من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح أبي العلاء المعري الموسوم باللامع العزيزي (٣)
وهذا من
قول امرئ القيس:
كأن صليل المرو حين تطيرهصليل زيوف ينتقدن بعبقرا
وقصّر الرّاجز عن قول امرئ القيس زيوف، لأن الزيوف يخالطها النّحاس فتصوّت بخلاف الفضّة الخالصة.
وقال في قوله:
ولا ترد الغدران إلاّ وماؤهامن الدّمّ كالرّيحان تحت الشّقائق
الماء يوصف بالسّواد، ومن أسمائه: سويد، وبالزّرقة، وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر فيقال: الأخضر. والناس يخصّون بالرّيحان ضربا من النّبت، وهو معروف. وأمّا أهل العلم فيجيزون أن يقع الريحان على كلّ نبت طيّب الرائحة.
وينبغي أن يحمل بيت أبي الطّيب، على إنه أراد بالريحان أزهارا بيضا، تشابه الماء في بعض الأحوال. وقد يجوز أن يقال للورد الأبيض ريحان.
وأقول: قوله: الماء يوصف بالسّواد... وبالزّرقة، وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر يريد أن ماء غير البحر لا يوصف بالخضرة، لأن لفظة إنما تفيد إثبات الشّيء المذكور ونفي ما عداه، تقول: إنما له عندي درهم، فتثبت الدرهم، وتنفي ما سواه، فهي بمنزلة: ما وإلاّ في قولك: ما له عندي إلا درهم، وهذا يقتضي أن لا يوصف بالخضرة إلا ماء البحر فيكون، على هذا، قول ربيعة بن مقروم:
طوامي خضرا كلون السّماءيزين الدّراريّ فيها النّجوما
خطأ، وذلك خطأ من قائله.
وقوله: والناس يخصّون بالرّيحان ضربا من النّبت، وهو معروف.
فيقال له: هذا (الذي) هو معروف هو الذي شبّه به أبو الطّيب الماء الذي كان صافيا في الغدران بالرّيحان، وعلاه الدّم، فكان فوقه كالشّقائق، لا الذي يجيزه أهل العلم من وقوعه على كل نبت، وتخصيصك له بالزّهر الأبيض وأن يكون الورد.
وقال في قوله:
تصيب المجانيق العظام بكفّهدقائق قد أعيدت قسيّ البنادق
عند قوم أن ميم منجنيق أصلية، وانّ نونها زائدة، يدلّ على زيادتها حذفها في الجمع، والقياس لا يمنع من أن تكون الميم زائدة، لأنك إذا حذفت النون، رجع الأصل إلى مجنق، والميم كثيرة الزّيادة في مفعل حتى أوجب ذلك أن يحكم عليها بالزّيادة كما يحكم على همزة أفعل. وقد روى بعضهم كلام العرب: كانت بيننا حروب عون فقيء فيها العيون، نجنق تارة ونرشق أخرى.
ووصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف، يصيب بحجر المنجنيق للطف رأيه، ما لا تصيبه البندقة التي تخرج من قوس البندق.
فيقال له: إذا ثبت زيادة النّون بسقوطها في الجمع، لم يجز أن يحكم بزيادة الميم، لأن الزّيادتين، لا تكون في شيء من الأسماء أولا، إلا في الأسماء الجارية أفعالها. وما روي من يجنق وجنقونا كقولهم: لآّل لبائع اللؤلؤ، ففي: جنقونا بعض حروف منجنيق وليس منه، وكذلك لآّل فيه بعض حروف لؤلؤ.
وقوله: ووصف الشّاعر الممدوح بلطف الحيلة، وإنه يصيب بحجر المنجنيق بلطف رأيه ما لا تصيبه البندقة.
فيقال له: ليست تلك لطافة، وإنما تلك كثافة! والمعنى غير ذلك. وهو إنه يردي أن الممدوح يصيب الأشياء ويأخذها بالمظاهرة، والمغالبة، لقوته واقتداره، إذا أخذها غيره بالمخاتلة والمسارقة، وضرب لذلك مثلا بالمجانيق وقسيّ البنادق. والبيت الذي قبله يدلّ على هذا التفسير وهو:
ولم أر منه غير مخاتلوأسرى إلى الأعداء غير مسارق
وقال في قوله:
لو تنكّرت في المكرّ لقومحلفوا أنّك ابنه بالطّلاق
يقول: لو تنكّرت في المكرّ، لئلاّ يعرفك من جرت عادته بعرفانك، لحلفوا انك ابن المكرّ، لا ابن أبيك المشهور. وإنما حملهم على ذلك أنهم يجدونك فيه سالما.
فكأنّه
أب لك، مشفق عليك، من أن يصيبك جرح من سيف، أو رمح. وإن حمل على أنهم يريدون إنه ابن أبيه لشبه به، فهو محتمل.
فيقال: الوجه الأول ليس بشيء!
والوجه الثاني، هو الذي أراده الشّاعر، ويدل عليه ما قبله وهو:
يا ابن (من) كلّما بدوت بدا ليغائب الشّخص حاضر الأخلاق
فالضّمير في قوله: ابنه راجع إلى أبيه لا إلى المكرّ.
وقوله:
لو تنكرت في المكرّ...............
لم يبيّن لم خصّ المكرّ بذلك، وهو: لما يظهر فيه من شجاعته، وإقدامه، وشدّة قتاله. فيحلف على انك ابنه، لما علم من شجاعة أبيك، واشتهر من إقدامه إنه لا يفعل ذلك الفعل إلا من هو منه. وفي هذا أحسن مدح له ولأبيه.
وقال في قوله:
ألف هذا الهواء أوقع في الأنفس أن الحمام مرّ المذاق
هذا البيت، والذي بعده، يفضلان كتابا من كتب الفلاسفة، لأنّهما متناهيان في الصّدق، وحسن النّظام. ولو لم يقل شاعر سواهما، لكان له فيهما جمال وشرف.
وقال في قوله - وهو البيت الثاني منهما:
والأسى قبل فرقة الرّوح عجزوالأسى لا يكون بعد الفراق
يقول: ينبغي للإنسان أن يسهّل أمور العاجلة على نفسه، فإذا كان حيا فما ينبغي أن يحزن لعلمه أن فراق نفسه يكون، لأنه لم يكن بعد فإذا فارقته نفسه، فقد أمن من الأسى، ورجع إلى حال العدم وفراق الحسّ.
وأقول: أن الشّيخ لم يذكر لم جاء بهذا المثل، ولا ما بين البيتين، والبيت الذي قبلهما، من الاتّصال والتناسب. والذي يقال في هذا أن قوله:
قلّ نفع الحديد فيك فلا يلقاك إلاّ من سيفه من نفاق
أي: لما اشتهر من شجاعتك، وعلم من أرائك الأقران، وإنّ كلّ من لاقاك، مقاتلا مقتول، قلا يلقاك إلا من يقاتلك، ويدفعك عن نفسه بسيفه من نفاق أو رمح من خضوع، خوفا من الموت، وذلك أن ألف الهواء لذيذ، به تدوم الحياة. فالنفس تعلم، أن الموت الذي يضادّ الحياة، طعمه يضادّ طعمها، فهو مرّ مذاقه، وكان ينبغي لهذا الجبان (إن) لا يحزن، لأنّ حزن المرء على الشيء يكون بعد فقده لا قبله. ونفس الإنسان لا يتصور فيها ذلك، لأن حزنه عليها قبل فراقها، عجز
وجهل، وبعد فراقها لا يكون حزن، فعلى هذا، ينبغي للجبان أن لا يجبن فيذلّ ويخضع.
وقال في قوله:
فقلت أن الفتى شجاعتهتريه في الشّحّ صورة الفرق
قال: الفتى هاهنا، يعني أبو العشائر. وذلك أبلغ من أن يكون الفتى شائعا في الفتيان، لأنه إذا شاع فيهم، كان أبو العشائر كواحد منهم، وإذا خصّ بالفتوّة، فهو مميّز من كلّ الفتيان. ووصفه بالشّجاعة، وادّعى أن شجاعته توهمه إنه يفرق من الشّحّ، فتريه الشّجاعة صورة الفرق، فكأنه يقبل تلك الصورة.
فيقال للشيخ: الألف واللاّم في الفتى للجنس، وضربه مثلا فقال: أن الفتى، وهو الكامل الأخلاق، تريه شجاعته (انه) إذا بخل فقد جبن، فلا يبخل كما لا يجبن، ولا معنى لقوله: يقبل تلك الصورة. وهذا المعنى قد جاءه في شطر بيت من قوله:
هو الشّجاع يعدّ البخل من جبنهو الجواد يعدّ الجبن من البخل
وقال في قوله:
بضرب هام الكماة تمّ لهكسب الذي يكسبون بالملق
يريد: إنه على ما يلحق بالأعداء، محبوب كأنه يتملّقهم، أي: يلّين لهم الكلام.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى، أن أبا العشائر تمّ له كسب الأموال من أعدائه، بضرب رؤوسهم وقتلهم، مثل كسب الذين يكسبون من غيرهم بالتّلطّف، أي: بكسب المال بالبأس، والقوّة والعزّ، كما يكسب غيره بالسّؤال، والضّعف والذلّ.
وقال في قوله:
كن لجّة أيّها السّماح فقدآمنه سيفه من الغرق
يقول: كن، أيها السّماح، كلّجة البحر، فسيف هذا الممدوح يؤمنّه من أن يغرق، فأدّعى أن سيفه يؤمنّه من كل الحوادث، وهذا إفراط بيّن المبالغة، وتجاوز الحدّ.
وأقول: هذا قول أبي العلاء، وهو شاعر، فما قولك في غيره من شرّاح الديوان؟! وأبو الطّيب لم يدّع أن سيفه يؤمنّه من كلّ الحوادث. وإنما قال:
كن لجّة أيّها السّماح............
أي: كثيرا مثل لجّة البحر، فأن سيفه يؤمنه من الغرق، من قولهم: فلان
غرق في العطاء،
إذا (أكثر منه) فأذهب ماله، أي: سيفه يؤمنّه من الإقلال، بقتل أعدائه، وأخذ أموالهم. فجعل سيفه بمنزلة السّفينة التي تحمله بما يكسبه مؤمنا (له) من الغرق.
وقال في قوله:
ذو غرّة في وجهه كالشّارقكأنّها من جسمه في بارق
باق على البوغاء والشّقائق
يقول: لون هذا الفرس كلون بارق، فكأنه قد تخلّف على الأرض.
فيقال له: ليس قوله: باق من صفة البارق، ولا البرق، وإنما هو من صفة الفرس. يريد، إنه قويّ ثابت صبور على البوغاء وهو التراب الرقيق، والشّقائق: الرّمل في الأرض الغليظة، والابردين: الغداة والعشيّ، والهجير الماحق: هو الشّديد أي: لم ينقص ذلك من قوّته.
وقال في قوله:
والابردين والهجير الماحق
زعم، أن البارق الذي شبّه به الفرس، طال مكثه في الأرض، وليس ذلك من عادة البارق، فهو باق على الابردين، والهجير الماحق، أي: الشّديد.
فيقال: هذا مبنيّ على قوله في باق إنه من صفة البارق، والصّحيح إنه من صفة
الفرس، لما ذكرته.
وقال في قوله:
يترك في حجارة الأبارق
آثار قلع الحلي في المناطق
مشيا فأن يعد فكالخنادق
يقول: آثاره إذا مشى، في حجارة الأبارق، كآثار قلع الحلي في المناطق، وإذا عدا كان الذي يغادره من الأثر كالخنادق. ثم وصف الخنادق فقال: لو وردت غبّ مطر
فملأها ماء لأحسبت،
فملأها ماء لأحسبت، أي: حفت خوامس الايانق التي يرد خمسا، وهي توصف بكثرة الشّرب، وقد بالغ هذا القائل في صفة ما تغادره من الآثار حوافر فرسه. والذي يوصف به الحافر، إنه وأب ليس بالواسع ولا الضّيق. وإنما ينبغي للمبالغ في صفة الفرس بالخفّة، أن يدّعى لحوافره إنها لا تقع على الأرض من خفّته، إذ كانوا يشّبهون الفرس بالبازي، والصّقر، وغيرهما من الطّيور.
وأقول: إنه لم يصفه هاهنا بالخفّة، وإنما وصفه بقوّة القوائم، وصلابة الحوافر، وشدة تأثيرها في الأرض. وقد ذكرت ما في البيت في شرح ابن جنّي، فلينظر هناك.
وقال في قوله:
بذّ المذاكي وهو في العقائق
العقائق: جمع عقيقة وهو الشّعر الذي يخرج على المولود. والمعنى، أن أمه سبقت الخيل، وهو في بطنها، وذلك لغزارة جريها، لأنها إذا سبقت وهي حامل، فكيف بها إذا كانت مضمّرة؟ وهذا مثل قول الآخر في وصف فرس:
قد سبق الجياد وهو رابض
فكيف لا يسبق هو راكض!
أي: رابض في بطن أمّه.
وأقول: هذا وهم من الشّيخ، في قول أبي الطّيب، إنه سبق الخيل وهو في بطن أمه، بل في حال خرجه من بطن أمّه في عقيقته، لأنّ العقيقة الشّعر الذي يخرج على الولد، كما ذكر، وبالغ أبو الطّيب في ذلك، إذ جعله سبق المسّان من الخيل، في حال لم يكن فيها فلوا، ولا جذعا، ولا حوليا، بل في حال الولادة وهذه مبالغة. وابلغ منها البيت الذي استشهد به، وهو سبقه في بطن أمه، وذلك إذا حقّق، لم يكن السّبق له، وإنما السّبق لأمّه التي جرت به فسبق. وقوله:
ربّ نجيع بسيف الدولة انسفكاوربّ قافية غاظت به ملكا
قال: لم يزاحف أبو الطّيب زحافا تنكره الغريزة، إلا في هذا الموضع! ولا ريب إنه قاله على البديهة، ولو أن لي حكما في البيت لجعلت لوّله:
كم من نجيع............
لأنّ ربّ تدلّ على القلّة، وإنما يجب أن يصف كثرة سفك دماء الأعداء. ويحسّن ذلك أن ربّ جاءت في النّصف الثاني، وهي ضدّ كم.
وأقول: أن قوله: لم يزاحف زحافا تنكره الغريزة، إلا في هذا الموضع إنما كان ذلك لأنّ مستفعلنّ جاء مطويّا فثقل واضطرب بحذف رابعه السّاكن، واجتماع ثلاثة متحركات، ولو خبن فجاء على مفاعلن لم تنكره الغريزة، لأنه صار على وتدين مجموعين اتّزنا. وقد جاء ذلك كثيرا في شعره كقوله:
أظبية الوحش لولا ظبية الأنسلما غدوت بجدّ في الهوى تعس
فجاء الخبن في الجزء الأول والجزء الخامس، ولم يتبيّن فيه النّقص، إلا إنه حسّن من زحافه - أعني: ربّ نجيع - إنه جاء هاهنا أولا لم يتقدّمه أجزاء خالفها، فأشبه الخرم الواقع في أول حرف من أول جزء في البيت.
وأمّا وضعه كم موضع ربّ، وقوله أن كم للكثرة وربّ للقلة، وإنه يجب أن يصفه بكثرة سفكه دماء الأعداء، فيقال: أن ربّ قد تستعمل أيضاً للكثرة، وقد جاء ذلك في نحو قول الأعشى:
ربّ رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقتال
وقول سويد بن أبي كاهل:
ربّ من أنضجت غيظا قلبهقد تمنّى لي موتا لم يطع
وذلك، أن قوله موضع مدح وفخر، فلا يراد به القلّة، وقد ذكر ذلك علماء العربية.
وقوله: ويحسّن ذلك، أن ربّ جاءت في النصف الثاني وهي ضد كم. فكأنه أراد تحسين الطباق بين القلّة والكثرة.
فيقال: هذا، وان كان تحسينا في اللفظ، فأنه تقبيح في المعنى، لأن ربّ تتمخّض فيه للقلّة فيلزم على ذلك، أن يصفه بقلة غيظه للملوك، وهو يخالف المقصود. والصواب إبقاء البيت على ما هو عليه، واحتمال إنكار الغريزة للوزن، لتعريف صحّة المعنى. وإذا تأمّل هذا التّغيير، علم فوق بين ما صار إليه ممّا كان عليه. على أن الواحديّ روى عن الشّيخ في تغيير ابن جنّي قول أبي الطّيب:
......... وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا
بقوله: أنشأك إنه (قال): لا يمكن أن يغيّر من شعره كلمة بأحسن منها. فكيف رجع عن هذا القول؟!
وقوله:
من يعرف الشمس لا ينكر مطالعهاأو يبصر الخيل لا يستكرم الرّمكا
قال: والرمكة لم تجيء في الشعر، إلا أن تكون شاذّة، لأنها إذا جاءت في حشو البيت، اجتمعت فيها أربعة أحرف متحركة، وذلك مستثقل.
وأقول: أن تعليله شذوذها بأنها جاءت على أربعة أحرف متحركة، يقتضي شذوذ كلّ ما جاء على وزنها، من نحو: الحركة، والعجلة، والكلمة، والشّجرة، وما أشبه ذلك.
ويقال له: فإذا استثقل ذلك حشوا فلم يشذّ في آخر البيت وقد زالت العلّة بسكون الرّابع؟
وقوله:
كأنّك سيفك لا ما ملكت يبقى لديك ولا ما ملك
قال: وصفه بالجود ووصف سيفه بالمضاء، وذلك إنه شّبهه بسيفه، فسيفه لا يبقي ما لديه بالضّرب، بل يفصله، وهو لا يبقي ما لديه من المال، بل يفرقه فجعل ما يملك سيف الدولة من العطّية، بمنزلة ما يملكه سيفه من الضّريبة، كلاهما ماض في فعله لا يليق شيئا.
وقوله:
ولو نقصت كما قد زدت من كرمعلى الورى لرأوني مثل قاليكا
قال: لو نقصت نقصا، مثل زيادتك في كرمك، لرآني الناس مثل مبغضك.
وأقول: هكذا قول أبي الطّيب! فكأنه فسّر قوله، بقوله!
والمعنى: أنك في أقصى الزّيادة من كرمك على النّاس، وشانيك في أقصى النّقص، فأضاف النقص إلى نفسه، وهو يريد نقص مبغضه، أي: لو أني ممّن ينقص كزيادتك، لكنت في نهاية النّقص، كما انك في نهاية الزيادة (في الكرم)
وقوله:
أتتركني وعين الشمس نعليفتقطع مشيتي فيها الشّراكا
قال: هذا كما تقول: أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك؟ أي: أن ذلك لا يجب، ولا يحسن، لأنك قد رفعتني حتى جعلت عين الشّمس نعلي، فأمشي فيها مشيا يقطع
الشّراك، أي: لا ينبغي أن افعل ذلك.
وأقول: أن هذا ضربه مثلا، أي: قد أحللتني محلّة رفيعة، فأنا لا اعرف حفظها، ولا احسن التمتّع بها. فجعل الشمس بمنزلة النّعل الحسنة، التي ينبغي للابسها أن يرفق بها، لئلاّ ينقطع شراكها فتسقط من رجله، وفي هذا غضّ من نفسه وتحقير لها، أي: لست من أهل هذه المنزلة، ولا ممّن يعرف قدر هذه النعمة فيحافظ عليها، وهذا من جليل الأمثال ودقيق المعاني.
وقوله:
ولولا أن أكثر ما تمنّىمعاودة لقلت: ولا مناكا
قال: إنما يريد مناه التي تخطر بقلبه، لا الأماني التي تبلغ، لأنه يجّل عليه أن يتمنّى شيئا لم يكن بعد، لأن الأماني ربّما تعلّل بها أخو الهمّ. ومن ذلك قول القائل:
إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطاأن المنى رأس أموال المفاليس
(وأقول:) انظر إلى هذا التفسير، وتفريقه بين المنى والأماني، وهذا كلام من لم يشمّ رائحة المعنى الذي أراده أبو الطّيب.
وأقول: أن هذا البيت مرتّب على البيت الذي قبله، وهو قوله:
إذا التّوديع أعرض قال قلبيعليك الصّمت لا صاحبت فاكا
يقول: أن قلبي، لكراهية الفراق، يأمرني بالصّمت عند الوداع، فيدعو عليّ إذا عزمت عليه فيقول: لا صاحبت فاك أن نطقت به، فقال: ولولا أن أكثر مناه العود إلى عضد الدولة، لقلت: وأنت لا صاحبت مناك.
وقوله:
...... أكثر ما تمنّىمعاودة
يدل على إنه تمنّى الإقامة في الأهل والأوطان، وتمنّى العود إلى الممدوح، إلا أن
تمنّيه العود أكثر، فلم يقدر أن يقول (له: وأنت) لا صاحبت مناك، لأنّ أكثر مناه العود إلى عضد الدّولة، فهذا هو المعنى لا سواه.
وقوله:
قد استشفيت من داء بداءوأقتل ما أعلّك ما شفاك
قال: يقول لقلبه: قد استشفيت من داء، وهو فراق هذه الحضرة، بداء، وهو الوداع، واقتل ما أعلك، الذي يشفيك فيما تظنّ، وهو وداعك.
وأقول: لم يفهم المعنى!
ومعنى قوله:
قد استشفيت من داء بداء.........
أي: من فراق اهلك بفراق عضد الدولة، وهو أعظم منه، وهذا مثل قوله:
......... كالمستغيث من الرّمضاء بالنار
وضدّ قوله:
......... أنا الغريق فما خوفي من البلل
وقوله:
وكنت أعيب عذلا في سماحفها أنا في السّماح له عذول
قال: المعنى أني كنت أعيب عذلا في السّماح، فلمّا دام هذا المطر عذلته في الدّوام، لأنه قد منعنا من السّير. وهذا اللفظ على أن سيف الدولة أراد المسير، فسأله الشاعر أن يثبّت.
وأقول: هذا التّفسير، فيه تناقض، وذلك انه، كما ذكر، سأله التثبّت، وكما قال: رويدك وتأيّ وجودك بالمقام. فكيف يعذل السّحاب على الدوام، وقد حصل له به ما أراد من التثبّت والمقام؟ فذكر الدّوام ليس بشيء، وإنما عذله بسبب الكثرة، وان
كانت لا تمنع سيف الدولة من السّفر كما قال:
وما أخشى نبوّك عن طريقوسيف الدّولة الماضي الصّقيل
وكذلك البيت الذي يليه. على أن السّماح إنما يكون من السّحاب بالكثرة، لا بالدّوام، فأنّ إنسانا لو أعطى إنسانا في عام، كلّ يوم فلسا، لم يعدّ ذلك سماحا، ولو أعطاه ألف دينار، في ساعة لعدّ ذلك سماحا.
وقوله:
فلمّا نشفن لقين السّياطبمثل صفا البلد الماحل
قال: يقول: أن عرف الخيل ابيض، فلمّا يبس على ظهورها، لقين السّياط بمثل صفا البلد الماحل، أي إنها مبيضّة بالعرق، فكأنّ السّياط منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.
(وأقول:) انظر إلى هذا التفسير الذي لم يقله بصير!
وأين هو عن تشبيه أكفالها بالصّخر في البلد المحل؟ فهو اصلب له، وهذه شنشنة لهم معروفة، وطريقة مألوفة، كقول علقمة:
......... جلذيّة كأتان الضّحل علكوم
وأشباه ذلك. فالتشبيه إنما وقع من جانب الصّلابة لا من جانب اللون (على أن الصّخر يختلف لونه باختلاف الأرض، فلا يختصّ بلون البياض دون غيره).
وقوله:
وما بين كاذتي المستغيركما بين كاذتي البائل
قال: شبّه العرق ونزوله، بنزول البول. وقد ذهب بعض من فسّر هذا البيت (إلى) أن الفرس إذا أعيا تباعد ما بين فخذيه، فكأنّه فرجهما ليبول، والأول أشبه.
وأقول: لم يرد الشّاعر ذلك، وإنما وصفه بتباعد ما بين الرّجلين، فأنّ تقاربهما صكك كما قال زهير:
.... لا فحج فيها ولا صكك
فجعل تباعد ما بين فخذيه، كتباعد البائل للمبالغة.
وقوله:
بضرب يعمهّم جائرله فيهم قسمة العادل
قال: وصف الضّرب بالجور، أي: إنه يسرف، فيكون كمن يجوز. وقوله:
............ فيهم قسمة العادل
أي: يقدّ الرّجل، فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كما يروى عن علي ﵇ إنه كان إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ.
وأقول: مثل هذا قوله في وصف السّيف وهبه له ابن العميد:
يقسم الفارس المدجّج لا يسلم من شفرتيه إلاّ بداده
وقوله:
فظلّ يخضّب منها اللّحىفتى لا يعيد على النّاصل
قال: يخضّب لحاهم بالدّم، كما يخضّب الشّيب بالحنّاء والكتم، الاّ أن عادة من يخضب شيبه إذا نصل أن يعيد الخضاب، وهذا الخاضب لا يفعل ذلك.
وأقول: إنه لم يتبيّن لِمَ لم يفعل ذلك؟ وذلك أن ضرباته إبكار، لا تثنّى، كما يحكى عن ضربات عليّ ﵇ فهو إذا ضرب القرن فخضّبه بالدماء، كانت تلك الضّربة قاضية لا يسلم منها (فينصل الخضاب)، فيحتاج إلى أن يضربه ثانية ليعيد الخضاب.
وقوله:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسلوالطّعن عند محبّيهنّ كالقبل
قال: قال: الطّعن عند محبّيهنّ لأنه جعل الطّعن جمع طعنة، والأشبه أن يكون مصدر طعن، فلو إنه في غير الشّعر، لكان الوجه أن يقول: والطّعن عند محبّيه.
وأقول: أن الضمير في محبّيهنّ راجع إلى الممالك، لا إلى الطّعن، فجعل الممالك بمنزلة المعشوقات، والطّعن بمنزلة القبل، أي: الطعن طّيب سهل، في جنب وصل الممالك، فإذا كان الضّمير كذلك، فليترك الشّعر شعرا، ولا يغيّر، ويغيّر له الضّمير.
وقوله:
هو الشّجاع يعدّ البخل من جبنهو الجواد يعدّ الجبن من بخل
قال: وصفه بالشّجاعة، وزعم إنه يرى البخل جبنا من قلّة المال، فهو يتركه لأنه شجاع، يرى البخل جبنا، ويعدّ الجبن من بخل، أي إنه إذا جبن، فقد بخل بنفسه على الحمام.
وأقول: أن قوله: جبنا من قلّة المال أي: خوفا لأجل قلّة المال، لأنه يقال: فعلته من أجلك، أي: لأجلك. وفي تفسيره هذا، قصور عبارة عن هذا المعنى الطائل، واللّفظ الهائل، وهو أن الشّجاع إذا اقدم في الحرب، ولم يقدم على إنفاق ماله خوفا من الفقر، فقد بخل، وذلك البخل يعدّ جبنا، لأنه لو كان شجاعا، وقد جاد بنفسه، جاد بماله، فالضّنّ به جبن. وكذلك الجواد إذا جاد بماله ولم يجد بنفسه خوفا من القتل، فقد جبن، وذلك الجبن يعدّ بخلا، لأنه أو كان جوادا، وقد جاد بماله، جاد بنفسه فالضّنّ بها بخل. والمعنى: إنه وصف الممدوح بصفتين كاملتين اجتمعتا فيه، فجعله شجاعا لا يبخل، وجوادا لا يجبن، لأن هاتين الصّفتين قد تفترق، كما يحكى عن ابن الزّبير إنه كان شجاعا بخيلا، وعن جماعة من بني اميّة، وبني العبّاس، انهم كانوا سمحاء جبناء.
وأقول: إنه اتّفق لأبي الطّيب في هذا البيت، من جودة الصّنعة بتركيب الألفاظ وتقليبها، وتهذيب المعنى وتكميله ما لم يتّفق لغيره.
وقوله:
أنّي لأبغض طيف من أحببتهإذ كان يهجرنا زمان وصاله
قال: قال في أول القصيدة:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله............
فزعم أن الحلم، لا يصل إلى أن يريه الخيال. ثم ذكر بعد ذلك، إنه يبغض طيف من احبّه، وهذا يشبه أقوال الشّعراء (الشيء) ثم رجوعهم عنه، وهو الذي يسمّى الاكذاب، ومنه قول زهير:
قف بالدّيار التي لم يعفها القدمبلى وغيّرها الأرواح والدّيم
وأقول: من أين زعم أن هذا رجوع عن الشّيء، وإكذاب له؟ ولعلّه أراد بقوله: فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال إنه وصل إلى الخيال هو بنفسه، وذلك بتذكّره له، وتفكّره فيه، ولا يكون ذلك إلا عن قصد وإرادة ومحبّة، ثم اكذب ذلك بقوله:
إني لأبغض طيف من أحببته.........
فهذا الذي تبينته من تقرير مأخذه (أو يكون أنكر على الحلم كونه لم يجد له به أو بمثاله، حيث نفى ذلك عنه، وذلك لحبّه اياه، فلما جاد بمثاله وهو طيف قال: أني لأبغض)
والجواب عنه، أن التقدير الذي قدّره من قوله: فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال، وإنه هو الذي وصل إليه غير صحيح. والتقدير الصّحيح في قوله:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله.........
أي: لو لم اذكر وداع المحبوب والزّيال وأتخيّله، لم يجد الحلم بالخيال، فالعاشق لم يقصد خيال المحبوب، ولكنه لما تذكّر المحبوب في حال اليقظة، رآه في حال النّوم. فرؤيا الخيال إنما وقعت عرضا واتّفاقا، لا تعمدّا واشتياقا. فإذا صحّ ذلك فسد قوله: إنه رجوع عن الأول، واكذاب له.
وقوله:
فلم لا تلوم الذي لامهاوما فصّ خاتمه يذبل
قال: هذه مبالغة عظيمة، لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فصّ خاتمه مثل هذا الجبل المستعظم. وكيف يلومها وهو حقير؟! إنما شخصه كشخص غيره من النّاس.
وأقول: غير هذه العبارة أحسن منها!
والمعنى: أن هذه الخيمة مستحيل أن تعلو وتشمل من يشمل الدّهر، كما إنه مستحيل أن يكون فصّ خاتم إنسان هذا الجبل العظيم الذي هو يذبل فالخيمة حقيرة بالإضافة
إلى سيف الدولة، كما أن الإنسان حقير بالإضافة إلى هذا الجبل، أن يجعله فصّ خاتمه، فينبغي إذا لامها على ترك العلّو على سيف الدولة، أن تلومه على ترك التّختّم بخاتم فصّه يذبل!
فهذا كأنّه ذكره على طريق المجادلة، لا على ما ذكره. والضمير في تلوم من قوله:
فلم لا تلوم............
يحتمل أن يعود إلى المخاطب، ويحتمل أن يعود إلى الخيمة، على وجه المقابلة، وهو الأحسن، ليكون الجدال بينها وبين لائمها، وهو اقرب في الاستعارة.
وقوله:
جعلتك بالقلب لي عدّةلأنك باليد لا تجعل
ذكر فيه وجهين: أحدهما لا معرّج عليه.
والآخر أصاب فيه، إلا إنه زاد فيه زيادة نقصته. وهو قوله: أي جعلتك عدّتي بقلبي، لأنك أجلّ من أن تجعل باليد.
والزيادة قوله: لأنّها إنما تتصرّف فيما صغر من الاشياء، والقلب يتّسع في
الضمير حتى إنه يضمر ما لا يدرك.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى، إنه جعل سيف الدولة سيفا لا كالسّيوف، لأن السّيوف يعتدّ بها في الأيدي، وسيف الدولة يعتدّ به في القلب، يعني: بإخلاص الولاء والمحبة، فلا معنى لسعة القلب ولا ضيقه!
وقوله:
أنلت عبادك ما أمّلتأنالك دهرك ما تأمل
قال الشيخ: تأمل من آخر القصيدة - يعني هذا البيت - لا يجوز ترك همزه، لأنه يصير سنادا، وكذلك همزة مأسل من قول امرئ القيس:
......... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
وأقول: إنه أراد بترك همزة الإبدال ألفا محضة، لا مخفّفة، لأن المخفّفة عندهم كالمحقّقة، ويدلّ على ذلك قول امرئ القيس:
أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرابكاء على عمرو فما كان اصبرا
إذا قلت: هذا صاحب قد الفتهوقرّت به العينان بدّلت آخرا
فأراد المخففة فكأنه قال: أأخرا ولو أراد الإبدال لكان ذلك سنادا كما قال، فعلى هذا يجوز تخفيف همزة مأسل وتأمل لا إبدالها، وهو المقصود من كلامه بعدم الجواز.
وقوله:
أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طللدعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل
قال: يريد أن دمعه سبق أن يقف به الرّكب.
وأقول: هذا ليس بشيء! بل شجا الركب والإبل بمرورهم به، أو وقوفهم عليه، فكأنه دعا دموعهم فسبق دمعه الرّكب والإبل، لفرط غرامه، وزيادة شوقه. فأمّا
وصف الرّكب بالوجد والبكاء فظاهر، وأمّا وصف الإبل بذلك فمستعمل كقول متمّم:
فما وجد أظآر ثلاث روائمرأين مجرا من حوار ومصرعا
إذا شارف منهنّ قامت فرّجعتحنينا فأبكى شجوها الركب اجمعا
وكذلك الخيل كقول عنترة:
وأزورّ من وقع القنا بلبانهوشكا إليّ بعبرة وتحمحم
وقول أبي الطّيب:
مررت على دار الحبيب فحمحمتجوادي، وهل تشجو الجياد المعاهد
وقوله:
ما بال كلّ فؤاد في عشيرتهابه الذي وما بي غير منتقل
قال: أجود ما يقال في هذا المعنى، أن يجعل الذي يجده من الشّوق، كأنه شخص، والشّخص إذا حصل في مكان شغله، ولم يشغل غيره، فإذا اعتقد ذلك صحّ إنكاره، لثبات وجده، لأنه في أماكن كثيرة، والشخص لا يشغل مكانين.
(قلت): وكان ينبغي أن يقول هاهنا: والشخص ينتقل، وهذا لا ينتقل.
قال: وأما العرض، فلا يشغل مكانا، فإذا كان في قلب واحد، جاز أن يكون في قلوب عالم كثير.
وأقول: هذا الذي ذكره، في غاية التكلّف، ونهاية التّعسّف!
والمعنى: (أقرب من ذلك وهو) إنه استفهم متعجبا: كيف فؤاد (كلّ) رجل في عشيرتها به من حبّها مثل الذي به؟ وان ذلك يدعو إلى حفظها، ومنعها، وعدم
الوصول إليها،
ويوقع اليأس من وصلها، ومع ذلك (فأنه) لا يسلوها، ولا ينتقل ما به من هواها.
وقوله:
شديد البعد من شرب الشّمولترنج الهند أو طلع النّخيل
قال: قدّم الخبر في قوله: شديد البعد، ولو جعل النصف الآخر مكان الأول لكان حسنا، وكلا الوجهين سائغ.
وأقول: أن تفسيره هذا محمول على ظاهر الكلام من غير تقدير، وليس له معنى صحيح، أو كأنّ الشيخ وقف على ما ذكر ابن جنّي فيه، أو وقف عليه فارتضى قوله، وهو غير مرضيّ، والصحيح، أن تقدير الكلام: أنت شديد البعد من شرب الشّمول فحذف المبتدأ ثم قال: ترنج الهند، أو طلع النّخيل، ما تصنع به، فحذف الخبر لأن قرينة الحال تدلّ عليهما وتقود إليهما.
وقوله:
ويوما كأنّ الحسن فيه علامةبعثت بها والشمس منك رسول
قال: هذا معنى لطيف. أراد أن الحسن في هذا اليوم، كأنّه علامة بعثت بها هذه المذكورة إليه، وإنّ الغبار ثار وستر الشمس، فكأنها رسول من حبيب مستخف.
وأقول: أن قوله أن الغبار ثار فستر الشمس ينفي حسن ذلك اليوم، ومع ذلك، فليس في الكلام دليل عليه. والصحيح ما قاله الواحديّ، إنه استحسن اليوم لما كان قبله من استشباعه الليل، وأضاف حسنة إلى الحبيبة، يقول: كأنك بعثت الشمس رسولا، وحسن اليوم منك علامة، لأنه حسن بالشمس، فكأن الشمس جاءت بحسنه، وكأنّ الحبيبة بعثت ذلك الحسن.
وقوله:
إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعةهي الطّعن لم يدخلك فيه عذول
قال: يقول: إذا لم تكن فيك شجاعة تدخلك في الطّعن، أي: تحملك على أن تطاعن فتصيب وتصاب لم يدخلك فيه من يعذلك.
وأقول: أن الجماعة لم يفرّقوا بين الطّعنين في قوله: إذا الطّعن، وقوله: هي الطّعن
وهل الطعن الأول هو الثاني أو غيره؟ وأرى أن بينهما فرقا، وان التكرار لزيادة معنى، وهو أن الأول مصدر، والثاني اسم جنس، جمع طعنة، أي: إذا لم يدخلك في صفة طعن الأبطال شجاعة هي الطعن، أي فعل الطّعن، لم يدخلك فيه كلام من يعذلك! أي: إذا لم يكن للإنسان باعث من نفسه وفعله الجميل على الذّكر الجميل، لم يبعثه كلام من خارج.
وقوله:
وكلّ أنابيب القنا مدد لهوما ينكت الفرسان إلاّ العوامل
قال: أراد أن العرب كلّها مدد لسيف الدولة، وإنه كعامل القناة، وما ينكت الفرسان إلا عوامل الرّماح.
وأقول: أن كان توهّم أن الضّمير في له عائد على سيف الدولة، فليس كذلك، ولكنه عائد على القنا. والمعنى: أن أنابيب القنا، وإن تساوت في كونها مددا لها في طعن الفرسان، إلا أن الأنبوب الأعلى، وهو العامل، هو الذي ينطت الابطال، أي: يكبّها ويلقيها، فضرب ذلك مثلا لأصحاب سيف الدولة (وله)، يقول: هم، وان كانوا مددا له، (فهو أعلاهم وأشرفهم)، فليس لهم غناء، ولا تأثير في الحرب إلا به، وهذا ينظر إلى قوله:
أمام الكتيبة تزهى بهمكان السّنان من العامل
وقوله:
قارعت رمحك الرّماح ولكنترك الرّامحين رمحك عزلا
قال: يقول: قارعت الرماح رمحك، فترك الرامحين عزلا، أي: لا سلاح معهم.
وأقول: إنه لم يزد على قول أبي الطّيب، إلا بتفسيره العزل، وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير!
والمعنى: وصف سيف الدّولة بحذقه في الطّعن. يقول: أن الرماح قارعت رمحه
(ولكن) لم تغن شيئا، لأنه بطلّها وعطلّها، فصار الرّامح بمنزلة الأعزل. ويحتمل معنى
غير وصفه بالحذق، وهو وصفهم بالخوف.
وهذا، كأنه مثل ضربه لمفاخرة غيره له من الملوك، يقول: قابلوا مفخرك بمفاخرهم، فتركتهم كأن لا مفخر لهم. وينظر إلى قوله:
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنتعن شأوهنّ مطيّ وصفي ظلّعا
وقوله:
ما لنا كلّنا جو يا رسولأنا أهوى وقلبك المتبول
قال: الاجود، أن ترفع كلّنا على الابتداء، ويكون: جو خبره. وكان بعض النّاس يخفض كلّنا ويجعله تأكيدا للضّمير في لنا، وهذا وجه رديء، لأنه يوجب نصب جو على الحال فيقال: ما لنا كلّنا جويّا، فأن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
وأقول: أن تأكيد لنا بكلّنا يوجب أن يكون الحال جمعا، فيقال: ما لنا كلّنا جوين، لأنك إنما أفردت جو خبرا لمّا جعلت كلّنا مبتدأ، فحملت الخبر على لفظها لأنه مفرد، فأمّا إذا أكدت به ضمير الجمع، تمحّص في الجمع، لأنه صار من تمامه وأشبه أجمعين فكأنك قلت: وما لنا أجمعين جوين. فلا يجوز جويا كما لا يجوز: ما للزيدين قائما، ومثل هذا مسألة الإيضاح: أنتم كلكم بينكم درهم. قال: إذا جعلت كلاّ تأكيد أنتم كأنك قلت: أنتم بينكم درهم، وانتم
كلكم بينهم درهم، إذا جعلت كلاّ مبتدأ، لأنه اسم موضوع للغيبة، كأنك قلت: أنتم غلمانكم بينهم درهم.
وقوله:
وسوى الرّوم خلف ظهرك رومفعلى أيّ جانبيك تميل
قال: يقول: أعداؤك كثير، وليس الروم أعداؤك دون غيرهم، فلأيّهم تقاتل؟!
وأقول: إنه أشار بذلك إلى بمن مصر والعراق، وجعلهم وراءه، لأنه مستقبل الشمال لغزو الرّوم، فهما عن منكبيه (غربا وشرقا، ويمينا وشمالا)، فقال: على
أي جانبيك تميل، أي: تميل عن غزو الرّوم، إلى غزوهم.
وقوله:
أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث والنّجل بعض من نجله
قال: المعنى: أنا من بعضه يفوق أبا الباحث الذي يبحث عن نسبي وأصلي، وبعضي يفوق أباه وأنا بعض أبي.
وأقول: أن قوله: وبعضي يفوق أباه خطأ - وهكذا رأيته في النسخة المنقول منها، والصواب: بعض أبي. يقول: إذا كنت أنا افضل أبا الباحث عن نسبي وأنا بعض أبي، لزم ضرورة أن أكون أفضل من الباحث، لأنه بعض ابيه، وقد فضلته، فكيف أبي الذي أنا بعضه؟
وقوله:
قد هذّبت فهمه الفقاهة ليوهذّبت شعري الفصاحة له
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر (لغة) الفقاهة، قال: وهي العلم، ويروى عن العرب أنهم يقولون: فحل فقيه، أي: عالم.
وأقول: معناه، أن فطانته هذّبت فهمه لي، أي: للإحسان إليّ، والإنعام عليّ، وفصاحتي هذّبت شعري له، أي: للثّناء عليه وإهداء المديح إليه.
وقوله:
فصرت كالسّيف حامدا يدهما يحمد السّيف كلّ من حمله
قال: المعنى أن يد الممدوح يد شجاع، وأنا سيف ماض، فهي تحمدني، وأنا احمدها.
وأقول: لم يصب المعنى، ولا في الكلام ما يدلّ على أن اليد تحمده. والمعنى أن السّيف بلا يد الممدوح في الحرب بالضّرب فوجدها تعطيه حقّه فحمدها على ذلك، وأنا ايضا، مثل السّيف، بلوتها في الجود فوجدتها تعطيه حقّه، فحمدتها على ذلك.
وقوله:
لك يا منازل في الفؤاد منازلأقفرت أنت وهنّ منك أواهل
يعلمن ذاك وما علمت وإنماأولاكما يبكي عليه العاقل
قال: يعلمن ذاك: أي: منازلك التي في الفؤاد، يعلمن بحالك وحالهنّ، فهنّ أواهل بذكرك، وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد، وأولاكما بأن يبكي عليه، العاقل، أي: منازلك في الفؤاد.
وأقول: أن قوله:
يعلمن ذاك............
إشارة إلى قوله:
......... أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
أي: المنازل التي في الفؤاد، تعلم إنها آهلة، من منازل الأحباب المقفرة، وهي لا
تعلم ذلك، فالأولى أن يبكى على المنزل العاقل، لا الجاهل، فهذا هو المعني، وما ذكره فمخلّط ومخبّط!
وقوله:
لو طاب مولد كلّ حيّ مثلهولد النّساء وما لهن قوابل
قال: هذا الكلام يؤدّي إلى أن الممدوح ادّعى له الشاعر، إنه لما ولد لم يحتج إلى قابلة.
فأقول: هذا الكلام لم يؤدّ إلى ذلك، بل يؤدّي إلى إنه لمّا ولد وجد، من تيسير أمره وطيب مولده وطهارته ما دلّ قابلته، وغيرها، على أن النّساء لو ولدن كمولده، لم يحتجن إلى قوابل.
وقوله:
من لي بفهم أهيل عصر يدّعيأن يحسب الهنديّ فيهم باقل
قال: قد عاب بعض النّاس أبا الطّيب، لما جعل باقلا ينسب إلى حساب الهند، لأنه لا يوصف بذلك وإنما يوصف بالعيّ، وقد ذكرت ذلك الشعراء - وانشد أبياتا لحميد الأرقط الرّاجز يصف ضيفا، وكان مغرى بهجاء الضّيفان،
منها موضع
الاستشهاد:
أتانا وما داناه سحبان وائلبيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنّهمن العيّ لمّا أن تكلم باقل
وأقول: لا خلاف أن باقلا كان يوصف بالعيّ، وإنما أبو الطّيب أشار إليه في قضية مشهورة، تدلّ على العيّ بعدم العبارة، وعلى سوء الحساب بسوء الإشارة. وذلك إنه لما أشار بأصابعه العشر، وقد سئل عن ثمن الظّبي فساب، والأصابع آلة الحساب، كان كالحاسب! فكان ينبغي له أن يشير إلى السّائل بالثّمن اشارته، فلمّا لم يفعل جمع بين ترك العبارة وسوء الإشارة.
وقوله:
يقلبهم وجه كل سابحةأربعها قبل طرفها تصل
قال: هذا إسراف في المبالغة يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز أن يكون مثله، ومع هذا، فأن القوائم إذا وصلت قبل الطّرف فقد وصف النّظر بالضّعف.
وأقول: أن تفضيله قوائمها في السّرعة على طرفها، لا يدلّ على ضعفه، لأن حدّة طرف الجواد معلومة، كقول أبي داؤد:
حديد الطرّف والمنكب والعرقوب والقلب
وكذلك إذا فضّلت على البرق في السّرعة، لا يدلّ على ضعف البرق، وإنما يقصد بذلك المبالغة في الصّفة، لا نقص المفضّل عليه.
وقوله:
قصدت من شرقها ومغربهاحتى اشتكتك الركاب والسّبل
قال: في هذا البيت مبالغتان:
إحداهما: يجوز أن يكون مثلها، وهي ادّعاؤه، أن الرّكاب تشتكي الممدوح، من كثرة ما تركب اليه، فهذا يجوز مثله، لأنها إذا صارت انضاء، وأخذ منها السّير، فكأنها تشتكيه.
والأخرى: ادّعاؤه أن السّبل تشتكيه، أي: الطّرق، فهذا ما لا يمكن أن يكون.
فيقال له: اشتكاء الإبل والطّرق مجاز، فلا يمكن أن يكون، فإذا جوّزت ذلك في الإبل، لكثرة ما تركب وينضيها السّير، فلم لا يجوز مثل ذلك في الطّرق لكثرة ما تسلك ويؤثّر فيها السّير!؟
وقوله:
لم تبق إلا قليل عافيةقد وفدت تجتديكها العلل
قال: يقول: وهبت مالك وغيره، حتى كأنك قد وهبت أكثر صحتك، فلم تبق إلا عافية قليلة، قد وردت تسألك، أن تهبها لها العلل.
وأقول: أن الشّيخ قد اخذ عليه مآخذ في مواضع غير سائغة! ولم يقل في هذا الموضع شيئا. وأرى أن مخاطبته للممدوح بقوله:
لم تبق إلا قليل عافية.........
أي: لم تبق من صحّتك، وسلامتك، إلا شيئا يسيرا. وإنّ العلل قد وفدت عليك تأخذها منك، من التّطيّر له بالموت، والبشارة له بالهلاك. وهل يسوغ لعاقل أن يقول لمريض: ما بقي فيك إلا عافية يسيرة، قد جاءت العلل لأخذها منك! وقوله:
لم تبق إلا يسير عافية.........
يدلّ على إنه وهب أكثر العافية، فترى على من جاد بها؟ ولم أبقى هذا اليسير وجعله جدوى للعلل؟ وكلّ (هذا) تكلّف للاغراب، وتعمّق في المعاني، وضدّ قوله:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطّبع وعند التّعمّق الزّلل
وقوله:
بقائي شاء ليس هم ارتحالاوحسن الصّبر زمّوا لا الجمالا
قال: بقائي شاء، أي: أراد أن يرتحل عني، وهم لم يشاءوا الرّحيل، وهذه دعوى، لأنهم قد شاءوا الرحيل لا محالة، وادّعى أنهم زمّوا حسن الصّبر... ولم يزمّوا الإبل، وتلك دعوى ليست بالصّحيحة، لأن أصحاب الإبل، إذا ارتحلوا فلا بدّ من الأزمّة.
وأقول: أعجب من الشّيخ! كيف ينكر على أبي الطّيب مثل هذا، مع اطّلاعه على أشعار العرب، وكلامها، وما فيه من الإغراق في المبالغة، والتّوسع في الاستعارة، وهذا كما يقال: ما مات كعب، ولكن ماتت السّماحة، وما زال قسّ، ولكن زالت الفصاحة، وإن كان كعب قد وقع فيه الموت، وقسّ منه الزوال، ومنه قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وقول عبده بن الطّيب:
وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقوله:
وحجّبت النّوى الظّبيات عنّيفساعدت البراقع والحجالا
ذكر الشيخ القافية: الجلالا جمع جلّ وفسّره: ما جلّل به الهودج، وغيره: الحجالا، وهي المشهورة.
وقال: يقال: برقع وبرقع وبرقوع واستشهد
على برقوع بقول الشّاعر:
وخدّ كبرقوع الفتاة ملمّعوروقين لمّا يعدوا أن تقشّرا
وقال: يجوز أن يكون زاد الواو في برقع ضرورة، لإقامة الوزن، ولو لم يجيء بالواو لكان في البيت زحاف، وهذا الضّرب من الزّحاف يتساوى في حذف حرف ساكن، ويكون في بعض الأبيات احسن منه في غيره، ويجب أن يكون ذلك لأجل
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع