من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ التاسع في الاستعطاء والعطاء
فمما جاء في قصد أولي الآمال: المأمول مقصود. شكا الفضل بن سهل إلى الزبير بن بكار كثرة من يقتفي بابه للحوائج، فقال: لا عليك، إن أحببت أن لا يلتقي ببابك إثنان فاعتزل ما أنت فيه من عمل السلطان، فإن نعم الله جاءت بهم إليك، ثم أنشده:
من لم يواس النّاس من فضلهعرّض للإدبار إقباله
فقال: صدقت وبررت. وسأل رجل عن فضل بعض الأكابر، فقال: أما ترى إزدحام الناس على بابه وكثرة قصاده وطلابه.
قال أشجع:
على باب أبي منصورعلامات من البذل
جماعات وحسب الباب فضلا كثرة الأهل
وقال بعضهم:
يزدحم النّاس على بابهوالمنهل العذب كثير الزّحام
الممدوح بكثرة القصّاد: قال زهير:
قد جعل المبتغون الخير في هرموالسائلون إلى أبوابه طرقا
وقال حسّان:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
وقال أعرابي: قصدت فلانا فوجدت بابه كعرصة المحشر يهوي إليه كل معشر،
فداره مجمع العفاة ومربع المكرمات حاضرة الجود والحسب.
وقال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاتهومجلسه بالمكرمات منجد
وقال الجاحظ: كان العلماء يستجيدون بيت الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرةإلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشبّ لمقرورين يصطليانهاوبات على النّار النّدى والمحلّق
حتى قال: الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
فحينئذ فضلوا هذا وصار لحسنه ناسخا لبيت الأعشى.
قصد من يتلقّى زائره النجاح: قال بعضهم:
أتينك لم يزجرن دونك سانحاولا بارحا إلا وهنّ سعود
وقال المتنبيّ:
ولو سرنا إليه في طريقمن النيران لم نخف احتراقا
وقال القاضي علي بن عبد العزيز:
كلّ الزمان إذا أفضى تصرّفهإليك وقت نزول الشمس في الحمل
وقال ابن أبي طاهر:
بلغت مرادي واطمأنّت بي النّوىوقال لي الورّاد أعشبت فانزل
وقال أعرابي:
كلّ أيامه توالت علينابسعود بلغننا ما نوينا
لم يكن دهره كما قيل في الأمثال يوم لنا ويوم علينا
من يهين أو يكرم مركوبه إذا بلغ مطلوبه: وقال الشمّاخ:
إذا بلغتني وحملت رحليعرابة فأشرقي بدم الوتين
قد استقبح الناس هذا المعنى، وقالوا: بئسما جازاها. وهذا مثل ما قال النبي ﷺ للمرأة التي ركبت بعير النبي ﷺ وتخلصت به، فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن خلصني الله به لأنحرنّه، فقال ﷺ: بئسما جازيته لا نذر في مال غيرك.
وقال أبو نواس معارضا للشمّاخ:
أقول لناقتي إذ بلّغتنيلقد أصبحت عندي بالثمين
فلم أجعلك للغربان نحلاولا قلت أشرقي بدم الوتين
وقال آخر:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدافظهورهنّ على الرجال حرام
قرّبننا من خير من وطىء الثّرىفلها علينا حرمة وذمام
من ذكر أنه تحمّل تعبا في قصد معتفاه: دخل رجل على معاوية، فقال: هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معولا إلّا عليك، أمتطي إليك بعد النهار واسم المجاهل بالآثار، يقودني نحوك رجاء ويسوقني إليك بلاء، والنفس مستبطئة والاجتهاد عاذر إذا بلغتك فقط، فقال: إحطط رحالك وقوّ آمالك وكن على ثقة بالإنصاف والإسعاف.
وقدم وفد بني تميم على عبد الملك وفيهم عمرو بن عتبة، فقال: يا أمير المؤمنين نحن من نعرف وحقّنا لا ينكر، وجئناك من بعيد ونمت بقريب وما تعطينا من خير فنحن أهله، وما ترى من جميل فأنت أصله، فضحك عبد الملك، وقال: يا أهل الشأم هؤلاء قومي وهذا كلامهم.
قصد من طاب في فنائه الزمان والحياة: وقال ابن الرومي:
أريد مكانا من كريم يصوننيوإلّا فلي رزق بكلّ مكان
وقال المتنبيّ:
وما رغبتي في عسجد أستفيدهولكنّها في مفخر أستجدّه
وله:
إذا نلت منك الجاه فالمال هيّنوكلّ الذي فوق التّراب تراب
من رغب في الإيناس والبسط منه: قال العتابي: دخلت على المأمون فسلمت فاجلسني، وقال لي: تكلّم. فقلت: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس، قال: إن ذلك من أقل ما نوحيه قال: ثم أقبل على أحمد بن هشام يحدّثه فلما اطمأن بي المجلس ذهبت لأتكلم، فقال المأمون: إن أحب شيء إلينا اليوم أن نبسطك بالحديث النادر والكلام الطيّب والعشرة الرضية، فو الله لقد أعطاني من نفسه ما لم يعط أحد ممن شاهدت وعاشرت.
من قصد سلطانا فحثّه على اصطناعه: وقال ابن الرومي:
زني القوم حتّى تعرفي عند وزنهمإذا رفع الميزان كيف أميل
وقال جرير، وهو أبياته الرائقة وأشعاره الجيدة:
إذا سرّكم أن تمسحوا وجه سابقجواد فمدّوا وابسطوا من عنانيا
ألا لا تخافا نبوتي في ملمّةوخافا المنايا أن تفوتكما بيا
وقال المتنبيّ:
فكن في اصطناعي محسنا ومجرّبايبن لك تقريب الجواد وشدّه
إذا كنت في شكّ من السيف فابلهفإما تنفيه وإما تعدّه
وما الصّارم الهنديّ إلا كغيرهإذا لم يفارقه النّجاد وغمده
من عاتب صاحبه في قلّة معرفته بفضله: وقال ابن الرومي:
قوّمتني غير قيمتي غلطاشاور ذوي الرأي تعرف القيّما
وقال ابن نباتة:
أشدد يديك بي الغداة فإنّني علق المضنّه
وقال آخر:
ليس له ناقد فينقدهوآفة التبر ضعف منتقده
وقال آخر:
ومثلك ليس يجهل حقّ مثليومثلي لا تضيعه الكرام
ومما جاء في السؤال
الإستغناء بالله عن الناس: قال أعرابي: اطلب الرزق من حيث كفل لك فالمتكفل به أمين، ولا تطلبه من طالب مثلك لا ضمان لك عليه.
