تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، أبو علي

ذكره الخطيب في «تاريخه» فقال: روى عن أبي عمر وغيره أخبارا في مجالس الأدب، قلت أنا:

وأدرك ابن دريد وأخذ عنه، وهو من حذّاق أهل اللغة والأدب شديد العارضة، وكان مبغّضا إلى أهل العلم، فهجاه ابن الحجاج وغيره بأهاج مرّة. ومات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.

وذكره الثعالبي في كتاب «يتيمة الدهر» فقال: محمد بن الحسن الحاتمي حسن التصرف في الشعر موف على كثير من شعراء العصر، وأبوه أيضا شاعر، وأبو علي شاعر كاتب يجمع بين البلاغة في النثر والبراعة في النظم، وله الرسالة المعروفة في وقعة الأدهم، قال: وليس يحضرني من شعره إلا بيتان:

لي حبيب لو قيل لي ما تمنّىما تعديته ولو بالمنون
للشاعر الحسن بن مظفر الحاتمي، اقرأ القصيدة
أشتهي أن أحلّ في كلّ جسمفأراه بلحظ تلك العيون
للشاعر الحسن بن مظفر الحاتمي، اقرأ القصيدة

قال: ومما اخترته لأبيه قوله من قصيدة في القادر بالله أمير المؤمنين ﵀، أولها:

حيّ رسم الغميم تحي الغميماإن فقدت الهوى فحيّ الرسوما

وذكر قصيدة.

وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحصري في «كتاب النورين» وذكر أشعارا في قصر الليل وطوله فقال: وقال بعض أهل العصر وهو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي:

يا ربّ يوم سرور خلته قصراكعارض البرق في أفق الدجى برقا
قد كاد يعثر أولاه بآخرهوكاد يسبق منه فجره الشفقا
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
كأنما طرفاه طرف اتفق الجفنان منه على الإطراق وافترقا
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

قال: وقد ملح الحاتمي في وصف الثريا:

وليل أقمنا فيه نعمل كأسناإلى أن بدا للصبح في الليل عسكر
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
ونجم الثريا في السماء كأنهعلى حلّة زرقاء جيب مدنّر
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

وللحاتمي تصانيف عدة منها: كتاب حلية المحاضرة في صناعة الشعر.

كتاب الموضحة في مساوي المتنبىء. كتاب الهلباجة في صنعة الشعر. كتاب سر الصناعة في الشعر أيضا. كتاب الحالي والعاطل في الشعر أيضا. كتاب المجاز في الشعر أيضا. كتاب الرسالة الناجية. كتاب مختصر العربية. كتاب في اللغة لم يتم.

كتاب عيون الكاتب. كتاب الشراب رسالة. كتاب منتزع الأخبار ومطبوع الأشعار.

كتاب البراعة. كتاب المعيار والموازنة لم يتم. كتاب المغسل وهي الرسالة الباهرة في خصال أبي الحسن البتّي.

قرأت في «كتاب الهلباجة» من تصنيفه، وهو كتاب صنفه للوزير أبي عبد الله ابن سعدان في رجل سبعه عنده وسمّى الرجل الهلباجة من غير أن يصرّح باسمه قال فيه: وقد خدمت سيف الدولة، تجاوز الله عن فرطاته، وأنا ابن تسع عشرة سنة، تميل بي سنة الصبا وتنقاد بي أريحية الشباب، بهذا العلم، وكان كلفا به علقا علاقة المغرم بأهله، منقّبا عن أسراره، ووزنت في مجلسه، تكرمة وإدناء وتسوية في الرتبة ولم تسفر خداي عن عذاريهما، بأبي علي الفارسي، وهو فارس العربية وحائز قصب السبق فيها منذ أربعين سنة، وبأبي عبد الله ابن خالويه وكان له السهم الفائز في علم العربية تصرفا في أنواعه، وتوسّعا في معرفة قواعده وأوضاعه، وبأبي الطيب اللغوي وكان كما قيل: حتف الكلمة الشرود حفظا وتيقظا، ونازعت العلماء ومدحت في مصنفاتهم، وعددت في الأفراد الذين منهم أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني، وأبو سعيد المعلى وقدحه الأعلى، واتخذت بعضا ممن كان يقع الايماء إليه سخرة وأنا إذ ذاك غزير الغرارة تميد بي أسرار السرور، ويسري عليّ رخاء الاقبال، وأختال في ملاءة العز، في بلهنية من العيش وخفض من النعيم، وخطوب الدهر راقدة وأيامه مساعدة.

وأنشد لنفسه في هذا الكتاب يمدح سيف الدولة:

تأوبنى همّ من الليل واردوعاودني من لاعج الوجد عائد
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
فبتّ قضيض الجنب مسترجف الحشاكأني سقتني سمّهنّ الأساود
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
كأنّ القنا فيه على القرن ضاغنوحدّ الحسام الهندوانيّ حاقد
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
فصمت به الاشراك وهو مقوّموقومت دين المصطفى وهو مائد
فلا يشفق الاسلام من سوء عثرةوفي الروع من آل ابن حمدان ذائد
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

وأنشد لنفسه في هذا الكتاب أبياتا ضمنها أعجاز أبيات للنابغة وهي في «الحماسة»:

لا يهنأ الناس ما يرعون من كلأوما يسوقون من أهل ومن مال
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ماذا رزئنا به من حية ذكر»

فقال الحاتمي:

وليلة ضلّ عنها الصبح داجيةلبستها بمطول الجري هطّال
وقد رمى البين شعب الحيّ فاقتسمواأيدي سبا بين تقويض وترحال
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
فناسبت أنجم الآفاق عيسهم«وما يسوقون من أهل ومن مال»
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
ترى الهلال نحيلا من مطالعه«أمسى ببلدة لا عمّ ولا خال»
والجدي كالطرف يستنّ المراح به«إلى ذوات الذرى حمال أثقال»
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة
والليل والصبح في غبراء مظلمة«هذا عليها وهذا تحتها بال»
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

وفي هذا الكتاب لنفسه في الهلباجة الذي صنف الكتاب لأجله:

لقد سخف الفعليّ لما تحذّفافنكّر في تعريفه ما تعرفا
ويا ربّ وجه حذّفوه لزينةفأصبح من قبح لصاحبه قفا
للشاعر أبو علي الحاتمي، اقرأ القصيدة

وهذه مخاطبة جرت بين أبي الطيب المتنبي وبين أبي علي الحاتمي حكيتها كما وجدتها: قال أبو علي الحاتمي: كان أبو الطيب المتنبي عند وروده مدينة السلام التحف رداء الكبر، وأذال ذيول التيه، وصعّر خده، ونأى بجانبه، وكان لا يلقى أحدا إلا نافضا مذرويه، رافلا في التيه في برديه، يخيّل إليه أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يغترف نمير مائه غيره، وروض لم يرع نواره سواه، فأدلّ بذلك مديدة أجرّته رسن الجهل فيها، فظلّ يمرح في ثنييه، حتى إذا تخيل أنه القريع الذي لا يقارع، والنزيع الذي لا يجارى ولا ينازع، وأنه ربّ الغلب ومالك القصب، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، فطأطأ كلّ منهم رأسه وخفض جناحه وطامن

على التسليم له جأشه، تخيل أبو محمد المهلبي أن أحدا لا يقدر على مساجلته ومجاراته، ولا يقوم لتتبعه بشيء من مطاعنه، وساء معزّ الدولة أن يرد عن حضرة عدوه رجل فلا يكون في مملكته أحد يماثله في صناعته ويساويه في منزلته، نهدت حينئذ متتبّعا عواره، ومتعقبا آثاره، ومطفيا ناره، ومهتكا أستاره، ومقلّما أظفاره، وناشرا مطاويه، وممزقا جلباب مساويه، متحينا أن نجتمع، وأجري وهو في مضمار يعرف فيه السابق من المسبوق، حتى إذا لم أجد ذلك قصدت موضعه الذي كان يحلّه في ربض حميد، فوافق مصيري إليه حضور جماعة تقرأ شيئا من شعره عليه، فحين أوذن بحضوري واستؤذن عليه لدخولي نهض عن مجلسه مسرعا، ووارى شخصه عني مستخفيا، فنزلت عن بغلة كانت تحتي ناجية وهو يراني نازلا عنها لانتهائي بها إلى أن حاذيته، فجلست في موضعه، وإذا تحته قطعة من زيلوبة مخلقة قد أكلتها الأيام وتعاورتها السنون فهي رسوم خافية وسلوك بادية، حتى إذا خرج إليّ نهضت إليه فوفيته حقّ السلام غير مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه ألا ينهض لي عند موافاتي، وإذا هو قد لبس سبعة أقبية: كلّ قباء منها لون، وكان الوقت أحرّ أيام الصيف وأخلقها بتخفيف اللبس، فجلست وجلس، وأعرض عني ساعة لا يعيرني فيها طرفه ولا يسألني ما قصدت له، وقد كدت أتميّز غيظا، وأقبلت أسخّف رأيي في قصده، وأفنّد نفسي في التوجّه نحو مثله، ولوى عذاره عني مقبلا على تلك الزعنفة التي بين يديه: كلّ واحد يومىء إليه ويوحي بطرفه ويشير إلى مكاني بيده ويوقظه من سنة جهله، ويأبى إلا ازورارا ونفارا وجريا على شاكلة خلقه المشكلة، ثم رأى أن يثني رأسه إليّ، فوالله ما زادني على أن قال: أيش خبرك؟ قلت: أنا بخير لولا ما جنيت على نفسي من قصدك، وكلّفت قدمي في المصير إلى مثلك. ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى القرار وقلت له: أبن لي عافاك الله ممّ تيهك وخيلاؤك وعجبك؟ وما الذي يوجب ما أنت عليه من التجبّر والتنمّر؟ هل هاهنا نسب في الأبطح تبحبحت في بحبوحة الشرف وفرعت سماء المجد به؟ أم علم أصبحت علما يقع الايماء إليك فيه؟

هل أنت إلا وتد بقاع في شرّ البقاع وجفاء سيل بدفّاع؟ يا لله، استنّت الفصال حتى القرعى، وإني لأسمع جعجعة ولا أرى طحنا. فامتقع لونه عند سماع كلامي وعصب ريقه وجحظت عيناه وسقط في يده، وجعل يلين في الاعتذار لينا كاد يعطف عليه

عطف صفحي عنه، ثم قلت: يا هذا إن جاءك رجل شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدبه صغّرت أدبه، أو متقدّم عند سلطانه لم تعرف موضعه، فهل العزّ تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، لكنك مددت الكبر سترا على نقصك، وضربته رواقا دون جهلك. فعاد إلى الاعتذار، وأخذت الجماعة في تليين جانبي والرغبة إليّ في قبول عذره واعتماد مياسرته، وأنا آبى إلا استشراء واجتراء، وهو يؤكد الأقسام ويواصلها أنه لم يعرفني، فأقول: يا هذا ألم يستأذن لي عليك باسمي ونسبي؟ أما في هذه العصابة من يعرّفك بي لو كنت جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك، ألم ترني ممتطيا بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يديّ عدة من الغلمان؟ أما شاهدت لباسي؟ أما شممت نشر عطري؟ أما راعك شيء من أمري أتميز به في نفسك من غيري؟ وهو في أثناء ما أكلمه يقول: خفّض عليك، ارفق، استأن، فأصحب جانبي بعض الإصحاب، ولان شماسي بعض الليان، وأقبل عليّ وأقبلت عليه ساعة ثم قلت:

أشياء تختلج في صدري من شعرك احبّ أن أراجعك فيها. قال: وما هي؟ قلت:

خبرني عن قولك:

فإن كان بعض الناس سيفا لدولةففي الناس بوقات لها وطبول

أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك:

ولا من في جنازتها تجاريكون وداعهم نفض النعال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

أهكذا تؤبن أخوات الملوك [والله لو كان هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا] وأخبرني عن قولك:

خف الله واستر ذا الجمال ببرقعفإن لحت حاضت في الخدور العواتق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

أهكذا تنسب بالمحبوبين؟ وعن قولك في هجاء ابن كيغلغ:

وإذا أشار محدثا فكأنهقرد يقهقه أو عجوز تلطم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

أما كان لك في أفانين الهجاء التي تصرّفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام الرذل الذي ينفر عنه كلّ طبع ويمجّه كل سمع؟ وعن قولك:

وضاقت الأرض حتى صار هاربهمإذا رأى غير شيء ظنّه رجلا

أفتعلم مرئيا يتناوله النظر لا يقع عليه اسم شيء؟ وما أراك نظرت إلا إلى قول جرير:

ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهمخيلا تكرّ عليهم ورجالا

فأحلت المعنى عن جهته وعبرت عنه بغير عبارته، وعن قولك:

أليس عجيبا أنّ وصفك معجزوأن ظنوني في معاليك تظلع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

فاستعرت الظلع لظنونك، وهي استعارة قبيحة، وتعجبت من غير متعجب لأن من أعجز وصفه لم يستنكر قصور الظنون وتحيرها في معاليه، وإنما نقلته- وأفسدته- من قول أبي تمام:

ترقّت مناه طود عزّ لو ارتقتبه الريح فترا لانثنت وهي ظالع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألا صنع البين الذي هو صانع»

وعن قولك تمدح كافورا:

فإن نلت ما أملت منك فربماشربت بماء يعجز الطير ورده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

إنها مدح أو ذم؟ قال: مدح، قلت: انك جعلته بخيلا لا يوصلك إلى خيره من جهته، وشبهت نفسك في وصولك إلى ما وصلت إليه منه بشربك من ماء يعجز الطير ورده لبعده وترامي موضعه.

وأخبرني أيضا عن قولك في صفة كلب وظبي:

فصار ما في جلده في المرجلفلم يضرنا معه فقد الأجدل

فأيّ شيء أعجبك من هذا الوصف: أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز ابن هانىء وطرد ابن المعتز؟ أما كان هناك من المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران وغرر المعاني التي اقتضباها ما تتشاغل به عن بنيّات صدرك هذه؟ وألا اقتصرت على ما في أرجوزتك هذه من الكلام السليم ولم تسفّ إلى هذه الألفاظ القلقة والأوصاف المختلقة.

فأقبل عليّ ثم قال: أين أنت من قولي:

كأن الهام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»
وقد صغت الأسنة من همومفما يخطرن إلا في فؤاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وأين أنت من قولي في صفة جيش:

في فيلق من حديد لو رميت بهصرف الزمان لما دارت دوائره

وأين أنت من قولي:

لو تعقل الشجر التي قابلتهامدّت محيّية إليك الأغصنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وأين أنت من قولي:

أينفع في الخيمة العذّلويشمل من دهره يشمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل

وفيها أصف كتيبة:

وملمومة زرد ثوبهاولكنها بالقنا مخمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

وأين أنت عن قولي:

الناس ما لم يروك أشباهوالدهر لفظ وأنت معناه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»
والجود عين وأنت ناظرهاوالبأس باع وفيك يمناه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أما يلهيك إحساني في هذه عن إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحسانا في جميع ما ذكرته، إنما أنت سارق متبع وآخذ مقصر، وفي ما تقدم من هذه المعاني التي ابتكرها أصحابها مندوحة عن التشاغل بقولك. فأما قولك:

كأن الهام في الهيجا عيونالبيت) فهو منقول من بيت منصور النمري:
فكأنما وقع الحسام بهامهخدر المنية أو نعاس الهاجع
وأما قولك «في فيلق»البيت) فنقلته نقلا لم تحسن فيه، من قول الناجم:
ولي في حامد أمل بعيدومدح قد قدمت به طريف
مديح لو مدحت به اللياليلما دارت عليّ به صروف

والناجم إنما نظمه من قول ارسطاطاليس «قد تكلمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت عليّ صروفه». وأما قولك «لو تعقل الشجر التي قابلتها» ... (البيت) فهذا معنى متداول تساجلته الشعراء وأكثرت فيه، فمن ذلك قول الفرزدق:

يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

ثم تكرر في أفواه الشعراء إلى أن قال أبو تمام:

لو سعت بقعة لإعظام أخرىلسعى نحوها المكان الجديب

وأخذه البحتري فقال:

لو أن مشتاقا تكلّف غير مافي وسعه لمشى إليك المنبر

وأما قولك «وما اعتمد الله تقويضها» فقد نظرت فيه إلى قول رجل مدح بعض الأمراء بالموصل، وقد كان عزم على السير فاندق لواؤه فقال:

ما كان مندقّ اللواء لريبةتخشى ولا أمر يكون مزيّلا
لكن لأنّ العود ضعّف متنهصغر الولاية فاستقلّ الموصلا

وأما قولك «وملمومة زرد ثوبها» فمن قول أبي نواس:

أمام خميس أرجوان كأنهقميص محوك من قنا وجياد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

وأما قولك «الناس ما لم يروك أشباه» فمن قول علي بن نصر بن بسام في عبيد الله بن سليمان يرثيه:

قد استوى الناس ومات الكمالوصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشهقوموا انظروا كيف تزول الجبال
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

فقوله «قد استوى الناس ومات الكمال» هو قولك «الناس ما لم يروك أشباه»، فقال بعض من حضر: ما أحسن قوله «قوموا انظروا كيف تزول الجبال» فقال أبو الطيب: اسكت ما فيه من حسن، ألم يسرقه من قول النابغة الذبياني:

يقولون حصن ثم تأبى نفوسهموكيف بحصن والجبال جنوح
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم»

فقال الحاتمي: فقلت قد سرقه النابغة من أوس حين قال:

ألم تكسف الشمس شمس النهار والبدر للقمر الواجب
لفقد فضالة لا تستوي الفقود ولا خلّة الذاهب
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ألم تكسف الشمس والبدر والكواكبُ»

قلت: والله لئن كان أخذه فقد أحسن وأخفى الأخذ. فقال الرجل: أجل، فقال المتنبي: يا محسّد، خذ بيده وأخرجه- يريد بمحسد ابنه- فوقفت إلى ان تركه.

ثم قلت له: وأما قولك «والدهر لفط وأنت معناه» فمنقول من قول الأخطل إن كان البيت له في عبد الملك بن مروان:

وان أمير المؤمنين وفعلهلكالدهر لا عار بما فعل الدهر

وقد قال جرير حين قال له الفرزدق:

فإني أنا الموت الذي هو نازلبنفسك فانظر كيف أنت تجاوله

وقال جرير:

أنا الدهر يفني الموت والدهر خالدفجئني بمثل الدهر شيئا يطاوله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

ثم قلت له: أترى أن جريرا أخذ قوله «يفني الموت» من أحد وان أحدا شركه في إفناء الموت؟ ففكر طويلا ثم قال: لا، قلت: بلى عمران بن حطان حيث يقول:

لن يعجز الموت شيء دون خالقهوالموت فان إذا ما ناله الأجل
وكلّ كرب أمام الموت متضعبالموت والموت فيما بعده جلل
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

فأمات الموت وأحياه وما سبقه إلى ذلك أحد.

ثم قلت له: أترى أن البيت المتقدم الذي يقول فيه «لكالدهر لا عار بما فعل الدهر» مأخوذ من أحد؟ فأطرق هنيهة ثم قال: وما تصنع بهذا؟ قلت: يستدل على موضعك ومواضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال: الله المستعان «أساء سمعا فأساء جابة» ما أردت ما ذهبت إليه، قلت: فانه أخذه من قول النابغة وهو أول من ابتكره:

وعيّرتني بنو ذبيان خشيتهوما عليّ بأن أخشاك من عار
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لقد نهيت بني ذبيان عن أقر»

ثم أخذه أبو تمام فأحسن بقوله:

خشعوا لصولتك التي هي فيهمكالموت يأتي ليس فيه عار

قال: ومن أبو تمام؟ قلت: الذي سرقت شعره فأنشدته، قال: هذه خلائق السفهاء لا خلائق العلماء، قلت: أجل أنت سفهت رأيي ولم يكن سفيها، ألست القائل:

ذي المعالي فليعلون من تعالىهكذا هكذا وإلا فلا لا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
شرف ينطح الثريا بروقيهـ وفخر يقلقل الأجبالا

قال: بلى، قلت: فإنك أخذت البيت الأول من بيت بكر بن النطاح:

يتلقى الندى بوجه حييّوصدور القنا بوجه وقاح
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
هكذا هكذا تكون المعاليطرق الجدّ غير طرق المزاح
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

وأخذت البيت الثاني فأفسدته من قول أبي تمام:

همة تنطح الثريا وجدّآلف للحضيض فهو حضيض

قال: وبأيّ شيء أفسدته؟ قلت: بأن جعلت للشرف قرنا، قال: وأنى لك بذلك؟ قلت: ألم تقل «ينطح السماء بروقيه» والروقان القرنان. قال: أجل إنما هي استعارة، قلت: نعم هي استعارة خبيثة. قال: أقسمت غير محرج في قسمي أنني لم أقرأ شعرا قط لأبي تمامكم هذا، فقلت: هذه سوءة لو سترتها كان أولى، قال:

السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو الذي يقول:

خشنت عليه أخت بني خشينوأنجح فيك قول العاذلين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خشنت عليه أخت بني خشين»

والذي يقول:

لعمري لقد حرّرت يوم لقيتهلو أن القضاء وحده لم يبرّد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

والذي يقول:

تكاد عطاياه يجنّ جنونهاإذا لم يعوّذها بنغمة طالب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

والذي يقول:

تسعون ألفا كآساد الشرى نضجتأعمارهم قبل نضج التين والعنب

والذي يقول:

ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤحثّ النجاء وخلفه التنين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بذ الجلاد فهو دفين»

والذي يقول:

فضربت الشتاء في أخدعيهضربة غادرته عودا ركوبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»

والذي يقول:

كانوا رداء زمانهم فتصدعوافكأنما لبس الزمان الصوفا

والذي يقول:

أقول لقرحان من البين لم يضفرسيس الهوى بين الحشا والترائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

ما «قرحان البين» أخرس الله لسانه؟ فأحفظني ذلك وقلت: يا هذا من أدلّ الدليل على أنك قرأت شعر هذا الرجل تتبعك مساويه، فهل في الدلالة على اختلاقك إنكاره أوضح مما ذكرته؟ وهل يصم أبا تمام أو يسمه بميسم النقيصة ما عددته من سقطاته وتخونته من أبياته؟ وهو الذي يقول في النونية:

نوالك ردّ حسّادي فلولاوأصلح بين أيامي وبيني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خشنت عليه أخت بني خشين»

فهلا اغتفرت الأول لهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، وأما قوله:

تسعون ألفا كآساد الشرى نضجتأعمارهم قبل نضج التين والعنب

فلهذا البيت خبر لو استقريت صحفه لأقصرت عمن تناولته بالطعن فيه. ثم قصصت الخبر وقلت: في هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من متقدمي الشعراء وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال: وما هو؟ قلت: لو قال قائل إن أحدا لم يبتدىء بأوجز ولا أحسن ولا أخصر من قوله:

السيف أصدق إنباء من الكتبفي حدّه الحدّ بين الجد واللعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

لما عنف في ذلك. وفيها يقول:

رمى بك الله برجيها فهدّمهاولو رمى بك غير الله لم يصب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وفيها يقول:

لما رأى الحرب رأي العين توفلسوالحرب مشتقة المعنى من الحرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وفيها يقول:

فتح تفتّح أبواب السماء لهوتبرز الأرض في أبرادها القشب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وفيها يقول:

بكر فما افترعتها كفّ حادثةولا ترقّت إليها همة النوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وفيها يقول:

غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحىيشلّه وسطها صبح من اللهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
حتى كأن جلابيب الدجى رغبتعن لونها وكأن الشمس لم تغب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وفيها يقول:

أجبته معلنا بالسيف منصلتاولو أجبت بغير السيف لم تجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وأما قوله «أقول لقرحان من البين» فانه يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ولم يبينوا عنه قبل ذلك، وإذ كانت حاله كذلك كان موقع البين أشدّ عليه وأفتّ في عضده، والأصل في هذا أن القرحان الذي لم يجدر قط، وقد قال جرير:

وكنت من زفرات البين قرحانا

وفي هذه القصيدة من المعاني الرائعة والتشبيهات الواقعة والاستعارات البارعة ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، على أنّا أبنّا عن صحة معناه وعن أمثاله، فمن ذلك:

إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقدتقطّع ما بيني وبين النوائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
يرى أقبح الأشياء أوبة آملكسته يد المأمول حلّة خائب
وأحسن من نور يفتّحه الندىبياض العطايا في سواد المطالب
وقد علم الأفشين وهو الذي بهيصان رداء الملك عن كل جاذب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
بأنك لما استحنك النصر واكتسىأهابي تسفى في وجوه التجارب
تجللته بالرأي حتى رأيتهبه ملء عينيه مكان العواقب
بأرشق إذ سالت عليهم غمامةجرت بالعوالي والعتاق الشوازب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرتحياضك منه في العصور الذواهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
ولكنه فيض العقول إذا انجلتسحائب جود أعقبت بسحائب

فبهره مما أوردته ما قصّر عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن الإجابة لسانه، وكاد يشغب لولا ما تخوفه من عاقبة شغبه، وعرفه من مكاني في تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: قد أكثرت من أبي تمام لا قدس الله أبا تمام وذويه. قلت: ولا قدس السارق منه والواقع فيه.

ثم قلت له: ما الفرق في كلام العرب بين التقديس والقدّاس والقداس والقادس، فقال: وأيش غرضك في هذا؟ فقلت: المذاكرة، فقال: بل المهاترة،

ثم قال: التقديس التطهير في كلام العرب، ولذلك سمي القدس قدسا لأنه يشتمل على الذي به الطهور، وكل هذه الأحرف تؤول إليه، فقلت له: ما أحسبك أنعمت النظر في شيء من علوم العرب، ولو تقدمت منك مطالعة لها لما استجزت أن تجمع بين معاني هذه الكلمات مع تباينها، وذلك لأن القدّاس بتشديد الدال حجر يلقى في البئر ليعلم به غزارة مائها من قلته، حكى ذلك ابن الأعرابي، والقداس الجمان، حكى ذلك الخليل واستشهد بقوله [كنظم جمان سلكه متقطع. والقادس السفينة، قال الشاعر بصف ناقة:]

وتهفو بهاد لها متلعكما اقتحم القادس الأردمونا

فلما علوته بالكلام قال: يا هذا مسلّمة إليك اللغة. قلت: وكيف تسلمها وأنت أبو عذرتها، ومن نصابها وسرها، وأولى الناس بالتحقق بها والتوسع في اشتقاقها والكلام على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن لغته منك. فشرعت الجماعة الحاضرة في إعفائه وقبول عذره والتوطيء له، وقال كل منهم: أنت أولى بالمراجعة والمياسرة لمثل هذا الرجل من كل أحد. وكنت قد بلغت شفاء نفسي، وعلمت أن الزيادة على الحدّ الذي انتهيت إليه ضرب من البغي لا أراه في مذهبي، ورأيت له حقّ القدمة في صناعته، فطأطأت له كتفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت فنهض لي مشيّعا الى الباب حتى ركبت، وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت بقية يومي بشغل عنّ لي تأخرت معه عن حضرة المهلبي، وانتهى إليه الخبر وأتتني رسله ليلا فأتيته فأخبرته بالقصة على الحال، فكان من سروره وابتهاجه بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، قال له: أعلمت ما كان من فلان والمتنبي؟ قال: نعم قد شفا منه صدورنا.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.