعمم على يده فتُصفع يده أيضا!

وأقول: هذا ليس بشيء، وإنما يقول: يُبغض قذاله مفارقة الاكف، ويهوى مصاحبتها...... ليُصفع بها فلو أمكنه أن يجعل يدا على قذاله، وهو جماع مؤخر رأسه، ويتعمم عليه حبا للصفع لفعل.

وقوله:

ولو لَمْ يَكُنْ بين ابن صَفْراَء حَائِلٌوبَيْني سِوَى رُمْحِي لكانَ طَويلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»

قال: قال ابن جني: صفراء: اسم أمه.

وقال ابن فورجة: صفراء: كناية عن الاست، والعرب تسب بنسبة الرجل إلى

الأست كما قال:

......بأنَّ بني أسْتَاهِهَا نَذَرُوا دَمِي

وأقول: ومما يؤكد ما قاله ابن فورجة قول عتبة بن ربيعة في بدر، وقد أشار على قريش بأن يرجعوا عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال أبو جهل: انتفخ سحره! فقال عُتبة: سيعلم مُصفر أسته من ينتفخ سحره!

والظاهر قول ابن جني أن صفراء أمه لقول أبي الطيب:

أرْسَلْتَ تَسْألني المَدِيحَ سَفَاهَةًصَفْراءُ أضْيَقُ منك مَاذَا أزْعُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

وقوله:

أتُرَاهَا لِكَثْرِةَ العُشَّاقِتَحْسِبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً في المآقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال: يصف المعشوقة؛ يقول لصاحبه: أتظنها لكثرة ما ترى الدمع في مآقي عشاقها تتوهم إنه خلقة فهي لا ترثي لمن يبكي.

وأقول: الجيد في هذا ان يكون القول لنفسه لا لصاحبه وذلك كقول ذي الرمة:

ما بَالُ عَيْنِكَ منها الماء يَنْسَكِبُ .........

وقول الراعي:

ما بالُ دَفِّكَ في الفِراشِ مُذِيلاَ .........

وأشباه ذلك.

يقول لنفسه: أتظنها تحسب الدمع خلقة، وإذا كانت كذلك فلا ترثي لباك فلا يحصل منها لعاشق راحة ولا رحمة، كما ذكره في البيت الذي يليه.

وقوله:

حُلْتِ دون المَزارِ فاليَوْمَ لوزُرْتِ لحَالَ النُّحولُ دُونَ العنَاقِ

قال: يقول: منعتني من زيارتك حتى نحلت شوقا اليك، فلو زرتني اليوم لم تقدري

على معانقتي لشدة النحول ورقة الجسم.

وأقول: إن قوله: لم تقدري على معانقتي ليس بجيد، والجيد أن تقول: لم اقدر على معانقتك. كأنه يقول: منعتني الوصال في حال عدم الزيارة وفي حال وجودها فلم أقدر عليه في الحالين للهجر والنحول.

وقوله:

كاثَرَتْ نَائِلَ الأميرِ من المالِ بما نَوَّلَتْ من الإيرَاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال: الإيراق مصدر قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئا، وأورق الغازي إذا لم يغنم. والناس يحملون هذا البيت على الأفعال من الأرق، فكان ابن جني يقول في تفسير هذا البيت: هي تطلب باسهارها إيانا الغاية طلب الأمير بإنالته النهاية فكأنها تكاثره نوالا؛ لكن نوالها الأرق ونواله الورق!

فإن كان أبو الطيب أراد بالإيراق هذا، فقد أخطأ؛ لأنه لا يبنى الأفعال من الأرق، وإنما يقال: أرق يأرق أرقا، وأرقه تأريقا. والأولى أن يُحمل الإيراق على منع الوصل والتخييب منه، يقول: هي في منعها وصلها في النهاية، كما إن الأمير في بذله نائله قد بلغ الغاية، فكأنها تُكاثر عطاءه بمنعها.

وأقول: قد طوّل في شرح هذا البيت أقصى غاية التطويل وقصّر أقصى غاية التقصير! والصحيح ما ذكره ابن جني، ولم يخطئ المتنبي، والإيراق هاهنا فيعال، لا أفعال كما ذكر، وذلك مثل: القيتال: مصدر قاتل، من المفاعلة. وكذلك آرق إيراقا. قال تأبط شرا:

يا عيدُ مَالَكَ من شَوْقٍ وإيَراقِ .........

وهذا من الأرق لا من إيراق الصائد!

وقوله:

لو تَنَكَّرْتَ في المَكَرِّ لِقَوْمٍحَلَفُوا، أنَّكَ ابنُهُ، بالطَّلاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال: يقول: لو غيرت زيك في الحرب، حتى لا يعرفك أهلها لعرفوك بشبه أبيك حتى يحلفوا بالطلاق انك ابنه.

وأقول: لم يذكر ما يعرفونه به وما وجه المشابهة بينهما عند التنكير بتغيير الزي وإخفاء النفس، وذلك بما يظهر من أفعاله عند إخفاء خلقه وزيه من شدة إقدامه وكثرة قتاله كفعل علي ﵇ في قتال صفين لأنه كان عُرف فتحومي فجعل يتنكر ولذلك خص المكر بالذكر فيُحلف عند ذلك بالطلاق لمشابهة الأخلاق إنه ابن أبيه لأن أباه أيضا، كان مشهورا بالشجاعة معروفا بالاقدام، فلا يفعل أفعاله إلا من هو منه وفي هذا مدح له ولأبيه.

وقوله:

يُشَارِكُ في النِّدامِ إذا نَزَلْنَابِطانٌ لا تُشَارِكُ في الجِحَاشِ
وَمِنْ قَبْلِ النِّطَاحِ وقَبْلِ يَأنيتَبِينُ لك النِّعَاجُ من الكِبَاشِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

قال في تفسير البيت الثاني: يقول: قبل المناطحة وقبل أوانها يتبين من ينلطح ممن لا يناطح، ومن يقاتل ممن لا يقاتل، وذلك إن الكباش تتلاعب بقرونها وان لم ترد النطاح بها، وكذلك تتلاعب الناس بالأسلحة في غير الحرب فيُعرف من يحسن استعمالها.

وأقول: قوله: وذلك أن الكباش تتلاعب...... إلى اخره، ليس بشيء، وإنما ضرب مثلا لمن يصلح للقتال، ولمن لا يصلح له بالكباش والنعاج؛ يقول: قبل النطاح يبين ذلك منهما، فتعلم أن النطاح لا يكون إلا بالكباش، ولا يكون بالنعاج، وإن كانوا من الغنم؛ لأن ذلك إنما يكون بالذُكران منها دون الإناث، فكذلك هؤلاء الذين ذكرهم في البيت الأول من أنهم يشاركون في الندام ولا يشاركون في القتال؛ يقول: قبل القتال يتبين انهم لا يصلحون له، كما قبل النطاح يتبين أن النعاج لا تصلح له، فهم، وإن كانوا رجالا، بمنزلة الإناث

وقوله:

فما خَاشِيكَ للتَّكْذِيبِ رَاجٍولا رَاجِيكَ للتَّخْيِيبِ خَاشِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

قال: قال ابن فورجة: أي: أن خاشيك حال به بأسك، واقع به سخطك وانتقامك فما يرجو تكذيبا لما يخافه لشدة خوفه، ولا راجيك يخشى أن يُخيبه لقطع عرفك.

قال: والصحيح في هذا البيت رواية من روى:

فما خاشِيكَ للتَّثرِيبِ رَاجٍ .........

أي: من خشيك لم يخف أن يُثرّب ويُعيّر بخشيتك؛ وراج بمعنى خائف.

قال: ومن روى للتكذيب لم يكن فيه مدح، لأن المدح في العفو لا في تحقيق الخشية، فإنما يُمدح بتحقيق الأمل وتكذيب الخوف كما قال السري:

إذا وَعَدَ السرَّاَء أنْجَزَ وَعْدَهُوإنْ وَعَدَ الضَّرَّاَء فالعَفْوُ مَانِعُهْ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عذلت وهل عذل المتيم نافعه»

فيقال له: دعنا من تفسير ابن جني: راج بمعنى خائف، والتمحل لتصحيح المعنى إذ لم يصح على قوله برواية شاذة، واجعله من الطمع الذي أراده الشاعر واستدل على ذلك بقلب صدر البيت على عجزه، فانه بذلك المعنى يقول: خاشيك في الحرب وعند القتال لا يرجو التكذيب بأنك تقتله وانه ينجو منك، وكذلك راجيك لا يخشى أن يخيب من جودك وإنك تحرمه لأنه مستحيل لراجيك أن لا تبلغه ما يرجو، كما أن مستحيل لخاشيك في الحرب أن ينجو. وعلى هذا التفسير لا يرد عليه ما أورده من أن المدح في العفو لا تحقيق الخشية، ولم نحتج إلى أن نجعل موضع للتكذيب للتثريب، ونفسر راج بمعنى خائف فنلتزم ضعف معنى البيت أو ضعف صناعته.

وقوله:

مِن المُتَمَرِّدَاتِ أذُبُّ عَنْهَابِرُمْحِي كُلَّ طَائرِة الرَّشَاشِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: المتمرد متفعل من المارد والمريد، وهو الذي قد أعيى خبثا، والمتمردة:

المتمنعة، يصف فرسه بالخبث وترك الانقياد لمن لا يحسن ركوبها.

والمعنى: أني أصونها برمحي من كل طعنة يترشش دمها.

وأقول: المارد والمريد هو العاتي، أي: المتكبر الشديد، فوصفها بأنها متمردة كناية عند حدتها ونزقها وشدتها، ولا يصفها بالخبث وترك الانقياد فان تلك من الصفات التي تضاد الجياد بالإضافة إلى كل ركب وكل مركوب.

وقوله:

إذا ذُكِرَتْ مَوَاقِفُهُ لِحَافٍوشِيكَ فما يُنَكِّسُ لانْتِقَاشِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»
تُزِيلُ مَخَافةَ المَصْبُورِ عَنْهُوتُلْهِي ذا الفِيَاشِ عن الفِيَاشِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

قال: يقول: إنه يستنقذ المصبور على القتل فيزيل خوفه، ويشغل المفاخر عن المفاخرة، لأنه يتواضع له ويقر بفضله. وفسر الكلام على أن الضمير في يزيل للممدوح.

قال: ومن روى تُزيل بالتاء فقد خاطب، يعني الممدوح.

وأقول: الرواية الصحيحة: تزيل بالتاء لا للمخاطب ولكن للمواقف التي ذكرها قبل.

يقول: هذه المواقف في الحرب إذا سمع ذكرها المصبور، أي: المحبوس على القتل، ازالت، لعظم هولها ما عنده من الهول والخوف بالإضافة اليها، وألهت ذا المفاخرة عن مفاخرته لحقارتها عندها. وهذا التفسير لم ينتبه له أحد من الجماعة، وهو الذي قصده أبو الطيب، وغيره ليس بشيء إلا شيئاً لا يعبأ به.

وقوله:

أنا ابنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أبا البَاحِثِ والنَّجْلُ بَعْضُ من نَجَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال: يقول: أنا فوق أب الذي يبحث عن نسبي. ثم بيّن في المصراع الثاني إنه أراد ببعضه الولد، والنجل: الولد.

وأقول: إن هذا البيت لم يعلم معناه ولم يعلم فحواه، وقد بيّنته في شرح ابن جني.

وكأن هذا البيت جواب لمن سأل المتنبي عن أبيه. وقيل: إنه رجل يُعرف بالمسعودي، من أصحاب أبي العشائر؛ لأن أباه كان خاملا غير معروف، وكان المتنبي يُعرف بابن عيدان السقاء. ذكره ابن ماكولا في إكماله بكسر العين من عيدان. وسألت شيخنا الكندي عنه فقال: هو بفتح العين، وذكر إنه كان يغضب إذا سُئل عن أبيه ونسبه لضعفه وقماءته، وذلك لأنه قد كان يتيه بخدمة سيف الدولة، إلى أن صار يجلس إلى جانبه، ويأكل معه في صحفته، ويشرب من قدحه، ويأخذ ما شاء من خزانته، فدخله الإعجاب بنفسه حتى إنه كان إذا مدحه أو مدح بعض أهله وكبراء دولته أودع في ذلك النظم فخرا، واظهر كبرا؛ فمن ذلك قوله في هذه القصيدة:

فَخْراً لِعَضْبٍ أرُوحُ مُشْتَمِلَهْوسَمْهَرِيٍّ أرُوحُ مُعْتَقِلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

والبيت الذي بعده. وهذا لا يحسن بذي أدب وافر، وعقل طاهر، ومعرفة بمواضع النظام، ومواقع الكلام، ومخبرة بإتقان المدائح، ومخاطبة أولى المنائح، وبذلك وأمثاله تبغّض إلى سيف الدولة وأهله وأصحابه، وكان السبب في بعده عن بابه ومفارقة جنابه.

وقوله:

أأخْفَتِ العَيْنُ عندَهُ خَبراًأمْ بَلَغَ الكَيْذُبَانُ ما أمَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال: أكذبتني عيني فيما أدت إلي من محاسنه، أم وجد الكاذب فرصة فغيّر ما بيننا؟ ويجوز أن يريد بالعين الرقيب وأنّث على اللفظ.

يقول: هل أخفى الرقيب عنده خبرا من أخباري في حبي إياه وميلي إليه؟ وهذا استفهام إنكار.

وأقول: هذا الذي فسره من صدر البيت، على المعنيين في العين، غير سائغ رائق،

ولا معجب شائق، وإنما يقول: هل نظرت عيني إلى شيء من أفعاله كان جميلا فاستقبحته فأخفته، أي: هل تغير لي عما كنت أعهده عليه من الإحسان إلي فأترك مدحه لذلك؟ أي: ليس الأمر كذلك.

ولو قال: - أعني المتنبي -:

أأكذبَ العَيْنَ بَرْقُ عَارِضِه .........

وعارضه، يريد به: مبسمه أو سحابه، وفيه تورية، وكذلك العين، وهي الباصرة أو المطر الدائم، لكان اظهر واحسن لفظا وأتم معنى.

وقوله:

فَأكْبَرُوا فِعْلَهُ وأصْغَرهُأكْبَرُ من فِعْلِهِ الذي فَعَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال: قال ابن جني: أي استكبروا فعله واستصغره هو، وتم الكلام، ثم

استأنف فقال:

......أكْبَرُ من فِعْلِهِ الذي فَعَلَهْ

قال: وقال العروضي فيما أملاه علي: على هذا التفسير لا يكون مدحا؛ لأن من المعلوم إن كل فاعل أكبر من فعله الذي فعله، وان الخالق - تعالى - فوق المخلوقين.

ومعنى البيت: إن الناس استكبروا فعله واستصغره هو، فكان استصغاره لما فعل أحسن من فعله.

فيقال له: فهذا الذي ذكره ابن جني في النصف الأول بعينه، وإنما المؤاخذة في النصف الآخر.

وقوله: لا يكون مدحا فيقال: لم لا يكون إذا قال: فعله عظيم، وهو أعظم منه، مدحا له وهذا معنى قوله:

......أعظَمُ من فِعِلْهِ الذي فَعَلَهْ

وهو من قول أعرابي دخل على يزيد بن المهلب فقال له: كبُرت أن يستعان بك أو يستعان عليك، وليس من شيء وإن كبُر إلا وهو صغير عندك وأنت أكبر منه، ولا أرى العجب في أن تفعل، وإنما العجب في أن لا تفعل! فقال: حاجتك؟ فقال: عشر ديات، قال: هي لك ومثلها!

وقوله:

أعَنْ إذْني تَهُبُّ الرِّيحُ رَهْواًويَسْري كلَّما شِئْتُ الغَمَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعن إذني تهب الريح رهوا»

قال: هذا استفهام معناه الإنكار. يقول: الريح لا تهب سهلة ساكنة بأذني، وكذا الغمام لا يسري على مشيئتي؛ يريد بالريح والغمام الممدوح في سرعته في العطاء وجوده.

يقول: إن الذي يفعله لا يفعله بأذني أو بمشيئتي إنما يفعله طبعا طُبع عليه.

وأقول: الجيد في هذا، لو قال: إنه لما رأى أفعال الممدوح جارية على اقتراحه، موافقة لأغراضه، شبهه بالريح ساكنة سهلة للين أخلاقه، وبالغمام لكثرة عطائه فقال مُتشككا: أعن أذني تهب الريح، وعن مشيئتي يسري الغمام، أي: يهدي إلي العطاء، أم ليس كذلك؟ ثم أنكر هذه الحالة التي لو أثبتها لكانت غاية في المدح إلى ما هو أعلى منها، مستدركا بقوله في البيت التالي:

ولكنَّ الغَمَامَ له طِبَاعٌتَبَجُّسُهُ بهَا وكَذَا الكِرامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعن إذني تهب الريح رهوا»

يقول: إنه يفعل الجود طبعا كالغمام لا كما بدا لي وخطر ببالي.

وقوله:

بِضَرْبِ هَامِ الكُمَاةِ تَمَّ لَهُكَسْبُ الذينَ يَكْسِبونَ بالمَلَقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

قال: يريد أن كل أحد يحبه لشجاعته كما يُحب من يتملق إلى الناس، ويلين لهم ويتودد إليهم، فتم له بضرب الهام ما يكسبه بالتملق.

أقول: كأنه يقول: يقتل الكماة وهم يحبونه. وهذا الذي ذكره ليس بشيء!

وإنما يقول: تم لأبي العشائر بالقهر، وهو ضرب رؤوس الكماة في الحرب واخذ أموالهم، مثل ما تم لغيره من كسب الأموال باللين والضعف. والبيت الذي بعده يدل عليه وهو قوله:

كُنْ لُجَّةً أيها السَّمَاحُ فَقَدْآمَنَهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لام أناس أبا العشائر في»

قال: يقول: هو لا يغرق في بحر السماح إن كان بحرا لأن سيفه آمنه من كل محذور حتى من الغرق. يعني إنه وإن كان سمحا؛ فإنه شجاع لا يخاف مهلكا، حتى لو صار السماح مهلكا ما خافه لشجاعته.

فيقال له: لقد وقعت في التيه! فأين يتاه بك عن هذا المعنى وهو ظاهر لمن تأمله بعين البصيرة؟!

يقول: كن أيها السماح لجة، أي: كثيرا، فانك لا تُغرقه، أي: لا تجحف به وتُفقره؛ لأن سيفه قد آمنه من ذلك بقتل أعدائه وأخذ أموالهم، وهو كقوله:

وَالسِّلْمُ تَكْسِرُ من جناحَيْ مالِهِبنَوَالهِ ما تَجْبُرُ الهَيْجَاءُ

وينظر إلى قول الخطيئة:

كَسُوبٌ ومِتْلافٌ...... .........

انتهى

وقوله:

بَلِيتُ بِلَى الأطْلالِ إنْ لَمْ أقِفْ بهاوقوفَ شَحيحٍ ضَاعَ في التُرْبِ خَاتِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

ذكر فيه أقوالا منها قول ابن جني:

قال: ليس في وقوف الشحيح على طلب الخاتم مبالغة يُضرب بها المثل. وأجاب عن هذا بأن قال: إن العرب كما تبالغ في وصف الشيء فتتجاوز الحد، فقد تقتصر أيضاً وتستعمل المقاربة. قال: وهذا بعينه قد جاء في الشعر الفصيح فضربت العرب به المثل في الحيرة، وهو قول الراجز:

فَهُنَّ حَيْرَى كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ

وقول العروضي: لا نلتزم هذا في قدر وقوف الشحيح، بل في صورة وقوفه بالانحناء ووضع يده على كبده وإطراقه، واستشهد على ذلك بقول الشاعر:

نَكَّسَ لما أتَيْتُ سائِلَهُواعْتَلَّ تَنْكِيسَ ناظِمِ الخَرَزِ
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «نكس لما أتيت سائله»

ثم قال: على أنّا إن التزمنا هذا؛ يعني قدر الوقوف فقد تبلغ قيمة الخاتم ما يحق للشحيح أن يُطيل وقوفه لطلبه بأن يكون خاتما ذا فص نفيس، أو يختم به خزائن ملك أو يُحبس به ويُطلق.

وقول ابن فورجة: وهو إنما وهو وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه.

ثم قال الواحدي: ونقول أيضاً في جواب هذا السؤال: إن وقوف الشحيح، وإن كان لا يطول كل الطول، فقد يكون أطول من وقوف غيره فجاز ضرب المثل به، كقول الشاعر:

ربَّ لَيْلٍ أمَدَّ من نَفَسِ العاشِقِ طُولاً قطَعْتُهُ بانْتِحَابِ
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «رب ليل أمد من نفس العاشق»

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.