وشكا رجل ضيقا، فقال له الحسن: شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقال هشام لرجل في بيت الله: سلني، فقال: لا أسأل في بيت الله غيره.
وقال شاعر:
لا تسل النّاس وسل من أنت له
وسأل بعض الزهّاد صديقا له شيئا لشدة الأمر به، فأعطاه صديقه وقال: يا أخي في ثقتك بحسن عائدة الله عليهم كفاية لهم، فقال: لا حاجة لي بالمال فقد استغنيت بهذا المآل.
النّهي عن سؤال من تعوده: . قال شاعر:
فإن كنت لا بدّ مستطعمافمن غير من كان يستطعم
وقال آخر:
ولا تطلبنّ المال ممّن أفادهحديثا ومن لم يورث المال وارثه
وقيل: إدخالك اليد في فم التنين أسهل من سؤال دنيء تعوّد المسألة.
ولعابدة المهلبية:
إذا ما طلبت نوال الفتىوقد نالك الدهر من شدّه
فلا تسألنّ فتى كالحاأصاب الرياسة من كدّه
عذر من سأل سائلا: قال ابن بابك:
إنّي إذا شئت أن أكديحوشيت كديت من مكد
تشفعت حرمّة التّساويوكان ردّي من التعدّي
أصبحت لا عند لي ولكنما عند مولاي فهو عندي
وقال آخر:
شاعر يطلب رزقامن أخي شعر مكد
جعل الريح إلى الريح فتى يطلب رفدي
إنّ ذا عندي بديعخاض فيه النّاس بعدي
وقال أبو تمّام:
ومفحم يأخذ من شاعر
تحمّل المكاره تفاديا من السّؤال: قال أبو عمرو بن العلاء اجتزت بكناس ينشد:
إذا أنت لم تعرف لنفسك قدرهاهوانا لها كانت على النّاس أهونا
فلا تسكننّ الدهر مسكن ذلّةتعدّ مسيئا فيه إن كنت محسنا
فقلت: سبحان الله أتنشد مثل هذا وتتعاطى مثل هذا الفعل، فقال: إن إنشادي لمثله أصارني إلى هذا فرارا من ذل السؤال.
وقال الأصمعي: مررت بكناس وهو ينشد:
جنّباني ديار سعدى وليلىليس مثلي يحلّ دار الهوان
فقلت: وأي هوان فوق هذا، فقال: مه، ذلّ سؤال مثلك. إن كنس ألف كنيف أهون من وقوف على مثلك.
وقيل لرجل كان يعمل في المعادن: ما أشد عملك. فقال: استخراج الماء من الجبال أهون من إخراجه من أيدي الأنذال.
الحثّ على الإجمال في الطّلب: قال عمر بن عبد العزيز ﵁: لم يعد المرء ما قسم له فأجملوا في الطلب، فإن في القناعة سعة وكفا عن كلفة لا تحل. وقيل: اطلبوا الحاجات بعزّة الأنفس فإنّ بيد الله قضاءها.
التّزهيد في نوال يتوصّل إليه بسؤال: قيل: السؤال وإن قلّ ثمن لكل نوال وإن جلّ.
قال شاعر:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤالهعوضا وإن نال الغنى بسؤال
وإذا السّؤال مع النّوال قرنتهرجح السّؤال وخفّ كلّ نوال
التّزهيد في إحسان يتوصّل إليه بهوان: وقال ابن الرومي:
إذا أنا نالتني فواضل مفضلفأهلا بها ما لم تكن بهوان
فأما إذا كان الهوان قرينهافبعدا لها ما ينقضي لأوان
ومن ذا الذي يلتذّ شهدا بعلقمأبت لهواتي ذاك والشفتان
أريد مكانا من كريم يصوننيوإلّا فلي رزق بكل مكان
وكان يجري على أبي العيناء رزق فتأخّر عنه فتقاضاه مرارا ثم تركه، وقال: لا حاجة لي فيه فهو رقّ لا رزق، وبلاء لا عطاء ومحنة لا منحة.
ذمّ الإلحاح: قال النبي ﷺ: إن الله يبغض من عباده البذي الفاحش السائل الملحف. وفي كتاب الهند: لا يكثرن الرجل على أخيه المسألة، فإن العجل إذا أفرط من مص أمه نطحته ونحّته. وقيل: كل إلحاف شين إلا مسألة رب العالمين.
ودخل علوي على أبي السائب فنظر إلى إبريق، فقال: هبه لي، فقال: لست أستغني عنه، فقال: هب لي هذا الآخر فقال: هو من جهاز أمي أتبرك به، فقال: هب لي تلك المنارة، فقال أبو السائب: صلى الله على المسيح حيث لم يترك على أمته ولدا يؤذيهم.
جلس بعض أصحاب الحديث إلى رجل فقال: تفضّل بقلم، فناوله، قال: وورقة فأعطاه، فقال: قدّم لي المحبرة فأولاه، فقال: يا فتى أتنشط للتزوج فإن أمي فارغة.
الحثّ على ردّ الملحّ: من ثقل عليك بنفسه وعمل بسؤاله فولّه إذنا صمّاء وعينا عمياء. من ألحّ في السؤال رزق الحرمان.
قال بشّار:
وليس للملحف مثل الردّ
ووقّع بعض الكبار في قصة ملحّ مكثر للسؤال: دع هذا الضرع يدرّ لغيرك كما درّ لك.
إعطاء الملحّ للتبرّم به: قال أعرابي لمعاوية وقد أضجره: قد تحلب الناقة العلبة وهي ضجور، فقال معاوية:
وقد تكسر الإناء وتدق أنف حالبها، فقال الأعرابي: وقد تثني أهلها رقبتها فتدرّ لبنها، فضحك وأعطاه.
استماح أعرابي خالد بن عبد الله فألحف وأبرم، فقال خالد: أعطوه بدرة يدخلها في حر أمه، فقال: وأخرى لإستها يا سيدي لا تبقى فارغة. فضحك، وقال: أخرى لإستها.
وسأل الأصمعي حاجة ألحّ فيها، فقال:
أرحني واسترح منّي فإنيثقيل محملي ذرب لساني
وقال أبو سعيد الموسوي في معناه:
أزح علّتي واصرف إلى النّار طلعتيفما كلّ وقت رؤيتي بمري
الحثّ على ترك تجاوز الحدّ في السؤال: من سأل فوق قدره فقد استوجب الردّ، ومن لم يرجّ إلا ما هو مستحق له فإلى الرفد. قيل: إذا أردت أن تطاع فاسأل ما يستطاع، قال: الشاعر:
إنّك إن كلفتني ما لم أطقساك ما سرّك منّي من خلق
التّرغيب في سؤال السّلاطين: قيل: مسألة الرجل السلطان ومسألة الابن أباه لا تنقصه ولا تشينه. وقال شاعر:
وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلافابذله للمتكرّم المفضال
التّرغيب في سؤال الصّباح دون القباح: قال النبي ﷺ: اعتمد لحوائجك الصّباح الوجوه، فإن حسن الصورة أول نعمة تلقاك من الرجل. وروي عنه ﵊: أطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه.
وسئل ابن عائشة عن هذا الحديث، فقال: معناه أطلبوها من الوجوه التي تحسن بالإنسان أن يطلب منها. ونظر ابن عبّاس إلى رجل حسن الوجه، فقال:
أنت شرط النبيّ إذ قال يوماأطلبوا الخير من حسّان الوجوه
وقال البحتري:
من حسّن الله وجهه وسجاياه وأعطاه كلّف الكلفا
سؤال الشبان دون الشيوخ: قال حكيم: طلب الحوائج عند الشبان أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى أن يعقوب ﵇ لما سأله بنوه أن يستغفر، قال: لهم سوف أستغفر لكم ربّي، وقال يوسف ﵇: لا تثريب عليكم اليوم.
قال يحيى بن خالد: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم، فاحذروه وإذا أحببتموه من غير خير سبق منه إليكم فارجوه.
تفضيل سؤال كريم فقير على غني لئيم: قال الرفّاء:
صرفت عن الكثير الوفر طرفيوها أنا للقليل الوفر راج
وكم من نطفة عذبت وكانتأحبّ إليّ من بحر أجاج
عيّ من سأل لنفسه شيئا: كلّم أعرابي خالد بن عبد الله وتلجلج في كلامه، فقال: لا تلمني على الاختلاط فإن معي ذلّ الحاجة ومعك عز الاستغناء. وقال سعيد بن العاص: موطنان لا أعتذر من العيّ فيهما إذا سألت حاجة لنفسي وإذا كلمت جاهلا.
وقيل: سار الفضل بن الربيع إلى أبي عباد في نكبته يسأله حاجة فأرتج عليه، فقال له: يا أبا العباس بهذا اللسان خدمت خليفتين، فقال: إنّا تعوّدنا أن نسأل لا أن نسأل.
الحثّ على ترك الاستنكاف من السؤال: قال رجل لآخر: قد وضع منك سؤالك، فقال: لقد سأل موسى والخضر ﵉ أهل قرية فأبوا أن يضيفوهما، فو الله ما وضع هذا من نبيّ الله وعالمه فكيف يضع منّي؟ قيل لزرعة: متى تعلمت الكدية والسؤال، قال: يوم ولدت منعت الثدي فصحت وبكيت فأعطيت الثدي فسكت.
الحثّ على استعمال الوقاحة: قال بعض المكدين: مكتوب على باب الجنة من صبر عبر. وقيل: الهيبة خيبة.
وقال شاعر:
هيبة الإخوان مقطعةلأخي الحاجات عن طلبه
فإذا ما هبت ذا أملمات ما أمّلت من سببه
وكان مكتوبا على عصي ساسان: الكسل شؤم والمتميز مذموم، والحركة بركة والتواني هلكة، وكلب طائف خير من أسد رابض.
قال أشجع:
ليس للحاجات إلامن له وجه وقاح
وقال سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غمّاوفاز باللّذة الجسور
الحثّ على المطالبة: وقال أبو تمّام:
وخذهم بالرقى إن المهارىيهيجها على السير الحداء
وقال آخر:
حرّكه فالأشجار في تحريكهاتجني جناها والقلوب تقلّب
وقال ابن الرومي:
نذكّر بالرقاع إذا نسيناونذكّر حين تمطلنا الكرام
فإن الأمّ لم ترضع صبيّامع الإشفاق لو سكت الغلام
الاعتذار لتأكيد السّؤال: قال أبو تمّام:
لو رأينا التوكيد خطة عجزما شفعنا الأذان بالتثويب
وقال ابن الرومي:
قد يحث الجواد غير بطيءويهز الحسام غير كهام
وقال بشّار:
هززتك لا أني وجدتك ناسيالأمري ولا أنيّ أردت التقاضيا
ولكن رأيت السيف من بعد سلّهإلى الهزّ محتاجا وإن كان ماضيا
عذر من سأل لئيما وأخذ منه: قيل للأعمش: كيف تصنع إذ كان لك إلى لئيم حاجة؟ قال: آتيه كما آتي الحش، ومنه قال الشاعر:
وعند الضرورة آتي الكنيفا
وقال المتنبيّ:
غير اختيار قبلت برّك بيوالجوع يرضي الأسود بالجيف
وقال أبو تمّام:
وخذ القليل من اللئيم إذا أبى أهل الكرم
فالليث يفترس الكلاب إذا تعذّرت الغنم
قال ابن شادان: دخلت مع جماعة من الصوفيّة على الشبلي ﵀ فبعث إلى بعض المياسير يسأله ما ينفقه عليهم، فقال للرسول: قل له يا أبا بكر أنت تعرف الحق فلم لا تطلب منه. فقال الشبلي: عد إليه، وقل له: الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك، وأطلب من الحقّ الحق، فوجه إليه بمائة دينار.
وفي المثل: خذ من جذع ما أعطاك.
المستغني بالسّلام عن السؤال: قال أميّة بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثناء
وقال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح نفسهأغنى العفاة به عن التصريح
وقال آخر:
وإذا طلبت إلى كريم حاجةفلقاؤه يكفيك والتسليم
وإذا رآك مسلّما عرف الذيحملته وكأنّه ملزوم
وقال الريّاشي:
وحسبك من تقاضي المرء يومالحاجته الزيارة والحديث
وقال آخر:
وإذا المجد كان عوني على المرء تقاضيته بترك التقاضي
وقال المتنبيّ:
أخفّ سلامي حب ما خفّ عنكموأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بيان عندها وخطاب
النّهي عن ردّ الرّاغب إليك: قال شريح: من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه رجع حرا، وهما ذليلان، هذا بذلّ اللؤم وهذا بذل السؤال.
وقال سعيد بن العاص: ما رددت أحدا عن حاجة إلا تبينت العزّ في قفاه والذلّ في وجهي، وقيل: من قضى حاجة سائله اجتمع معه في العزّ وإن حرمه اجتمع معه في الذلّ.
النّهي عن خيبة من أراق ماء وجهه لسؤالك: من انتجعك مؤملا فقد أسلفك حسن الظنّ بك. وأدخل ابن السماك رجلا إلى الفضل بن الربيع، فقال: إن هذا بذل لك ماء وجهه فأكرم وجهك عن ردّه.
قال أبو تمام:
ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلتمن ماء وجهي إذا أفنيته عوض
الحثّ على استرقاق الأحرار: قيل: العجب لمن يشتري العبيد بالأموال ولا يشتري الأحرار بالنّوال والإفضال.
وقيل: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرمهم تملكهم.
الحثّ على اصطناع المعروف وإن لم يشكر: قال ابن عباس ﵄: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفر، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
الحثّ على اصطناع المعروف وإن لم يسأل: قيل: لا تلجىء الآمل إلى كدّ المسألة ولا تكلّفه خشوع التضرّع. وسئل خالد بن يزيد: ما الجود؟ قال: أن تعطي من سألك، فقال ابنه: يا أبت هذا هو الكد إنما الجود أن تعطي من سألك ومن لم يسألك.
وقيل لرجل: سل، فقال: إني أكره أن أعطي ثمن السؤال.
وقال محمد بن أبي عمران.
أجرني من ذلّ السؤال واعفنيفكلّ عزيز في السؤال ذليل
وقال العماني:
أنت تسقي والربيع ينتظروخير أنوار الربيع ما ابتكر
الحثّ على تعجيل السؤال: وقال بعضهم:
جعلت فداك لم أسألك ذاك الثوب للكفن
سألتكه لألبسهوروحي بعد في البدن
وقيل: أهنأ المعروف أعجله. وقال بعض الناس: إذا أوليتني نعمة فجعلها فإن النفس مولعة بحب العاجل، وإن الله تعالى قد أخبر عما في نفوسنا، فقال: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ
. وقال مروان بن أبي حفصة:
فما نحن نخشى أن يخيب دعاؤنالديك ولكنّ أهنأ العرف عاجله
من سأل وذكر أنّ النعمة لا تغني في غير وقتها: قال البحتري:
وأعلم بأن الغيث ليس بنافعللمرء ما لم يأت في إبّانه
وله:
وإذا العليل أبلّ ممّا يشتكيلم يرج منه مثوبة العوّاد
وله:
يرجى الطبيب لساعة الأوصاب
سؤال من بعدت داره عن مسؤوله: وقال ابن الرومي:
لا تجشّمنّ أهلي إليك وفادةليعد إليهم برّك الوفاد
يسري السحاب إلى البعيد بغيثهفيظلّ منه وادعا ويجاد
ولأنت أولى أن تجود لمجدبعفوا ولم تشدد له أقتاد
سؤال من قرب ارتحاله: قال بعضهم:
جعلت فداك قد وجب الذماموطال بي التلبّث والمقام
وقد أزف الرحيل إلى بلاديفرأيك لا عدمتك والسّلام
وقال المتنبيّ:
لقد نظرتك حتّى حان مرتحليوذا الوداع فكن أهلا لما شيتا
من استزاد: قال المتنبيّ:
أبا المسك هل في الكأس فضل أنالهفإنّي أغنّي منذ حين وتشرب
وهبت على مقدار كفّي زمانناونفسي على مقدار كفّيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولايةفجودك يكسوني وشغلك يسلب
من سأل وذكر أنّ مسؤوله أهل لذلك: قال أحمد بن أبي طاهر:
أتيتك لم أطمع إلى غير مطمعكريم ولم أفزع إلى غير مفزع
وقال علقمة:
وفي كلّ شيء قد خبطت بنعمةفحق لناس من نداك ذنوب
الحثّ على إتمام النّعمة: العرف إذا لم يستتم كالبرد ما لم يعلم، ولا يحسن العرف إلا بتمامه ولا يروق الهلال إلا بتمامه. وقيل: أتبع الدلو الرشاء والفرس لجامه. وقيل: تمام الربيع الصيف.
وقال أبو تمّام:
إن ابتداء العرف مجد سابقوالمجد كلّ المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورىحسنا وليس كحسنه لتمامه
وقال ابن الرومي:
لا تصنعنّ صنيعة مبتورةفإذا اصطنعت إلى الرجال فتمّم
لا تطعمنّهم فتقطع عنهمأشبع إذا أطعمت أو لا تطعم
وأمر المنتصر وهو أمير الحجاز بشيء فهمّ الوكيل بمصارفته، فقال: والله لصرفي أحسن من مصارفتي، فلم يصارفه واستحسن في المطالبة بأمر تأخر فاختلت به الحال.
قال المتنبي:
فإن فارقتني أمطارهفأكثر غدرانها قد نضب
تربية النّعمة عند المصطنع إليه: قال حكيم: ما ربّيت غير رجلين، رجل له عندي يد فأخاف كفرانه ورجل لي عنده يد فأخاف إفساده. وقيل: رب المعروف أشد من ابتدائه. وقيل: الإبتداء بالصنيعة نافلة وربّها فريضة. وقيل: من لم يربّ معروفه فكأنما لم يصطنعه.
من رغب إلى مسؤوله في الجري على العادة في إعطائه: قال ابن الحجّاج:
نفسي تقي نفسك ما تشتكيلمثل هذا اليوم أعددتكا
فاجر على العادة في برّ منيجري على العادة في شكركا
قال أحمد بن أبي طاهر:
جعلت فداك قد أنسيت ذكريوقد أسقطت من ديوان برّك
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما أحسن الحسنة في أثر السيئة وأقبح السيئة في أثر الحسنة، وأحسن من هذا وأقبح من ذاك الحسنة في أثر الحسنة والسيئة في أثر السيئة.
من سأل وذكر أنه يعذر مسؤوله إن لم يعطه: وقف قيس بن خفاف البرجمي على حاتم، فقال: إني حملت دماء وعوّلت فيها على مال وآمال، فقدمت مالي وكنت من أكبر آمالي، فكم من حق قضيت وكم من هم كفيت، وإن حال دونك حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك.
وكتب أبو العيناء إلى ابن أبي دؤاد: مسّنا وأهلنا الضرّ وبضاعتنا المودّة والشكر، فإن تعطنا فأنت أهل لذلك وإن لم تعطنا فلسنا ممّن يلزمك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. قال أبو نواس:
فإن تولني منك الجميل فأهلهوإلّا فإني عاذر وشكور
وقال ابن الرومي:
وإن عاق القصائد نداك عنّيفلست أراك في منعي مليما
وما غيث إذا يجتاز أرضاإلى أخرى بمعتد لئيما
من سأل وذكر أنه غير عاذل: لمّا دخل الحجاج مكة، قال لأهلها: أتيناكم وقد غاض الماء لكثرة النوائب فاعذرونا، فقال رجل: لا عذر الله من عذرك وأنت أمير المصرين وابن عظيم القريتين، فقال: صدقت، واستقرض مالا من التجار ففرّقه فيهم.
قال أبو تمّام:
فلو حازرت شول عذرت لقاحهاولكن حرمت الدرّ والضرع حافل
وقال ابن الرومي:
أنّى يكون ربيعي ممرعا غدقاإن لم يكن هكذا والشمس في الحمل
وقال البسامي:
ولست أقول إن قصرت فيماأؤمله عذرت فذاك كذب
فكم من مرّة قد ضاق رزقيفأنكبني المنى والربّ ربّ
النّهي عن الاعتذار بالشغل: اعتذر رئيس إلى سائل بقلّة فراغه، فقال: لا بلغني الله يوم فراغك فقضى حاجته في الوقت. قال أبو علي البصير:
لا تصيّر شغلك اليوم اعتذارا لمطالك
إنّما يحمد أن تفرغ في وقت اشتغالك
لو تفرغت من الشغل استوينا في المسالك
من سأل وذكر أنّ إعطاءه ومنعه يظهران في الورى: وقال شاعر:
بأي الخصلتين عليك أثنيفإنّي عند منصرفي سؤول
أبالحسنى وليس لها ضياءعليّ، فمن يصدّق ما أقول؟
أم السوأى ولست لها بأهلوأنت لكلّ مكرمة فعول
وقال آخر:
ماذا أقول إذا انصرفت وقيل ليماذا أفدت من الجواد المفضل
فاختر لنفسك ما أقول فإنّنيلا بدّ مخبرهم وإن لم أسأل
الرّاضي بأخذ الطفيف بعد سؤال الكثير: قال أعرابي لمعاوية: استعملني على البصرة، قال: ما أريد بعاملها بدلا، قال:
أقطعني البحرين، قال: مالي إلى ذلك سبيل، قال فمر لي بألف درهم فأمر له، فقيل له:
قد أشططت أولا ثم انحططت آخرا، فقال: لولا طلبي كثيرا ما أعطاني قليلا. وقال خالد بن عبد الله لأعرابي قال فيه:
أخالد بين الحمد والأجر حاجتيفأيّهما تأتي وأنت جواد
سل ما بدا لك، فقال: مائة ألف درهم، قال أسرفت، قال: ألف درهم، قال خالد:
ما أدري أمن إسرافك أتعجب أم من حطك، فقال: إني سألتك على قدرك، فلما أبيت سألت على قدري، فقال: إذا والله لا تغلبني على معروفي.
ذمّ طالب كثيرا بعد أن حرم صغيرا: سأل رجل معاوية شيئا فمنعه، فسأله ما هو أكبر منه، فقال معاوية: طلب الأبلق العقوق فلما لم ينله أراد بيض الأنوق، وقال:
شرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
ويقاربه:
تسألني برامتين سلجما
الحثّ على أخذ القليل عند تعذّر الكثير: خذ ما طف لك واستطف، خذ ما قطع البطحاء، خذ من جذع ما أعطاك صيدك لا تحرمه الجحش لما بذل الاعيار.
الحثّ على إعطاء القليل: قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
وقال النبي ﷺ: لا يمنعكم من معروف صغره. قال ابن عباس: من حقر حرم. قال:
ما استغرب الناس أفضالا ولا شهروامن حاتم غير جود بالذي يجد
وقال عبد الله بن جعفر: لا تستح من إعطاء القليل فإن المنع أقل منه. وقال البحتري:
لا تحقرنّ صغير الخير تفعلهفقد يروي غليل الحائم الثمد
وقيل: زوج من عود خير من قعود.
من خيّر فتلطّف في الاختيار: مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة، فقال له: إن شئت أجزناك وإن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع أن يختار الثواب وكره العدول إلى المدح، فقال:
ثناء من أمير خير كسبلصاحب مغنم وأخي ثراء
ولكنّ الزمان أطال دائيوما مثل الدراهم من دواء
وقال بعض الخلفاء لعاف: احتكم، فقال: يد أمير المؤمنين أبسط من لساني بالمسألة فأجزل له العطية.
قال المتنبي:
ما لنا في النّدى عليك اختياركلّ ما يمنح الشريف شريف
ودخل أشعريّ على الرشيد وسأله، فقال: احتكم، فقال: أشعري يحتكم بعد أبي موسى، فضحك منه وأجازه.
من سأل وذكر أنه أمر بذلك في المنام: كتب بعضهم إلى أبي سليمان:
رأيت في النوم أنّي مالك فرساولي وصيف وفي كمّي دنانير
فقال قوم لهم فهم ومعرفةخيرا رأيت وللمال التياسير
أقصص منامك في دار الأمير تجدتفسير ذلك وللأحلام تفسير
فوقّع أبو سليمان: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. ودخل أعرابي على تمّار بالكوفة. فقال:
رأيتك في النّوم أطعمتنيقواصر من تمرك البارحه
فقلت لصبياننا ابشروابرؤيا رأيت لكم صالحه
قواصر تأتيكم بكرةوإلا فتأتيكم رائحه
فقل لي نعم إنها حلوةودع عنك لا إنها مالحه
فأعطاه قوصرة تمر، وقال: أحبّ أن تتركني من هذه الرؤيا، فإن رؤيا يوسف صدقت بعد أربعين سنة.
السّائل حاجة زعمها صغيرة: قال رجل لابن عبّاس ﵄: أتيتك في حاجة صغيرة، فقال: هاتها فالحر لا يصغر عن كبير أخيه ولا يكبر عن صغيره. وقال رجل لعمارة: أتيتك في حويجة، فقال أطلب: لها رجيلا. وقال آخر مثله، فقال: دعها حتى تكبر.
تأسّف من حرمه رزاق: قال البحتري:
سحاب خطاني جوده وهو مسبلوبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغرباوموضع رحلي منه أغبر مظلم
أأشكو نداه بعد أن وسع الورىومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم
وقال منقذ الهلالي:
علام أرى من ضروب الغيوث حولي وأحرم أمطارها
وقال الحسين الخليع:
أنا في ذمّة السّحاب والظماإن هذا لوصمة في السّحاب
وقال آخر:
أيا عجبا لبحر ظلّ يسقيجميع الناس لم يبلل لهاتي
من سأل أن لا يؤذى إن لم يعط: قال العجّاج:
يا ليت حظّي من نداك الصّافيوالحظّ أن تتركني كفافي
وقال آخر:
فإن زوى عنّي الجمار طلعتهفلا تصبني بخدّي شوكة السّعف
وقال المتنبيّ:
ليت العهاد الذي عندي صواعقهيزيلهنّ إلى من عنده الدّيم
معاتبة من يقول نذرت أو حلفت أن لا أعطي: قال بعضهم:
فقل لأبي عمرو متى تبلغ العلاوفي كلّ معروف عليك يمين
وقال البحتري:
فإن قلت نذر أو يمين تقدمتفأيّ جواد حلّ في ماله النذر
ومما جاء في الوعد والإنجاز والمطل
ما يجد به الوعد والوعيد والإنجاز والخلف: قيل: الوعد قول الرجل أفعل كذا، ويقال في الخير والشر. يقال: وعدته خيرا وشرا وإطلاقه بالخير أولى، والإيعاد في الشرّ لا غير. وقيل: يقال أوعدت فلانا ومتى ذكرت الشر معه قلت وعدته بلا ألف، والإنجاز مطابقة الفعل ما سبق منك من القول، والخلف هو أن تعد بخير ثم لا تفعل.
وقال محمد بن الحسين ﵁: الخلف أن تعد ومن نيتك أن لا تفعل، فأما إذا وعدت ومن نيتك أن تفعل فليس بخلف.
وقال عمر بن عبد العزيز: أربع إذا قلتها متى وعدت ثم لا تفعل لم تكن مخلفا: إن شاء الله، ولعل وأنظر، وأرجو.
النّهي عن التسرّع إلى الوعد: قال المهلب: يا بني إياك والسرعة عند المسألة بنعم فمدخلها سهل ومخرجها وعر، واعلم أن لا وإن قبحت فربما أروحت، فإذا سئلت ما قدرت عليه فاطمع ولا توجب وإذا علمت معذرة فاعتذر، فالاتيان بالعذر الجميل خير من المطل الطويل. وسأل رجل الفضل بن الربيع، فقال: أكره أن أقول نعم فأكون ضامنا، وأن أقول لا فأكون ميئسا، ولكن ننظر فسيسهل الله تعالى.
النّهي عن تكثير الوعد: قيل: من كثر وعده ووعيده اجترأ عليه صديقه وعدوّه. وقيل للمهلّب: بم سدت؟
فقال: بإيثاري فعل ما أحمد بن على بذل الوعد.
الحثّ على الإنجاز أو ترك الوعد: قال المثقّب:
لا تقولنّ إذا ما لم تردأن تتم الوعد في شيء نعم
فإذا قلت نعم فاصبر لهابنجاح الوعد إن الخلف ذم
إن «لا» بعد «نعم» فاحشةفبلا فابدأ إذا خفت النّدم
وقال الموسوي:
إيّاك أن تسخو بوعدليس عزمك أن تفي به
ذمّ من يماطل ثم يخلف: كان أعرابي يفتح مواعده بالمطل ثم يختمها بالخلف، وقال أبو تمام:
عداة كريعان السراب إذا بدتتبشّر عن مين وتطوى على مطل
وقال آخر:
وقد كان منّاني ثلاثة أشهربوعد ووافت بعد ذلك معاذره»
من يحلف على وعده ثم يخلف: قال بعضهم: فلان يحلف على وعده ثم يخلف، ويؤلي لك ثم لا يواليك، أي يحلف لك ثم لا يعطيك.
وقال شاعر:
وليتك لم تحلف لنا حين تخلف
وقال عبد الرحمن بن معاوية:
ألا لا تحلفن لنا يمينافأكذب ما تكون إذا حلفتا
وقال المتنبي:
وفي اليمين على ما أنت واعدهما دلّ أنّك في الميعاد متهم
مطل يتبعه هبة خسيسة: قال ابن الرومي:
قال ابن الرومي:
فلا يك ما تجديه كالبقل خسةوكالنخل تأخيرا فما ذاك بالعدل
وقال آخر:
من الحيف تخفيف النّوال ومطلهفعجّل خسيسا أو فأجّل موفرا
وكن نخلة تلوي وتسني عطاءهاوإلا فكن عفصا أقلّ وأيسرا
تقبّل الإنجاز: قال الصاحب: سأنجز الوعد حتى ترى الطلّ وإبلا والهلال بدرا كاملا.
ولو علمت أبناء تغلب ما الذيأريد لها ما استعظمت ما أنيلها
الحثّ على إنجاز الوعد السّابق: قال بعضهم: حقيق على من أزهر بقول أن يثمر بفعل. وقف بعضهم على أبي دؤاد، فقال:
حتّى متى أنا موقوف على وجلبين السبيلين لا ورد ولا صدر
فقضى حاجته.
قال بعضهم: أورقت نعمك فليثمر كرمك.
ومما فيه جفوة وغلظة ما أنشده الصاحب عن بعض مجان بغداد:
أبا أحمد لست بالمنصفومثلك إن قال قولا يفي
فأنجز فديتك ما قد وعدتوإلا هجوت وأدخلت في
النعمة الممطولة في حكم الممنوعة: قال الكندي:
كلّ برّ يشوبه كدر المطل حقيق بأن يكون عقوقا
وقال آخر:
لا تقضينّ حاجة أثخنت صاحبهابالمطل منك فتضحي غير محمود
وقال آخر:
ليس يستوجب شكرا رجلنلت منه الخير من بعد سنه
إستقباح مطل قادر: قال ابن الرومي:
ألا ليت شعري لم مطلت مثوبتيولم تؤت من بخل ولم تؤت من عسر
وقال آخر:
ما أقبح المطل من أخي كرموعيب من قلّ عيبه شنع
وقال جحظة البرمكي:
إذا كانت صلاتكم رقاعاتخطط بالأنامل والأكفّ
ولم تكن الرقاع تجرّ نفعافها خطي خذوه بألف ألف
وقال العطوي:
هذي رقاعكم بالرفد وافدةوليس فيها بحمد الله توفير
أمضيت عزمك في تضييع حرمتنافليس عندك في التقصير تقصير
الحامد مطل واعده: قال ابن الرومي:
ولم يمطل جواد قطّ إلاأتاك جداؤه ضخم السّواد
إذا ما حامل جرت بحملأجلّت شخصه عند الولاد
وقال المتنبيّ:
ومن الخير بطء سيبك عنّيأسرع السحب في المسير الجهام
وله:
وإن تأخّر عنّي بعض موعدهفما تؤخّر آمالي ولا تهن
وهو الوفيّ ولكنّي ذكرت لهمودّة فهو يبلوها ويمتحن
الممدوح بإنجاز الوعد: فلان يعد وعد من يخلف وينجز إنجاز من يحلف.
قال أبو تمّام:
يقول قول الذي ليس الوفاء لهعزما وينجز إنجاز الذي حلفا
وفي المثل: أنجز حر ما وعد لم يشنه مطل، ورفد لم يشبه منّ، وبرّ لم يمازجه ملق، وودّ لم يخالطه مذق.
أعمار موعده قصار تنقضيمثل العطايا في أكفّ عداته
قال بشّار:
كأنّ حقوق النّاس حين ضمنتهاقذى في حقوق العين منّي أواربه
وقال آخر:
أعمار أعدائهم إذا قصدواأقصر من وعدهم إذا سئلوا
الممدوح بإنجاز الوعد دون الوعيد: قيل: إن وعد وفى، وإن أوعد استثنى. قال شاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدتهلمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال آخر:
وعيد عقيم ووعد ولود
وقال ابن الرومي:
إن خلف الوعيد ليس بعارإنّما العار كلّه خلف وعدك
الممدوح بإنجازهما: قال ابن هرمة:
إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبىوما قال إنّي فاعل فهو فاعل
وقال أبو تمّام:
قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمرواصدقا ذوائب ما قالوا بما فعلوا
وقيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل.
الموفي بوعيده دون وعده: يخلف الوعد ويوفي بالوعيد. قال ابن طباطبا:
وفيّ بما أوعدنيوما وفى بما وعد
وقال آخر:
لها كلّ يوم موعد غير ناجزووعد إذا ما رأس حول تخرّما
فإن أوعدت شرّا أتى دون وقتهوإن وعدت خيرا أراث وأعتما
المظهر رضاه بالوعد وإن لم يتبعه إنجاز: قال العبّاس:
وإني ليرضيني الذي غيره الرّضاوتقنع نفسي بالمواعيد والمطل
وقال آخر:
هلا تعلّلني بوعد كاذب
وقال كشاجم:
ألا لا أرى شيئا ألذّ من الوعدومن أمل فيه وإن كان لا يجدي
وقال الموسوي:
وما ضرّهم إن لم يجودوا بمقنعمن النيل لو منّوا قليلا وسوّفوا
وقال النظّام: كنا نلهو بالأماني، ونتمثل في هذا الباب، بقول المتنبيّ:
أرد لي جميلا جدت أو لم تجد بهفإنّك ما أحببت فيّ أتاني
وقال بعضهم: كان الناس يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، والآن ليسوا يقولون ولا يفعلون.
عذر من أخلف وعدا: سأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده، ثم لم ينجزه، فقال: أخلفت. فقال أبو عمرو: فمن أولى بالغم؟ قال الرجل: أنا، فقال: بل أنا لأني وعدتك فأبت بفرح الوعد وأبت بهمّ الإنجاز، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة فلقيتني مدلا ولقيتك محتشما.
وقال أحمد بن أبي طاهر:
قد كنت أنجز دهرا ما وعدت إلىأن أتلف الدهر ما جمعت من نشب
فإن أكن صرت في وعدي أخا كذبفنصرة الصّدق أوفت بي إلى الكذب
الحثّ على المطل: قال أحمد بن علويه:
إذا شئت أن تبلي أمرأ ببليّةوتحرمه سيب العطايا السوابغ
فعده وماطله فإنّك بالغبه في الأذى والضرّ أقصى المبالغ
وقال سهل بن هارون:
إن الضمير إذا سألتك حاجةلأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فامنحه روح اليأس ثم امدد لهحبل الرجاء بمخلف الوعد
حتّى إذا طالت شقاوة جدّهبتردّد فاجبهه بالردّ
ومما جاء في الشفاعات
حثّ ذي الجاه على الشفاعة لذي الحاجة: قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها
وقال ﷺ: إن الله يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن ماله وعمره، فيقول جعلت لك جاها فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا.
وقال ﷺ: أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له. وقال: الشفاعة زكاة ونصرة اللسان فوق نصرة السنان.
وكان زياد يقول لأصحابه: إشفعوا لمن وراءكم فليس كل من أراد السلطان وصل إليه، ولا كل من وصل استطاع أن يكلّمه.
قال أبو تمّام:
وإذا امرؤ أسدى إليّ صنيعةمن جاهه فكأنّها من ماله
وقال آخر:
فرضت عليّ زكاة ما ملكت يديوزكاة جاهي أن أعين فأشفعا
من سأل سأل غيره يشفع له: سأل رجل آخر أن يشفع له فقال: صل جناحي فالشفيع جناح الطالب.
قال ابن الرومي:
ليس من كنت ربحه ببعيدمن سماء يبلّه ببلال
وكذاك الكريم سآل حاجات سواه وليس بالتسآل
وقال ابن الحجّاج:
يا سيّدي كم منية نلتهامنك كما أهوى وأخرى بكا
لولاهما أصبحت مستضعفافي قبضة الدّهر ومستهلكا
فامنن بإصلاح اختلالي الذيإليك من شدّته المشتكى
وقال أحمد بن المعدل: قلت لبعض أصدقائي كن شفيعي إلى فلان، فقال: أنت لا تحتاج إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما تروى بهما الماء وتأكل من لبّ الشجر.
مدح متشفّع معط: مدح أعرابي رجلا، فقال: تهب لي من مالك وتستوهب لي بجاهك، فأنت قليب مرّة ورشاء مرة، ومنه أخذ أبو تمّام، فقال:
ممطولي بالمال والجاهلا ألقاك إلا مستوهبا أو وهوبا
فإذا ما أردت كنت رشاءوإذا ما أردت كنت قليبا
وقيل لشعبة: أفنيت مالك وأخلقت جاهك في حوائج الناس، فقال أصونهما للتراب، قال الخبزأرزي:
خرق يجود بماله وبجاههوالجود كلّ الجود بذل الجاه
شفيع مشفع: قال الخبزأرزي:
شفيعك لو في الروح والمال كلّهيشفع لم يكبر له أن يشفعا
وقال آخر:
ما تبالي وذا شفيعك لو كنت كعاد في غيّها وثمود
ذاك لو كان في المعاد شفيعارضي الله عن جميع العبيد
مدح شفيع لم يشفع
إذا الشافع استقصى لك الجهد كلّهوإن لم ينل نجحا فقد وجب الشكر
نفي العار عمّن يعطي بشفاعة قال ابن الرومي:
لن يعيب السحاب أن تتولّىمنه أيدي الرّياح حلّ العزالي»
المتشفّع بكرم مسؤوله: قال عبد الله بن جعفر: إن أحقّ من تشفعه من توسل إليك بالأمل. وقال شاعر:
مالي سواك شفيع أستعين بهإلا رجائي وإفراديك بالأمل
وقال آخر:
ولو أن لي في حاجة ألف شافعلما كان فيهم مثل جودك شافع
وقال جحظة:
ومالي حق واجب غير أنّنيإليكم بكم في حاجتي أتوسّل
وقال أبو سعيد الأصبهاني:
قصدتك عاريا من كلّ منّلكل الخلق في كلّ المعاني
وقال رجل لجعفر بن يحيى: أمت إليك بذمام الأمل وحسن الظنّ وأدل بقرابة العلم، فقال: ما ذكرت موجب حقا وعاقد فرضا ورحم العلم أمسّ قرابة وألطف ظؤرة.
المتشفّع بامرأة: كان لعبد الله بن الزبير حاجة إلى معاوية ﵄، فلم يجبه، فاستعان ببعض نسائه فقضى حاجته، فعيّر بذلك. فقال: إذا تعذرت الأمور من أعاليها طلبناها من أسافلها.
وقال البحتري:
إذا ما أعالي الأمر لم تعطك المنىفلا بأس باستنجاحها بالأسافل
وقال الهذلي:
إذا جئته في حاجة فارش عرسهوأرض ابنه تستغن عن كلّ شافع
وقال الفرزدق:
أما البنون فقد ردّت شفاعتهموشفعت بنت منظور بن ريّانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
كون المحسن محببا إلى المحسن إليه: قال الفزاري:
ولم أر كالمعروف أما مذاقهفحلو وأما وجهه فجميل
وقال المتنبيّ:
وأحسن وجه في الورى وجه محسنوأيمن كفّ في الورى كفّ منعم
وقال الموصلّي:
أرى النّاس خلان الجواد ولا أرىبخيلا له في العالمين خليل
كون المحسن إليه محبّبا إلى المحسن: قيل لبعضهم: أي الناس أحب إليك؟ قال من أولاني معروفا، قيل: فإن لم يكن؟
قال من أوليته معروفا. وقيل: أكرم الناس من كثرت أياديّ إليه. وقام رجل من مجلس خالد بن عبد الله، فقال خالد: إني لأبغض هذا الرجل وماله إلي ذنب، فقال رجل: أوله خيرا تحببه فأولاه معروفا، فما لبث أن كان من المحظيين عنده. وقال رجل لهشام: إن الله تعالى جعل العطاء محبّة والمنع مبغضة، فأعنّي على حبّك.
وقيل للفرزدق: إنك لتمدح آل المهلب وتحبّهم بعد أن لم تكن على ذلك، فقال:
أما علمت أن إعطاء اللها يفتح اللها ويغرس الهوى.
حثّ من آتاه الله نعمة على حفظها بإسداء الصّنيعة: قال النبي ﷺ: من اتصلت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن لم يحتمل تلك المؤن عرض لزوال تلك النعم. أخذه الشاعر، فقال:
من لم يواس النّاس من فضلهعرّض للإدبار إقباله
وقيل: اجعل معروفك حرزا من بداية الغرر وبوادر الغير، وقال خالد بن عبد الله:
حوائج الناس إليكم نعم من الله عليكم فلا تملّوا النعم فتتحول نقما، وأفضل الأموال ما أكسب أجرا وأورث ذكرا.
قال دعبل:
قال العواذل أودى المال قلت نعمما بين أجر ألقاه ومحمدة
أرزاق ربّ لأقوام يقدرهامن حيث شاء فيجريهن في هبة
صعوبة الجود في النّفوس: قيل لحاتم: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس ولكن أحمل على خطط الكرام. وقال البحتري:
وأشقّ الأفعال أن تهب الأنفس ماأغلقت عليه الأكفّ
وقال الجريمي:
ودون النّدى في كلّ قلب ثنيّةلها مصعد حزن ومنحدر سهل
كون السّماحة كالشّجاعة: قيل: من جاد بماله فقد جاد بنفسه وإن لم يجد بها فقد جاد بما لا قوام لها لا به.
ووصف رجل خالد بن عبد الله القسري بالشجاعة، فقال بعض من حضره: إن خالدا لم يلق حربا قط، فقال: الصبر على السخاء أشد من الصبر في الهيجاء. وقال ابن أبي خالد:
لا تعدّن نفسك شجاعا حتى تكون جوادا، فإنك إن لم تقو على أن تقاتل نفسك على البخل لا تقدر على عدوك بالقتل. إن الجواد على بذل الندى البطل. وقيل: السخي شجاع القلب والبخيل شجاع الوجه.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع