من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب التاسع والأربعون فيما قيل في غلبة الزمان وإفنائه الأمم
قَالَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ:
أَوَ لَمْ تَرَيْ رَيْدَانَ أَسْلَمَ أَهْلَهُوَأَتَى الْحَوَادِثَ رَأْسَ قُلَّةِ مَعْنَقِ
وَبَدَأْنَ عَادًا ثُمَّ عُدْنَ عَلَيْهِمُوَثَمودُ أَجْسَادٌ بِهَضْبَةِ أَخْلَقِ
فَأَرَى الْمُشَقَّرَ كَانَ يَحْرُسُ بَابَهُأَلْفٌ وَأَلْفٌ مَنْ يَرُمْهُ يُغْلَقِ
ثَبْتٌ إِذَا طَافَ الْعَدُوُّ بِبَابِهِفَصَلَتْ مَعَاوِلَهُ وَلَيْسَ بِمُرتَقي
وأَصَبْنَ أَبْرَهَةَ الَّذِي سَجَدَتْ لَهُصُمُّ الْفُيُولِ صَوَامِتًا لَمْ تَنْطِقِ
خِيطَتْ جُلُودُ النِّمْرِ فَوْقَ دُرُوعِهِمْشَرَجًا إِلَى حَلَقٍ أَحَمَّ مُوَثَّقِ
وَالأُسْدُ مُمْسَكَةٌ عَلَى أَبوابِهِفَإِذَا الْملُوكُ تَحَزَّبُوا لَمْ يَفرَقِ
وَأَصَبْنَ كِسْرَى وَابْنَ كِسْرَى بَعْدَهُوَالْمَرْءَ قَيْصَرَ وَانْتَحَيْنَ لِمُوْرِقِ
فدَخَلْن لَمْ يَكْسِرْنَ بَابًا دُونَهُسِرًّا وَلَمْ يُفْزِعْنَ أَهْلَ الرُّسْتَقِ
حَتَّى أَحَطْنَ بِنَفْسِهِ فَحَدَرْنَهُمِنْ حِصْنِه وقَمِيصُهُ لَمْ يُخْرَقِ
وَأصَبْنَ سَامةَ وابْن أَوْسٍ سَالِمًاكُلاًّ أتَاهُ مُبادِرًا كَالْمُطْرِقَ
فَأخَذنَ سامةَ حيثُ أَدْلَجَ صَحبُهُإذْ هَمَّ عَن زَيغ الطَريقِ الْمُطلَقِ
وَأصبن نوحًا بعدَمَا بَلَغتَ بهِأُفْقَ البِلادِ سَفينَةٌ لَم تَغْرَقِ
وَقَالَ الأَسوَدُ بنُ يَعفُرَ التميميُّ:
مَاذَا أُؤَمِّلُ بَعُدَ آلِ مُحَرِّقٍتَرَكوا مَنَازِلَهُمْ وَبَعْدَ إِيَادِ
أَهْلِ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِير وَبَارقٍوالْقَصْرِ ذِي الشُّرفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ
أَرْضٌ تَخَيَّرَهَا لِطيبِ مَقِيلهَاكَعْبُ بنُ مَامَةَ وَابْنُ أُمِّ دُؤادِ
جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى مَكَانِ دِيارِهِمْفَكَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادِ
ولَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنعَمِ عِيشَةٍفِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ
نَزَلُوا بِأَنْقَرَةٍ يَسِيلُ عَلَيْهمُمَاءُ الْفُراتِ يَجِيءُ مِنْ أَطْوَادِ
فَإذَا الْنَّعِيمُ وَكُلَّمَا يُلْهَى بِهِيَومًا يَصِيرُ إِلَى بِلًى وَنَفَادِ
قَالَ لَبيِدُ بنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ:
لَوْ كَانَ شَيْءٌ خَالِدًا لَتَوَأَّلَتْعَصْمَاءُ مُؤْلَفَةٌ ضَواحِيَ مَأْسِلِ
بِظُلُوفِهَا وَرَقُ الْبَشَامِ وَدُونَهَاصَعْبٌ تَزِلُّ سَرَاتُهُ بالأَجْدَلِ
أَوْ ذُو زَوَائِدَ لا يُطَافُ بِأَرضِهِيَغْشَى الْمُهَجْهِجَ كَالذَّنُوب الْمُرسَلِ
فِي نِابِهِ عِوَجٌ يُجَاوزُ شِدْقَهُوَيُخَالِف الأَعْلَى وَرَاءَ الأَسْفَلِ
فَأصابَهُ رَيْبُ الزَّمَانَ فَأَصْبَحَتْأنْيَابُهُ مِثلَ الزِّجَاجِ النُّصَّلِ
وَلَقَدْ جَرَى لُبَدٌ فَأَدْرَكَ جَرْيَهُرَيْبُ الزَّمَانِ وَكَانَ غَيْرَ مُثَقَّلِ
لَمَّا رَأَى لُبَدُ النُّسُورَ تَطَايَرَتْرَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقيرِ الأَعْزَلِ
مِنْ تَحْتِهِ لُقْمَانُ يَرْجُو نَفْعَهُوَلَقَدْ يَرى لُقْمَانُ أَلَّا يَأْتَلي
غَلَبَ اللَّيَالِي مُلْكَ آلِ مُحَرِّقٍوَكَمَا فَعَلْنَ بتْبِّعٍ وَبِهِرْقَلِ
وَغَلَبْنَ أَبْرَهَةَ الَّذي أَلْفَيْنَهُقَدْ كَانَ جَلدًا فَوْقَ غُرْفَةِ مَوْكِلِ
والْحَارِثُ الْحَرَّابُ خَلَّى عَاقِلًادَارًا أَقَامَ بِهَا وَلَمْ يَتَنقَّلِ
تَجْرِي خَزْائنُهُ عَلَى مَنْ نَابَهُجَرْيَ الْفرَاتِ عَلَى فِرَاضِ الْجَدْول
حَتَّى تَحَمَّلَ أَهْلُهُ وقَطِينُهُوَأَقَامَ سَيِّدُهُم وَلَمْ يَتَحَمَّلِ
وَالشَّاعِرُونَ النَّاطِقُونَ أَرَاهُمُسَلَكُوا سَبِيلَ مُرَقِّشٍ ومُهَلْهِلِ
وَقالَ أَيْضًا:
أَوْ لَمْ تَرَيْ أَنَّ الْحَوَادثَ أهْلَكتْإِرَمًا وَرَامَتْ حِمْيَرًا بِعَظِيمِ
لَوْ كانَ حَيٌّ في الْحَيَاةِ مُخَلَّدًافِي الدَّهْرِ أَلْفَاهُ أَبُو يَكْسُومِ
وَالْحَارِثَانِ كِلاهُمَا وَمُحَرِّقٌوَالتُّبَّعَانِ وَفَارسُ الْيَحْمُومِ
وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَينِ أَصْبَحَ ثَاوِيًابِالجَرِّ فِي جَدَثٍ أُمَيْمَ مُقِيمِ
وَنَزَعْنَ من دَاوُودَ أَحْسَنَ صَنْعِهِولَقَدْ يَكُونُ بِقُوَّةٍ وَنَعِيمِ
صَنَعَ الْحَديدَ لِحِفْظِهِ أَسْرَادَهُلِيَنَالَ طُولَ الْعَيْشِ غَيْرَ مَرُومِ
وَكأَنَّما صَادَفْنَهُ بِمَضِيَعةٍسِلْمًا لَهُنَّ بِوَاجِبٍ مَغْرُومِ
وَقَالَ أَيْضًا:
بَلينَا وَمَا تَبْلَى النُّجُومُ الطَّوَالِعُوَتَبقى الْجِبالُ بَعْدَنَا والْمَصَانِعُ
وَمَا الْمَرْءُ إلَّا كَالشِّهَاب وَضَوْئِهِيَحُورُ رَمَادًا بَعْد إِذْ هُوَ سَاطِعُ
قَالَ عَمرُو بنُ قَميئَةَ:
وَمَا عَيْشُ الْفَتَى فِي النَّاسِ إلَّاكَمَا أَشْعَلْتَ فِي رِيحٍ شِهَابَا
فَيَسْطَعُ تَارَةً حُسْنًا سَنَاهُذَكِيَّ اللَّوْنِ ثُمَّ يَصِيرُ هَابَا
وَقَالَ الطِّرِمَّاح بنُ حَكِيمِ الطَّائِيُّ:
إِنَّمَا النَّاسُ مِثْلُ نَابِتَةِ الزَّرْع مَتَى يَأنَ يَأْتِ مُحْتَصَدُهْ
وَقَالَ أُسَامَةُ بنُ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ:
مَا الْمَرءُ فَاعْلَمْ وَإنْ طَالَتْ سَلامَتُهُإِلَّا شِهَابٌ عَلَى عَلْيَاءَ مَشْبُوبُ
وَقَالَ عَتَاهِيةُ بنُ سُفُيَانَ الْكَلْبِيُّ:
أَلَمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ أَوْدَى بِتُبَّعٍولَمْ يَنْجُ مِنْهُ ذُو الْكَتَائِبِ حَسَّانُ
وَظَنَّ عَدِيٌّ أَنَّ غُمْدَانَ مَانِعٌفَأَسْلَمَهُ إِذْ عَايَنَ الْمَوْتَ غُمْدَانُ
وَذو جَدَنٍ أَوْدَى وَأَرْبَابُ نَاعِظٍوَنَيَّانُ لَمْ يُفْلَتْ مِنَ الْمَوْتِ نَيَّانُ
وَلَمْ يُغْنِ عَنْ حُجْرٍ بَنُوهُ وَرَهْطُهُوَحِيلَتُهُ لَوْ حَاوَلَ الْخُلْدَ إِنْسَانُ
وَهِنْدٌ أَتَتْ عَمْرًا فَأَصْبَحَ مُسْلِمًاوَقَد ذَادَ عَنْ عَمْروٍ حُمَاةٌ وَفُرسَانُ
فَلَمْ يَدْفعُوا عَنْهُ مَبَادِيَ يَوْمِهِوَقدْ جَهِدُوا لَوْ قَاتَلَ الْقَوْمَ أَقرَانُ
وَنُعْمَانُ وَالنُّعْمَانُ وَالْقَيْلُ مُنْذِرٌفَأَينَ الأُلَى سَمَّيْتُ أَمْ أَيْنَ نُعْمَانُ
وَقَدْ عَمَرُوا تُجْبَى لَهُمْ أَرْضُ بَابِلٍإلَى إِرَمٍ عَفْوًا فَحَجْرٌ فَنَجْرَانُ
فَأَضْحَوْا أَحَادِيثًا لِغَادٍ وَرَائحٍيَدِينُهُمُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ دَيَّانُ
وَقَالَ مَالِكُ بنُ نُوَيرَةَ الْيَرْبُوعِيُّ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ ولا مَحَالَةَ أَنَّنِيلِلْحَادِثَاتِ فَهَلْ تَرَيْني أَجْزَعُ
أفْنَيْنَ عَادًا ثُمَّ آلَ مُحَرَّقٍفَتَرَكْنَهُمْ بَلَدًا وَمَا قَدْ جَمَّعُوا
وَلَهُنَّ كَانَ الْحَارثَانِ كِلاهُمَاوَلَهُنَّ كَانَ أَخُو الْمَصَانِعِ تُبَّعُ
فَعَدَدْتُ آبَائي إلَى عِرْقِ الثَّرَىوَدَعَوْتُهُمْ وَعَلِمْتُ أَنْ لَنْ يَسْمَعُوا
ذَهَبُوا فَلَمْ أُدْرِكْهُمُ وَدَعَتْهُمُغُولٌ أَتَوْهَا وَالسَّبيل الْمَهْيَعُ
وقَالَ عَديُّ بنُ زَيْدٍ الْعبَاديُّ:
فِبِتُّ أُعَدِّي كَمْ أَسَافَتْ وَغَيَّرَتْوُقُوعُ الْمنَونِ مِنْ مَسُودٍ وَسَائِدِ
صَرَعْنَ قُبَاذًا رَبَّ فَارِسَ كُلَّهَاوَحَشَّتْ بِأَيدِيهَا بَوَارقَ آمِدِ
عَصَفْنَ عَلى الْحَيْقَارِ وَسْطَ جُنُودِهوَبَيَّتْنَ فِي لَذَّاته رَبَّ مَارِدِ
وَجِئْنَ بِتُرْكٍ مِنْ قَرارِ بِلادِهِمْيَسيرُ بِجَمِعٍ كالدَّبَا الْمُتَسَانِدِ
وَأَهْرَجْنَ يَوْمَ الْحُوصِ سَيِّدَ حِمْيَرٍبِحَرْبَةِ جنِّيٍّ مِنَ الْحُبْشِ حَارِدِ
وَمُلْكَ سُلَيمَانَ بنِ دَاودَ زَلْزَلَتْوَرَيْدَانَ قَدْ أَلْحَقْنَهُ بِالصَّعَائِدِ
وخَلْفَ بَني النَّاصُور لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُبَقِيةُ مَولود وَلا ذِكْرُ وَالِدِ
وَكَانَ مُلوك الرومِ يُجْبَى إِلَيْهمقَنَاطِيرُ مَالٍ مِنْ خَرَاجٍ وَزَائِدِ
فَلا تغبِطن إنْسًا بشَيْء يَنَالهمن الدهْر ِلا مَالٍ وَلا عَيْش وَاجِدِ
وقال أيضًا:
أَيهَا الشَّامت المعيِّر بِالدَّهــر أأنت المُبَرَّأُ الموفور
أمْ لَدَيكَ العَهد الْوَثِيق مِنْ الأيام بل أنت جَاهِلٌ مَغرورُ
من رَأَيْتَ الْمنونَ خَلَّدْنَ أَوْ كَان عليه من أنْ يُضَامَ خَفِيرُ
أَيْنَ كِسرَى كسرى المُلُوكِ أَنوشَرْوان أم أين قبله سابور
وَبَنو الأَصْفرِ الكِرَام ملوك الــنَّاس لم يبق منهم مذكور
وأَخو الْحَضرِ إذ بَنَاهُ وَإِذْ دِجـ ْـلة تجبى إليه والخابور
شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَه كِلْـسًا فللطير في ذُرَاهُ وكور
لَمْ يَهَبْهُ رَيب الْمنونِ فَبَادَ الــملك منه فبابُهُ مَهْجُورُ
وَتَبَيَّنْ ربَّ الخَوَرنقِ إِذ أشــرف يوما وللهُدى تفكير
سَرَّه مَالهُ وَكثرَة مَا يَمْــلك والبحر مُعْرَضًا والسَّدير
فَارعَوَى قلبُهُ وَقَالَ وَمَا غِبْــطة حيٍّ إلى الممات يصير
ثم بعد الصلاح والملك والأمــة وارَتْهُمُ هناك القبور
ثم أَضْحَوْا كأَنهمْ وَرَقٌ جَفَّفَأَلْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُور
وقَالَ أَيضًا:
إِنَّ لِلدَهْر ِصَولةً فَاخذَرنْهالا تَبيِتَنَّ قدْ أَمنْتَ الدُّهُورَا
إنَّما الدَّهر لَيِّنٌ وَنَطوحٌيَترك العَظمَ واهِيًا مَكْسورَا
فاسأَلِ النّاس أين آل قُبَيْسٍطَحْطَحَ الدّهر قَيلَهُم سَابُورَا
وَلَقد عَاش ذَا جنودٍ وتاجٍترهَب الأسْدُ صوتَه أن تزِيرا
خَطَفَته مَنيَّةٌ فتردَّىوهْو في الملكِ يَأمُلُ التَّعمِيرا
وَقَالَ أَبو دوَادَ الإِيَاديُّ:
إنما النَّاسُ فاعلَمنَّ طَعَامٌخَبَلٌ خابِلٌ لِرَيْبِ المنون
عطف الدهر بالغداء وبالموت عليهم يدور كالمَنْجَنُونِ
كل من ينزل السهولة فالحزْن إلى غايةٍ وأهل الحصون
أين ذو التاج والسرير قُبَاذٌخَبَنَتْهُ فباد إحد الخُبُونِ
ولقد عاش آمِنا للدواهيذا عَتَادٍ وجوهر مخزون
وأرى الموت قد تدلَّى من الحَضْــرِ على ربِّ أهله السَّاطِرُون
ولقد كان في كتائب خَضْرٍوبلاط يُلاط بالآجُرون
وقال رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ:
رَأَيْتُ بَنَات الدَّهْرٍ أَهْلكْنَ تُبَّعًاوجُزْنَ إلى الرُّوّاد في مُشْرِفٍ صَمِّ
خَطَفْنَ سُلَيْمَانَ الّذِي سُخِّرَتْ لَهشياطين جن من بري وذي جرم
وَبَيَّتْنَ ذَا الْقَرنيْنِ في حِصْن بَيْتِهِله ملكُ ما بين الهنايد والرَّدْمِ
فَمَا دَفَعَتْ عنْهُ الْمَنيَّة َعصْبَةٌلديه حُمَاةٌ من بطارقةٍ عجم
وَحَسَّان في ذَاتِ التَّمَاثيلِ أَدْرَكتْبأسباب أمر ليس يدفع بالحزم
وَغُمْدَانَ لَمْ يتْركُ وَقَدْ كانَ أهْلُهُعلي شاهق صعب يشُقُّ علي العُصْمِ
فَمَالَتْ عَلَيْهِمْ مَيْلَةً أَهْلَكَهتمُوأيُّ ابن أُمٍّ لا يصير إلى يتم
وقَدْ صُبِّحَ الصَّباح وَالْمَرْءُ آمنٌبإحدى الدواهي القادمات على الرغم
أَلا كُل مَا يَلْقَى الْفَتَى قدْ لَقِيتهُفلا موجعٌ يبقى ولا مفرحٌ ينمي
وقال عَديُّ بنُ زَيْدٍ:
مَاذَا تُرَجِّي النّفوسُ مِنْ طَلَبِ الــخير وحب الحياة كاذبها
تَظنُّ أَنْ لنْ يُصيبَهَا عَنتُ الــدهر وريبُ المنون كارِبُها
مَا بَعْدَ صَنعَاء كان يَعْمُرهَاسادات مُلْكٍ جَزْلٌ مواهبها
رَفَّعَهَا مَنْ بَنَى لدى قَزَعِ الــمُزْنِ تندَّى مِسْكًا مَحَارِبُها
مَحْفوفةٌ بِالْجِبَالِ دونَ ذُرى الــكَيْدِ فما تُرْتَقَى غَوَارِبُهَا
سَاقَتْ إِلَيهَا الأَسْبَاب جُنْدَ بِنِيالأَحرَار فُرْسَانهَا مَوَاكِبُهَا
بَعْد َبَنِي تْبَّعٍ نَخَاورَةٍقَدِ اطْمَأنَّتْ بِهَا مَرَازبُها
وَالْحَضْر صُبَّتْ عَلَيْهِ داهِيةٌمِنْ قَعْرِهَا أيَدٌ مَنَاكِبهَا
رَبَّتُه لم تُوَقّ والدهالِحبها إِذْ أَضَاعَ رَاقِبها
فَكَانَ حظ الْعَروس إِذْ بَرَقَ الــصبح دمَاءً تَجْرِي سَبَائبها
وَأَقفَرَ الْحَضْرُ واسْتُبيحَ وَقدْأُلْهِبَ في خِدْرِها مَشَاجِبهَا
وَقَال مَالِكُ بنُ عِمرَانَ الْجَدِيسِيّ يَذْكرُ مُلُوكَ اليَمَنِ:
ذهبوا كأن لم يُخلقواوالدهر مِبْعَادٌ مُدَنِّي
خلَتِ المَسَاكِنُ منْهممن بعد حُجَّابٍ وأمْنِ
وَقَالَ عُثمَانُ بنُ الْوَلِيدِ بنِ عُمَارَةَ بْن عُقْبَةَ الْقُرَدشيُّ يَذكرُ فِعْلَ الذَهْرِ بِمُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ:
مَنْ يَأْمَنُ الدهْرَ مَمْسَاه وَمَصْبَحَهفي كل يوم له من مَعْشَرٍ جَزَرُ
بعْدَ ابْنِ مَروَانَ أَوْدَى بَعْدَ مَقْدُرَةٍدانت لهيبتها الأمصارُ والكُوَرُ
ثمَّ الْوَلِيدُ فَسَل عَنْه مَنَازلهُبالشام والشامُ مَعْسُولٌ له خَضِرُ
تُجْبَى إِلَيْهِ بِلادُ الله قاطبَةًأخْلافُهَا ثَرَّةٌ لأمره دِرَرُ
وفي سُلَيمَانَ آيَاتٌ ومَوعظةٌوفي هشامٍ لأهل العقل مُعْتَبَرُ
وَاذْكُرْ أَبَا خَالدٍ ولَّى بِمُهْجَتهريب المنون وولَّى قبله عُمَرُ
وَفِي الْوَليدِ أَبي العَباسِ مَوْعظَة ٌلكل من ينفع التجريبُ والفكر
دانَت لَه الأرْض طُرًّا وهيَ دَاخِرَة ٌلا يدفع الذُلَّ من أقطارها قُطُرُ
بَيْنَا لَه الملك ما في صَفوِهِ كَدَرٌإذا عادَ رنقًا وفيه الشَّوْبُ والكَدَرُ
كَانوا ملوكًا يَجُرُّونَ الجيوش بمَايَقِلُّ في جانبيه الشَّوْكُ والشَّجَرُ
فَأَصبحوا لا ترى إلاَّ مَسَاكِنهمقَفْرًا سوى الذِّكر والآثار إن ذُكِرُوا
قال يحيى بن زياد:
ومن يأمنِ الأيام يومًا يَرُعْنَهُكما ربما قد كنَّ رَوْعا فَوَاجِيَا
كَعَهْد أبِي العباس في نورِ ملْكهيَسُوسُ أمورًا ثم أصبح غَادِيَا
صُروف اللَّيِالي رُمْنَهُ فَفجَعْنَهبِمُهْجَةِ نفسٍ كان عنها مُحَاميا
عَدَوْنَ عليهِ وهْوَ في دار مُلْكِهِوكُنَّ على المغبوط قِدْمًا عَوَادِيَا
قال قُرْطُ بن قُدَامة الكلبي:
ألم تر صاحب المُلْكَيْنِ أضحىتَخَرَّقُ في مصانعه المَنُوْنُ
وكان عليه للأيَّامِ دَيْنٌفقد قُضِيَتْ عن المرء الدُّيُونُ
فلم أر قبله حيا وميتاعلى الأيام كان ولا يكون
يَسِيرُ بِشَرْجَعٍ لا وَصْلَ فيهِيَحَار الظَّنُّ فِيهِ وَالعيُون
تَظَلُّ الطَّيْر عَاكِفَةً عَلَيْهِكَمَا عَكَفَتْ عَلَى الأسْد الْعَرِين
فَأَفْنَى مُلْكَهُ مَرُّ الليَالِيوَدَهْرٌ في تَصَرُّفِهِ خَؤُونُ
وَقَالَ رَجلٌ مِنْ كنْدَةَ يَذْكُرْ مَا أَفْنَى الدَّهْرُ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ:
لَو كَانَ حَيٌّ خَالِدًا أَبَدًاخَلَدَ الَّذِينَ ثَّوَوْا عَلَى الْحُجْر
جُلساؤُهُ بفناءِ كعبتِهِفي مرتَقَى مستصعبٍ وعْرِ
وَالْحَارثُ الْجَوَلانُ مَاتَ بِهِأهْلُ الْمَآثِر ِمِنْ بنِي عَمْرِو
وَالسيدُ الدَّيَّانُ قَدْ وَرَدتْزُرْقُ الْمَنُونِ عَلَيْهِ بِالْقَهْرِ
لَمْ يَنْفِهَا مَالٌ وَلا وَلَدٌحَتَّى عَصَفْنَ بِهِ وَمَا يَدْرِي
وَالْمُنْذِرُ الْحَرَّابُ قَدْ صَبَحَتْإحْدَى الدَّوَاهِي الأُبَّدِ النُّكْرِ
وَقَالَ الأَعْشَى:
وَمَرُّ اللَّيَالِي كُل وَقْتٍ وَسَاعةٍيُزَعْزِعْنَ مُلكا أو يُبَاعِدْنَ دانيا
وَرَدْنَ عَلَى داودَ حَتَّى أَبَدْنَهُوكان يُغادي العيشَ أخضر صافيا
ولقْمَانُ قَدْ حَاوَلْنَ إتْلافَ نَفْسِهِوكان مقيمًا لا يَخَافُ الدَّواهِيَا
وَحَطَّتْ بِأسْبَابٍ لَهَا مسُتمِرَّةٍأُذَيْنَةَ في مِحْرَابِ تَدْمُرَ ثاوِيَا
وَتُبَّعُ قَدْ صُبَّتْ عَلَيْهِ بَصِيرَةٌبِقَطْعِ الثَّنَايَا لا تَهَابُ الْفَيَافِيَا
وقَدْ أَقْصَدَتْ شطر الكتَائِبِ مُنْذِرًاوعَمْرًا أَبَا قَابوسَ والْمَرْءَ عَادِيَا
وَكَرَّت عَلَى رَبِّ الصَّوَافِن كَرَّةًتَفَادَتْ لَه صُمُّ الْجِبَالِ تَفَادِيَا
فَذَاكَ سلَيمَانُ الّذِي سُخِّرَتْ لَهُمَعَ الإنْسِ وَالْجِن الرِّيَاح الْمَرَاخِيَا
فَلَو ْكَانَ شَيْءٌ خَالِدًا غَير رَبِّنَالَكَانَ لَهَا مِنْ سَائِر ِالناس وَاليَا
وقَالَ يَحْيَى بنُ زيَادٍ:
عَنِيتُ وَأَعْنتني اللَّيَالِي فَلا أَرَىلأهلِ نعيمٍ غِبْطَةً لم تَصَرَّمِ
مَضَى قَبْلَنا قَوْمٌ رجَوْا أَنْ يقوِّمُوابلا تعبٍ عيشًا فلم يَتَقَوَّمِ
فَكلهمُ لَما رَأَى الدهْرَ خَانَهُأقرَّ على ذُلٍّ فلم يَتَرَمْرَمِ
وَمَا نَحْن إلا كالَذِينَ تَفَارَطواوإن الذي يبقى لَكَالمُتَقَدِّم
وقال ابن أشْمَطَ العبدي:
أأُمامَ إِنَّ الدَّهْرَ أهــلك صَرْفُهُ إِرَمًا وعادا
وَاحْتَطَّ دَاودا وَأخْــرج من مساكنها إيادا
وَيسَمَا فَأَدْرَكَ أَسْعَدَ الــخيرات قد جمع العِتَادا
الْبَيضَ وَالْحَلَقَ الْمُضَاعَفَ نَسْجُه وحوى التِّلادا
وَلَهُ الْكَتَائِبُ يَجْلُبُون الخيل شُقْرا أو وِرَادَا
فَاحْتَطَّهُ وَالدَّهْرُ يُعْــقِبُ بعد صالحةٍ فسادا
فَكَأَنَّ ذلِكَ لَمْ يَكْنإلا التفكر حين بادا
وَقَالَ الأَحْوَصُ بْن مُحَمَّدٍ الأَنْصَاري:
الدَّهر إِنْ سَرَّ يَوْمًا لا قوَامَ لَهأحداثُهُ تَصْدَعُ الرَّاسي من العَلَم
يَستَنْزِلُ الطيْرَ كَرْهًا مِنْ مَنَازِلِهَاإلى المنية والآسَادَ في الأجَمِ
وَيَسْلُبُ الآمِنَ الْمغْتَرَّ نِعْمَتَهُويلحق الموتُ بالهَيَّابَةِ البَرَمِ
منْ يَأْمَنُ الدهْرَ أَوْ يَرْجو الْخلودَ بِهِبعد الذين مضوا في سالف الأمم
لَيْسَ امْرُؤٌ كَانَ في عَيْشٍ يُسَرُّ بِهِيوما بأخلد من عادٍ ومن إرم
يَهْوَى الْخلودَ وَقَدْ خُطَّتْ مَنِيتهُولا مردَّ لأمرٍ خُطَّ بالقلم
لا بد أَن الْمَنَايَا سَوفَ تدْرِكهُومن يُعَمَّر فلن ينجو من الهَرَمِ
أَيْنَ ابْن حَرْبَ وَقَوْمٌ لا أَحسُّهُمُكانوا علينا قريبا من بني الحكم
بَادوا وَآثَارهمْ في الأرضَ بَاقِيَةٌتِلْكُمْ معالمهم في الناس لم تُرَمِ
وقال مَسْعُودُ بنُ عُقْفَانَ الْبَجَلِيّ:
إن امرءا يرجو الخلود لمستطارُ اللُّبِّ أخْرَقْ
أيَظُنُّ أَنْ يَبقَى ولايبقى لحِدِّ السيفِ رَوْنَقْ
وقال طُرَيْحُ بنُ إسماعيل الثقفي:
أَلَمْ تَرَ المَرءَ نَصْبًا للْحَوادِث مَاتنفكُّ فيه سِهَامُ الدهر تَنْتَضِلُ
إن يَعْجَلِ الْمَوت يَحْملْه عَلَى وَضَحٍلَجْبٍ موارده مَسْلُوكةٌ ذُلُلُ
وإن تمادت بِه الأيَّام في عُمُر ٍيخلق كما رثَّ بعد الجِدَّةِ الحُلَلُ
ثمّ يصِير إلى أَنْ يَستَمِر بهريبُ المنون ولو طالت به الطِّيَلُ
والدهر ليس بناجٍ من دوائرهحيٌّ جبانٌ ولا مُسْتَأسِدٌ بَطَلُ
وَلا دَفين غيَابَاتٍ لَه نَفَقٌتحت التراب ولا حُوتٌ ولا وَعِلٌ
بَلْ كل شَيْء سَيُبْلي الدَّهر جِدَّتَهحتى يَبِيدَ ويبقى اللهُ والعمل
وقال مُتِمِّمُ بنُ نُويرَةَ اليَربوعيّ:
لا بدَّ من تَلَفٍ مصيب فَانتَظرْأبأرضِ قومِكَ أم بأخرى تُصْرَعُ
ولَيَأتينَّ عَليكَ يَومٌ وَاحدٌيبكي عليك مُقَنَّعٌ لا تَسْمَعُ
وَقَالَ رَبِيعَة بنُ غَزَالَةَ السَّكُونِيُّ:
لا يُوْئِلُ الدَّهْر مِنْ صَرْفِ الرَّدَى أَحَدًاوالموت إن آل منه هاربٌ لَحِقَا
وَكلُّ باكٍ سَيُبْكى ليسَ منفَلِتًامن المنية إمعانا ولا شفقا
كَذلك الدهر لا يُرعَى عَلَى أحدٍوالمرءُ رهنٌ لريب الدهر مذْ خُلِقَا
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع