تجاوز إلى المحتوى

من «نضرة الإغريض في نصرة القريض» للمظفر العلوي (ت ٦٥٦هـ)

باب السّرقة

والسَّرقة في الأشعارِ تنقسمُ الى قِسمين: محمود ومذموم. وكانت فحول شعراء العرب تستقبحُ سَرِقَةَ الشعرِ كما قال طَرَفة:

ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُهاعنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقا
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «ولا أغير على الأشعار أسرقها»

ومع هذا فلهم سَرِقاتٌ مُستَقْبَحةٌ، وإغاراتٌ بزنادِ الإكثارِ مُستَقْدَحة.

فأما المحمود من السَرِقة فهو عشرةُ وجوه: الأول: استيفاءُ اللفظِ الطويل في الموجز القليل. قال طرفة:

أرى قبرَ نحّامٍ بخيلٍ بمالِهكقَبْرِ غَويٍّ في البِطالةِ مُفْسِدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

اختصَرَهُ ابنُ الزِّبَعْرى فقال:

والعَطِيّاتُ خِساسٌ بيْنَناوسواءٌ قبرُ مُثْرٍ ومُقِلّ

فشغَل صدرَ البيتِ بمعنىً وجاء ببيتِ طَرَفة في عَجز بيت أقصرَ منه بمعنىً لائح، ولفظٍ واضح.

الثاني: نقْلُ الرَّذْل الى الرصينِ الجَزْل. قال أعرابي يتمنى موْتَ زوْجَته:

ألا إنّ موتَ العاميّةِ لو قَضىبهِ الدّهرُ لابن الوائليِّ حياةُ

المعنى لطيفٌ واللفظُ ضعيفٌ، أخذَه أخو الحارث بن حِلِّزة فقال:

لا تكُنْ مُحتقِراً شأنَ امرئٍرُبما كان من الشأنِ شُؤون
ربما قرّتْ عُيونٌ بشَجاًمُرْمضٍ قد سخِنَتْ منه عُيونُ

الثالث: نقْل ما قبُحَ مبناهُ دون معناهُ الى ما حَسُن مبناهُ ومعناه. قال الحكميّ:

بُحَّ صوْتُ المالِ ممّامنكَ يشكو ويَصيحُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غرد الديك الصدوح»

معناه صحيحٌ ولفظُهُ قبيحٌ، أخذَه سَلْمٌ فقال:

تظلَّمَ المالُ والأعداءُ من يدِهلا زالَ للمالِ والأعداءِ ظَلاّما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»

فجمعَ بين تظلُّمَيْن كريمين، ودعا للممدوحِ بدوامِ ظُلمِه للمالِ والأعداء، وجوّدَ الصَنعةَ في لفظِه وأخذِه.

الرابع: عكْسُ ما يصير بالعكس ثناءً بعد أن كان هِجاء.

ما شئت من مالٍ حمىًيأوي إلى عِرْضٍ مُباحِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لولا عبيد الله قلت ولم أخف رهق الجناح»

فعكَسهُ القائلُ فقال:

هوَ المرءُ أمّا مالُه فمُحلّلٌلِعافٍ وأما عِرْضُهُ فمحرَّمُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خصيم الليالي والغواني مظلم»

الخامس: استخراج معنىً من معنىً احتذى عليه وإن فارقَ ما قصَدَ به إليه. قال الحَكَميّ في الخَمْر:

لا ينزِلُ الليلُ حيثُ حلّتْفدَهْرُ شُرّابِها نهارُ

احتذَى عليه البحتري، وفارقَ مقصدَ الحكمي فجعلَهُ في محبوبةٍ فقال:

غابَ دُجاها وأيُّ ليلٍيدجو عليْنا وأنتِ بدرُ!؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «مني وصل ومنك هجر»

السادس: توليدُ كَلامٍ من كلام لفظُهما مفترِقٌ ومعناهما متّفِق، وهو ممّا يدُل على فطنة الشاعر، أنشد الأصمعي لبعضهم:

غُلامُ وغىً تقحَّمها فأوْدَىوقد طحَنَتْهُ مِرداةٌ طحونُ
فإنّ على الفَتى الإقدامَ فيهاوليسَ عليه ما جَنَتِ المَنونُ

أخذَه أبو تمام فقال:

لأمْرٍ عليهم أن تتمّ صدُورُهوليس عليهم أن تتِمَّ عواقِبُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

المعنى متفق واللفظُ مفترقٌ، وهذا من أحسَنِ وجوهِ السّرِقات.

السابع: توليدُ معانٍ مُستحسناتٍ في ألفاظٍ مختلفاتٍ، وهذا قليلٌ في الأشعارِ، وكان من أجدَرِ ما كَدّ الشاعرُ فطنتَهُ فيه، إلا أنّه صعبٌ. قال الشاعر:

كأنّ كؤوسَ الشَّرْبِ والليلُ مُظلِمٌوجوهُ عَذارى في ملاحفَ سودِ

اشتقّ ابنُ المعتزّ منه قوله:

وأرى الثُريّا في السّماءِ كأنّهاقدَمٌ تبدّتْ من ثيابِ حِدادِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قم يا نديمي نصطبح بسواد»

الثامن: المساواةُ بين المسروق منه والسارِق، بزيادة ألحَقَتِ المسبوقَ بالسابِقِ. قال الديك:

مُشَعْشَعةٌ من كفِّ ظبيٍ كأنّماتناولَها من خَدِّه فأدارَها

أخذَه ابنُ المعتز فقال:

كأنّ سُلافَ الخَمرِ من ماءِ خدّهوعنقودَها من شَعْرِهِ الجَعْدِ يُقْطَفُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قويت على الهجران حتى مللتني»

فزادَ تشبيهاً هو من تَمامِ المعنى، فتساويا؛ هذا بقِدمَتِه، وهذا بزيادته، ومثلهُ كثير.

التاسع: المماثلةُ في الكلام حتى لا يفضل نِظامٌ على نظام. قال حسّان بن ثابت:

يُغْشَوْن حتى ما تهِرُّ كِلابُهملا يسألونَ عن السّوادِ المُقبِل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

أخذَهُ الحَكميّ فقال:

الى بيتِ حانٍ لا تهِرُّ كلابُهعليّ، ولا يُنْكِرْنَ طولَ ثوائي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لقد طال في رسم الديار بكائي»

لا فرق بين المعنيين ولا الكلامين فقد تماثلا.

العاشر: رُجحانُ لفظِ الآخذ على المأخوذ منهُ وتفضيلُ معناه على معنى أصدره عنه. قال النابغة:

سقَطَ النّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهفتناولَتْهُ واتّقَتْنا باليَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

أخذَه أبو حَيّة النُميريّ فقال:

فألْقَتْ قِناعاً دونَه الشمسُ واتّقَتْبأحسَنِ موصولين: كفٍ ومِعصمِ

فلم يزِدْ النابغةُ على الإخبارِ باتقائها بيدِها لمّا سقطَ نصيفُها، فزادَ عليهِ أبو حيّة بقوله: دونَه الشمسُ، وخبّر عن الاتقاء بأحسن خبر، من حُسْنِ كفٍّ وحُسْنِ معصَمٍ، فرجَحَ كلامُه وعَلا نِظامُه.

وأما المذمومُ من السّرقةِ فعشرةُ وجوه أيضاً: الأول: نقلُ اللفظِ القصيرِ الى الطويل الكثير. قال الحَكَميّ:

لا تُسْدِينّ إليّ عارِفةًحتى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أنت امرؤ أو ليتني منناً»

أخذَه دِعْبل فقال:

تركتُكَ، لم أتركْكَ كُفْراً لنعمةٍوهل يُرتَجى نيْلُ الزّيادةِ بالكُفْر
ولكنني لما رأيتُكَ راغِباًوأفرطتَ في برّي عجَزْتُ عن الشُكر

الشعرُ جيدُ المعنى واللفظ، ولكنه أتى به في تطويل وتضمين، فنقل القصيرَ الى الطويل، وذلك مذمومٌ في السّرقَة.

الثاني: نقْلُ الرصين الجَزْل الى المُسْتَضْعفِ الرّذْل. قال الأول:

ولقد قتَلتُك بالهجاء فلم تَمُتْإنّ الكِلابَ طويلةُ الأعمارِ
ما زالَ ينبَحني ليَشْرُفَ جاهِداًكالكلبِ ينبَحُ كامِلَ الأقمارِ

أخذَه ابنُ طاهر فقال:

وقد قتلناكَ بالهجاءِولكنّك كلبٌ معَقَّفٌ ذَنبُه

فجمَع بين قُبحِ السّرقة، وضعْفِ العبارة، ولا وجهَ لذكر التعقيفِ في الذنَب، لأنه غيرُ دالٍ على طول العمر، وهذا ظاهرٌ ومثلُه كثير.

الثالث: نقْلُ ما حسُنَ معناهُ ومبناهُ الى ما قَبُح مبناهُ ومعناه. قال الكندي:

ألمْ تَرَ أنّي كلما جِئْتُ طارِقاًوجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

أخذه بشار فقال:

وإذا أدْنَيْتَ منها بَصَلاًغلبَ المِسكُ على ريحِ البَصَل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن سلمى خلقت من قصب»

وهذا أنزلُ شعرٍ في الرذالةِ، كما أنّ بيتَ الكندي أرفعُ بيتٍ في الجَوْدَة والجزالة، وقد أخذ كُثيِّرٌ المعنى، فطوّل وضمّن وقصّر، وزعمَ أنهاإذا تبخّرَتْ كانت كالروضة في طيبها. ولا يُعدَم هذا في أسهَكِ البشرِ جسماً وأوضَرهم حالاً، وشعرُهُ معروف.

الرابع: عكس ما يصيرُ بالعكس هجاءً بعدَما كان ثناءً. قال حسّان بن ثابت:

بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهمشُمُّ الأنوفِ من الطّرازِ الأوّلِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

أخذَه ابنُ أبي فنن فعكسه فقال:

سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابُهمفُطْسُ الأنوفِ من الطراز الآخر
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

الخامس: نقْلُ ما حسُنَتْ أوزانُه وقوافيه الى ما قبُحَ وثَقُل على لسان راويه. قال الحكمي:

دعْ عنكَ لَوْمي فإنّ اللومَ إغراءُوداوِني بالتي كانتْ هيَ الداءُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

أخذَه الطائي فقال:

قدْكَ اتَئِبْ أربَيْتَ في الغُلَواءِكمْ تعذِلونَ وأنتُم سُجَرائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

فالحكَمي زَجَر عذولَه زجْراً لطيفاً، أعلمَه أن اللّومَ إغراء، وشغل عجُزَ بيتِه بمعنى آخر، بكلامٍ رطْبٍ، ومعنىً عذْبٍ والطائي زجَرَ عذولَه بلفظٍ مُتعسّفٍ تصعُبُ راويتُهُ، وتُستكرَهُ قافيتُه.

السادس: حذفُ الشاعر من كلامِه ما هو من تَمامه. قال الكِنْدي:

نظَرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍحوْراءَ حانِيةٍ على طِفْلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

أخذَهُ المُسيّبُ بن علَس فقال:

نظرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍفي ظِلِّ فاردةٍ من السِّدْرِ
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أصرمت حبل الوصل من فتر»

لم يُقنعْهُ قُبحُ هذا الأخذ لفظاً ومعنى حتى أتى فيه بما لا حاجةَ له إليه، لأنّ حُسْنَ أعيُنِ الظِّباءِ لا تعَلُّقَ له بظلِ السِّدرِ، وليس في ذلك ما ليس له في غيره. والكندي لمّا وصفَ عينَها بعينِ الجازئة، وهي الظبيةُ التي قد اجتزأَتْ بالرَّطْب عن الماء ذكرَ أنها حوراءُ ثم وصَفها بأنها حانيةٌ على طفل، وفي حُنُوّها على ولدها اكتسابُ طرفِها بتروّعها عليهِ وخوفِها مما ينالُه معنى لا يوجَدُ عند سكونِها وأمنه، وقد سَرَقَ المُسيَّبُ شيئاً وتركَ ما هو من تمام الكلام، فاعرِفْهُ.

السابع: رُجحانُ كلامِ المأخوذِ عنه على كلام الآخذِ منه. قال مُسْلِم:

أما الهجاءُ فدَقّ عِرْضُكَ دونَهوالمدحُ عنك كما علِمتَ جَليلُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أما الهجاء فدق عرضك دونه»
فاذهبْ فأنتَ طليقُ عِرضِك إنّهعِرْضٌ عَزَزْتَ به وأنت ذَليلُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أما الهجاء فدق عرضك دونه»

أخذه الطائي فقال:

قال لي النّاصحونَ وهو مقالٌذمُّ من كان جاهِلاً إطراءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل لعبدون أين ذاك الحياء»
صَدَقوا، في الهجاءِ رِفْعَةُ أقوامِ طَغامٍ فليسَ عندي هِجاءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل لعبدون أين ذاك الحياء»

وبين الكلامين بوْنٌ بعيدٌ لا تحتاجُ الى إيضاحِه لارتفاعِ الشكّ في بيانه.

الثامن: نقلُ العَذْبِ من القوافي الى المُستكرهِ الجافي. قال المتلمّس:

فأطرَقَ إطراقَ الشجاعِ ولو يرَىمَساغاً لِنابَيْهِ الشُّجاعُ لصَمّما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

أخذَه عمرو بنُ شأس بجملته وختَمَه بقافيةٍ مُستكرهةٍ، فقال:

فأطرقَ إطراقَ الشُجاعِ ولو يَرىمَساغاً لنابَيْهِ الشُجاعُ لقد أزَمّْ

أزمّ: اشتدّ وعضّ، وهي لفظة غير عَذْبة.

التاسع: نقلُ ما يعودُ على البحث والانتقاد الى تقصير ظاهرٍ أو فساد. قال أبو العتاهية:

إنّي أعوذُ من التي شَعَفَتْمني الفؤادَ بآيةِ الكُرْسي
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إني أعوذ من التي شعفت»

وآيةُ الكُرسي إنما تهرُبُ منها الشياطين ويُحتَرَس بها من الغِيلان فهل التي شعَفَتْ فؤادَه كانت من هذا القبيل؟ وقال الأعشى:

فرَمَيْتُ غَفْلَةَ عينهِ عنْ شاتِهفأصَبْتُ حبّةَ قلبِه وطِحالَها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

أما ذِكرُ القلب والفؤاد فلا ريبَ أنه يتردد كثيراً في الشعر عند ذِكر الهَوى والمحبّةِ والشوقِ، وما يجدُه المغْرَمُ في هذه الأعضاء من الألم والحرارة والكَرب. وأما الطّحالُ فما رأينا أحداً استعملَ ذِكرَه في هذه الأحوال، إذ لا صُنْعَ له فيها ولا هو ممّا يُنسبُ الى حركة في حزن أو عِشق، ولا الى سُكون عندَ فرَجٍ أو ظَفَرٍ، ففسادُ ذِكر الطحال ظاهر في هذه الحال. وقال الآخر:

لمّا تخايلْتُ الحُمولَ حسِبْتُهادَوْماً بأيْلَةَ ناعماً مَكْموما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

ذكرَ أن الدَّوْمَ، وهو شجَرُ المُقلِ، مكمومٌ وإنما تُكمّم النخلُ. وفي هذا الباب للعرب وغيرهم أشعارٌ لا يُحيطُ بجملتها باحثٌ ولا مُختار.

العاشر: أخذُ اللفظِ المُدَّعى هو ومعناه معاً. وهو أقبح وجوهِ السّرِقات وأشنعُها وأدناها منزلةً وأوضعها فمن ذلك قول الكنْديّ:

وعنْسٍ كألواحِ الإرانِ نسَأتُهاعلى لاحِبٍ كالبُردِ ذي الحِبَراتِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «غشيت ديار الحي بالبكرات»

أخذَه طَرَفة - الذي قال: وشَرُّ الناس منْ سَرَقا - فقال:

أمونٍ كألواحِ الإرانِ نسأتُهاعلى لاحِبٍ كأنه ظَهرُ بُرجُدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»

وقال الحطيئة:

إذا حُدِّثَتْ أنّ الذي بيَ قاتليمن الحُبِّ قالتْ ثابتٌ ويَزيدُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا طرقت هند الهنود وصحبتي»

أخذَه جميل فقال:

إذا قلتُ ما بي يا بُثينةُ قاتليمن الحُبِّ، قالَتْ ثابتٌ ويزيدُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذا ما شكا ليم إليك مصيبة»

وقال مُسلم بن الوليد:

يقولُ صَحْبي وقد جدّوا على عجَلٍوالخيلُ تسْتَنُّ بالرُّكْبانِ في اللُجُمِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يقول صحبي وقد جدوا على عجل»
أمَطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمَّ بنافقلتُ كلاّ ولكنْ مطلِعَ الكَرَمِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يقول صحبي وقد جدوا على عجل»

أخذهُ أبو تمام فقال:

يقولُ في قُومسٍ صحْبي وقد أخذَتْمنّا السُّرى وخُطى المَهْريّةِ القُودِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يقول في قومس صحبي وقد أخذت»
أمطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمّ بنافقلتُ كلا ولكن مطلِعَ الجودِ

فهذه وجوهُ السّرِقاتِ قد حدَرْتُ لك لِثامَها، وألقيتُ إليك زمامَها، فقلّ أن تجِد من يعرفُ أقسامها، أو يستمطر غمامَها، ولا تجدُ إلا مَنْ إذا ظفِرَ ببيتٍ مسروقٍ لم يدْرِ أمِنَ المحمودِ هو أمْ من المذموم، وهلْ شاعرُهُ بالمعذورِ فيه أم بالمَلوم، فاعرفْهُ.

وأما التوارد فهو اتفاقُ الخواطرِ في البيتِ والبيتين، وإنّما سمّوهُ توارداً أنفَةً من ذكرِ السّرقَةِ وتكبراً عن السّمة بها. قال عَلقمةُ بن عَبَدَة:

أمْ هلْ كبيرٌ بَكى، لم يقْضِ عَبْرَتَهُإثْرَ الأحبةِ، يومَ البيْنِ مَشكومُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

وقال أوس بن حَجَر:

أمْ هل كبيرٌ بكى لم يقْضِ عَبْرَتهُإثرَ الأحبةِ يومَ البينِ معذورُ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «هل عاجل من متاع الحي منظور»

وقال طرفة:

فلولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفتىوجدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوَّدي

وقال نُهَيك:

ولولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفَتىوجَدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامسي
للشاعر نهيكة الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال مُزاحم العُقيلي:

تكادُ مَغانيها تقولُ من البِلىلسائِلها عن أهلِها لا تَعمَّلِ
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

وقال ضابئ:

تكادُ مغانيها تقولُ من البِلىلسائِلها عن أهلِها ولا تَعَمّلا
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

وقال عَديّ بن زَيْد:

وعاذلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُنيفلما غلَتْ في اللوْمِ قُلتُ لها اقصِدي
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال عمرو بن شأس:

وعاذِلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُنيفلما غَلَتْ في اللّومِ قُلتُ لها مَها
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال أوس بن حَجر:

حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجّنَةٍوعمُّها خالُها قوداءُ مِئشيرُ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «هل عاجل من متاع الحي منظور»

وقال كعب بن زهير:

حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجَّنةٍوعمُّها خالُها قوداءُ شِمْليلُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»

وقال كعب الأشقري:

لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هَرِموافهُمُ ثِقالٌ على أكتافِها مِيلُ
للشاعر جرير، من قصيدة «تلقى السليطي والأبطال قد كلموا»

وقال جرير:

لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هرِموافهم ثِقالٌ على أكتافِها عُزُفُ
للشاعر جرير، من قصيدة «تلقى السليطي والأبطال قد كلموا»

ومثلُ هذه الأبيات في أشعار العرب أكثرُ من أن تُحصى وأعظمُ من أن تُسْتَقصى، وأنا لا أعدُّ ذلك توارداً اتفقَتْ عليه الخواطرُ، وتشابَهَتْ فيه الضمائر، بل أعُدُّه سرِقَةً مَحْضَة وإغارةً على الأشعارِ مُرفَضّة. وقد أوردَ ابنُ السِّكيت قولَ امرئ القيس: وقوفاً بها صحبي البيت، وقولَ طرفة في باب السَرِقات، والذي ذهب إليه هو الصحيح، وإنّما يتّفق للشاعرين معنىً ويلزمان أن يَنْظماهُ على قافيةٍ واحدة فربما تَواردا في بعض الكلام. من ذلك ما حكاه أبو القاسم الأندلسي وغيرُه في أشعار المَغارِبَة، قال: كان بين يدي محمد بن عبّاد صاحب الغَرب جاريةٌ في يدها كأسٌ وهي تَسقيه، فلمع البرق فارتاعتْ له فسقط الكأس من يدها فقال مُرتَجِلاً:

روّعها البرقُ وفي كفِّهابرْقٌ من القهوةِ لمّاعُ
يا ليْتَ شِعري وهي شمسُ الضُحىكيفَ من الأنوارِ ترْتاعُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «ريعت من البرق وفي كفها»

ثم قال لبعض خدمه: مَنْ على باب القصر من الشعراء؟ فقال: عبد الجليل بن وهبون، فأمَه بإحضاره. فلمّا مثُلَ بين يديه قصّ عليه القصّة وأنشدَه البيتَ الأول وقال له: أجِزْه فأنشأ:

ولنْ ترى أعجبَ من آنِسٍمن مثلِها ما يُمْسِكُ يرتاعُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

ومثل هذا يمكن أن يقع ولا يُنكَر ولا يُدفَع.

وحكى الأندلسي قال: حدّثَني محمد بن شرف القيرواني قال: أمرَني المُعِز بن باديس وأمرَ حسنَ بنَ رشيق في وقت واحد أن نصِفَ الموزَ في شعرٍ على حرف الغَيْن، فجلس كل واحد منا بنَجْوَةٍ عن صاحبهِ بحيثُ لا يقفُ أحدُنا على ما يصنَعُهُ الآخر، فلمّا فرَغنا من الشعرِ عرَضْناه عليه، فكان الذي صنعتُه أنا:

يا حبّذا الموزُ وإسعادُهمن قبل أن يَمْضغه الماضِغُ
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
لانَ فما نُدرِكُ جَسّاً لهُفالفَمُ ملآنُ بهِ فارِغُ
سِيّانَ قُلنا مأكَلٌ طيّبٌفيهِ وإلاّ مشْرَبٌ سائِغُ
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

وكان الذي صنعه ابنُ رشيق:

موزٌ سريعٌ سوْغُهُمن قَبلِ مضْغِ الماضِغِ
مأكلَةٌ لآكلِومشرَبٌ لسائِغِ
فالفمُ من لينٍ بهملآنُ مثلُ فارغِ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

هذا هو المُمكن في التّوارد، واتفاق الخواطر. وحكى القيرواني قال: ثم أمرنا للوقت أن نعملَ فيه أيضاً على حرف الذال فعملنا على القاعدةِ الأولى، فكان ما عملتُه أنا:

هلْ لكَ في موزٍ إذاذُقناهُ قُلنا حبّذا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
فيه شَرابٌ وغِذايُريكَ كالماء القَذا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
لو ماتَ مَنْ تلذَّذابهِ لَقيلَ ذا بِذا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

وكان ما عملَهُ ابنُ رشيق:

للهِ موزٌ لذيذُيُعيذُهُ المستَعيذُ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فواكِهٌ وشَرابٌبهِ يُفيقُ الوقيذُ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
يُرى قذى العينِ فيهكما يُريها النبيذُ

الشعرُ ضعيفٌ جداً، وما أرَدْنا بإيراده إلا تمثيل الموارِد كيف تكون، وفي هذا التمثيل كفاية.

وأما النقدُ فإنّه في الشعر يدلّ على فِطْنَة العالم وضياء حِسّه وتوقُّد ذَكائه. وللعُلماء في ذلك أقوالٌ حسنة وكلامٌ مفيد، وهو كثيرٌ غزير، وإنما نذكرُ منه اليسيرَ ونجعله دليلاً على الكثير.

قِيل: تنازعَ علقمةُ بن عَبَدة وامرؤ القيس في الشعر وأيُّهُما أشْعَر من الآخر، فقال علقمة: قد رضيتُ بزوجتكَ أمِّ جُنْدَبٍ حَكَماً بيني وبينَك، فقالت أمّ جُندب: قولا شعراً وصِفا فيه فرَسَيْكُما على قافيةٍ واحدة ورَويّ واحد. فقال امرؤ القيس:

خليليّ مُرّا بي على أمِّ جُندَبِنُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المُعذَّبِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وقال علقمة:

ذهبتَ من الهجرانِ في غيرِ مَذْهَبِولم يكُ حقاً طولُ هذا التّجَنُّبِ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

وأنشداها القصيدتَين فقالت لامرئ القيس: علقمةُ أشعر منك، قال لها: وكيف ذاك؟ فقالت: لأنك قلت:

فللزّجْرِ أُلهوبٌ وللساقِ دِرّةٌوللسّوْطِ منهُ وقْعُ أخرجَ مُهْذِبِ

الأخرج: الظليمُ وهو ذَكَرُ النعام، والأنثى خرجاء. والأخرج: الرماد، ومنه شَبّه، ومُهْذِب أي مسرع في عَدْوِه. قالت: فجَهَدتَ فرسَكَ بزجرِكَ ومَرَيْتَه فأتعبتُه بساقِك وسوطِك، وقال علقمة:

فأدركَهُنَّ ثانياً من عِنانِهيمُرُّ كمَرِّ الرّائحِ المتَحلِّبِ

فأدركَ فرسَهُ ثانياً من عنانهِ ولم يضربْهُ بسَوْطٍ ولم يُتعبْهُ. فغضِبَ عليها امرؤ القيس وطلّقها، فتزوجَها علقمة فسُمّي الفحل لميزتِهِ في باقي الشُعراء كميزةِ الفحل على باقي الإبل.

وأنشد الأصمعي قولَ امرئ القيس:

رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍمُخْرِجٍ زَنديهِ من سُتَرِهْ

فقال: أما علِمَ أنّ الصائدَ أشدُ خَتْلاً من أن يُظهرَ شيئاً منه! ثمّ قال: فكفّيْه، إن كان لابدّ، أصلحُ. فترك الرُواة زَنْديهِ ورووا كفّيه على ما فيه. وقيل: كان النابغة الذبياني تُضرَب له قُبّةٌ حمراء من أدَم بسوقِ عُكاظ فتأتيه الشعراء فتعرِضُ عليه أشعارَها. فأوّلُ من أنشده الأعشى ميمون بن قيس، ثم أنشدَه حسّان بن ثابت الأنصاري قولَه:

لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحىوأسيافُنا يقْطُرنَ من نجْدَةٍ دَما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
ولَدْنا بني العَنقاءِ وابْنَيْ مُحرِّقٍفأكرِم بنا خالاً واكرِمْ بنا ابْنَما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

فقال له النابغة: أنت شاعرٌ ولكنّك أقللْتَ جفانَك وأسيافَك وفخرت بمن ولدْتَ ولم تفخر بمَن ولدَك. هذا هو النقد الجليل الذي يدُلُّ عليه نقاء كلام النابغة. والمعنى أنّه قال له: أقللْتَ أسيافَك، وأسيافٌ جمْع لأدنى العدد، والكثير سُيوف، والجَفَنات لأدنى العدد، والكثيرُ جِفان. وقال: فخَرْتَ بمن ولَدتَ؛ لأنه ترك الفخرَ بآبائه وفخرَ بمن ولدَ نساؤه. وقيل في رواية غير موثوقٍ بها: إنه قال له: وقلت: لنا الجفناتُ الغُرّ، والغُرّة لُمْعَة بياضٍ في الجَفْنة، ولو قلت: لنا الجفناتُ البيضُ، كان أحسن لكثرة الدّسَم عليها، ولو قلت: يلمعنَ بالدُّجى، لكان أبلغَ، ولو قلت: وأسيافُنا يَجرينَ لكان أبلغَ من يقطرْنَ لأنّ الجريَ أعظم من القَطْر. وأقول إنّ هذه الزيادة عليها اعتراض. والصحيح ما قاله النابغة أولاً.

وذكر ابنُ عبّاد أبو القاسم رحمَهُ الله تعالى ورضيَ عنه أن أبا الفضل بن العميد كان يتجاوزُ نقدَ الأبيات الى نقد الحُروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى واللّفظِ حتى يُطالِبَ بتحبير القافية والوزن، وقال: أنشدتُ يوماً بحضرته كلمةَ أبي تمام التي أوّلها:

شهِدْتُ لقد أقْوَتْ مغانيكُمُ بعْديومحَّتْ كما محّتْ وشائِعُ من بُرْدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

حتى انتهيتُ الى قوله:

كريمٌ متى أمدَحْهُ أمْدَحْه والوَرىمعي ومتى ما لُمْتُه، لُمْتُه وحدي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

فقال: هل تعرِفُ في هذا البيت عيباً؟ قلت: نعم، قابلَ المدحَ باللّوم فلم يوفِ التطبيقَ حقَّهُ إذ حقُّ المدحِ أن يقابَلَ بالهجو والذّمِ، فقال: غيرَ هذا أردتُ، قلت: ما أعرفُ، قال: أحدُ ما يُحتاجُ إليه في الشعرِ سلامةُ حروفِ اللفظِ من الثِقل، وهذا التكريرُ في أمدحْهُ، أمدحْه مع الجمعِ بين الحاء والهء مرتين، وهُما من حُروف الحلْق، خارِجٌ عن حد الاعتدال، نافِر كلَّ النِفار. قلت: هذا لا يدركُه إلا من انقادَتْ وجوهُ العِلْمِ له وأنهضَهُ الى ذُراها طبعُه.

قيلَ: وسمعَ الأصمعي قولَ الأعشى:

كأنّ مِشيَتَها من بيتِ جارَتِهامرُّ السّحابةِ لا ريْثٌ ولا عجَلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فقال: لقد جعلها خَرّاجةً ولاّجَةً، هلاّ قال كما قال الآخر:

ويُكرِمُها جاراتُها فيَزُرْنَهاوتعتلُّ عن إتيانِهنَّ فتُعذَرُ

وأقول: إنّ نقدَ الشعر صناعةٌ لا يعرفها حقَّ معرفتِها إلا مَنْ قد دُفع الى مضائِقِ القريض وتجرّع غُصَصَ اعتياصِه عليه، وعرَفَ كيف يتقحّمُ مهاويَهُ ويترامى إليه. قال أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد: قال لي عُمارةُ بن عقيل بن بلال بن جرير قال لي مروان بن أبي حفصة: إنّ المأمونَ لا بصيرةَ له بالشعرِ، قلت له: وكيفَ ذاك، وإنّا لَنُنشدُهُ صدْرَ البيت فيسبقُنا الى عجُزِه ولم يكن قد سمِعَه من قبل؟ قال: إنّي قلت فيه شِعراً جيداً فلم يهتزَّ له، قال: فقلت له: وما الذي قلت فيه؟ فأنشدني:

أضْحى إمامُ الهُدى المأمونُ مُشتَغِلاًبالدينِ والناسُ بالدنيا مشاغيلُ
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا»

قال: فقلتُ له: ما صنعتَ شيئاً، وما زِدْتَ على أنْ جعلتَه عجوزاً في محرابها بيدِها سُبْحَتُها، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان الخليفةُ مشغولاً عنها، وهو المطوَّقُ أمرَها؟ هلاّ قُلتَ كما قال عمُّك جرير في عبدِ العزيز بن الوليد بن عبد الملك:

فلا هُوَ في الدُنيا مُضيعٌ نصيبَهُولا عَرَض الدنيا عن الدينِ شاغِلُهْ
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه»

وهذا نقْدٌ حسَن.

وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: طلبتُ علمَ الشعر عند الأصمعيّ فوجدتُه لا يعرفُ إلا غريبَه، فرجعتُ الى الأخفش فوجدته لا يتقنُ إلا إعرابَه، فعطفتُ على أبي عبيدة فرأيته لا ينفُذُ إلا فيما اتّصل بالأخبار وتعلّق بالأيام والأنساب، فلمْ أظفَر بما أردتُ، إلا عند أدباء الكتاب؛ كالحسَن بن وهْب ومحمد بن عبد الملك الزّيات، فلله درُّ أبي عثمان، لقد غاص على سرِّ الشّعر، واستخرجَ أدقَّ من السِّحر، والشاعرُ يُحكَم له على الشاعر ببَيت واحد، والبيتُ يُفضَّل على البيت بكلمة واحدة، ألا ترى الى قول امرئ القيس:

وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مطيَّهمْيقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقول طرَفة البيت بجملته، ثم ختمه بقوله: وتجَلَّدِ، وهما شاعران مُفْلِقان، وقدّرنا أنهما قد تواردا، ولم نحْكُم على طرَفَة بالسّرِقة، ودُعينا الى الحُكم بينهُما، وتفضيل أحد البيتَيْن على الآخر، وليس فيهما من الاختلاف سوى التجمّل والتجلُّد. فمن النَقْدِ الحسَن تفضيلُ التجمُّل على التجلّد، والحكم بالبيت لصاحبِه، لأنّ التجمل إبداءُ تحسُّنٍ عن قوة ومادة متصلة منَ المَكِنَة. والتجلّد إبداُ تحسُّنٍ عن ضعفٍ، ومادةٍ متصلةٍ من العجْزِ، وبين اللفظتين بوْنٌ بَعيد. ولو دُعينا الى الحُكم بين لَقيط بن زُرارة ومن حَذا حَذوَه في قوله:

فتىً يشتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِهليَبْقى وما أبقيتَ مثلَ المَحامِدِ

وقول الحكميّ:

فتىً يشْتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِهويعلمُ أنّ الدائراتِ تَدورُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

وقول الآخر:

فتىً يشتري حسنَ الثناءِ بمالِهإذا السَّنةُ الشهْباءُ قلّ قِطارُها

لأوجَبَ النقدُ أن يُحْكَمَ باستحقاق التفضيل لصاحب البيت الأخير، وذاك أنّ لقيطَ بن زُرارة ختم بيته بمَثَلٍ جيّد، وأبا نواس ختم بيتَه بتأكيد الكَرَم، ومعناه: أن الممدوحَ يشتري الثناءَ بمالِه على عِلمٍ أنه يجوز أن يفتقرَ، أو يحتاج الى غيره، كما احتاج غيرُه إليه. وأما الآخر فذكَر أنه يُعطي ماله ويشتري به الثّناءَ في الوقت الشديد الذي يجب أن يحفظَ الإنسان فيه مالَه لشدّة الحاجة إليه، وإذا كان يُعطيه في مثل هذا الوقت الصّعب ويبذُلُه أيامَ القَحْط والجَدْب، فكيف يكون في زمانِ الخِصب وتوفّرِ الخيرِ والمَيْرِ. وبمثل هذه الخَصلةِ حُكِمَ لحاتم بن عبد الله الطائي بالجود. وكان حاتم ظَفِراً: إذا قاتَلَ غلبَ، وإذا سُئِلَ وهَبَ، وإذا غنِمَ أنْهَبَ، وإذا أسرَ أطلقَ، وإذا أثْرى أنفق. وكان قد أقسمَ بالله تعالى ألا يقتلَ واحدَ أمّه. وحدّث محمد بن حبيب عن موسى الأحْوَل عن الهيثَم عن مَلحان ابن أخي ماوية امرأة حاتم عن عمّتِه ماوية قالت: أصاب الناسَ سَنَةٌ أذهبت الخُفَّ والظِلْفَ، فبتنا ذات ليلة بأشد جوع ولسنا نملكُ شيئاً، فأخذ حاتم عَدياً وأخذت سَفّانة، فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ حاتم يُعللني بالحديث لأنام، فرَقَقْتُ لما بِه من الجهد، فأمسكتُ عن كلامِه وأوهمْتُه أني قد نِمت لينامَ، فنظر من فُتْقِ الخِباء، فإذا شخصٌ مقبلٌ، فرفع رأسَه فإذا امرأة تقول: يا أبا سَفّانة، أتيتُك من عند صِبيَةٍ جِياع، فوثَب مُسرِعاً، وقال: هاتيهم، فوالله لأُشبعنّهم، فلما جاءتْ بهم وأنا مفكّرةٌ فيما يريد أن يصنع، قام عجِلاً الى فرسِه ولم يكُنْ يملك سواه، فذبحَه واشتوى فأشبعهم، ثم قال: والله، إنّ هذا لهُو اللّوم، كيفَ تأكلون وأهل الصِّرم حالهم كحالكم، فجعل يأتي الصِّرْم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النارَ، فاجتمعَ عليه عددٌ لم يتركوا منه شيئاً وهو متقنّعٌ بكسائه قد قعدَ حَجْرةً، فوالله ما ذاق منه لَماظا. فهذا والله الكرمُ المَحْضُ، والجودُ الخالِصُ، وإذا كان جودُه في مثل تلك الحالةِ هكذا فكيف يكون في سواها.

هذا آخِر الفصل الأول، ولعلّ الناظرَ فيه يستطيلُ أبوابَه ويستعظمُ إسهابَه، خصوصاً وقد اشترَطْنا في أوّله الاختصارَ ووعَدْنا أن نتجنّب الإكثار، ولو علِمَ الناظرُ فيه ما قد خلّفناهُ بعدَنا ونبَذْناهُ وراءَنا من المعاني الغريبة، والأشعارِ العجيبةِ، لعرَفَ موضِعَ الاختصار، ووفاءَ ما وعَدْنا به من الاقتصار. هذا مع الإعراضِ عن كثير من أشعار المُحدَثين والمُتَقدمين من المجيدين. واللهُ الموفِّقُ للصّوابِ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.