من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحد الحادي عشر في الشّرب والشّراب
فما جاء في الشرب
ما يدلّ على تحريم الخمر: قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
وهذا أول ما نزل في تحريم الخمر، ثم قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
ثم قال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
وقال النبي ﷺ: حرمت الخمرة بعينها والسكر من كل شراب، وقيل للنبي ﷺ ألا نبيعها، فقال: ألا إن الله لعن الخمر وغارسها وشاربها وعاصرها ومعتصرها وساقيها وحاملها وبائعها وآكل ثمنها وقد أجمع المسلمون على تحريمها.
تحريم النّبيذ: قال النبي ﷺ: كل مسكر حرام، وقال: كل مسكر خمر، وقال: ما أسكر كثيره
فقليله حرام. وروي أن إبليس لما لعن، قال: يا ربّ اجعل لي شرابا، فقال: شرابك كل مسكر. وروي أنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب والتمر والبر والشعير والعسل، ونهى عن الفصيخ. وقال: ما خمّرته فهو خمر.
تعظيم السّكر واختلاف الناس فيه: قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: ما ذنب أعظم من السكر، وذلك أن
العبد يذنب فيتصور له ذنبه، ويعلم أن الله ربه، وإذا سكر نسي ذنبه ولم يعرف ربه، وشرّ الذنوب ما فرق بين العبد وبين معرفة ربه. وروي أن إبليس قال: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا سكر أن آخذ بزمامه فأقوده حيث أشاء، وأحمله على ما أريد.
قال شاعر:
وإن أمرأ يبتاع سكرا بصحّةلفي سكرة تغنيه عن ذلك السّكر
حدّ السّكر: قيل لبعضهم: ما حد السكر؟ قال هو أن تعزب عنه الهموم ويظهر سرّه المكتوم.
وقيل: حده أن يحسن عندك ما كان قبيحا، وأخذ ذلك أبو نواس، فقال:
إسقني حتّى ترانيحسنا عندي القبيح
وله:
لا تلمني على التي فتنتنيوأرتني القبيح غير القبيح
الحثّ على الكناية عن ذكرها: قال ابن باذان:
ألا فاسقني صهباء من حلب الكرمولا تسقني خمرا بعلمك أو علمي
وقال أبو نواس:
أثن على الخمر بآلائهاوسمّها أحسن أسمائها
الإستغناء بها عن مباشرة الأعمال ومصاحبة السّلطان: قال عبد الصمد:
يبيت ونفسه من كلّ شيءسوى تدبير لهو مستريحه
وقال يعقوب بن الربيع:
إذا كان عندي قوت يوم وليلةمن الرّاح ينفي الهمّ عنّي إذا اتسع
فلست تراني سائلا عن خليفةولا عن وزير للخليفة ما صنع
حفظ المدام عن اللّئام: قال بعضهم: وددت أن الكأس بألف والحر في وجه الأسد حتى لا يشرب إلا كريم ولا ينكح إلا شجاع.
قال أبو نواس:
أجلّ عن اللئام الرّاح حتّىكأنّ الراح يعصر من عظامي
وله:
ووقّر الكاس عن سفيهفإنّ حقّا له الوقار
وكان ابن الرومي في مجلس فيه ثقيل بغيض، فعرض الكاس عليه فامتنع ولام ابن الرومي، فقال له ابن الرومي:
يا لائمي في الرّاح غير مقصرلا زال رأيك سيّئا في الرّاح
فأقلّ ما في ترك مثلك شربهاتوفيرها وطهارة الأقداح
وقال ابن باذان:
صرف الكاس عن دناة لئامهمّهم للشّقاء جمع الكنوز
الحثّ على اعتبار الوقت في المسرّات دون ماضيه ومؤتنفه: قال أبو العتاهية:
ليس فيما مضى ولا في الذي لميأت من لذّة لمستجلبيها
إنّما أنت طول عمرك ما عمرت في السّاعة التي أنت فيها
وقال يزيد المهلبي:
أعجز النّاس مضيع يومهوهو لا يعلم ما يأتي غده
وقال ابن الحجاج:
خذ الوقت أخذ اللص واسرقه واختلسفوائده بالطّيب أو بالتّطايب
ولا تتعلل بالأماني فإنّهامطايا أحاديث النّفوس الكواذب
الحثّ على مبادرة الشّيب بتناول المسرّات والخمور: قال عبد الله بن السمط:
بادر شبابك أن يغتاله الزّمنواقض ما أنت قاض والصّبا حسن
وقال ابن الجهم:
فبادر بأيام الشّباب فإنّهاتفوت وتقضي والغواية تنجلي
وقال أبو علي:
أعط الشباب نصيبهمادمت تعذر بالشّباب
وقال المتنبّي:
أنعم ولذّ فللأمور أواخرأبدا إذا كانت لهنّ أوائل
ما دمت من أرب الحسان فإنّماروق الشباب عليك ظلّ زائل
للهو آونة تمرّ كأنّهاقبل يزوّدها حبيب راحل
ولهذا باب في الشيب والشيب
من شرب على الكبر: كان إسماعيل بن حمدون يصطبح ويغتبق خمسين سنة، ثم ترك النبيذ فعمي فعاود عادته في الشرب، فقيل له، فقال: لا يجتمع عمى وظمأ.
وقال أبو نواس:
قالوا كبرت فقلت ما قصّرت يديعن أن تخبّ إلى فمي بالكاس
وقال اليعقوبي:
هل لك في عذل ابن ستين دركشيخ إذا ما غمّه العذل فتك
فهو خليع في الضّلال منهمك
استقباح الشّرب بالمشايخ: قال بعضهم:
أبعد ستين قد ناهزتها حججاأحكّم الراح في عقلي وجثماني
يا قبح معتجر بالشيب من كبرراحت تميل به أعطاف سكران
وقال آخر:
أمن بعد ستين ناهزتهاأعلّل قلبي بإطرابه
ترك الشّرب قبل الكبر: وقال بعضهم:
لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنتنفسي إلى الماء من ماء العناقيد
لم تنهني كبرة عنها ولا فندلكن صحوت وغصني غير مخضود
مخالفة اللّوّام في تناول المدام: قال أحمد بن أبي طاهر:
اسقنيها برغم من لام فيهامن نصيح وعاذل وحسود
وقال ابن المعتز:
خليليّ طوفا بالمدام وبادرابقيّة عمري والسّلام على مثلي
ألا إنّما جسمي لروحي مطيّةولا بدّ يوما أن تعرّى من الرحل
أيا عاذلي هلا اشتغلت بسامعكما أنا مشغول بكاسي عن العذل
وقال البسامي:
خلّ عنّي لست من أربيأربي في الكاس والطّرب
دونك العذب الزّلال وليسعة في صفوة العنب
وقال آدم بن عبد الله بن مروان:
قل لمن يلحاك فيهامن فقيه أو خليل
أنت دعها وارج أخرىمن شراب سلسبيل
الحثّ على مدافعة الهموم بالشّراب والتّبجّح بذلك: قال ابن المعتز:
خلّ الزمان إذا تقاعس أو جمحواشك الهموم إلى المدامة والقدح
ودع الزّمان فكم لبيب حاذققد رام إصلاح الزّمان فما صلح
وقال ابن الرومي:
سأعرض عمّا أعرض الدّهر دونهوأشربها صرفا وإن لام لائم
نوادر السّكارى: سقط سكران، فجاء كلب يلحس فاه، فجعل يقول:
أخوكم ومولاكم وصاحب سرّكمومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا
وسقط آخر في مستراح مملوء، فجعل يقول:
أأصحابنا ما للقعود هنا معنى
وقال العتابي: كان في دارنا سكران فقعد على مصلى وسلح فيه، فأخذت بيده إلى المستراح فنام فيه، فقالت جاريتي: يا عجبا، كل شيء منه مقلوب، خرأ حيث ينام الناس ونام حيث يخرأ الناس.
الخمّار: الخمّار يداوي بالخمرة، ولذلك قال أبو نواس:
وداوني بالّتي كانت هي الدّاء
وذلك من قول الأعشى:
وكاس شربت على لذّةوأخرى تداويت منها بها
ومات الأعشى في بيت خمارة فارسية، فقيل لها: ما كان سبب موته؟ فقالت: منها
بها يكشتش، أي قتله قوله في هذا البيت.
وكان المتنبي ينادم أبا الفوارس بن فهد فانصرف من عنده ليلة، وقد أثخن سكرا، فلما أصبح أتاه الرسول يدعوه، فقال:
وقد متّ أمس بها موتةولا يشتهي الموت من ذاقه
وقال آخر:
كصريع الخمر داوى ما بهمن خمار بعقار فانتشى
من تركها تفاديا من ذمّ الناس: قال بعضهم: تركت كثيره لله تعالى إجلالا وقليله للناس جمالا. وعوتب بعضهم على تركه، فقال: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما ذقته. قال الوليد للحجاج: هل لك في الشراب؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين وليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع أهل عملي منه وأخاف أن أخالف قول العبد الصالح، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، فأعفاه.
وسأل المنصور أبا بكر الهذلي عن النبيذ، فقال: تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء.
ذمّها بأنها تدعو إلى الفسق: قال الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
مرت أعرابية بقوم يشربون نبيذا فسقوها فلما شربت أقداحا اعترتها أريحية، فقالت: أيشرب هذا نساؤكم، قالوا: نعم، قالت: إذا زنين ورب الكعبة، فما يدري أحدكم من أبوه. قال جحظة:
لم يبلغ الشيخ إبليس إرادتهحتى تكاثف في عنقوده العنب
سئل عبد الله بن إدريس عن الشرب، فقال: إشرب ما لا يشربك.
ذمّ إدمانها: قال بعض الطرفاء: أربعة أشياء إن أفرط فيها الرجل أهلكته واستهوته، إدمان الخمر وحب النساء وشهوة الصيد والمماراة. وفي الخبر: لا يدخل الجنة مدمن خمر.
الحثّ على استيفاء شربها أو تركها: قال ابن شبرمة لكاتبه: أتشرب؟ النبيذ؟ قال: القدحين والثلاثة، فقال: والله ما شربته شرب من يلتذ به ولا تركته ترك من يتحرج منه.
وقيل في جواب هذا: المثل: إشرب شرب فتوة أو أترك ترك مروءة. وقيل
لبعضهم: كم تشرب، قال: مقدار ما أفسد به ديني، وقيل ذلك لآخر، فقال: مقدار ما أقوى به على ترك الصلاة.
الشّرب سرّ: مرّ الفرزدق على الحكم بن المنذر بن الجارود فاستسقى لبنا، فأمر غلامه أن يجعل في العقب خمرا ويحلب عليها لبنا ويسقيه، فلما كرع فيه جعل الخمر ينبع من تحت اللبن، فشرب، فقال له: بأبي أنت ممن يخفي الصدقات.
ودخل الغضبان الأسدي على قوم يشربون فاحتشموه ورفعوا نبيذهم فجعلوه تحت السرير، ورمقت السنور فأرة فطفرت فكسرت الآنية وفاح ريح الشراب، فقال الغضبان: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، فقالوا له: تالله إنك لفي ضلالك القديم ثم أخرجوا النبيذ فساعدهم عليه.
الشّرب جهرا: لما وقع الخلاف بين الأمين والمأمون، كان المأمون يخطب بخراسان بمساوي الأمين، ويقول في جملة مساويه: وما ظنكم بخليفة يقتني شاعرا ينشد بحضرته جهارا نهارا في مجلسه هذا القول:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمرولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر
فما الغبن إلا أن تراني صاحياوما الغنم إلا أن يتعتعني السّكر
وقال المكتفي للصولي: أتعرف أهتك بيت قالته العرب، قال قول أبي نواس:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر
فقال: بل قول الحسين بن الضحاك:
أتبعت سكرا بسكرفأتبعت خمرا بعمر
الضّعيف الشّرب: قيل لبعضهم: كيف شربك؟ قال: لو وطئت زبيبا لسكرت شهرا.
قال الخبزارزي:
اصرف سفاتج هذا الشرب عن رجلله بضيعة في الشرب مزجاة
وقال آخر:
ولو علم الأكارم ضعف شربيلأعفوني عن النّجب العظام
وقال خالد الكاتب:
لا أسقين ما ليس لي طاقةبه فإنّي ضيّق الحوصلة
وقال الخباز البلدي يعاتب من كثر سقيه:
يسارقني في كل دورين حبّةألا إن قيراط النبيذ كثير
من ترك الشّرب خوفا من السّلطان: قال أبو نواس لمّا نهاه الأمين عن الشرب:
أعاذل بعت الجهل حيث يباعوأبرزت رأسا ما عليه قناع
نهاني أمير المؤمنين عن الصّباوأمر أمير المؤمنين مطاع
ولهو لتأنيب الأمين تركتهوفيه للاهي منظر وسماع
من حدّ في شربها: سمع أبو خرابة رجلا يقول وهو مجلود: من رآني فلا يشرب النبيذ، فقال: في إستك
وإست من حملك على هذه المشورة وإست من قبلها منك، ثم قال:
ستعصى وتقصى ثم تمنّى بشربهاوإدمانها إن كنت حرا مهذّبا
ومرّ النخاسي بأبي السماك في شهر رمضان، فقال: هل لك في رؤس وشراب كالورس يطيب النفس ويهضم الطعام ويسهل للفدم الكلام؟ فنزل وتغدّيا فأخبر أمير المؤمنين بذلك، فأفلت أبو السماك، وأخذ النخاسي فأتي به فضربه ثمانين وزاده عشرين، فقال: يا أمير المؤمنين وما هذه العلاوة؟ فقال: لجراءتك على ربّك في شهر رمضان.
من تخلّص من الحدّ في شرب الخمر: دخل عمر ﵁ على قوم يشربون، فقال: ألم أنهكم عن الشرب فشربتم، فقال أحدهم: ألم ينهك الله عن التجسس فلم تجسست؟ فقال: صدقت، فتجافى عنهم.
وقال العبدلي للواثق: ما قمرتني إلا لكوني سكران، فقال: قد وجب عليك الحد لأنك أقررت، فقال: هذا افتخار لا إقرار اعتراف.
وصفها بأنّها تدرع الكبر وتورث اليسر: قال لقيط بن زرارة:
شربت الخمر حتى خلت أنيأبو قابوس أو عبد المدان
أمشي في بني عدس بن زيدرخيّ البال منطلق اللسان
وقال المنخل:
وإذا سكرت فإنّنيربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فإنّنيربّ الشويهة والبعير
وصف رقّة الإناء والخمر معا: قال البحتري:
يخفي الزجاجة لونها فكأنّهافي الكفّ قائمة بغير إناء
وقال الصاحب، وقيل هما لأبي نواس:
رقّ الزّجاج وراقت الخمروتقاربا فتشابه الأمر
فكأنّما خمر ولا قدحوكأنّما قدح ولا خمر
وصفها بأنها تخضّب الكفّ: قال شاعر:
تحسب الظبي إذا طاف بهاقبل أن يسقيكها مختضبا
وقال الخباز البلدي:
وهي تكسو كفّ شاربهادستبانات من الذّهب
وقال ابن المعتز:
كأنّهم الهبوا بينهمحريقا وأيديهم تستعر
وصف حمرتها: قال أبو نواس:
أقول لما تحاكيا شبهاأيّهما للتشابه الذّهب
هما سواء وفرّق بينهماأنّهما جامد ومنسكب
وأخذه ابن المعتز، فقال:
وخمارة من بنات المجوسترى الزقّ في بيتها شائلا
وزنّا لها ذهبا جامدافكالت لنا ذهبا سائلا
وصف الخمر وشاربها: قال الحسين بن الضحّاك، أنشدت أبا نواس:
كأنّما نصب كاسه قمريكرع في بعض أنجم الفلك
فأنشدني:
إذا عبّ فيها شارب القوم خلتهيقبّل في داج من الليل كوكبا
فقلت: يا أبا علي، هذه مثل ما أنشدتكه، فقال: أتظن أن يروى لك بيت حسن، وقد أحسن القائل:
وكأنّه والكاس في يدهقمر يقبّل عارض الشّمس
وصفها بالصّلابة: قال أبو تمّام:
إذا اليد نالتها بوتر توقّرتعلى ضغنها ثم استقادت من الرجل
وأخذه من عطاء:
أسروها وجه النهار من الدنّ فأمسوا وهم لها أسراء
ونحوه لديك الجن:
فظلنا بأيدينا نتعتع روحهاونأخذ من أقدامنا الرّاح ثارها
وقال آخر:
قهوة تترك الحليم سفيها
وقال أحمد بن طاهر:
ما تمّ منها ثلاثا قطّ شاربهاإلا رأى عقله منه على سفر
وصفها بالعتق: قال أبو نواس:
اسقنيها سلافةسبقت خلق آدما
وقال آخر:
عاصرها آدم أبو البشر
وقال شاعر:
عتّقت حتّى لو اتصلتبلسان ناطق وفم
لاحتبت في البيت ماثلةثمّ قصّت قصّة الأمم
وقال آخر:
قهوة تذكر نوحاحين شاد الفلك نوح
وقال آخر:
قهوة أبرزت بخاتم كسرى
وقال ابن حجاج:
قوما إسقياني قهوة روميّةمن عهد كسرى دنّها لم يمسس
وصفها بأنّها تورث السّخاء والشّجاعة: قال أبو نواس:
وخذها من مشعشعة كميتتنزل درّة الرّجل الشّحيح
وأخذه من عمرو بن كلثوم:
ترى اللخن الشحيح إذا أمرّتعليه لماله فيها مهينا
وقال آخر:
إذا سقي الفتى منها ثلاثاتسربل ثوب مكرمة وجود
وقال آخر:
نشربها فتتركنا ملوكاأسودا ما ينهنهنا اللقاء
وصف النيء والمطبوخ: سئل أبو نواس عن نبيذ طبخ، فقال:
وما طبخوها غير أن غلامهمسعى في نواحي كرمها بشهاب
فقال بعضهم إحرقوه فأحرقهم الله. قال الأقيشر:
صفراء صافية الأقذاء حلّلهاطبخ السراج ولم يجمع لها حطب
وقال أبو نواس:
طبخته الشّمس لمّابخل العلج بناره
قال المطوق: قال لنا جحظة يوما قد عملت بيتا زدت فيه على أبي نواس في وصفه، وأنشد:
فظلّ يسقينا جنانيّةضنّت بها الشّمس عن النّار
وقد أحسن، فإن الخمر التي في الجنة لم تطبخ بنار، ثم قوله ضنّت بها الشمس عن النار مع صحة معناه ظريف اللفظ. قال عمرو بن الأهتم:
من كميت أجادها طابخاهالم تمت كلّ موتها في القدور
وصفها بأنّها تحمّر الوجنة: قال الأعشى:
وسبية ممّا تعتّق بابلكدم الذبيح سلبتها جريالها
يروى أن الأعشى سئل عن معناه، فقال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء. روي أن أبا نواس قال: إنما عنى به ما قلت:
كاس إذا انحدرت عن حلق شاربهارأيت حمرتها في العين والخدّ
وقال الناجم:
تنازعنا الخد جريالهاوتهديه للعين يوم الخمار
وقال الناشىء:
نفضت على الأجسام ناصع لونهاوسرت بلذّتها إلى الأرواح
وصفها عند المزاج: قال أبو نواس:
من قهوة جاءتك قبل مزاجهاعطلا فألبسها المزاج وشاحا
وقال الزاهي:
كأنما الماء حين خالطهاأهدى إليها غلائل الشّفق
وقال أبو نواس:
كأن صغرى وكبرى من فواقعهاحصباء درّ على أرض من الذّهب
وقال ابن المعتز:
راح كأن حبابهادرّ يجول مجوّفا
وقال آخر:
تنزو إذا مسّها قرع المزاج كماتنزو الجنادب أوقات الظهيرات
وقال ابن طباطبا:
إذا ما الماء مازجها تراءتكما زوّجت بالتّبر اللجينا
هما ذوبان لو جمدا جميعاإذا صارا معا ورقا وعينا
وقال الصنوبري:
ناهيك من فضّة تجري على ذهبماء من النّور في ماء من اللهب
طيب رائحتها: قال الأخطل:
وإذا تعاورت الأكفّ زجاجهانفحت ونال رياحها المزكوم
وقال الرفاء:
فضّ النديم ختامها فكأنّمافضّ الختام عن العبير ففاحا
نبيذ ردي ءق أو أسود: قال الصوفي، وفي يده قدح: وشاب هذا الليل إذا عسعس، وأومأ إلى قدح صاف وقال: وذاك الصبح إذا تنفس. قال أبو تمّام:
وكأن الأنامل اعتصرتهابعد كد من ماء وجه البخيل
وقال البحتري:
فجاء نبيذ له حامضيشقّ على الكبد المقفرة
إذا صبّ مسودّه في الزّجاج كان النديم به محبره
وقال ابن المعتز:
كأن بأيدي شاربيها إذا اتّكوامحابر ورّاقين قد ملئت حبرا
ودفع إلى رجل شراب غليظ، وقيل له: كيف تراه؟ فأنشد:
هو في الجوع طعاموهو في الظمء شراب
سقى بعضهم ضيفا له نبيذا رديئا، وقال: هذا نبيذ من عانة، فقال الضيف: بل من العانة على أربع أصابع
استيهاب الشراب للأضياف: كتب أبو تمّام إلى صديق له يستوهب منه مشروبا لصديق. يزعم أنه نزل به:
جعلت فداك عبد الله عنديبعقب الصدّ منه والبعاد
فأحسن يومنا إن لم تجدنامصادف دعوة منا جماد
فكم نوء من الصّهباء ساروآخر منك بالمعروف غاد
فهذا يستهلّ على غليليوهذا يستهل على بلادي
وكتب ابن الحجاج إلى صديق له:
يا سيّدي قد جاء زوّاريفظلت في نار وفي عار
فامنن بخمر أو فوجّه بمنيخرجهم بالصّفع من داري
قال السري الرفاء مستدعيا شرابا:
الراح قد أعوزتنا في صبيحتنابيعا ولو وزن دينار بدينار
فامنن بما شئت من راح يكون لنانارا فإنا بلا راح ولا نار
من استوهبه ورام إكبار الظّرف أو ترك المزاج: قال الرفاء:
عندي ضيف لم يزل مضيفافأهد لي خلوقك المذوفا
تحوي له الشّكر له صنوفاوكبر الظرف تكن ظريفا
وقال آخر:
واعلم بأن ظروف الرّاح إن كبرتعند الهدية أبدت ظرف مهديها
وقال جحظة:
ومرّ الغلام بتركه من مزجهإن النوال يطيب غير مكدرّ
وقال الزاهي:
أرى المشروب عزّ وذاك شيءإذا حصّلته حصلت حمدي
فمرهم يبعثوه بغير مزجفإنّ الماء ليس يضيق عندي
معاتبة من بخل بالنّبيذ: كتب الكتنجي إلى بعض إخوانه يستهديه نبيذا، فتباطأ عليه، ثم عاد الرسول، فقال هو يستدعي ظرفا يجعله فيه، فكتب إليه:
مطلتنا بالنّبيذ دهراما بين مطل وبين خلف
وبعد دهر طلبت ظرفاكأن قارورة بألف
فمن يرجيك بعد هذاولست ممّن يفي بظرف
فدعا الرجل سقاءين فملأ قربتيهما، وبعثهما إليه
ومما جاء في الندام والندماء والسقاة
الإنخراط في سلك الشّرب والصّحب: جلس المتوكل مع جماعة، وفيهم يحيى بن أكثم، فلما شرب الناس ثلاثة أرطال، أمر يحيى بالإنصراف، فقال له: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال لأنا قد خلطنا، فقال: أحوج ما يكون إلى قاض إذا خلطتم، فاستظرفه المتوكل وأمر أن تغلف لحيته بالغالية، ففعل، فقال: ضاعت الغالية وكان هذا يكفيني دهرا، فأمر بزورق من الغالية ودرج بخور، فجعلا في كمّه.
طيب المدام بطيب النّدّام: قيل لأعرابي كم تشرب من النبيذ؟ فقال: مقدار النديم
وقال أبو نواس:
الراح طيّبة وليس تمامهاألا بطيب خلائق الجلاس
وقال آخر:
إنما تستعذب الراح بأخلاق النّديم
وقال العطوي:
تصفو الزجاجة بالنّديم إذا صفاويكدّر الندمان صفو الرّاح
وقال آخر:
يقولون قبل الدار جار موافقوقبل الطريق النّهج أنس رفيق
فقلت وندمان الفتى قبل كاسهوما حثّ كاس اللهو مثل صديق
وقال آخر في صديق استطاب مجالسته:
يا ليلة لست أنسى طيبها أبداكأنّ كلّ سرور حاضر فيها
باتت وبتّ وبات الزّقّ ثالثناحتّى الصباح تسقيني وأسقيها
كأن سود عناقيد بلمّتهاأهدت سلافتها صرفا إلى فيها
إختيار عدد النّدمان: قال منصور الفقيه:
فليدع منها خمسةمتخيّرين ولا يزد
فدوين هذا وحشةوفويقه سوق الأحد
وقال آخر في المعنى:
إذا ما جاوز الندمان خمسابربّ البيت والسّاقي اللبيب
فأير في حر أم فتى دعاناوأير في حر أم فتى مجيب
الوصيّة بطيّ حديث الشّرب: قال المأمون ﵀: أطووا خبر أمس مع ذهاب أمس، فهو أدوم للسرور وأسلم للصدور. وقال: النبيذ بساط إذا رفع لم ينشر.
وقال علي بن صالح:
حكم العقار إذا قصدت لشربهافي لذّة من مسمع أو قيان
أن لا تعود لذكر ما أبصرت منأحدوثة من شارب سكران
وقال آخر:
إذا ذكر النبيذ فليس حقّاإعادة ما يكون مع النبيذ
إعادة ما يكون من السّكارىيكدّر صفوة العيش اللذيذ
الممدوح بترك إعادة الحديث ومعاتبة النّديم: قال شاعر:
ولست بلاح لي نديما بزلّةولا هفوة كانت ونحن على خمر
عركت بجنبي قول خدني وصاحبيونحن على صهباء طيبة النشر
وأيقنت أن السكر طار بلبّهوأعرق في شتمي وقال وما يدري
وقال ابن الجهم:
تنازعوا لذّة الصهباء بينهموأوجبوا الرّضيع الكاس ما يجب
لا يحفظون على السكران زلّتهولا يريبك من أخلاقهم ريب
استقالة من بدر منه في السّكر بادرة: قال شاعر:
إذا حكّمت كؤسك في الندامىفحقّهم الإقالة للعثار
وقال آخر:
ما على مثّقل من النّوموالسكران فيما أتى من الآثام
وقال آخر:
ومن يقرع الكاس اللئيمة سنهفلابدّ يوما أن يسيء ويجهلا
الممدوح بمسامحة رفيقه في الشّرب: قال بعضهم:
هلمّ اسقني كأسا ودع عنك من أبىوروّ عظاما قصرهنّ إلى بلا
فإنّ نديمي غير شكّ مكرملديّ وعندي من هواه الذي أرتضى
ولست له في فضلة الكاس قائلالأصرعه سكرا تحس وقد أبى
ولكن أفديه وأكرم وجههواشرب ما يسقي وأسقيه ما اشتهى
وقال أبو نواس:
ولست بقائل لنديم صدقوقد أخذ الشراب بوجنتيه
تناولها وإلّا لم أذقهافيأخذها وقد ثقلت عليه
ولكنّي أداري الشرب عنهوأصرفها بغمزة حاجبيه
فإن مدّ الوساد لنوم سكردفعت وسادتي أيضا إليه
من لا يعتدّ بمجالسته ومن يعرض بمذهبه: قال بعض المحدثين:
خرجنا جميعا إلى نزهةوفينا زياد أبو صعصعة
فستة رهط به خمسةوخمسة رهط به أربعة
وقال آخر:
عندي جعلت لك الفداسهل وسهل ليس يجدي
إن لم تكن لي ثانيافكأنّني في البيت وحدي
وأصله لأبي حبة:
أصمّ إذا ناديت جهرا وإن تشرفأعمى وإن تفعل جميلا فجاحد
وأقسم برا أن لولا خيالهلما كنت إلّا مثل من هو واحد
وقال صاحب وفي يده كاس:
تطيب كؤوسنا لولا قذاهاويحتمل الجليس على أذاها
فقال النابغة:
قذاها أن صاحبها لئيميحاسب نفسه بكم اشتراها
طيب مجالسة الإخوان ومحادثتهم: قال شبيب بن شبة: لم يبق من لذات الدنيا إلا أربعة مجالسة الإخوان ومناسمة الولدان وملامسة النسوان ومداولة الكاس مع الندمان. قيل لبعضهم: ما بقي من لذتك، فقال: محادثة الإخوان في الليالي القمر على الكثبان العفر.
وقيل لبعضهم: تمنّ، فقال: وجه حبيب ومغن مصيب وساق أريب ونديم لبيب.
وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: لون مشبع ومغن ممتع وكاس مترع ونديم مقنع. وقيل:
مجالسة أهل الفضل ذكاء العقل.
إيثار محادثة الإخوان على غناء القيان: قال علي بن الجهم:
شهدتها وفتية أخيارلهوهم الإسمار والأشعار
وملح تقدح منها النّاربمثلهم يعاقر العقار
وقال ابن المعتزّ في مدح ذلك:
بين أقداحهم كلام قصيرهو سحر وما سواه كلام
إيثار التفرّد بالشّراب وذمّه: قال أبو نواس في ذلك:
خلوت بالرّاح أناجيهاآخذ منها وأعاطيها
شربتها صرفا على وجههاوكنت حاسيها وساقيها
وقال العطوي:
أخطب لكاسك ندمانا تسرّبهأو لا فنادم عليه حكمة العنب
وقال آخر:
يئست من الألى أقبلت أسعىإليهم، إننّي رجل يؤوس
التناهد: قال شاعر:
ما العيش إلا للمناهدينامؤنة قضت على عشرينا
ولو تفرّدنا بها خرينا
وقال بعضهم في متناهدين:
وقال حفص لزيد حين ناهدهمنك النبيذ ومنّي الدنّ والكوز
واللحم منك ومنّي النّار أنضجهوالماء منّي ومنك الخبز مخبوز
وتناهد قوم وفيهم مفلس، فقال أحدهم: عليّ كذا، وقال الآخر: وأنا عليّ كذا، إلى أن قالوا للمفلس وأنت ما عليك، فقال: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قال الحسن بن سهل في جماعة من القواد يتناهدون:
كّنا نذمّ إلى التناهد بينناحتّى رأيت تناهد القوّاد
لا خير في القوّاد إلا هكذايتناهدون تناهد الأوغاد
ترضى لنفسك أن تصاحب معشرايتناهدون على خسيس الزّاد
التّعفّف عن التّعرّض لأخدان النّدماء: كان بعض الفضلاء ينادم صديقا له فعشقته امرأته، فتعرضت له فامتنع عليها، وقال:
ربّ حسناء كالمهاة تهادىقد دعتني لوصلها فأبيت
لم يكن بي تحرّج غير أنّيكنت ندمان زوجها فاستحيت
وقال آخر:
إنّي على ما فيّ منعهد الشبيبة والغضارة
لأغضّ من طرفي فيأمنني النديم على السّتارة
وكفى بعيب ذلك ما حكى الله تعالى: قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ
المعيب بتعرّضه لحرم نديمه: قال بعضهم لنديم رآه يرمق بعض حرمه:
كل هنيئا وما شربت مريئاثمّ قم صاغرا وغير كريم
لا أحبّ النّديم يرمق بالعين إذا ما انتشى لعرس النديم
المتبجّح بالتّعرّض للنّدماء: قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس شعرا، قال: والبة بن الحباب، قال:
صدقت. قال عمارة: وما يمنع أمير المؤمنين من منادمته وهو شاعر ظريف، قال: يمنعني منه قوله:
قلت لساقينا على خلوةادن كذا رأسك من راسي
وأدن وضع صدرك لي ساعةإني امرؤ أنكح جلاسي
أفتريد أن تكون جليسه.
ولبعض الخاسرين:
لا أبغض منادمي إن نكتهإني لنيك منادمي معتاد
وكذاك لست ألومه إن ناكنيفلقد علمت كما أكيد أكاد
مدح الصّفع واحتجاج الصفعان لذلك: الصفع غلّة ولكنه مذلّة ويذهب بالعلّة الغليظة من العينين، إذا أردت أن يكثر نفع دارك فاصبر على الصفع المتدارك. الصفع في هذا الزمان خير من غلّة بستان. الصفع على الريق أنفع من شرب السويق. وقيل لصفعان: ما المعنى في الصفع؟ قال: هو أول منزلة من التواضع وهو يحسن الخلق ويذهب بالصغار ويخفف من الخمار ويؤمن البدن من الاقشعرار، ومن فضائله أنه يونس المستوحش ويبسط المنقبض ويضحك الحزين وينشط الكسلان ويزيل النعاس ويقوي الراس. صفع رجل آخر فغضب المصفوع، فطأطأ رأسه، وقال له: حقك في يدك خذه ولا تغضب.
معارضة صفعان لمن صفعه: كان صفعان مع قوم فصفعه بعض لم يكن يؤبه به من بينهم، فقال الصفعان: يا كشحان هذا يفعله من كان له قصر وفي داره طاوس وعلى بابه نعامة، لا من في داره ديك وعلى بابه كلب وحجرته بالكراء.
وصفع رجل آخر فالتفت إليه، وقال: صفع بصفع أو صفع بنفع.
الحثّ على مصابرة الثّقيل: سأل رجل صديقا له أن يمشي معه إلى إنسان في حاجة، فقال: أحب أن تعفيني، فإنه ثقيل بغيض غثّ، فقال صاحبه: يا سيدي أحسبه الكنيف الذي تأتيه كل يوم مرتين.
صعوبة ملاقاة الثّقلاء: قال الأعمش: ما نظرت إلى ثقيل إلا اشتكت عيني، وقال: ربما سألني ثقيل عن مسألة فأنساها في الوقت، لما ينالني منه. وقال ابن عمر ﵁: اتقوا من تبغضه قلوبكم. وقال مالك لطبيبه: أنظر مجسي فجسه، وقال: مزاجك معتدل إلا أن فيه كدرا فهل وصل إليك اليوم بغيض؟ قال: نعم، قال: فهذا من ذاك. وقيل: مجالسة الثقيل حمى الروح، ومنه أخذ أبو هفان:
أورثتني بجلوسإليك حمّى مليله
وقيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل فلا يعييه ولا يحمل مجالسة الثقيل، فقال: لأن الحمل تشترك فيه الأعضاء والثقيل تنفرد به الروح.
الأحوال المفضية للثّقل: قال ابن سيرين: مكتوب في كتاب سوء الأدب إذا أتيت منزل قوم فلم ترض بما
يأكلون، وسألتهم ما لا يجدون، وكلفتهم ما لا يطيقون، وأسمعتهم ما يكرهون، فإن لم يخرجوك فهم لذلك مستأهلون.
وقيل: من مقتضيات الثقل إن يكون الإنسان يتتايس وهو يقدر أن يتكايس. ودخل ثقيل على ابن أبي البغل فأطال الجلوس، فلما خرج الناس قال: هل من حاجة؟ قال: لا، فانظره ساعة، ثم قال ما اسمك؟ قال: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله، فقال لحاجبه: خذ بيد أبي عبد الله محمد بن عبد الله واطرده إلى لعنة الله.
اغتياب الثّقلاء والوقيعة فيهم: قال معمر: لا غيبة للثقلاء والوقيعة فيهم من اللذات. وفي مجالسات أبي بكر بن دريد لم يبق من لذة الدنيا إلا أكل القديد وحك الجرب والوقيعة في الثقلاء.
وفي وصف بارد: هو جبل همدان وماء سيدان، قال يوسف بن المغيرة:
ومن يقتل الأبطال بأسا ونجدةفإن أبا يعقوب يقتلهم بردا
وقال آخر:
إنما ظرف أبي العيناء في المجلس لحظهفإذا طاولته استبردت معناه ولفظه
وصف ساق يشغف الشرب بحسنه ويلهيهم بغنجه: لأبي فراس وقد حضر مجلسا فثمل، فقيل له: سكرت، فأنشأ يقول:
سكرت من لحظه لا من مدامتهومال بالنّوم عن عيني تمايله
وما السّلاف دهتني بل سوالفهوما الشّمول دهتني بل شمائله
لوى بعقلي أصداغ لوين لهوغال صبري ما تحوي غلائله
وقال آخر:
وساع على صحبي بصهباءكالغصن المغتص بالماء
أغار من وقفته كلّماقال لحاسي الكاس مولائي
حتّى لقد صاروا وهم أخوتيمن شدّة الغيرة أعدائي
وصف ساق تشبه وجنته خمرة: قال ديك الجن:
فقام بخمر يخضب الكفّ كاسهاوتحسبه من وجنتيه استعارها
أخذه ابن المعتزّ وزاد عليه، فقال:
تدور علينا الراح من كفّ شادنله لحظ عين يشتكي السقم مدنف
كأن سلاف الخمر من ماء خدّهوعنقودها من شعره الجعد يقطف
وقال جحظة:
وخمارة من بنات القسوستبيع المدامة في دارها
وجاءت تهادى كقدّ القضيبسقته الغوادي بأمطارها
وفي كفّها قهوة في الإناءوكالنّار لم تغل في نارها
كوجنة من هي في كفّهاونكهتها وقت أسحارها
فمن قارص وردتي خدّهاومن جاذب فضل زنّارها
وقال الفرح الصالحي:
ثمل من خمر ريقتهعطر من ورد وجنته
قام والأرداف تقعدهوالدّجا من لون طرّته
فسقاني الخمر من يدهوحللنا عقد تكته
ساق يطيب من يده المدام: قال شاعر:
ولم يكن الشراب كذا لذيذاولكن طاب حامله فطابا
وقال ابن المعتزّ:
إشرب عقارا كأنّها قبسقد سبك الدهر تبرها فصفا
بيدي لثام الإبريق من دمهاكأنّه راعف وما رعفا
بكفّ ساق حلو شمائلهمكر لحظ عينه صلفا
وصف الشّراب والسّاقي: وقال السري الرفاء، وقد أحسن في وصف الساقي:
وكأنّما أبدى لنا بمدامهوجماله صاح العزيز ويوسفا
وقال أبو نضلة:
قام الغلام يديرها في كأسهفكأن بدر التمّ يحمل كوكبا
وقال الخوارزمي:
يدور بها ظبي تدور عيونناعلى عينه من شرط يحيى بن أكثم
ينزّهنا من ثغره ومدامهوخدّيه في شمس وبدر وأنجم
حثّ الساقي على السّقي: قال شاعر:
أيّها السّاقي أجد حثّ القدحواسقني ويحك مفتاح الفرح
وقال أبو نواس:
أيّها السّاقي علاماتحبس الكاس علاما
بعد ما لذّت وطابتونفت عنّا اهتماما
سمّي الخمر مدامافأدم هذا المداما
وصل الكاس بكاستدع الشيخ غلاما
حثّ القوم على الشّرب: كان رجل يشرب مع قوم، فإذا أخذ القدح أطال إمساكه، فقال ساقيهم: إشرب وهبه في كفك من يوم مولدك. وقال آخر لمن يحبس الكاس: أليس لو بقي في كفك أياما وقد مزجته كان يتغير؟ قال: نعم، قال: فلا أرى ساعة تمضي إلا ولها قسط من التغير، فاشربه.
وكتب بعضهم على كاس:
قالت الكاس لساقيها إلىكم تحسبوني
إنّ جسمي من زجاجفاحذروا ألا تكسروني
واجعلوا السّاقي خشفاومع الخشف ذروني
وإذا أنتم ثقلتمفخذوني في سكوني
الحثّ على المزج والمنع منه: قال أبو نواس:
فقوما فامزجا خمرا بماءفإن نتاج بينهما السرور
وكان رجل يسقي آخر صرفا، ويغنّي له:
يديرونني عن سالم وأديرهموجلدة بين العين والأنف سالم
فكان ينشد وجلدة ما بين العين والأنف سالم فيكسر البيت ويزيد فيه لفظة ما، فقال صاحبه: الأولى أن تجعل ما التي في بيتك في قدحك، وقال حسان في المنع من المزج:
إن التي ناولتني فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجة أرخاهما للمفصل
وقال أبو نواس:
أثن على الخمر بآلائهاوسمّها أحسن أسمائها
لا تجعل الماء لها قاهراولا تسلّطها على مائها
وأنكر بعض الشرب على الساقي كثرة المزج، فقال: تريدون في مائكم نبيذا.
حثّ الساقي على العدل بين القوم: قال علي بن داود في كتاب الزهرة: ليتحرّ الساقي العدل فإنه والي العقول وإلا ناله من خجلة الاستعفاء ما ينال الوالي من خجلة العزل.
ومما جاء في وصف المجالس وأمكنة الشرب.
حديث كلّ مجلس: قال أرسطاطاليس للإسكندر: احفظ ما أقول لك، إذا كنت في مجلس الشرب فليكن مذاكرتك الغزل فإنهم يأنسون إلى ذلك، وإذا جلست إلى خاصّتك فاذكر الحكمة فإنهم لها أفهم، وإذا خلوت للنوم فاذكر العفّة فإنها تمنعك أن تضع النطفة في ما لا معنى له.
مدح القعود في طرف المجلس والاعتذار لذلك: دخل بعض الصوفية على الجنيد وقعد في طرف المجلس، وقال: حسبي يا سيّدي من مجلسك مكاني من قلبك. وقيل: الأطراف مجالس الأشراف. ودخل رجل على بعض الكبار فصدّره، ثم دخل آخر فقال له: تنح قليلا فرفعه إلى جنبه، ثم دخل آخر فقال له مثل قوله. فلم يزل الداخل الأول يتنحى حتى صار في طرف البساط، فقال لصاحب المنزل: قد تفرزنت أقوم فأرجع إلى موضعي، فضحك منه ورفعه إلى موضعه الأول.
الجلوس على الطّرق وفي المساجد: مر رسول الله ﷺ على رهط، فيهم عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إيّاكم
والجلوس بهذه فإنها سبيل من سبل النار، أو قال من سبل الشيطان، ثم التفت فقال: فإن أبيتم فأدوا حقّ الطريق، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: رد السلام وغض البصر وكف الأذى وهداية الضال وإغاثة المهلوف.
وقال الشعبي: من أراد أن يكثر علمه فليجتنب مجالس قومه. وقيل: المساجد مجالس الكرام.
ذمّ الجلوس في الشّمس وحمده: روي عن أمير المؤمنين ﵁ أنه رأى رجلا جالسا في الشمس، فقال: قم عنها فإنها مبخرة مجفرة تنغل الريح وتظهر الداء الدفين وتذهب شهوة الشتاء.
وقال أبو تمّام:
وإن صريح الحزم والرأي لامرؤإذا أدركته الشمس أن يتحوّلا
ضيق المجلس: ما ضاق مجلس على محبين ولا اتسع لمتباغضين.
وقال الصاحب في معناه، وقد نقله من أبيات خراسانية:
كنّا وأسباب الهوى متّفقهنغدو من الورد معا في ورقه
واليوم إذ أسبابه مفترقهقد صارت الدنيا علينا غلقه
وكثر تمثل الناس بقول الشاعر:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلهاولكنّ أخلاق الرّجال تضيق
وقال ابن المعتزّ، وقد حضر قوما ضاق بهم المجلس:
لا تحسبنّ الدّهر يجمع حبهفي قشرة إلّا كما نحن هنا
وقال آخر يعتذر من ضيق داره وقلّة زاده:
إن يضق منزلي فإنّي كريمواسع الخلق واسع الآداب
لست آسى على الكثير من الزاد إذا كان فيه قوت صحابي
الحثّ على التوسّع لمن حضر المجلس: قال النبي ﷺ: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا. وقال الله تعالى: إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ
(الآية). حضر بعض الناس مجلس الحسن بن سهل، وكان المجلس ضيقا، فقال: تحّفزوا فإن في التحفز توسعه الجالس المستوفز. قيل: اثنان ظالمان رجل وسع له في مكان ضيق
فقعد فيه متربعا منتفخا، وآخر أهديت له نصيحة فاتخذها ذنبا.
تفقّد الجلسة: قال عبد الملك: إني لأعرف عزّة الرجل في جلسته. وقيل: اختلاف صور جلوس الناس على اختلاف أحوالهم. وقيل: للمملوك جلسة وللراغب جلسة وللندام جلسة وللملاعب جلسة وللمطرب جلسة وللضيف جلسة.
الانتقال من مجلس إلى مجلس: قال الصولي: شرب عندي ابن أبي فنن يوما، فقلت له قم بنا ننتقل إلى مجلس آخر، فقال: النقلة من الإسلام كفر ومن النسب لؤم ومن المجلس سخف. وقيل لبعضهم:
انتقل، فقال: النقلة مثلة.
وكان المأمون كثير التنتقل في مجالسه، ويتمثّل بقول أبي العتاهية:
لا بدّ للنّفس إن كانت مدبرةمن التنقّل من حال إلى حال
حمد الرّاضي بالقعود دون ما يستحقّ: قال الأحنف ﵀: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري. وقال الشعبيّ:
لأن ادعى من بعيد أحب إليّ من أن أدفع من قريب.
مجلس أو وقت مستطاب: قال ابن أبي البغل:
جلسنا مجلسا حسنا نظيفاخلا من كلّ ذي صلف وبغض
وقال آخر:
ومجلس غاب عنه عاذلهتبدّل فيه الهموم بالطّرب
وقال ابن المعتزّ:
كأنا من بشاشتنا ظللنابيوم ليس من هذا الزّمان
الحثّ على مبادرة الصّباح في تناول الرّاح: قال جحظة:
قد بدا إلي الصبح يا مولاي يحدو بالظّلام
فانتبه نقض لبانات اعتناق والتزام
قبل أن تفضحنا عورة أنفاس النّيام
وقال أبو نواس:
بادر صباحك بالصّبوح ولا تكنكمسوّفين غدوا عليك شحاحا
وخدين لذات معلّل صاحبيقتات منه فكاهة ومزاحا
نبهته والليل ملتبس بهوأزحت منه نعاسه فانزاحا
قال إبغني المصباح قلت له اتئدحسبي وحسبك ضوؤها مصباحا
إيثار الشّرب بالنّهار والصّبوح: قال العطوي:
إنّ شرب النبيذ سير إلى اللهوو خير المسير صدر النّهار
وقال آخر:
ومن العجائب أن يكون نبيذهكدم الذّبيح وأمره متظاهر
فتراه ينتظر العشيّ بشربهواليوم منهمل السحائب ماطر
وقال كشاجم:
وأحبّ أوقات النّعيمإليّ في وقت السّحر
أوقات الشّرب في الأسبوع: كان الوليد يشرب يوما ويدع يوما، وسليمان يشرب في كل ليلة، وهشام يسكر في كل جمعة، ويزيد بن الوليد يدمن الشرب فكان دهره بين سكر وخمار، وكان المنصور يشرب عشية الثلاثاوات، وكان المأمون يشرب الثلاثاء والمعتصم لا يشرب الخميس ولا الجمعة.
ومما جاء في وصف آلات الشرب والمجالس
الأباريق المفدّمة والطّوال الأعناق: وقال أبو الهندي:
مفدّمة قزا كأنّ رقابهارقاب بنات الماء أفزعها الرّعد
وقد زاد هذا على قول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرفمفدّم لبس الكتّان ملثوم
وقال آخر:
كأنّ أباريق الشّمول عشيّةأوز بأعلى الطفّ عوج الحناجر
وقال ابن المعتزّ في إبريق في فمه قطرة:
كأن إبريقنا والراح في فمهطير تناول ياقوتا بمنقار
قرقرة الإبريق: قال ابن المعتزّ:
وكأن إبريق المدامة بينناظبي على شرف أناف مدلّها
لما استحثتها السقاة حنا لهافبكى على قدح النديم وقهقها
وقال الزاهي:
كأن إبريقها فينا مطوّقةمدّت جناحا وقد غنّت بتغريد
وقال أبو نواس:
كأن قهقهة الإبريق إذ سكبترجع المزامير وتغريد فأفاء
وقال آخر:
والكون يضحك كالغزال مسبّحاعند الرّكوع بلفظة الفأفاء
وقال ابن أبي البغل:
نادمت إبريقها فتمتم ليفي ليلة طرمساء ظلماء
حتّى إذا عاد في فصاحتهصار لساني لسان فأفاء
وقال علي بن عصام الأصفهاني:
متى بكى الإبريق في كفّهأغربت الأرطال في الضحك
إبريق مبذول العروة: قال البسّامي في وصفه:
إبريق صفر كأنّه قبسيشبه لوني بفرط صفرته
يمناه ممدودة لمسألةمنه ويسراه فوق هامته
ولبعض المحدثين، ويعرف بالمخزومي البصري، في صفة إبريق فضة وقد استطرد إليه من مدح:
لقد ظلم الفضّة المقتناةيدلك فيها سريع حثيث
قأقبل إبريقها يشتكيهمستعديا لك فيما تعيث
فإحدى يديه على رأسهوأخرى ممددة تستغيث
وقال آخر:
كأنّه مسترفد مدّ يداوألصق الأخرى بأعلى رأسه
كؤوس مصوّرة: قال أبو نواس:
تدار علينا الراح في عسجديّةحبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتهامها تدرّيها بالقسيّ الفوارس
فللخمر ما زرّت عليه جيوبناوللماء ما حازت عليه القلانس
وقال السري الرفاء:
وموسومة كاساتها بفوارسمن الفرس تطفو في المدام وتغرق
أقبل منه كلّ شاك سلاحهوفي يده سهم إليّ مفوّق
كأس وخمر: قال أبو تمّام:
نار ونور قيّدا بوعاء
وقال ابن سباط:
وكأس من الشمس مخلوقةبدت لك في قدح من نهار
هواء ولكنّه جامدوماء ولكنه غير جار
وقال ابن المعتزّ:
كأن الكاس في يده عروسلها من لؤلؤ رطب وشاح
وقال الصنوبريّ:
عقار إذا رديت بالزّجاجتردّى الزجاج رداء البهاء
فيأتي الوعاء لها حاملاوتحسب حاملة للوعاء
ونحوهما قول الصاحب:
رقّ الزجاج وراقت الخمر
البيتين وقد تقدما.
وقال الأخطل:
أناخوا فجرّوا شاصيات كأنّهارجال من السّودان لم تتسربل
وقال بشّار:
وكأن الزقّ زنجيّ سرق
وقال أبو الهندي يصفه:
حبشيّ قطعت منه الرّكب
وقال الأعشى:
حبشيّ كبّ عمدا فانبطح
والأول أحسن.
معصرة: قال ببغاء يصفها:
ومعصرة أنخت بهاوقرن الشّمس لم يغب
فخلت قرارها بالراح بعض معادن الذهب
وقد ذرفت لفقد الكرم فيها أعين العنب
الرّاووق: قال كشاجم:
كأنما الراووق وانتصابهخرطوم فيل قلعت أنيابه
الدّن: قال ابن المعتز:
ودنان كمثل صفّ الرجالقد أقيموا ليرقصوا دستبندا
وقال آخر:
قهوة بنت دنانعتّقت خمسين عاما
خلتها في البيت جنداصفّفوا حولي قياما
وقال السري في دنان خاليات:
وشعث دنان خاليات كأنّهاصدور رجال فارقتها قلوبها
كيزان الفقاع: قال الخوارزمي:
وضيقة الفم دحداحةعليها قميص ندى أخضر
وقال أبو طالب المأموني:
تثور إذا كشفوا رأسهاوإن قبّلوا فمها تهدر
وقال آخر:
وربّ فقاعة رأيت بهاثدي كعاب مسوّد الحلمه
حللت زنّارها فأظهر ليشهب بزاة تطير من أكمه
ومما جاء في الغناء والمغنين والملاهي وآلاتها
كيفية جودة الغناء: قيل لبعضهم ما أجود الغناء، فقال: ما أطربك وألهاك أو أحزنك وأشجاك. وقال إسحاق: قال لي المأمون يوما: ما ألذ الغناء عندك؟ فقلت: ما وافق شهوة النفس، فقال:
زد فيه، وطرب له السامع خطأ كان أو صوابا.
مشاهير المغنين وواضعي الغناء: ابن شريح ومعبد وإسحاق، وقيل: كل ما صنعه إسحاق من الغناء سبعة وثمانون
صوتا، ومخارق وعلويه وزلزل وابن بانة وإبراهيم بن المهدي، كان من حذاق المغنين، ولذلك قال فيه دعبل لما ولي الخلافة:
إن كان إبراهيم مضطلعا لهافلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزلولتصلحن من بعده للمارق
ومنهم ابن محرز الغريض ومالك بن أبي السمح.
كراهية غناء بلا شرب وشرب بلا غناء: قيل: غناء بلا شراب كنحلة بلا عطية وهدية بلا نية ورعد بلا مطر وشجر بلا ثمر وحداء بلا بعير وروضة بلا غدير. قال الرشيد: النكس الذي يشرب على غير سماع. وقال أبو نواس:
وليس الشرب إلا بالملاهيوبالحركات من بم وزير
قال صاحب الموسيقا: السماع كالروح والخمر كالجسد فباجتماعهما يتولد السرور.
وقيل لأبي العطوف هل ترى في الغناء، فقال: أما قبل الأكل ومع غير الشراب فلا.
استعادة الغناء: حقّ الصوت الحسن أن يعاد أربع مرات، الأول بديهة والثاني تفهم والثالث للشرب والرابع للشبع.
التّزهزه للمغني: قيل: أول صلة المغني أن يقال له أحسنت. وحضر جحظة مجلس بعض الكبار مرارا، وكان إذا تغنى يقول له: أحسنت، ولم يكن يخوله شيئا، فقال فيه:
إن تغنيت قال أحسنت زدنيوبأحسنت لا يباع الدّقيق
غناء يستطاب له الشّراب: سمع رجل غناء حسنا، فقال: السكر على هذا شهادة. وقال كشاجم:
فلست آبى وإن سقونيعلى أغانيه نيل مصر
وقال الخبزارزي:
ولو أن البحور خمر لديناوتغنّيت لارتشفت البحورا
غناء غير مفهوم المعنى: قال أبو تمّام في وصف جارية:
ومسمعة يحار السمع فيهاطربت لحسنها بصدى غناها
ولم أفهم معانيها ولكنورت كبدي ولم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنّىبحبّ الغانيات وما رآها
اقتراح الفارسي: قال بعض الأصفهانيين:
غننا يا غلامنا وأمهناوتنكّب غناءك العربيّا
إنّنا معشر من العرب الغرّ كرام فغنّنا الفارسيّا
وأسقناها مدامة نازعتهاوبس دامين بكرة وعشيّا
مغنّ موصوف بالشّؤم والقبح: قال كشاجم:
ومغن بارد النغمة مختلّ اليدين
ما رآه أحد فيدار قوم مرّتين
وقال آخر:
إنّ سمعي في نعيموعيوني في جحيم
وقال أبو الفضل بن العميد:
إذا غنّى لنا أمماحشوت مسامعي صمما
وإن أبصرت طلعتهكحّلت نواظري بعمى
تأثير الغناء والصوت وإن لم يفهم: قال إسحاق الموصلي. أمر الصوت عجيب، منه ما يسر سرورا يرقص، ومنه ما يبكي ومنه ما يكمد ومنه ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، وليس يعتري ذلك من قبل المعاني لأنهم في كثير من الأحوال لا يفهمون. وقد بكى ما سرجويه من قراءة أبي ﵁، فقيل له: كيف تبكي لكتاب لا تصدق به؟ فقال: أبكاني الشجا وقد تسكن النفوس إليه وذلك موجود في أكثر البهائم والدواب، إذا غنى المكاري صرّت آذانها.
اختلاف الأصوات: قال الموصلي: سألني المعتصم عن معرفة النغم، فقال بيّنها إليّ، فقلت: إن من الأشياء ما تحيط به المعرفة ولا تؤديه الصفة. وسألني عن شعرين متقاربين ففضلت أحدهما على الآخر، فقال من أين؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني التبيين ولكن تقاربا، ففضل أحدهما على الآخر مما يشهد به الطبع ولا يعبّر عنه اللسان.
ومما جاء في آلات الملاهي
الزّامر: قال إسحاق: الزمر رفو الغناء. وقيل: الزمر يستر من حسن الغناء، كما يستر من قبحه. قال المتوكل لزنام الزامر: تأهب للخروج معي، فقال: الناي في كمّي والريح في فمي فأعزم إذا شئت. قال ابن المعتز يصف زامرة:
كأنما تلثم طفلا لهاأتت به من ولد الزنج
وقال الناجم يذم زامرة:
ناي قتول قاتلبالنتن منه الرهج
يشبه عندي مخرجامركبا في المخرج
وقال الصنوبريّ:
وكأنّما المزمار في أشداقهاغرمول عير في حياء أتان
وترى أناملها على مزمارهاكخنافس دبّت على ثعبان
تخاصم رجلان عند ابن المدبر، وحلف أحدهما بالطلاق أن صاحبه أحمق ولا يبرح حتى يشهد القاضي بذلك، فذكر أن عنده زامرتين بلا مغنية، فقال القاضي: أشهد أنه أحمق.
الرقّاص: قال المصعب الهندي:
عجبت من رجلين يتبعانهيعلوهما طورا وتعلوانه
كأن أفعيين يلسعانه
وقيل لجارية رقاصة: أفي يدك عمل؟ قالت: لا، إنما هو في رجلي.
وجوب الاستماع: وقال بعضهم:
إذا حضر الغناء فليس إلاسكوت واستماع للمغنّي
وقال أحمد بن علوية:
حكم الغناء تسمع وندامما للحديث مع الغناء نظام
لو كان لي أمر قضيت قضيةإن الحديث مع الغناء حرام
غناء يمزّق له الثوب: سئل إبراهيم الصوفي المارستاني عن تمزيق الثوب في السماع، فقال: إن موسى ﵇ قرأ على بني إسرائيل فمزق واحد منهم قميصه، فقال الله تعالى لموسى: قل له مزق قلبك لا ثوبك.
كان لبعض الظرفاء مغنيتان: محسنة إذا غنت خرق قميصه، ومسيئة إذا غنت قعد يخيطه. طرب بعض الكبار على غناء، فشقّ قميصه وقال لنديمه: بحياتي شق قميصك، فقال: إذا أبقى عريانا، فقال: أنا أخلفه غدا، قال فأشقه غدا، قال أبو مالك الأعرج:
إذا غنّت قديما أو حديثافما للجيب من فيك واقي
ومما جاء في آلات القمر
الممدوح بضرب القداح: قال عنترة:
زيد يداه بالقدح إذا شناهتّاك غايات النجوم ملوم
وقال آخر:
هينون لينون أيسار ذوو يسرسواس مكرمة أبناء أنباء
وقال متمم بن نويرة في مرثية أخيه:
ولا بر ما تهدى النساء لعرسهإذا القشع من حسن النساء تقعقا
يقال: فلان برم قرون، إذا لم يدخل في الميسر، ثم يأكل تمرتين تمرتين. قال المرقش:
إذا أيسروا لم يورث اليسر بينهمفواحش يبقى ذكرها بالمصائف
تحريم ضرب القداح: قال الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
الآية وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
. وقد أبيح القرعة وهي من جنس ذلك، قال تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ.
وكذلك يونس ﵇ حين جنحت بهم السفينة وبمن معهم ساهم القوم أيهم يلقى في البحر، فكان من المدحضين أي من المقمورين.
الرّخصة في الشّطرنج: مرّ أمير المؤمنين ﵁ بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ولم يأمرهم أن يرفضوه. وقيل: إنما قال لهم ذلك لأنها كانت على صورة الأفراس والفيلة، وسأل الرشيد معن بن عيسى عنه، فقال: ما فقدناه من مجالس قريش التي كنا نهاب أن نمر بها.
وكان الشعبي يلعب مستدير الحذقة. وسئل عنه الحسن ﵁، فقال: لا بأس به ما لم يكن قمارا فإنه احتيال. وسئل أبو العباس بن شريح عنه، فقال: إذا سلمت أيديهما من الطغيان ولسانهما من العدوان وصلواتهما من النسيان، فهو مباح بين الإخوان غير محرم على الخلان.
وصف الشّطرنج: قال شاعر:
أرض مربّعة حمراء من أدمما بين خلّين موصوفين بالكرم
تذكرا الحرب فاختارا لها شبهامن غير أن عفيا فيها بسفك دم
أنظر إلى فطن جاشت بكرهمافي عسكرين بلا طبل ولا علم
هذا يغير على هذا فيغلبهوذا يغير وعين الحزم لم تنم
وقال السري الرفاء:
وكتيبتا زنج وروم أذكياحربا يظلّ بها الذكاء مناضلا
في معرك قسم الزمان بقاعهبين الكماة المعلمين منازلا
لم يسفحا فيه دما وكأنّمارشح الدّماء أعاليا وأسافلا
وكان ذا صاح يسير مقوّماوكان ذا نشوان يخطر مائلا
أعجب بها حربا تثير إذا التظتفضل الرجال ولا تثير قساطلا
الماهر بالشّطرنج والرّديء اللّعب: ليس لإجادة اللعب بالشطرنج نهاية ولا غاية، ومن معجزاته أنه لا يكاد يتفق فيه دستان، ومن مجيديهم الصولي، ولبعضهم:
ولربّما مهر السخيف بهاوتراه يمضغ لفظه حمقا
مرّ بعضهم بقوم يلعبون بالشطرنج وكان وسخا، فقال: ما أوسخ شطرنجهم، فقال بعضهم: اللعب أوسخ.
النوادر في الشّطرنج: قيل: النوادر في الشطرنج عدة للاعب كالحداء للاغب. وقال شاعر:
نوادر الشطرنج في وقتهاأحرّ من ملتهب الجمر
كم من ضعيف اللعب كانت لهعونا على مستحسن القمر
وروي أن أبا مسلم كان يلعب بالشطرنج، فوقع له شاه مات، فتمثل بقول الشاعر:
ذروني ذروني ما كففت فإنّنيإذا ما تهيجوني تميد بكم أرضي
وأنهض في ردّ الحديث إليكمكتائب سودا طال ما انتظرت نهضي
كان المأمون عند قدومه من خراسان اشتهى الشطرنج، فاستحضر كبار أهله زيرب وجابر الكوفي وعبد الغفار الأنصاري، وكانوا يتوقرون بين يديه، فقال: إن الشطرنج لا يطيب مع الهيبة قولوا ما تقولون إذا خلوتم.
فضل الشّطرنج على النّرد: قال بعض المتكلمين: الشطرنج معتزلي والنرد مجبر، وذلك أن اللاعب بالشطرنج موكول إلى اختياره ومتروك مع إيثاره، واللاعب بالنرد مجبر على ما يخرج به الفصان وقيل لرجل: كيف معرفة فلان بالشطرنج؟ فقال: ما أحسن ما يلعب، قيل فكيف يلعب بالنرد؟ فقال: ما أحسن ما يخرج له الفصان، فلم ينسب الفعل في النرد إليه كما نسبه إليه في الشطرنج.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع