من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
باب الهجاء وهجاء النساء
عوف بن عطية بن الخرع:
ولقد أراك ولا تؤبن هالكاًعدل الأصرة في سنام الأكوم
أي لا يبكي عليك إن مت، عدل الأصرة أي كانت أمه راعية فكانت تحمله على بعير وتعدل به الأصرة. وقال الأخطل يهجو قوماً:
البائتين قريباً من منازلهمولو يشاءون آبوا الحي أو طرقوا
يعني يغتنمون القرى ولو أحبوا يأتوا بيوتهم. والطروق أن تجيء ليلاً، والإياب أن تجيء عند الليل، ويقال أوب السير إذا سار من غدوة إلى الليل. وقال آخر في ضد هذا يمدح:
تقرى قد ورهم سراء ليلهمولا يبيتون دون الحي أضيافاً
وقال عميرة بن جعيل التغلبي:
كسا الله حيي تغلب ابنة وائلمن اللؤم أظفاراً بطيئاً نصولها
هذا مثل، أي علامات من اللؤم ترى عليهم لا تنصل كما تنصل الأظفار.
إذا ارتحلوا من دار ضيم تعاذلواعليها وردوا وفدهم يستقيلها
أي يعذل بعضهم بعضاً لم لم يصبروا على الضيم لأنهم ليسوا ممن يغلب على دار.
وقال عوف بن الخرع:
هلا فوارس رحرحان هجوتمعشرا تناوح في سرارة واد
السرارة أكرم الوادي وخيره والنبات يحسن فيها يقول لكم حسن وليس لكم خبر وذلك أن العشر خوار ضعيف، والتناوح التقابل. قال الأصمعي دور يتناوحن أي يتقابلن. وقال آخر:
إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهموقوفاً بأيديهم مسوك الأرانب
أي هم أصحاب صيد وليسوا ممن يطلب المعالي. وقال:
إذا ابتدر الناس المكارم والعلىأقاموا رتوباً في النهوج اللهاجم
يقول يسألون الناس في الطرق البينة الواسعة، والراتب الثابت والنهج البين واللهجم الواسع، قال العجاج:
مفترشات كل نهج لهجم
يقول أقاموا يسألون الناس على الطرق. آخر:
فأصممت عمراً وأعميتهعن الجود والفخر يوم الفخار
أي وجدته أصم أعمى كقولك أتيت أرض بني فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة. ومثله لرؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق
أي وجدها هائجة النبات، ومثله قول الأعشى:
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
أي وجده خلفاً. آخر وهو الفرزدق:
إذا غاب عنكم أسود كنتمكراماً وأنتم ما أقام الألائم
أسود العين جبل، والعين المنظر والجبل لا يغيب أبداً يريد أنتم لئام أبداً. آخر:
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلةًوأنعم أبكار الهموم وعونها
الضواحي الظاهر يريد ما ظهر منه وأراد لم يؤرقه أبكار الهموم وعونها وأنعم أي وزاد على هذه الصفة، واحدة العون عوان. آخر:
ستعلم إن دارت رحا الحرب بينناعنان الشمال من يكونن أضرعا
حكى عن أبي عبيدة أنه قال عنان الشمال دعاء أي يا عنان الشمال والشمال الخرقة التي يكون فيها ضرع الشاة، والعنان السير الذي تعلق به، وقال بعضهم عنان الشمال أي معانة أمر مشؤوم من عن أي عرض كما قيل غراب شمال وزجرت لها طير الشمال، وقال بعضهم إن الدابة لا تعطف إلا من شمالها فأراد دارت رحى الحرب مدارها وعلى
جهتها، وقال رجل من كلب:
غدا ضيف حجاز بن زيد بحبلهمطوي وبطن الضيف أطوي من الحبل
وقال أوس:
مباشيم عن لحم العوارض بالضحىوبالصيف كساحون ترب المناهل
العوارض الإبل تنحر من علة، يقول لا يذبحون إلا ما كان عليلاً لا ينتفع به من لؤمهم ويضعفون عن السقي أول الناس فيبقون حتى يسقي الناس فيكونون آخرهم.
وقال حاتم في ضد هذا:
وسقيت بالماء النمير ولمأترك ألاطم حمأة الجفر
النمير الماء النامي في الجسد وإن كان غير عذب.
وقال النجاشي: لابن مقبل:
ولا يردون الماء إلا عشيةإذا صدر الوراد عن كل منهل
وقال الأخطل:
المانعيك الماء حتى يشربواجماته ويسموه سجالا
وقال الفرزدق لجرير:
إن الزحام لغيركم فتحينواورد العشي إليه يخلو المنهل
وقال آخر يهجو قوماً:
مناين أبرام كأن أكفهمأكف ضباب أنشقت في الحبائل
أي نشبت. وقال آخر:
غثا كثير لا عزيمة عندهمسوى أن خيلاناً عليها العمائم
خيلان جمع خيال أي ليسوا شيئاً، ابن الأعرابي: الخال البعير الضخم والخال الجبل شبههم بالإبل في أبدانهم ولا عقول لهم. آخر:
ولا عيب إلا نزع عرق لمعشركرام وإنا لا نخط على النمل
قال أبو عمرو: إذا كان الرجل من أخته ثم خط على النملة وهي قريحة تظهر في ظهر الكف لم تلبث أن تجف، وهذا من فعل المجوس وإنما عرض برجل أخواله مجوس فقال: لست أنا كأولئك. وقال امرؤ القيس:
أيا هند لا تنكحي بوهةًعليه عقيقته أحسبا
البوهة الأحمق، وعقيقته شعره الذي خرج به من بطن أمه، يريد
أنه لا يطلي، أحسب أحمر.
مرسعة وسط أرباعهبه عسم يبتغي أرنبا
يقال رسع الرجل ورسع ورجل مرسع ومرسعة وهو الفاسدة عينه، وفي حديث عبد الله بن عمرو أنه بكى حتى رسعت عينه أي فسدت وتغيرت، ويروي مرسعة بين أرساغه من الترسيع وهو سير يضفر ويرسع ثم يشد في الساق، وأنث مرسعة في هذه الرواية رده على بوهة:
ليجعل في ساقه كعبهاحذار المنية أن يعطبا
يريد أنه جاهل يظن أن كعب الأرنب إذا علقه دفع عنه الموت.
فلست بطياخة في القعودولست بخزرافة أخدبا
الطياخة الذي لا يزال يقع في بلية وسوءة، يقال لا يزال فلان يقع في طيخة أي بلية، والخزرافة الكثير الكلام الخفيف.
ولست بذي رثية إمرإذا قيد مستكرهاً أصحبا
أصحب تبع، والرثية وجع يأخذ في الركبتين، منه:
وللكبير رثيات أربع
والإمر الأحمق الضعيف. وقال النابغة:
إذا نزلوا ذا ضرغد فعتائدايغنيهم فيها نقيق الضفادع
قعوداً لدى أبياتهم يثمدونهمرمى الله في تلك الأكف الكوانع
الضفادع تكون في الخصب يريد أنهم في أرض مخصبة، يثمدونهم يسألونهم، والكانع الخاضع، وقال الأعشى:
هم الطرف الناكوا العدو وأنتمبقصوى ثلاث تأكلون الوقائصا
الطرف جمع طريف وهو الذي بينه وبين الجد الأكبر آباء كثيرة وهو أحب إليهم من ذي القعدد، بقصوى ثلاث أي بعداً على ثلاث ليال، والوقائص التي أفطرت من الإبل والغنم.
وقال:
أنوفهم ملفخر في أسلوبوشعر الأستاه بالجبوب
أسلوب جانب، والجبوب الأرض يريد أنهم قصار.
وقال آخر: شظاظ الضبي:
رب عجوز من أناس شهبرهعلمتها الانقاض بعد القرقره
يعني أنها كانت لها بعير مسن يقرقر فركبه وذهب به وترك لها بكراً تنقض به. وأنشد في وصف سوداء:
كأنها والكحل في مرودهاتكحل عينيها ببعض جلدها
أنشد عيسى بن عمر:
كل عجوز رأسها كالكفهتغدو بجف معها هرشفه
كان عيسى بن عمر يرى أن الهرشفة العجوز حتى قال منتجع: الهرشفة خرقة تنشف بها الماء وذلك أن يجيء مطر وتحتاج إلى أخذ الماء فتنشفه من الأرض بها ثم ترده في الجف من جلود الإبل، والكفة حبل للصائد يديره، شبه شعرها إذ تساقط وسط الرأس وبقي ما حوله مستديراً بالكفة.
وقول الأنصاري عبد الرحمن بن حسان:
فتبازت وتبازخت لهاجلسة الجازر يستنجي الوتر
البزاء أن تخرج المرأة عجيزتها لتدنيها منه وتعظمها، والبزخ أن يدخل القطن وتخرج الثنة، والثنة ما بين السرة والعانة، شبه تبازخه بجلسة الذي ينزع عصب المتن، والاستنجاء الأخذ.
وقال امرؤ القيس:
وآثر باللحاة آل مجاشعرقاب إماء يعتبئن المفارما
الملحاة الشتم، يعتبئن يتخذن ما يتضيقن به، وكتب عبد الملك إلى الحجاج يا ابن المستفرمة بحب الزبيب. وقال الأعشى:
ونساء كأنهن السعالي
أي مثل الغيلان من الضر، الأصمعي: الغول ساحرة الجن. وقال لبيد:
تأوي إلى الإطناب كل رذيةمثل البلية قالص أهدامها
أطناب الفسطاط، رذية مهزولة، يريد امرأة شبهها بالبلية من الإبل، قالص مرتفع، أهدامها خلقان ثيابها.
وقال خداش بن زهير يهجو رياح بن ربيعة العقيلي.
بعناك في بطن مخضر عوارضهاترى من اللؤم في عرنينها خنسا
يريد سبينا أمك وهي حامل بك فبعناها، وعوارضها أسنانها وخنس قصر.
وقال يهجو قوماً وهم جداعة رهط دريد بن الصمة:
لعمر التي جاءت بكم من شفلحلدى نسيبها سابغ الاسب أهلبا
الشفلح الرجل العظيم الشفة المنقلبها وأراد ها هنا الرحم.
أزب جداعي كأن لدى إستهاأغاني خرف شاربين بيثربا
يقال في مثل من أمثال العرب إياك والأهلب الضروط خرف قوم يشربون في الخريف. وقال المرار للمساور:
لست إلى الأم من عبس ومن أسدوإنما أنت دينار بن ديناز
أي عبد بن عبد لأن ديناراً من أسماء العبيد.
فإن تكن أنت من عبس وأمهمفأم عبسكم من جارة الجار
وقال ذو الرمة:
إذا أبطأت أيدي امرؤ القيس بالقرىعن الركب جاءت حاسراً لا تقنع
يقول إذا لم يفرد الضيف بالقرى عن الركب جاءت المرأة حاسراً تقول ليس لكم عندي قرى، لا تقنع لأنها لا تستحي من الرد المحاربية تهجو امرأة:
وعلق المنطق منها بذلقكلب لها عودت مس الخنق
تقول هي رسحاء فالمنطق لا يثبت وتخنق كلبها لئلا يسمع صوته
الأضياف. وقال الراعي يهجو امرأة:
تبيت ورجلاها إوانان لاستهاعصاها حتى يكل قعودها
أي تحرك استها حتى يسير القعود واستها عصاها.
مخشمة العرنين مثقوبة العصاعدوس السرى باق على الخسف عودها
أي تسري بالليل لطلب الريبة. وقال:
إني نذير التي ألقت منيئتهاعلى القعود وحفتها بأهدام
من المهيبات مخضراً مغابنهالم تثقب الجمر كفاها بأهضام
المنيئة إهاب تدبغه المرأة تجلس عليه، تهيب تدعو أي هي راعية لم توقد ناراً قط لبخور.
وقال جران العود وذكر امرأته:
تكون بلوذ القرن ثم شمالهاأحث كثيراً من يميني وأسرح
لوذ القرن موضعه، يريد أن شمالها أسرع في اللطام من يمينها وأسرح أمضى، والقرن قرن الإنسان على رأسه، ولوذه حيث لاذ طرفه من القفا.
وقال جرير:
لقد ولدت غسان ثالبة الشوىعدوس السرى لا يعرف الكرم جيدها
ثالبة الشوى متشققة الرجل لأنها راعية، ابن الأعرابي: ثالثة الشوى شبهها بالضبع لأنها تمشي على ثلاث، ولا تستقر بالليل، فقال: أمهم لا تستقر بالليل لطلب الفجور، عدوس السرى قوية على السري، والكرم قلادة فيها ذهب أو فضة تصوغها الأعراب.
وقال:
وسودا من نبهان تثني نطاقهابأخجي قعور أو جواعر ذيب
أخجى فرج كثير الماء، يصفها بالرسح، والجاعرة موضع السمة من الحمار.
وقال وذكر أم البعيث:
إذا هبطت جو المراغ تكرستعروشاً وأطراف التوادي كرومها
تكرست جمعت شجراً، فعرشته وسكنت فيه وذلك فعل الرعيان، والتوادي أصرة الإبل وهي أعواد خشب تصر على ضروعها الواحدة تودية، والكروم القلائد واحدها كرم والمعنى أنها تلقي التوادي على عاتقها فتكون كأنها قلادة، والمراغ موضع تمرغ فيه الإبل.
وقوله يذكرها:
ترى العبس الحولي جوناً تسوفهلها مسكاً من غير عاج ولا ذبل
وقال الفرزدق يذكر البعيث:
أرحت ابن حمراء العجان فعردتفقارته الوسطى وقد كان وانيا
أي أرحته من مهاجاة جرير وتقلدت ذلك، وحمراء العجان لأنها أمة وكذلك قول جرير: فرتنا وكل أمة عند العرب فرتنا، عردت قويت والعرد الشديد:
فألق استك الهلباء فوق قعودهاوشايع بها واضمم إليك التواليا
الهلباء ذات الهلب وهو الشعر، شايع ادع الإبل وأهب بها والتوالي المستأخرات.
قعود التي كانت رمت بك فوقهلها مدلك عاس أصل العراقيا
مدلك يعني بظرا، عاس غليظ واسمه النوف إذا طال، وأراد عراقي القتب.
وقال جرير وذكر أم الفرزدق:
بزرود أرقصت القعود فراشهارعثات عنبلها الغدفل الأرعل
العنبل البظر الطويل، والغدفل العظيم والأرعل المسترخي.
وقال آخر:
إن ابن حواء وترك الندىكالعبد إذ قيد أجماله
يقول ترك طلب المكارم وأقام. ومثله بيت الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاوأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وقال خداش بن زهير يهجو قوماً:
لا تبرحون على الأبواب ملاءمةًتغاروزن بها ما لألأ الفور
أي تقيمون، يقال غرز فلان إذا أقام ولم يبرح وذا مأخوذ من غرز الجراد إذا غرز بموضع ألقى بيض به، والفور الظباء لا واحد لها من لفظها، لألأت حركت أذنابها. ومثله قول الآخر الأبيرد اليربوعي:
أحقاً عباد الله أن لست رائياًبريداً طوال الدهر ما لألأ العفر
العفر الظباء في ألوانها مأخوذ من عفر الأرض وهو لونها.
كأنكم نبطيات بمزرعةقشر الأنوف، درادير مآدير
درادير لا أسنان لها والدردر منبت الأسنان قبل أن تخرج، والمآدير العظام الخصي من الأدرة يقال رجل آدر مثال أفعل من
الأدرة، ودرادير استأنف به وصف القوم ولم يضف إلى النبطيات، قشر الأنوف حمرها.
ترى صدورهم حمراً محشرةًوفي أسافلهم نشل وتشمير
أخبر أنهم سود الوجوه، محشرة دقاق قليلة اللحم، نشل وتشمير. وقال يهجو عبد الله بن جدعان:
أريصع حلاف على كل بيعةوآدر مستلق بمكة أعفل
الأرصع والأرسح واحد، والبيعة من البيع يقال فلان رخيص البيعة والسيمة، والأعفل من العفل وهو العجان، أي هو كثير لحم ذلك الموضع وارمه. ومثله لبشر:
وارم العفل أبخر
مستلق بمكة يريد أنه ليس ممن يرحل ولا يبرح إنما هو تاجر، وقال:
أغرك أن كانت لبطنك عكنةوأنك مكفي بمكة طاعم
وقال يهجو قوماً:
سلاحكم يوم الهياج أصرةبأيديكم معوية ومثاني
الأصرة جمع صرار يخبر أنهم رعاء، معوية ملوية، ومثان حبال. وقال المرار:
ثقيل على جنب المهاد ومالهخفيف على أعدائه حين يسرح
يقول هو ثقيل النوم واذغ غراد أعداؤه سوق إبله كان خفيفاً عليهم لعجزه عن الطلب.
فإن مات لم يفجع صديقاً مكانهوإن عاش فهو الديدني المترح
أي فهذا الذي ذكرت دأبه وعادته، والمترح الذي يعيش في ترح. وقال الكميت يهجو رجلاً:
أنصف امرئ من نصف حي يسبنيلعمري لقد لاقيت خطباً من الخطب
كان الرجل الذي هجاه أعور وكان من قبيلة من كلب يقال لهم بنو شق. وقال:
وقد أطمعت في الحوادث منهمفقيراُ وأعمى يلمس الأرض مقعداً
يروم ورجلاه استه خندقيةمن المجد أعيت ما أمر وأحصدا
أراد قول جرير:
وبارق، شيخان أعمى مقعد وفقير
مقعد أراد خالد بن عبد الله أصابه النقرس ولذلك قال رجلاه استه لأنه كان إذا أراد الحركة زحف. وقال يهجو خالد بن عبد الله البجلي:
ولولا أمير المؤمنين وذبهبجيل عن العجل المبرقع ما صهل
روى أنه اشترى رجل من العرب ثوراً فبرقعه فقيل له: ما هذا؟ فقال: فرس، فقالوا: فالقرنان؟ قال: هما في استه غير مدهونين إن لم يكن هذا فرساً، فضرب مثلاً في الحمق، وأراد بالعجل خالداً ليس بفرس كريم.
هززتكم لو أن فيكم مهزةًوذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل
روى أن المتلمس أنشد قوماً فيهم طرفة:
وقد أتناسى الهم عند احتضارهبناج عليه الصيعرية مكدم
الصيعرية سمة توسم بها النوق، فقال طرفة استنوق الجمل، فضحك الناس منه وهزئوا به، فقال الكميت مدحتكم فأفرطت في مدحكم حتى جعلت المؤنث مذكراً، وصار قول طرفة مثلاً.
وقال الراعي:
تأبى قضاعة أن ترضي دعاوتكموابنا نزار فأنتم بيضة البلد
النعامة تبيض فتفسد منه الواحدة فيذهب أبواها يتركانها في البلد فكل من رمى بالذل والقلة قيل له بيضة البلد.
وقال أبو النجم يذكر عبد الرحمن بن الأشعث:
عيراً يكد ظهره بالأفوقحمار أهل غير أن لم ينهق
يرجو بأنباط السواد الأبقأن يترك الدين كجلد الأبلق
أي يكد بالذل فواقاً بعد فواق لا يروح، وأصل هذا في الحلب، غير أن لم ينهق يقول كذا ويذل ولا ينطق، كجلد الأبلق أي يؤثر فيه ويجعله ألواناً ومللاً.
وقال المسيب بن نهار يهجو الحصين من ولد الحارث بن وعلة.
وبعت أباك والأنباء تنميبجوف عتيد شيخ العمور
عتيد أرض كان الحارث بن وعلة دفن فيها فلما مات باع حصين حصته رجلاً من محارب بن عمرة الغمور فعيره ببيع موضع قبر أبيه.
وقال زيد الخيل:
فخيبة من يخيب على غنيوباهلة بن أعصر والركاب
يقول من غزا فخاب فخابئانه يكر على غني وباهلة فيغنم لأنهم لا يمنعون ممن أرادهم كالركاب وهي الإبل لأنها لا تمنع على من أرادها، ابن الأعرابي: يقول من صار في يده أسير من غني وباهلة فقد خاب لقلة فدائه، والدليل على ذلك قوله:
وأدى الغنم من أدى قشيراومن كانت له أسرى كلاب
والدليل إلى التفسير الأول قول الفرزدق يهجو أصم باهلة.
أأجعل دارماً كابني دخانوكانا في الغنيمة كالركاب
ابنا دخان غني وباهلة وكانوا يسبون بذلك في الجاهلية، كالركاب أي لا امتناع بهم كما لا تمتنع الركاب، وكان الرجل منهم في الجاهلية إذا قتل رجلاً من أفناء العرب لم يكن في دمه وفاء منه حتى يزاد عشراً من الإبل أو نحوها، وهذا قول أبي عبيدة، وذكر أن الأشعث الكندي قال للنبي ﷺ أتكافأ دماؤنا يا رسول الله؟ قال: نعم ولو قتلت رجلاً من باهلة لقتلتك به.
وقال حميد بن ثور لرسوليه إلى عشيقته:
وقولاً إذا جاوزتما أرض عامروجاوزتما الحيين نهداً وخثعما
نزيعان من جرم بن ربان إنهمأبوا أن يميروا في الهزاهز محجما
نزيعان غريبان من هؤلاء القوم الضعاف الذين لا يخافون ولا
تخشى لهم غارة، ويقال مار دمه إذا جرى وأمرته أجريته، وأنشد لجرير:
ومار دم من جار بيبة ناقع.
وقال زيد الخيل الطائي:
أغشاكم عمرو عيوباً كثيرةًومن دون عمرو ماء دجلة دائم
عمرو بن عبد الله بن خزيمة بن مالك بن نصر بن قعين وكان لعمرو جار من طيء فذهب بإبله، يقول فلكم بعد الذي أغشاكم عمرو من العيوب عيوب كماء دجلة كثيرة.
وقال عمرو بن معد يكرب:
ألا غدرت بنو أعلى قديماًوأنعم إنها ودق المزاد
قال ابن الكلبي: لا يشرب أحد من مائهم إلا استودق. آخر:
في فتية من بني هند كأنهمآذان أحمرة يحملن أعدالا
أي مسترخين لا حراك بهم ولا شهامة لهم كأنهم آذان حمير قد لغبت فاسترخت آذانها. وقال الراجز:
أذنا حمار زهلقي قد لغب
آخر من بني ضبة:
فهلا بني شر الشباع ثأرتمسدوساً وقد أجزت سدوس وأوجعوا
شر السباع عنزة وهي دويبة صغيرة. آخر:
إذا أنفض الذهلي ما في وعائهتلفت هل يلقي برابية قبرا
فإن قيل قبر من لجيم بتلعة.......وسمي رأس ركبته عمرا
روى أن رجلاً من عجل أوصى أن يقري الناس عند قبره فجاء رجل من ذهل فوضع قلنسوته على ركبته وسماها عمراً ثم أخذ من القرى حظ اثنين، أوهمهم أن ركبته ولد له صغير.
آخره:
إن بني فزارة بن ذبيانقد طرقت ناقتهم بإنسان
يقال طرقت المرأة إذا كان خروج ولدها يريد أنهم ينكحون النوق: ومثله لسالم بن دارة:
لا تأمنن فزارياً خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
كتبت البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة.
آخر يزيد بن الصعق:
إذا ما مات ميت من تميمفسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمرأو الشيء الملفف في البجاد
البجاد الكساء، قال الأصمعي الشيء الوطب؟ ص وقال جرير:
إست السليطي سوا وفمهمحرنفشاً بحسب لا نعلمه
المحرنفش المتعظم المنتفخ، يقول هو متكبر من الفخر بما ليس عنده، وقوله است السليطي سواء وفمه يريد أنه أنجز وقوله:
أنعت حصاء القفا جموحاًذات حطاط تنكأ الجروحا
تترك فحجان سليط روحا
يعني كمرة، والحصاء القرعاء والحطاط بثر يخرج في الوجه، والأفحج الذي تداني صدور قدوميه ويتباعد عقباه وتتفحج ساقاه، والأروح الذي تداني عقباه وتتباعد صدور قدميه وقوله يهجوهم:
فما في سليط فارس ذو حفيظةومعقلها يوم الهياج جعورها
الحفيظة الغضب، يريد أنهم إذا فزعوا سلخوا فلا يقربهم عدوهم
لقذرهم، ومثل هذا مثل للعرب حكاه أبو زيد قال: إن رجلاً أراد ضرب غلام له اسمه سمرة فسلح الغلام فتركه وقال اتقى بسلحه سمرة ويروي: احتمى فذهب هذا الكلام مثلاً.
إذا ما تعاظمتم جعوراً فشرفواجحيشاً إذا آبت من الصيف عيرها
هو جحيش بن زياد السليطي، يقول إذا جاءت العير بالميرة وكثر عندكم البر والتمر وسعتم وعظمت جعوركم ففضلوا حينئذ جحيشاً فإنه أكثركم أكلاً وأوسعكم جعرا.
كأن سليطاً في جواشنها الخصىإذا حل بين الأملحين وقيرها
الجواشن الصدور يقول لحومهم منبترة متميزة كأنها خصى لأنهم قوم يعتملون فتغلظ لحومهم، والوقير الغنم فيها حمار أو حمارات، والأملحان ماء لبني سليط.
عضاريط يشوون الفراسن بالضحىإذا ما السرايا حث ركضاً مغيرها
ومثله للأخطل:
يبيت على فراسن معجلاتخبيثات المغبة والعثان
أعجلت أن تنضج. وقال يهجوهم:
إسأل سليطاً إذا ما الحرب أفزعهاما شأن خيلكم قعساً هواديها
أراد أنهم يجذبون الأعنة فتقاعس، والقعس دخول الصلب وخروج الصدر.
لا يرفعون إلى داع أعنتهاوفي جواشنها دا يجافيها
أراد انتفاخ سحورها من الجبن يجافيها عن متون الخيل ومثله له.
ألا ساء ما تبلي سليط إذا ربتجواشنها وازداد عرضاً ظهورها
يقول انتفخت سحورها قربت صدورها وعرضت ظهورها، وقال يهجوهم:
الظاعنون على العمى بجميعهموالخافضون بغير دار مقام
أي يظعنون بجميعهم على الجهل وما لا يدرون ما عاقبته ويقيمون وهم آمنون بحيث لا ينبغي أن يقيموا، وصفهم بالجهل وقال غسان بن ذهيل لجرير:
لا تسألون كليبياً فيخبركمأي الرماح إذا هزت عواليها
أي لا يعرفون عالية الرمح من سافلته من الفزع، وقول جرير:
نبثت غسان ابن واهصة الخصىبقصوان في مستكلئين بطان
أي يرعون الكلاء ومثله:
تلقى السليطي والأبطال قد كلمواوسط الرجال بطيناً غير مفلول
قال مسحل بن كسيب: فلما بلغهم هذا البيت قالوا أدام الله لنا ذلك أي البطنة والسلامة. وقال البعيث يهجو جريراً:
لقي حملته أمه وهي ضيفةفجاءت بنز من نزالة أرشما
اللقى الشيء المطروح المحتقر، ضيفة أي سيئة الحال تضيف الناس، والنز الخفيف النزق، نزالة نطفة، أرشم أصحم الوجه إلى السواد، ويروي: فجاءت بيتن للضيافة أرشما، وهو الذي تخرج رجلاه قبل رأسه، والأرشم الذي يتشمم الطعام ويحرص عليه وهذه الرواية أجود. وقال جرير:
بني مالك لا صدق عند مجاشعولكن حظاً من فياش على دخل
فياش فخر، ودخل أمر سوأ لا خير فيه. وقال:
دعوا المجدالا أن تسوقوا كزومكموقيناً عراقياً وقيناً يمانيا
الكزوم الناقة المسنة الكبيرة، يعني معاقرة غالب سحيماً بصوأر والعراقي البعيث واليماني الفرزدق وإنما جعلهما كذلك لموضع منازلهما كما قال النابغة ليزيد بن الصعق الكلابي:
ولكن لا أمانة لليماني.
لأن منزله كان قريباً من بلحارث بن كعب فجعله يمانياً. وقال الفرزدق لجرير:
وأنت بوادي الكلب لا أنت ظاعنولا واجد يا ابن المراغة بانيا
إذا العنز بالت فيه كادت تسيلهعليك وتنفى أن تحل الروابيا
الوادي شر منازل الناس. قال الشاعر يرثي رجلاً:
وحل الموالي بعده بمسيل
يقول ليس عليك بناء ولا عريش كالكلب في غير بناء.
وقال أيضاً لجرير:
ضربت عليك العنكبوت بنسجهاوقضي عليك به الكتاب المنزل
أي بيتك في الوهن والذل كبيت العنكبوت وقضي عليك بالذل القرآن. وقال له:
أنا لنضرب رأس كل قبيلةوأبوك خلف أتانه يتقمل
يهز الهرانع عقده عند الخصىبأذل حيث يكون من يتذلل
يهز ينتزع، والهرانع القمل واحدها هرنع، عقده يعني عقد ثلاثين.
وقال جرير للفرزدق:
أعيتك مأثرة القيون مجاشعفانظر لعلك تدعي من نهشل
يقول إذا لم تجد في مجاشع مأثرة ولا فخراً فادع من نهشل، ونهشل أخو مجاشع.
ما كان ينكر في غزي مجاشعأكل الخنزير ولا ارتضاع الفيشل
قال أبو عبيدة عطش نجيح بن مجاشع ومعه ثعالة مولى له إما حليف وإما عسيف فلما اشتد عطشهما أقبل نجيح فاه جردان ثعالة فمصه فشرب بوله فلم ينفعه ومات وفعل مثل ذلك ثعالة فمات، والخزير شيء يعمل من الدقيق كالعصيدة، وقال جرير يصف ضلال عاصم دليل الفرزدق به:
بلعت نسيء العنبري كأنماترى بنسيء العنبري جني النحل
النسيء اللبن الحليب يمذق بالماء وهو ها هنا البول. والعنبري عاصم.
وقال جرير يهجو الراعي:
إذا نهض الكرام إلى المعالينهضت بعلبة وأثرت نابا
تبوء لها بمحنية وحيناتبادر حد درتها السقابا
الناب المسنة من النوق، تبوء لها من الباءة وهو النكاح، ويروى: تنوخها، والمحنية منعطف الوادي، وقوله له:
ولو وضعت فقاح بني نميرعلى خبث الحديد إذا لذابا
أي من فسوهم. وقال الفرزدق:
وبرحرحان تخضخضت أصلاؤكموفزعتم فزع البطان العزل
الصلوان مكتنفاً الذنب وإنما يتخضخض من المرأة العجزاء، يقول كنتم في ذلك اليوم نساء ولم تكونوا رجالاً، وقال آخرون: أراد سلحت أستاهكم من الفزع، والبطال الثقال من الشبع، والعزل الذين لا سلاح معهم. وقال الفرزدق:
ولكن خرباناً تنوس لحاهمعلى قصب جوف تناوح خورها
يقول هم كالخربان في الجبن والضعف على أجواف هواء ليس لها قلوب. وقال جرير للفرزدق:
وأنتم بنو الخوار يعرف ضربكموأمكم فخ قذام وخيضف
الفخ الجفر؟ وهي البئر الواسعة التي لم تطو، قذام واسع الفم كثير الماء، يقال قذم الماء قذماً يعني فرجها، خيضف ضروط. وقال يذكر بني منقر وما فعلوا بجعثن:
وهم رجعوها مسحرين كأنمابجعثن من حمى المدينة قرقف
وتحلف ما أدموا لجعثن مثبراويشهد حوق المنقري المجوف
المثير الموضع الذي تنتج فيه الناقة فيقع فيه دمها وسلاها فهي لا
تكاد تنساه، والمجوف الذي أدخل الجوف، وقال جرير:
تفلق عن أنف الفرزدق عاردله فضلات لم تجد من يقورها
عارد غليظ يعني بظراً.
وأبرأت من أم الفرزدق ناخساًوقرد إستها بعد المنام تثيرها
الناخس الجرب في أصل الذنب، وقرد جمع قراد. وقوله:
يا ابن ذات الدمل
يعني أن بها حكة. وقال:
ألا إنما مجد الفرزدق كيرهوذخر له في الجنبتين قعاقع
الجنبة جلد بعير مثل الكنف يكون فيه أداة القين. وقال الفرزدق يذكر نساء سبين:
إذا حركوا أعجازها صوتت لهممفركةً أعجازهن المواقع
المواقع من قولك جمل موقع أي به آثار الدبر لكثرة ما حمل عليه، فيزيد أنه قد فعل بهن مراراً كثيرة فتوقعت أعجازهن. وقال جرير:
أجعثن قد لاقيت عمران شارباًعلى الحبة الخضراء ألبان أيل
أي شرب ألبان أيل مع الحبة الخضراء فهاجت غلمته. وقال أيضاً:
تثاءب من طول ما أبركتتثاؤب ذي الرقية الأدرد
أي الذي لا سن له وإذا تثاءب كان أسمج له. وقال الفرزدق لجرير حين ذكر أنه خطب إلى آل بسطام بن قيس:
وما استعهد الأقوام من زوج حرةمن الناس إلا منك أو من محارب
استعهدوا اشترطوا.
لعلك في حدرإ لمت على الذيتخيرت المعزى على كل حالب
عطية أو ذي بردتين كأنهعطية زوج للأتان وراكب
أي لعلك في حدراء لمت على عطية الذي تخيرته المعزى أو على رجل كعطية يعني جريراً. وقال الفرزدق:
لئن أم غيلان استحل حرامهاحمار الغضا من تفل من كان ريقا
فما نال راق مثلها من لعابهعلمناه ممن سار غرباً وشرقا
وقال الفرزدق وذكر تميماً:
لو كان بال بعامر ما أصبحتبشمام تفضلهم عظام جزور
وقال الأخطل يذكر قتلة المختار:
وناطوا من الكذاب كفا صغيرةوليس عليهم قتله بكبير
ناطوا علقوا كفاً صغيرة رماه بالبخل واللؤم فجعلها صغيرة. وقال:
كل المكارم قد بلغت وأنتمزمع الكلاب معانقوا الأطفال
أي ملازمون بيوتكم وأولادكم. وقال:
شفى النفس قتلى من سليم وعامرولم تشفها قتلى غنى ولا جسر
أي لأنهم ليسوا أكفاء.
ولا جشم شر القبائل إنهاكبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
بيض القطا أرقط أي فهم ألوان ليسوا من نجر واحد. وقوله:
على العيارات هداجون قد بلغتنجران أو بلغت سواءتهم هجر
العيارات الحمر غير وأعيار وعيرة وعيارات، والهدجان تقارب الخطو. وقال يهجو جريراً:
سبنتى يظل الكلب يمضغ ثوبهله في مغاني الغانيات طريق
السبنتي الجرئ، يمضغ الكلب ثوبه من أنسه به ومعرفته له، والمغاني منازل القوم ومالهم، يريد أنه مخالف إلى جاراته فيداري الكلاب بالشيء يطعمها فهي آنسة به. آخر:
فإن ترصداني ظالمين وتلمسامكان فراشي فهو بالليل بارد
يقول ذلك لرفيقه يرغمهما بذلك أي هو كما تظنان. وأما قول الآخر:
صبح حجراً من منى لأربعدلهمس الليل برود المضجع
فإن هذا مدح يريد أنه صاحب سرى. وقال الأخطل:
أجرير إنك والذي تسمو لهكأسيفة فخرت بحدج حصان
حملت لربتها فلما عوليتنسلت تعارضها مع الأظعان
الحدج مركب المرأة، والأسيفة الأمة، يقول حملت الأمة الحدج ففخرت به فلما عولى على البعير وركبته مولاتها نسلت هي مع الظعن، يقول: فأنت تعد مآثر ليست لك. وقال بشر:
فإني والشكاة لآل لأمكذات الضغن تمشي في الرفاق
الرفاق حبل يشد من العنق إلى المرفق وذلك إذا أعلت إحدى يدي الناقة فتشد إليه اليد الصحيحة فلا يعنت السقيمة، وزعموا أن بني بدر كانوا يأمرونه بهجاء آل لأم وأن يخبر أنهم ينهونه فقال كما
أرادوا يقول في هجائهم هوى وأنا أمنع من ذلك كهذه الناقة. وفيه قول آخر يقول أنا وهم كامرأة في صدرها ضغن على قوم فهي تمشي في الرفاق تشكوهم، يقول فأنا على آل لأم كهذه المرأة لأن في قلبي حنقاً عليهم.
وقال طرفة يهجو:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبهوإن أعطه أترك لقلبي مجثما
المحض اللبن الحليب، يقول أن أعطيت ما أعطى لم أصنع ما أعطى لم أصنع صنعه ولكني أدع في قلبي مجثماً للرأي والهموم.
وقال الطرماح يمدح رجلاً ويهجو آخرين:
يمسي ويصبح جوفه من قوتهوبه لمختلف الهموم مجارى
ويبيت جلهم يكت كأنهوطب يكون إناه بالأسحار
يكت من الكتيت وهو الهدر الضعيف، ويقول كأنه وطب يضطرب، وإناه وقته الذي يمخض فيه.
وقال آخر: طرفة:
فما ذنبنا في أن أداءت خصاكموأن كنتم في قومكم معشراً اءدرا
إذا جلسوا خيلت ثيابهمخرانق توفي بالضغب لها نذرا
شبه أدراتهم بالخرانق أولاد الأرانب، والضغيب أصواتها والأدرة لها صوت. وقال النابغة الجعدي:
كذى داء بإحدى خصيتيهوأخرى لم توجع من سقام
فضم ثيابه من غير برءعلى شعراء تنقض بالبهام
البهام أولاد الغنم جمع بهم، يقول أراد أن يقطع الخصية التي بها الإدارة فغلط فقطع الصحيحة، وهو قوله فضم ثيابه من غير برء، شعراء ذات شعر، تنقض تصوت يقال أنقضت الدجاجة والعقاب صوتت. وقال النمر:
إن بني ربيعة بعد وهبكراعي البيت يحفظه فخانا
أي كمن اؤتمن على بيت يحفظه فخان الذي ائتمنه، بعد وهب معناه إذا كان وهب خائناً فمن بقي بعده، ولم يرد بعد أن مات وهب.
وقال آخر يهجو عمارة بن عقيل:
إذا ما كنت جار بني كليبفلا تسرح بساحتهم حمارا
فإن لم يأكلوا رووا عليهبهامات وأكباداً حرارا
رووا عليه استقوا، بهامات جمه بهام وبهام جمع بهم وهي صغار الغنم. وقال آخر:
يا إبلي تروحي وانمطيوصعدي في ضفر وانحطي
إلى أمير بالغبيب ثطوجه عجوز جليت في لط
انمطى امتدى في السير، يقال مط ومد، وضفر رمل منعقد، واللط القلائد التي تعمل من حنظل بمكة والمدينة.
وقال آخر أبو الملثم:
متى ما أشأ غير زهو الملوك أجعلك رهطاً على حيض
أبو عبيد: الرهط جلد يشق فيلبسه الصبيان، وهذا مثل وإنما أراد إذاً أسبك وألبسك العار، كقول الشاعر:
كأني نضوت حائضاً من ثيابها
وكذلك قول امرئ القيس:
ثياب بني عوف طهارة نقية
يعني طهارى من العار والغدر، وقال جرير:
وقد لبست بعد الزبير مجاشعثياب التي حاضت ولم تغسل الدما
وقال للبعيث:
يا عبد بيبة ما عذابك محلبالتصيب عرة مجرب وتلاما
يا ثلط حائضة تروح أهلهاعن ماسط وتندت القلاما
محلباً معيناً، مجرب صاحب إبل جربى، ويروى: ما عذيرك. وقال زهير:
وما أدري وسوف أخال أدريأقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبآتفحق لكل محصنة هدأ
والمعنى فإن قالوا النساء التي في الخدور فينبغي أن يزوجن إذا، والهداء الزفاف، وبعده:
وإنما أن تقولوا قد أبيناوشر مواطن الحسب الآباء
كان يطلب أن يخلوا الأسارى الذين في أيديهم فقال للحسب مواطن موطن عطية وموطن قتال فشر مواطنه أن يأبى أن يعطي شيئاً. وقال الجعدي:
ولو أصابوا كراعاً لا طعام لهملم ينضجوها ولو أعطوا لها حطبا
ترقش العث في بطن الأديم فمانالوا بذلكم تقوى ولا نشبا
العث شيء يشبه السوس يقع في الأديم، والترقش التحرك، شبههم بذلك. وقال الشاعر: وهو وبرة لص معروف:
على رؤوسهم حماض محنيةوفي صدورهم جمر الغضا يقد
ذكر مشايخ يشهدون ورؤوسهم مخضوبة بالحناء فشبهها بالحماض وهو أحمر وله ثمر أشكل إلى الحمرة. وقال الجعدي وذكر فرساً:
فجرى من منخريه زبدمثل ما أثمر حماض الجبل
أي زبد أحمر من الدم، وقال العجاج:
والشيب بالحناء كالحماض
وقال آخر وذكر ديكاً ويروى للأخطل:
كأن حماضةً في رأسه نبتتمن آخر الصيف قد همت بإثمار
وقال أبو خراش لامرأته لامته على ترك القتال:
لامت ولو شهدت لكان نكيرهاماء يبل مشافر القبقاب
أي لبالت. وقال الأعلم:
فلا والله لا ينجو نجائيغداة لقيتهم بعض الرجال
هوا مثل بعلك مستميتعلى ما في وعائك كالخيال
أي لا ينجو نجائي رجا هواء أجوف ليس له فؤاد أي يموت على الزاد بخلاً وهو كالخيال ليس عنده غناء إنما هو كالشيء المنصوب، وقال أبو جندب:
وجاءت للقتال بنو هلالفدري يا سماءً بغير قطر
أي جاءوا بوعيد ليس معه صدق كما يأتي السماء بغير قطر يهزأ بهم. وقال كثير:
ويحشر نور المسلمين أمامهاويحشر في أستاه ضمرة نورها
يريد أنهم برص الفقاح. ومثله لزياد الأعجم:
ولا يد بح منهم خاري أبداًإلا حسبت على باب إسته القمرا
ومثله:
عجبت لأبلق الخصيين عبدكأن عجانه الشعري العبور
وقال رجل يهجو قوماً من بني أسد:
عراجلة بيض الجعور كأنهمبمنعرج الغيطان شهب العناكبب
إذا كان قوت الرجل اللبن ابيض جعره فأراد أنهم لا يأكلون اللحم للؤمهم وإنما قوتهم اللبن. وقال آخر:
حتى إذا أضحى تدرى واكتحللجارتيه ثم ولى فنثل
رزق الأنوقين القرنبي والجعل
الأنوق الرخمة فجعل القرنبي والجعل على الاستعارة وذلك أنها كلها تقتات العذرة. وقال آخر وذكر امرأة:
كأن مهوى قراطها المعقوبعلى دباة أو على يعسوب
المعقوب قرط من عقب، وقال بعض الأعراب: معقوب من العقاب وهو الخيط الذي يشد به طرف الحلقة، على دباة من قصر عنقها. وقال الفرزدق:
غشى بثويبها الدخان ترى لهاشريجين في بالي المشاشة أكواعا
ترى اللاهج المخلول يتبع ريحهاوإن كان منتوف الفرائص أقرعا
شريجين لونين يعني الذيار والعبس، بالي المشاشة يعني معصمها، والأكوع الذي مال كوعه في جانب والكوع رأس الزند الذي يلي الإبهام، واللاهج الفصيل الذي لهج بالرضاع، والمخلول الذيخل لسانه فإذا دنا من أمه نخسها به فزبنته، يتبع ريحها لأنه يجد منها ريح اللبن وإن كان به فزع فهو يتبعها على ضعفه، يذكر أنها راعية حلابة. وقال آخر:
ابني لبيني إن أمكمأمة وإن أباكم وقب
أكلت خبيث الزاد فاتخمتمنه وشم خمارها الكلب
وقب خاو ضعيف، وأراد أن خمارها زهم قد تقيأت فيه. آخر:
تخاله إذا مشى خصياًمن طول ما قد حالف الكرسيا
أي قد اعتاد الجلوس والنعمة فهو يمشي رويداً متفحجاً كأنه قد خصى فهو يشتكيهما. قال الفرزدق:
رأيت رجالاً كسبهم بأكفهموكسب فراس باسته قاعد
فراس كان رائضاً للإبل. وقال أيضاً:
أمير المؤمنين وأنت عفكريم ليس بالطبع الحريص
أأطعمت العراق ورافديهفزارياً أحذ يد القميص
رافداه دجلة والفرات. أحذ خفيف أراد أنه خائن.
عبد الرحمن عن عمه، قال: طرفة:
فكائن ترى من يلمعي محظربوليس له عند العزائم جول
ومن مرثعن في الرخاء مواكلوهو بسمل المضلعات نبيل
المحظرب المتشدد في الرأي ويقال وتر محظرب إذا كان شديد العقد، والمرثعن المتثني، والسمل الإصلاح، نبيل حاذق، قال أبو ذؤيب:
نابل وابن نابل
وقال العدواني ذو الإصبع:
ترص أفواقها وقوتهاأنبل عدوان كلها صنعا
وأنشد الرياشي عن الأصمعي:
نمى ما لهم فوق الوصوم فأصبحواأبارق مال والوصوم كما هيا
أبارق مال أي جبال مال، والوصوم العيوب يريد أنهم رفعهم المال وعيوبهم كما كانت. حميد بن ثور يهجو امرأة. جلبانة
ورهاء تخصى حمارها بفيمن بغي خيراً لديها الجلامد
جلبانة غليظة الخلق جافيته، ورهاء رعناء، يقول هي قليلة الحياء لا تبالي ما صنعت، وإذا خصت المرأة الحمار لم يبق شيء من المكروه إلا أتته.
عريبية لا ناخس من قدامةولا معصر تجري عليها القلائد
من بني غريب حي من اليمن، ويقال للوعل إذا أسن فبلغ قرنه ذنبه ناخس، قدامة مصدر قديم والمعصر التي دنت من الحيض، أي هي نصف.
إزاء معاش لا تحل نطاقهامن الكيس فيها سؤرة وهي قاعد
أي مصلحة للمال، سؤرة بقية، قاعد من الولد.
إذا الحمل الربعي عارض أمهعدت وكري حتى تحن الفدافد
يقول إذا عارض الحمل أمه ليرضعها عدت هذه المرأة وكري والوكر شدة النزو ثم تنزع الخلف من فم الحمل ويشتد عدوها حتى تسمع للأرض حنيناً، والفدافد واحدها فدفد وليس هو بالصلب ولا اللين من الأرض.
فجاءت بذي أونين ما زال شاتهتعمر حتى قيل قد مات خالد
يعني وطباً ضخم حنباه حتى أونا أي صارا كأنهما عدلان.
فذاقته من تحت اللفاف فسرهاجراجر منه وهو ميلان ساند
فأرست له منها حيود كأنهاملاطيس أرساها لتثبت واتد
يريد أثبتت حيود يديها ورجليها في الأرض وذلك أنها تشدد لئلا تميل، وحيودها مرافقاها وركبتاها ويداها، والملطس مغول يدق بها الصخر.
وقيل لها جدي هويت وبادريغناء الحمام أن تميع المزابد
فغصت تراقيه بصفراء جعدةفعنها تصاديه وعنها تراود
أي قيل لها اشرعي في مخض سقائك قبل أن يروب، والمزابد الأسقية واحدها مزبد، صفراء زبدة وإذا اصفرت فهو أدسم لها، يعني فم السقاء.
وقال آخر:
ترى التيمي يزحف كالقرنبيإلى تيتية كقفا القدوم
يعني أنها رسحاء. وقول رؤبة:
أكدي الكدي وأكذب النواكدا
أي منع الناس ما عنده واشتد، والنواكد اللواتي تنكد ما عند الرجل وتستخرجه كرها ومنه قولهم جرى الفرس غير منكود.
أي غير مستحث، أي أكذبها فلم تخرج شيئاً، والكدية المكان الغليظ.
أنشد ابن الأعرابي:
تعدون القراح ولن تعدواعلي نقارة إلا القراحا
يقول ما لكم عندي يد إلا أنكم فريتموني ماء قراحاً، ونقارة كما تقول مالك نقرة ولا أثر بقدر نقرة الطائر.
تم المجلد الأول من كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة المشتمل على الجزء الأول في كتاب الخيل والجزء الثاني في كتاب السباع والجزء الثالث في كتاب الطعام والضيافة. ويتلوه المجلد الثاني المشتمل على الجزء الرابع في
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع