من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لعبد الله بن محمد بن أبي عيينه (٢)
وقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينه يعاتب رجلاً من الأشراف:
أتيتك زائراً لقضاء حقفحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ ليكأن إخاءه الآل السراب
ولست بساقط في قدر قوموإن كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كل ناءبجانبه إذا عز الذهاب
وقال أيضاً:
كنا ملوكاً إذا كان أولناللجود والبأس والعلا خلقوا
كانوا جبالاً عزا يلاذ بهاورائحاتٍ بالوبل تنبعق
كانوا بهم ترسل السماء على الـأرض غياثاً ويشرق الأفق
لا يرتق الراتقون إن فتقوافتقاً ولا يفتقون مارتقوا
ليسوا كمعزى مطيرةٍ بقيتفما بها من سحابةٍ لثق
والضعف والجبن عند نائبةٍتنوبهم والحذار والفرق
لهذا زمانٌ بالناس منقلبٌظهراً لبطنٍ جديده خلق
الأسد فيه على براثنهامستأخراتٌ تكاد تمزق
وكان سبب قوله هذا الشعر أن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كان له صديقاً، وكان عبد الله بن محمد بن أبي عيينه من رؤساء من اخذ البصرة للمأمون في أيام المخلوع، وكان معاضداً لطاهر بن الحسين في حروبه، وكان إسماعيل بن جعفر جليل القدر، مطاعاً في مواليه وأهله،
وكانت الحال بينهما ألطف حال، فوصله ابن أبي عيينه بذي اليمينين فولاه البصرة وولى ابن أبي عيينه اليمامة والبحرين وغوص البحر فلما رجعا إلى البصرة تنكر إسماعيل لابن أبي عيينه، فهاج بينهما من التباعد على مثال ما كان بينهما من المقاربة، ثم عزل ابن أبي عيينه فلم يزل يهجو من أهله من يواصل إسماعيل، وكان أكبر أهله قدراً في ذلك الوقت يزيد بن المنجاب، وكان أعود قائم العين لم يطاع على علته إلا بشعر ابن أبي عيينه، وكان منهم. وكان سيد أهل البصرة محمد بن عباد بن حبيب بن الملهب، ومنهم سعيد بن المهلب بن المغيرة بن حرب بن محمد بن ملهب بن أبي صفرة، وكان قصيراً، وكان ابن عباد احول، فذلك حيث يقول ابن أبي عيينه في هذا الشعر الذي أمليناه:
تستقدم النعجتان والبرقفي زمن سرو أهله الملق
عور وحول ثالث لهمكأنه بين أسطرٍ لحق
ولهم يقول ولاثنين ظن أنهما معهم، وقد مروا به يريدون إسماعيل بن جعفر:
ألا قل لرهطٍ خمسةٍ أو ثلاثةيعدون من أبناء آل الملهب
على باب إسماعيل روحوا وبكروادجاج القرى مبثوثة حول ثعلب
وأثنوا عليه بالجميل فإنهيسر لكم حبا هو الحب واقلب
يلين لكم عند اللقاء موارباًيخالفكم منه بناتٍ ومخلب
ولولا الذي تولونه لتكشفتسريرته عن بغضةٍ وتعصب
أبعد بلائي عنده إذا وجدتهطريحاً كنصل القدح لما يركب
به صدأ قد عابه فجلوتهبكفي حتى ضوؤه ضوء كوكب
وركبته في خوط نبع وريشةبقادمتي نسر ومتن معقب
فما إن أتاني منه إلا مبوأإلي بنصل كالحريق مذرب
ففللت منه حده وتركتهكهدية ثوب الخز لما يهدب
رضيتم بأخلاق الدّني وعفتمخلائق ماضيكم من العم والأب
وفي هذا يقول لطاهر بن الحسين:
مالي رأيتك تدني منتكثٍإذا تغيب ملتاثٍ إذا حضرا
إذا تنسم ريح الغدر قابلهاحتى إذا نفخت في انفه غدراً
ومن يجيء على التقرب منك لهوأنت تعرف فيه الميل والصعرا
أحلك الله من قحطان منزلةًفي الرأس حيث احل السمع والبصرا
فلا تضع حق قحطان فتغضبهاولاربيعة كلا لا ولا مضرا
أعط الرجال على مقدار أنفسهموأول كلا بما أولى وما صبرا
ولا تقولن وإني لست من أحدلا تمحق النيرين الشمس والقمرا
ويقول له في أخرى:
هو الصبر والتسليم لله والرضاإذا نزلت بي خطة لا أشاؤها
إذا نحن أبنا سالمين بأنفسكرام رجت أمراً فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنهاتؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
هي الأنفس الكبر التي إن تقدمتأو استأخرت فالقتل بالسيف داؤها
سيعلم إسماعيل انه عداوتيله ريق أفعى لايصاب دواؤها
ولما حمل إسماعيل مقيداً ومعه أبناه أحدهما في سلسلة مقروناً معه، وكان الذي تولى ذلك أحمد بن أبي خالد في قصة كانت لإسماعيل أيام الخضرة فقال ابن أبي عيينه في ذلك:
مرّ إسماعيل وابناهـ معاً في الأسراء
جالساً في محملٍ ضنكٍ على غير وطاء
يتغنى القيد في رجــليه ألوان الغناء
باكياً لا رقأت عيــناه من طول البكاء
يا عقاب الدّجن في الأمــن وفي الخوف ابن ماء
وقد كان تطير عليه بمثل ما نزل به، فمن ذلك قوله:
لا تعدم العزل يا أبا الحسنولا هزالاً في دولة السمن
ولا انتقالاً من دار عافيةٍإلى ديار البلاء والفتن
ولا خروجاً إلى القفار من الـأرض وترك الأحباب والوطن
كم روحه فيك لي مهجرةٍودلجةٍ في بقية الو سن
في الحر والقرّ كي تولى على الـبصرة عين الأمصار والمدن
إني أحاجيك يا أبا حسنٍما صورةٌ صورت فلم تكن?
وما بهيّ في العين منظرهلو وزنوه با لزّفّ لم يزن?
ظاهره رائعٌ وباطنهملآن من سوءٍ ومن درن
وهذا الشعر اعترض له فيه عمر بن زعبل، مولى بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وكان منقطعاً إلى إسماعيل وولده، وكان لا يبلغ ابن أبي عيينه في الشعر ولا يدانيه، ومن أمثل شعره وما اعترض له به قوله:
إني أحاجيك ما حنيفٌ على الـفطرة باع الرباح بالغبن
وما شييخٌ من تحت سدرتهمعلقٌ نعله على غصن?
ما سيوفٌ حمرٌ مصقلةٌقد عرّيت من مقابض السفن?
وما سهامٌ صفرٌ مجوّفةٌتخشى خيوط الكتان والقطن?
وما ابن ماءٍ إن يخرجوه إلى الأرض تسل نفسه من الأذن?
وما عقاب زوراء تلحم منخلف فتهوي قصداً على سنن?
لها جناحان يحفزان بهانيطاً إليها بجذوتي وسن
يا ذا اليمينين اضرب علاوتهيدفع وماني في النار في قرن
فأجاب إبراهيم السواق مولى آل المهلب وكان مقدماً في الشعر بأبيات لا أحفظ اكثرها، منها:
قد قبل ما قيل في أبي حسنفانتحروا في تطاول الزمن
وهذا السواق هو الذي يقول لبسر بن داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب:
سماؤك تمطر الذهباوحربك تلتظي لهبا
وأي كتيبةٍ لاقتــك لم تستحسن الهربا
ومن شعره السائر:
هبيني يا معذبتي أسأتوبالهجران قبلكم بدأت
فأين الفضل منك فدتك نفسيعليّ إذا أسأت كما أسأت!
ولابن أبي عيينه في هذا المعنى أشعار كثيرة في معاتبات ذي اليمينين وهجاء إسماعيل وغيره، سنذكرها بعد في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ومن شعره المستحسن قوله في عيسى بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان تزوج امرأة منهم يقال لها فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد، وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة، ولم يلده المهلب، وكان يقال لأبي صفرة ظالم ين سرّاق:
أفاطم قد زوجت عيسى فأيقنيبذل لديه عاجلٍ غير آجل
فإنك قد زوجت من غير خبرةٍفتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنهوإن كان حر الأصل عبد الشمائل
فقد ظفرت كفاه منك بطائلوما ظفرت كفاك منه بطائل
وقد قال فيه جعفر ومحمدٌأقاويل حتى قالها كل قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختناوفي السر منا والذرا والكواهل
لعمري لقد أثبته في نصابهبأن صررت منه في محلل الحلائل
إذا ما بنو العباس يوماً تبادرواعرا المجد وابتاعوا كرام الفضائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسهإلى بيع بياحاته والمباقل
يرخم بيض العام تحت دجاجهليخرج بيضاً من فراريج قابل
وقال أبو العباس: وولد عيسى من فاطمة هذه لهم شجاعةٌ ونجدةٌ وشدة أبدان، وفاطمة التي ذكرها هي التي كان ينسب بها أبو عيينه أخو عبد الله ويكني عنها بدنيا، ومن ذلك قوله لها:
دعوتك بالقرابة والجواردعاء مصرحٍ بادي السرار
لأني عنك مشتغل بنفسيومحترقٌ عليك بغير نار
وأنت توفرين وليس عنديعلى نار الصبابة من وقار
فأنت لأن ما بك دون ما بيتدارين العيون ولا أدري
ولو والله تشتاقين شوقيجمحت إلي خالعة العذار
وقال عبد الله يعاتب ذا اليمينين:
من مبلغ عني الأمير رسالةًمحصورةً عندي عن الإنشاد
كل المصائب قد تمر على الفتىفتهون غير شماتة الحساد
وأظن لي منها لديك خبيثةًستكون عند الزاد آخر زاد
مالي أرى أمري لديك كأنهمن ثقله طود من الأطواد!
وأراك ترجيه وتمضي غيرهفي ساعة الإصدار والإيراد
الله يعلم ما أتيتك زائراًمن ضيق ذات يد وضيق بلاد
لكن أتيتك زائراً لك راجياًبك رتبة الآباء والأجداد
قد كان لي بالمصر يومٌ جامعٌلك مصلحٌ فيه لكل فساد
ودعوت منصوراً فأعلن بيعةًفي جمع أهل المصر والأجناد
في الأرض منفسحٌ ورزق واسعلي عنك في غوري وفي إنجادي
وقال أيضاً يعاتبه:
أيا ذا اليمينين إن العتاب يغري صدوراً ويشفي صدوراً
وكنت أرى أن ترك العتاب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت بأن قد ظننتبأني لنفسي أرضى ألا الحقيرا
فأضمرت النفس في وهمهامن الهم هما يكد الضميرا
ولابد للماء في مرجلعلى النار موقدة أن يفورا
ومن أشرب اليأس كان الغنيومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتيلديك ونصري لك الدهر بورا
ألم أك بالمصير أدعو البعيدإليك وأدعو القريب العشيرا
ألم اك أول آتٍ أتاكبطاعة من كان خلفي بشيرا
وألزم غرزك في ماقط الــحروب عليها مقيماُ صبوراً
ففيم تقدم جفالةًإليك أمامي وأدعي أخيرا
كأنك لم تر أن الفتى الـحمي إذا زار يوماً أميرا
فقدم من دونه قبلهألست تراه يسخطٍ جديراً!
ألست ترى أن سف التراببه كان أكرم من أن يزورا
ولست ضعيف الهوى والمدىأكون الصبا وأكون الدبورا
ولكن شهاب فإن ترم بيمهما تجد كوكبي مستنيراً
فهل لك في الإذن لي راضياًفإني أرى الإذن غنماً كبيرا
وكان لك الله فيما ابتعثتله من جهاد ونصر نصيراً
ولاجعل الله في دولةٍسبقت إليها وريح فتورا
فإن ورائي لي مذهباًبعيداً من الأرض قاعاً وقورا
به الضب تحسبه بالفلاةإذا خفق الآل فيها بعيرا
ومالاً ومصراً على أهلهيد الله من جائر أن يجورا
وإني لمن خير سكانهوأكثرهم بنفيري نفيراً
وقال عبد الله لعلي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وكان دعاه إلى نصرته حين ظهرت المبيضة فم يجبه، فتوعده علي، فقال عبد الله:
أعلي إنك جاهل مغرورلاظلمةٌ لك، لا ولا لك نود
أكتبت توعدني إذا استبطأتنيإني بحربك ما حييت جدير
فدع الوعيد فما وعيدك ضائريأطين أجنحة البعوض يضير
وإذا ارتحلت فإن نصري للألىأبوهم المهدي والمنصور
نبتت عليه لحومنا ودماؤناوعليه قدر سعينا المشكور
وقال عبد الله قتل داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب من قتل بأرض السند بدم أخيه المغيرة بن يزيد:
أفنى تميماً سعدها وربابهابالسند قتل مغيرة بن يزيد
صعقت عليهم صعقةٌ عتكيةٌجعلت لهم يوماً كيوم ثمود
ذاقت تميمٌ عركتين عذابنابالسند من عمر ومن داود
قدنا الجياد من العراق إليهممثل القطا مستنةً لورود
يحملن من ولد المهلب عصبةًخلقت قلوبهم قلوب أسود
وفي المغيرة يقول في قصيدة مطولة:
إذا كر فيهم كرةً أفر جوالهفرار بغاث الطير صادفن أجدلا
وما نيل إلا من بعيد بحاصبٍمن النيل والنشاب حتى تجدلا
وإني لمثن بالذي كان أهلهأبو حاتم إن ناب دهر فأعضلا
فتى كان يستحيي من الذم أن يرىله مخرجاً يوماً عليه ومدخلاً
وكان يظن الموت عاراً على الفتىيد الدهر إلا أ، يصاب فيقتلا
منيّة أبناء المهلب أنهميرون بها حتماً كتاباً معجلاً
وقد أطلق الله اللسان بقتل منقتلنا به منهم ومنّ وأفضلا
أناخ بهم داود يصرف نابهويلقي عليهم كللاً ثمّ كللاً
يقتلهم جوعاً إذا ما تحصنواوتقربهم هوج المجانيق جندلا
وهذا الشعر عجيب من شعره.
وفي هذه القصة يقول:
أبت إلا بكاءً وانتحاباوذكرا للمغيرة واكتئاباً
ألم تعلم بأن القتل وردلنا كالماء حين صفا وطابا
وقلت لها: قري وثقي بقوليكأنك قد قرأت به كتابا
فقد جاء الكتاب به فقوليألا لا تعدم الرّأي الصّوابا
جلبنا الخيل من بغداد شعثاًعوا بس تحمل الأسد الغضابا
بكل فتى أعزّ مهلّبيّتخال بضوء صورته شهاباً
ومن قحطان كل أخي حفاظٍإذا يدعى لنائبه أجايا
فما بلغت قرى كرمان حتىتخدّد لحمها عنها فذابا
وكان لهنّ في كرمان يومأمر على الشراة بها الشرابا
وإنّا تاركون غداً حديثاًبأرض السّند سعداً والرّبابا
تفاخر بابن أحورها تميمٌلقد حان المفاخر لي وخابا
وفي مثل هذا البيت الأخير يقول أبو عيينه:
أعاذل صه لست من شيمتيوإن كنت لي ناصحاً مشفقا
أراك تفرقني دائباًوما ينبغي لي أن أفرقا
أنا ابن الذي شاد لي منصباًوكان السّماك إذا حلقا
قريع العراق وبطريقهموعزهم المرتجى المتّقى
فمن يستطيع إذا ما ذهبــت أنطق في المجد أن ينطقا
أنا ابن المهلب ما فوق ذالعالٍ إلى شرفٍ مرتقى
فدعني أغلب ثياب الصبابجدّتها قبل أن تخلقا
قال أبو الحسن: وهذا شعر حسنٌ، أوله:
ألم تنه نفسك أن تعشقاوما أنت والعشق لولا الشّقا
أمن بعد شربك كأس النّهىوشمك ريحان أهل النّقا
عشقت فأصبحت في العاشقين أشهر من فرس أبلقّا
ثم قال:
أعاذل صه لست من شيمتي
ثم قال بعد قوله:
فدعني أغلي ثياب الصّبا
أدنياي من غمر بحر الهوىخذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبدٌ فكوني كمنإذا سره عبده أعتقا
وقال أبو الحسن: قوله "أنا لك عبدٌ" فوصل بالألف، فهذا إنما يجوز في الضرورة، والألف تثبت في الوقف لبيان الحركة، فلم يحتج إلى الألف، زمن أثبتها في الوصل قاسه على الوقف للضرورة، ظن كقوله:
فإن يك غثّاً أو سميناً فإنّنيسأجعل عيينة لنفسه مقنعا
لأنه إذا وقف على الهاء وحدها، فأجرى الوصل على الوقف، وأنشدوا قول الأعشى:
فكيف أنا وانتحال القواف بعد المشيب كفى ذاك عاراً
والرواية الجيدة:
فكيف يكون انتحالي القواف بعد المشيب
سقى الله دنيا على نأيهامن القطر منبعقاً ريّقاً
ألم أخدع النّاس عن حبّهاوقد يخدع الكيس الأحمقا
بلى وسبقتهم إنّنيأحب إلى المجد أن اسبقا
ويوم الجنازة إذا أرسلتعلى رقبةٍ أن جيء الخندقا
إلى السال فاختر لنا مجلساًقريباً وإياك أن تخرقا
هذا مما يغلط فيه عامة أهل البصرة، يقولون: السال بالخفيف، وإنما هو السال يا هذا، وجمعه سلاّن، وهو الغالّ وجمعه غلاّنٌ، وهو الشّقّ الخفيّ في الوادي:
فكنّا كغصنين من بانةٍرطيبين حدثان ما أورقا
فقالت لترب لها استنشديــه من شعره الحسن المنتقى
فقلت أمرت بكتمانهوحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك! قولي لهتمتّع لعلّك إن تنفقا
قوله: "لعلك أن تنفقا" اضطرار، وحقه "لعلك تنفق". لأن لعلّ من أخوات إن فأجريت مجراها، ومن أتى بأن فلمضارعتها عسى، كما قال متمم بن نويرة:
لعلك يوماً أن تلم ملمةٌعليك من الللاّئي يدعنك أجدعا
وهو كثير.
قال أبو العباس: وزعم أبو معاذ النميري أنه يعتاد عبد الله بن محمد بن أبي عيينة، ويكثر المقام عنده، وكان راوية للشعره، وأم أبن أبي عيينة بن المهلب يقول لها: خيرة وهي من بني سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة، فأبطأت عليه أياماً فكتب إلي:
تمادى في الجفاء أبو معاذوراوغني ولاذ بلا ملاذ
ولولا حق أخوالي قشيرأتته قصائد غير اللّذاذ
كما راح الهلال بن حرببه سمة على عنق وحاذ
يعني محمد بن حرب بن قبيصة بن مخارق الهلالي، وكان من أقعد الناس.
ولقبيصة بن المخارق صحبة لرسول الله ﷺ، وكان قد سار إليه فأكرمه وبسط له رداءه وقال: "مرحباً بخالي"!، فقال: يا رسول الله، رق جلدي، ودق عظمي، وقلي مالي، وهنت على أهلي! فقال له رسول الله ﷺ: "لقد أبكيت بما ذكرت ملائكة المساء".
ومحمد بن حرب هذا ولي شرطة البصرة سبع مرات، وكان على شرطة جعفر بن سليمان على المدينة، وكان كثير الأدب فأغضب، ابن أبي عيينة
في حكم جرى عليه بحضرة إسحاق بن عيسى - وكان على شرطته إذا ذاك - ففي ذلك يقول عبد الله بم أبي عيينة:
بأخوالي وأعمامي أقامتقريشٌ ملكها وبها تهاب
متى ما أدع أخوالي لحربوأعمامي لنائبه أجابوا
أنا أبن أبي عيينة فرع قوميوكعب والدي وأبي كلاب
خلا ابن عكابة الظربان سهلله فسو تصاد به الضّباب
وآخر من هلال قد تداعىفصار كأنه الشّيء الخراب
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع