من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٢)
ومثله لابن المعتز:
أهلاً وسَهلاً بالناي والعُودوَشِربِ كاسٍ من كفّ مَقْدود
قَدْ انقضتْ دَولةُ الصِّيام وَقَدْبَشَّر سُقْم الهِلالِ بالعيدِ
يَتلو الثُريّا كفاغِرٍ شَرهِيَفتحُ فاهُ لأكلِ عُنقودِ
الاستعارة: وأما الاستعارة في البديع: فنحن نذكر منها مثالاً نقيس عليه، فمن ذلك ما رواه إسحاق بن إبراهيم قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كانت يدي في يد الفرزدق قال: فأنشدته قول ذي الرمة:
أقامتْ بهِ حتّى ذَوى العودُ في الثَّرىوساقَ الثُّريَّا في مُلاءَتِه الفَجْرُ
فقال لي: أنشدك أم أدعك، فقلت: بل أنشدني قال: إنّ العود لا يذوي
أو يجفّ الثرى، وإنما الشّعر، حتى ذوى العود والثرى، ولا أعلم كلاماً أحسن من قوله:) وساق الثريا في ملاءته الفجر (ولا ملاءة له، وإنما هي استعارة.
وقال ابن المعتز:) العود لا يذوي ما دام في الثرى (وأول من استعار امرئ القيس فقال:
وَليلٍ كَموجِ البحْر مُرْحٍ سُدولهعليَّ بأنواعِ الهمومُ لِيبْتلي
فَقلتُ لهُ لمَا تَمطى بصلبهوأردفَ أعجازاً وناءً بكلكلِ
فذكر سدول الليل وجعلَ له صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وقد قال زهير:
صَحا القلبُ عنْ سَلمى وأقْصرَ باطِلُهوعُرىَ أفْراسُ الصِبّا وَرواحِلُهْ
ولا أفراس للصبا ولا رواحل، ومن مليح الاستعارة قول جرير:
تُحيي الرّوامِسُ ربْعها فتُجدُّهبَعْدَ البِلى، وتُمِيتهُ الأَمطار
قال ابن المعتز: جمع هذا البيت المطابقة والاستعارة، بالإحياء والإماتة،
والبلى والجدّة، ومن ذلك قول أبي نواس:
ما زلْتُ أستلّ روح اللدَّنِّ في لُطُفٍوأستقي دمهُ منْ جوْفِ مجْرُوح
حتى انْثنيت، ولي رُوحان في بَدنٍوالزقّ مُنْطَرِحٌ جِسْم بِلا روحِ
وقال ابن الأحنف:
وَلي جُفونٌ جَفاها الدمع فاتَّصلتْأعجاز دمعٍ بأَناقِ الدَّمِ السَربِ
وقال ابن المعتز:
وقَدْ رَكَضَتْ بِنا خيلُ المَلاهِيوقَدْ طِرْنا بأجنحةِ السرورِ
وهذا مثال من هذا القسم كاف ولو استقصى لطال به الأمر وفيما ذكرناه دلالة على ما حذفناه.
وقد أدخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي في البديع شيئاً سماه الإشارة في
الشِّعر، ذكر أنَّها من محاسنه، قيل له ما هي، فقال:
جَعْلنا السيفَ بين الجيدِ مِنْهوبينَ سوادِ لِحْيته عِذارا
ومثله قول جاهلي:
جَعلتُ يَديَّ وشاحاً لَهُوبعضُ الفوارس لا يعتنِقْ
قال إسحاق قوله:) جعلت يديّ وشاحاً له (إشارة بديعة بغير لفظ الاعتناق وهي دالة. ومثل ذلك من كلام المحدثين قول أبي تمام:
وإنّي لأرْجُو أن تُقَلَّد نحرَهُقِلادةَ مأثور الذُّباب مُهَنَّدِ
فهذا ما لم يسمه هذه التسمية قبل إسحاق أحد.
الإشارة: وقد ذكر قدامة الكاتب الإشارة فقال:) هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، باللمحة الدالة (. كقول امرئ القيس:
عَلى هَيْكلٍ يُعطيك قَبْل سُؤالهأفانين جَرْيٍ غَيرَ كزّ ولا وان
المطابقة: ثم قال لمخاطبه: تأمل ما أستملت لفظه) أفانين (مما لو عدّ كان كثيراً وما اقترن بها من جميع أصناف الجودة طوعاً من غير طلب ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والوناء، وهما أكثر معائب الخيل التي تربطها الفرسان للمنازلة،
ومن محاسن البديع، حسن المطابقة، وقد ذكر ذلك بعض المؤلفين المحدثين وقد سقت لك ما ذكر على وجهه وما قارب ذلك. قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وكان من العلماء بالشعر، وقد سئل عن الطباق فقال: أجد قوماً يختلفون في الطباق فطائفة تزعم وهي الأكثر: أنه ذكر الشيء وضدّه يجمعهما اللفظ الواحد بهما لا المعنى. وطائفة تخالف ذلك وتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد، مثل قول زياد الأعجم:
ونُبِّئتُهمُ يستصرخون بكاهلٍوللؤم فِيهم كاهلٌ وسِنَامُ
فقوله:) كاهل (للقبيلة، وقوله:) كاهل (للعضو وهو عندهم المطابقة وقال هذا هو التجنيس، وقال: من ادعى أنه طباق، فقد ادعى خلافاً على الأصمعي والخليل. فقيل له: أفكانا يعرفان هذا؟ فقال: يا سبحان الله، وهل مثلهما في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه؟ فسألته عن أحسن طباق للعرب فقال هو قول عبد الله بن الزبير الأسدي:
رَمَى الحدثان نسوةَ آل حَرْبٍبِمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمودا
فَردَّ شعورهنَّ السودَ بيضاًوَرَدّ وجوههنَّ البيض سُودا
وقال عمرو بن كلثوم بيتاً من الطباق المستحسن وهو:
بأنّا نُورد الرايات بِيضاًونُصدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رَوِينا
كان أبدع بيت للعرب في الطباق لأنه لا يكون قد طابق بين الإيراد والإصدار والبياض والحمرة، والظمأ والريّ، وقد تم هذا لأبي الشيص فقال:
فأوردها بيضاء ظماء صدورهاوأصدرها بالريِّ ألوانُها حُمْرا
فصار أخذه مغفوراً بكمال معناه، وفسر أصل الطباق الأصمعي فقال:) معناه وضع الرجل في موضع اليد، وأنشد:
وَخيلٌ يُطابقن بالدارعينَطِباقَ الكلابِ يطأن الهِراسَا
وقال الخليل:) يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد وألصقتهما، وأحسن محاسن البديع المطابقة ويتلوها في الحسن المجانسة وقد سبق العرب إلى ذلك فمن ذلك قول الفرزدق:
لَعنَ الإِلهُ بَني كُليبٍ إِنَّهملا يَقْدرونَ ولا يَفونَ لِجار
يَسْتَيقظونَ إلى نُهاقِ حَميرهمْوَتنامُ أعينهمْ عنْ الأوتارِ
والمطابقة في شعر المحدثين كثيرة، من ذلك قول أبي تمام في الشيب:
لَهُ مَنْظرٌ في العينِ أبيضُ نَاصعُولكنَّهُ في القلْبِ أسْودُ أسْفعُ
ومنها قول دَعبل:
لا تَعْجبي يَا سلم مِنْ رجلٍضَحِكَ المشيب بِرأسهِ فَبكَى
وقال البحتري:
إِنَّ أيامَهُ مِن البيضِ بيضٌما رَأيْنَ المفارِقَ السودَ سُودا
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول القائل:
لِلسودِ في السودِ آثارٌ تركنَ بهالمعاً مِن البيضِ يَثْني أعْينَ البيض
فالسود الأول هي: الليالي، والسود الثانية هي: الشعرات السود والبيض الأول هي الشعرات البيض والثانية: النساء. وهذا كلام لفظه فصيح وتقسيمه صحيح.
يتلوه ذكر المجانسة وهي: مجيء كلمة تجانس أختها في مسمع حروفها دون معناها، ونحن نذكر لك من شعر العرب في ذلك مثالاً فمنه قول امرئ القيس:
لَقدْ طَمح الطّماحُ منْ بُعد أرضهلِيُلبسني مِنْ دائه ما تلبَّسا
ومنه قول الآخر:
وإني لا أزال أخا خروبٍإذا لمْ أجْن كُنْتُ مجنَّ جَاني
ومثله لجرير:
ومَا زالَ معقولاً عقالٌ عَنْ الندىوما زالَ مَحبوساً عَنْ الخيرِ حَابِسُ
ومن التجنيس النازع قول رجل من عبس:
أبلغْ لَديكَ أبا سَعْدٍ مُغَلغَةًإنّ الذي بيننا قَدْ ماتَ أو دَنَفَا
وذَلكمْ أن ذلَّ الجار حَالفكُمْوأنّ أنفكم لا يأنفُ الأنفَا
فهذا مثال من شعر العرب في هذا، ومن شعر المحدثين في المجانسة قول عبد الله بن طاهر:
وأنّي للثغرِ المخيف لكالئولِلثغرِ يَجْري طُلمه لِرشَوف
وقال أبو تمام:
أيام تُدمِي عَيْنهُ تِلْكَ الدُّمَىفِيها وَتقْمُرُ لُبَّهُ الأَقْمَارُ
بيض فهُنَّ إذا رُمِقْنَ سَوافِراًصُورُ وَهُنَّ إِذا رَمقْنَ صِوَار
وقال أشجع:
يوماً خلجتْ على الخليجِ نُفوسهمعصباً وأنْتَ بِمثلها مُسْتامُ
وقال البحتري:
إِذا ابتسمتَ تألقَ عارِضَاهَاعلى ضَربٍ تألّقُ فِي ضَريب
متى تُغْربُ ضِياء الشمسَ نُردَدسَناها مِنْ سنا تِلْكَ الغُروبِ
وفي هذا كفاية من معرفة هذا الجنس وقس عليه باقيه.
ويتلوه: رد أعجاز الكلام على صدوره.) ولزهير بن أبي سلمى (:
منْ يَلْقَ يوماً على عِلاته هَرماًيَلْقَ السماحةَ مِنْه والنَّدى خُلقا
ومثله للفرزدق:
أصْدِرْ هُمومك لا يْقتُلك وارِدُهافَكلُّ واردة يوماً لَها صَدرُ
ومنه للآخر:
سَريعٌ إلى ابن العم يَشْتِمُ عِرضَهُوليسَ إلى دَاعي النَّدى بِسريعِ
وقال أبو حية النميري:
إذا مَا تقاضى المرء يومٌ ولَيلةٌتَقاضاهُ شَيء لاَ يملُّ التقاضيا
وقال أبو نواس:
ظَنّ بي من قد كلفتُ بِهفَهو يَجفوني عَلى الظَنَن
وقال الآخر:
يا بَياضاً أذْرى دُموعي حَتَّىعَادَ مِنْها سَوادُ عَينْي بَيَاضَا
الترديد: وقد لقب بعض الأدباء هذا الفن) الترديد (وبعضهم يسميه التصدير وهو أن يبتدئ الشاعر بكلمة في البيت ثم يعيدها في عجزه أو نصفه ثم يردها في النصف الآخر، وهذا إذا نظم الشعر على هذه الصفة تيسر استخراج قوافيه قبل أن يطرق أسماع مستمعيه، وهذا الباب واسع يدل عليه هذا اليسير فأكتف به موفقاً إن شاء الله.
الالتفاف: وفي الشعر الالتفاف وهو: انصراف عن مخاطبة إلى إخبار وعن إخبار إلى مخاطبة.
من ذلك قول جرير:
مَتَى كانَ الخيامُ بِذي طُلوحٍسُقِيت الغَيْثَ أيتُها الخِيامُ
أتنسى يوم تصقل عَارِضيهابعود بشامةٍ، سُقي البَشامُ
وحكى أسحق بن إبراهيم قال قال لي الأصمعي:) أ (تعرف التفات جرير؟ قلت لا، فأنشدني:
أتنسى إذْ تُودعنا سُليَمْىبفرعِ بشامة، سُقِي البَشامُ
هذه رواية إسحاق كذا وجدتها.
وقال أبو تمام:
وأنجدتم من بعدِ اتهام دَارِكُمْفيا دَمعُ أنجدني على سَاكِني نَجْدِ
فهذا مثال في هذا.
ومن محاسن الشعر اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود
الشاعر إليه فيتممه مرة واحدة، وربما سمي التفاتاً، من ذلك قول القائل:
فإنّي إنْ أفْتك يَفِتك منيفَلا تَسْبِق بِه عِلقٌ نفَيسُ
ومن أملح ذلك قول طرفة:
فَسقى دياركَ غَيرْ مُفسِدِهاصَوْبَ الربيعِ وديمةُ تَهمْي
فقد تمم المعنى بقوله غير مفسدها، وقال نافع بن خليف الغنوي:
رجالُ إذا لم يُقْبل الحقّ مِنَهمْويعطوهُ، عادوا بالسيوفِ القَواضبِ
فتم المعنى بقوله: ويعطوه.
التتبيع:
ومن محاسن الشعر التتبيع: وهو أن يقول الشاعر شيئاً من معانيه ولا يأتي
اللفظ الدال عليه بل بلفظ تابع له فإذا دلّ التابع أبان عن المتبوع، من ذلك قول عمر:
بعيدةُ مَهوْى القُرط إما لنوفلٍأبوها، وإما عبدُ شمسٍ وهاشم
وإنما ذهب إلى وصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به بل أتى بمعنى هو تابع لذلك بقوله) بعيدة مهوى القرط (.
ومن ذلك حسن التضمين قال الأخطل:
وَلقدْ سَما للخيرمي فلم تَقلْبَعْد الونى: لَكن تضايقَ مَقدمي
مثله لآخر:
خلقت على باب الأمير كأنَّنيقِفَا نبكِ مِنْ ذِكرى حَبيبٍ ومنزلٍ
وقال ابن الرومي:
قَال لي عُمرها وَقدْ غَازلتَنْيلا تعرجْ بِدارس الأطلال
التقسيم: قد ذكرنا أصول الشعر من المثل الشرود والتشبيه السديد والاستعارة البديعة في الألفاظ الرفيعة، ثم صرنا إلى البديع فذكرنا محاسنه من المطابقة والمجانسة والالتفات والتوابع كذلك من ذكر الإشارة والتضمين وقد سمى المحدثون أسماء في الشعر ولقبوه ألقاباً لم يكن يعرفها المتقدمون ونحن نذكر منها ما يستدل به على معانيها حتى لا يفوتك شيء مما يتعلق بمعرفة نقد الشعر إلاّ أحكمته، فمن ذلك ما سمّوه التقسيم.
سئل علي بن هارون عنه فقال: هو أن
يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به ويستوفيه، فلا يغادر قسماً يقتضيه المعنى إلا أورده.
كقول بشار:
بِضَرْبٍ يَذُوقُ الموتَ مِنْ ذَاقَ طَعْمَهُوَنُدركُ من نَجَّى الفرارُ مَثَالُبُه
فراحوا: فريق في الأسار ومثلُهُقتيل، ومثل لاذ بالبحرِ هَاربُه
قال من يقع به الطعن، ودارت رحى الحرب عليه غير ما ذكر وكان علي بن يحيى يقول: لم يقل في التقسيم أحسن من قول الشماخ:
مَتى تَقع أرساغُه مُطمِئنَّةًعلى حَجرٍ يَرفضُّ أو يَتَدحرج
وقال: ليس في الوطئ) الشديد (إلاّ أن يكون الحجر الموطئ رخواً أو صلباً فيدفع.
ثم قال أبو الحسن قال: أتى هارون بن علي، وأنا أقول أن أحسن ما قيل في ذلك قول القائل:
يطعُنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنُواضاربَ حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقَا
قال أبو الحسن: وأنا) أقول (:
إن يُلحقوا أكُرْر وإن يُستلحمواأشدد، وإن يُلقوا بضَنكٍ أنزلِ
المقابلة: وفي هذا المعنى بلغة كافية. يتلوه المقابلة، وذكر قدامة الكاتب - وكان من جهابذة الشعر - أن المقابلة:) هو أن يضع الشاعر معان يعتمد التوفيق بين بعضها وبعض
أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة أو يشترط شروطاً ويعدّد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وفيما يخالفه بأضداد ذلك.
قال: قلت له فأنشدني أحسن ما قيل فيه فقال قوله:
فيا عجباً كَيفَ اتّفقنا فَناصحٌوَفيّ ومطويٌّ على الغِل غَادِرُ
وقال الطرماح بن الحكيم:
أسرناهُمْ فأنْعمنا عَليهموأسقَينا دماءَهُمُ التِرابَا
فما صَبروا لبأس عنْد حَربٍولا أدّوا لِحسن يدٍ ثَوَابَا
فجعلوا إزاء أن سقوا دماءهم التراب وقابلوا أن يصبروا بازاء أن ينعموا عليهم أن يثيبوا. وقال: هذه المقابلة.
وقال علي بن هارون: كان يحيى بن علي يزعم أن أحسن ما قيل فيها قول النابغة:
فتىً تمَّ فيه ما يُسرّ صديقَهُعلى أنّ فِيه ما يَسوء الأعادِيَا
ففي هذا المثال كفاية في هذا الباب.
التسهيم: ويتلوه التسهيم، سئل علي بن هارون عن التسهيم فقال: هو لقب نحن أخترعناه، وكان بصناعة الشعر عارفاً. قيل: فما هو فأجاب بجواب
لم يبرزه بعبارة جلية إلا أنّ مفهومه:) إن صفة المسهم أن يسبق السامع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، وقال) إن (أحسن ما قيل في ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
فأقسمتُ يا عمرو لوْ نبَّهاكإذا نبّها منك داء عُضالا
إذا نَبها ليث عرّيسةٍمُفتياً مفيداً نُفوساً ومَالا
وخرقٍ تجاوزت مَجهولهبِوجناءَ حَرْفٍ تشكَّي الكَلالا
فكنتَ النهار به شَمْسَهوكنتَ دُجى الليل فيهِ الهلالا
وفي هذا المعنى بلغة كافية، وهذا شعر حسن.
المطمع:
قال أبو محمد: لكن اللقب غير دال على المعنى ولفظه، وأرى الملقب لم يقصد غير الإعراب به، وهذا النوع الذي ذكره هو من الشعر ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى
سمعك ويسمى المطمع، أي من يسمعه يطمع في قول مثله وهو من ذلك بعيد وقد أوردناه كما سمعناه ومثل ذلك في قلة الرشاقة لقب هو) التتبيع (وقد ذكرناه وذكر الملقب أن معناه:) أن يريد الشاعر معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه بل بلفظ تابع له. فإذا دلّ التابع أبان عن المتبوع وقد مضى هذا (. هذا قول صاحب التلقيب.
قال أبو محمد: ولا أرى ذلك واقعاً موقعه وهو في باب الإشارة أدخل وهو أن يريد الشاعر معنى فيأتي من غير لفظه بما يدل عليه، ومثل ذلك قول القائل:
وَقدْ كانَ متلافاً وصاحب نجدةومرتفعاً عن جِفن عِينيه حَاجِبه
يقول لا يفعل ببيته ويغض فيها طرفه.
ومن الألقاب المحدثة التبليغ) وسماه قوم (الإيغال:) وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً، قبل انتهائه إلى قافيته ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها لأن
بها يصير الشعر شعراً، فيزيد البيت رونقاً والمعنى بلوغاً إلى الغاية القصوى وأبرع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس:
كأنَّ عُيونَ الوحشِ حولَ خِبائناوأرحلنا الجزعُ الذي لَمْ يثقبِ
فقد أتى على التشبيه قبل القافية لأن عيون الوحش إذا ماتت وتغيرت هيأتها، أشبهت الجزع، ثم احتاج إلى القافية فبلغ الأمد البعيد في التأكيد لأنه إذا لم يثقب كان أوقع في التشبيه.
وزعم الأصمعي أنه إذا كان كذلك كان أصفى له وأحسن وحكى ابن دريد قال: قال له التّوزي: قلت للأصمعي من أشعر الناس؟ قال:) من يأتي إلى المعنى الحنسيس فيجعله بلفظه كبيراً، وينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إلى أفاد بها معنى (فقال: فقلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى حيث يقول:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليفلقَهافَلَمْ يضِرها وأوهَى قَرنهُ الوعِلُ
فقد تم الكلام فلما أحتاج إلى القافية قال:) الوعل (فزاد معنى قال فقلت له: كيف صار الوعل مفضلاً على كل من ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرونه، فلا يضره. ومن ذلك قول ذي الرّمّة:
أظُنُّ الذي يُجدي عليك سؤالهادموعاً كتبديد الجُمان المفصَّلِ
فتم كلامه قبل قوله:) المفصّل (وزاد شيئاً أفاده بالقافية.
الاستثناء: يتلوه بعد ذلك ما سماه بعض الأدباء) الاستثناء (، وعبر عنه ابن المعتز بأن قال:) تأكيد مدح يشبه الذم (.
فمن ذلك قول النابغة:
ولا عيبَ فِيهمْ غَير أنّ سيوفَهُمْبِهنّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائبِ
ومثله قول الآخر:
فَلا تُبعدن إلا مِنْ السوء إننيإليكَ وإن شطّتْ بِكَ الدار نَازعُ
ومثله قول بعض الأعراب: خَرقاء إِلا أنها صَنَاعُ ومثله قول النابغة الجعدي:
فتىً كملتْ أخلاقهُ غير أنَّهُجوادٌ فَما يُبقي من المالِ بافِيَا
ومن مليح قول المحدثين في هذا قول أبي هفّان
فإِن تسألي عنا فإِنّا حُلى العُلابني عامرٍ والأرض ذات المناكبِ
ولا عيبَ فينا غير أنّ سماحناأضّر بنا والناس من كلّ جانبِ
فأفنى الردى أعمارنا غير ظالمٍوأفنى الندى أموالنا غير عَائبِ
أبونا أبٌ لو كان للناس كلهِّمأباً واحداً أغناهُمُ بالمناقِبِ
وهذا مثال في هذا الفن كاف.
الاستطراد: يليه الاستطراد: حكى محمد بن يحيى الصولي قال: سمعت البحتري يقول: أنشدنا أبو تمام لنفسه يهجو عثمان بن إدريس:
وسابح هَطل التَّعداء هَتّانعلى الجراء أمينٍ غير خَوَّانِ
أظمى الفُصوصِ وما تظمئ قوائمهفَخَلَّ عينيكَ في ظمآن رَيّانِ
فَلو تَراهُ مُشيحاً والحصى زِيَمٌبين السنابكِ من مَثْنى وَوحْدانِ
أيقنتَإن لم تَثّبتْ أنَّ حافِره مِنْ صَخرِ تَدْمُر أو مَنْ وجهِ عُثمانِ
ثم قال لي: ما هذا من الشّعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا المستطرد يريد وصف الفرس، وهو ينوي هجاء عثمان، والزيم المنقطعة، واحتذى هذا البحتري فقال، في
قصيده يمدح بها علي بن محمد القمي، و) يصف (، فرساً، فقال:
وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ مُحَجَّلٍقَدْ رُحْتُ مِنْه على أغرَّ مُحَجَّلِ
كالهيكلِ المبِّني إلاَّ أنَّهُفي الحُسنِ جاء كَصورةٍ في هَيْكلِ
ملكَ العيونِ فإِنْ بدا أعْطيتهُنَظَرَ المَحِبِّ إلى الحَبيبِ المقبلِ
ما إنْ يَعافُ قَذَىّ ولو أوْردَتهُيوماً خلائقَ حَمْدَويهِ الأحْوَلِ
وكان) حمدويه (هذا عدواً للممدوح فاستطرد به. وحكى عن أصحاب البحتري أنه قيل له: إنك سرقت بهذا المعنى لأنك سرقته من أبي تمام، فقال: أعاب عليَّ أخذي من أبي تمام؟ والله ما قلت شعراً قط إلا بعد أن أخطرت شعره بفكري ثم أسقط البيت بعد ذلك من شعره، فلا يكاد يوجد إلاَّ في أقل النسخ.
قال أبو محمد: فليت حصل لنا من أبي الطيب المتنبي الذي زعم أنه قال
الشعر، وما يعرف أبا تمام من الإقرار بأخذه عنه مثل ما حصل لنا من البحتري مع كثرة أخذ أبي الطيب منه على قلّة شعر أبي الطيب وكثرة شعر البحتري، وكان استعمال الصدق في من أراد أن يسرق النبوة أحسن به. ومثل ذلك قول زهير:
إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كانَ ولكن الجَواد عَلى علاَّتِه هَرِمٌ
أراد أن يستطرد بهرم، وهذا استطراد يخرج به من ذم إلى مدح. ويقال إن حماد عجرد لما هجا بشاراً فقال:
نُسِبْتَ إلى بُردٍ وأنتَ لِغَيرهوَهَبك ابن بُرد نِكْت أمك منْ بُرد
فذكر رواية بشار، أنه لما سمع هذا البيت بكى، وقال: ما له لعنه الله أكنت أروم هذا المعنى لأهجوه به فلا يطردني ومثل هذا البيت:
أنْتَ ابن بِيضٍ لعَمْرِي لَسْتُ أنْكِرُهُحقاٍّ يقيناً وَلَكِنْ مَنْ أبُو بيضِ
وقال في الاستطراد إسحاق بن إبراهيم:
وَصافيةٍ تَعْشى العيونَ ضِياؤهارَهينة عامٍ في الدِّنانِ وعَامِ
أدَرْنا بها الكأسَ الرَّويةَ موهناًمِنَ الليلِ حَتَّى إنجاب كُلُّ ظلامِ
فما ذرَّ قَرْنُ الشَّمس حَتّىمن العَي نَحْكي أحْمد بن هُشامِ
وقد يقع استطراد من مدح إلى ذم كقول) بكر بن نطاح (في مالك بن طوق:
عرضت عليها ما أرادتْ مِن المنىلِترضى فَقَالتْ: قُمْ فَجِئني بِكوْكَبِ
فَقُلْتُ لَها: هَذا التَعنتُ كلُّهُكَمِنَ يَشْتَهي لحم عنقاء مُغْربِ
سَلي كُلّ أمر يَسْتقيمُ طلابُهُوَلاَ تَذْهَبي يا بدرُ بي كُلَّ مَذْهَبِ
فَأقسم لَوْ أصْبحتُ في عِزِّ مالكٍوَقدرته أعيا بِما رَمَتْ مَطْلبيِ
فَتىً شَقِيتْ أموالُه بِسماحِهكما شَقِقَيتْ قَيس بأرماحِ تَغْلُبِ
الحشو السديد: يتلوه الحشو السديد في المعنى المفيد كقول بعض الأعراب القدماء:
وَعودٍ قَليلُ الذنْبِ عَاودتَ ضَرْبَهُإِذا هَاجَ شَوْقي من مَعَاهِدِها ذِكْرُ
وَقُلتْ لَهُ ذلفاءُ، ويحك سبَّبتْلَكَ الضربَ فأصبِرْ إِنَّ عَادتُكَ الصَبْرُ
وقال أبو الوليد عبد المليك بن الحريم الحارثي:
لو بِكَ لا يكن بِكَ لا عِنْدِيوَراحَ إلْيكَ البرى والتَقربِ
وقوله) لا يكن بك (حشو مليح،
وكقول، ابن المعتز:
وَخيل طَواها القَوْدُ حَتَّى كأنَّهاأنابيبُ سُمْرٍ من قنا الخَطِّ ذُبَّلُ
صَبَينا عليه ظَالمين سِياطَنافَطَارتْ بِها أيدٍ سِراع وأرجُلُ
فقوله:) ظالمين (حشو مليح في لفظ مفيد، وقال ابن الرومي:
محلّ أيادِيكم بحقٍّ وإنّهالَديكمْ بِلاَ حَقٍّ لمحتقراتِ
فقوله) بحق، وبلا حق (حشو مفيد، وتقسيم سديد. وأحسن من هذا كله ما تقدم ذكره في عيون الوحش لامرئ القيس ومثله له
جَمعتُ رُدَينياً كأنَّ سِنَانَهُسَنَا لَهبٍ لَمْ يَسْتَعِرْ بِدُخَانِ
وهذا من النحو الذي يريد فيه الشاعر من كلامه ما هو من تمامه، وكم بين هذا وبين قول أبي العيال الهذليّ:
ذَكرتُ أخَي فَعَاودَنِيصُداعُ الرأسِ والوَصَبِ
فالصداع في الرأس حشو فارغ، ومثله قول الديك:
فَتنغمتْ في البيتِ إذْ مُزِجَتْبِالماءِ، واستلَتْ سَنا اللهبِ
كَتنفُّسِ الريحانِ مازَجَهُمِنْ وَرْدِ جُورٍ نَاضِرُ الشُّعبِ
فذكره) المزج (يعني) والماء (فضل لا يحتاج إليه، وقد قصر عن أبي نواس في قوله:
سلبوا قِناعَ الطّينِ عنْ رَمقٍحيِّ الحياةُ مُشَارِفِ الحَتْفِ
فتنفستْ في البيتِ إذ مُزِجَتْكتنفّسِ الرَّيحانِ في الأنْفِ
فهذا مثال في هذا الباب كاف.
الإغراق: باب يسميه المحدثون الإغراق ويسمى الغلوّ وطائفة من الأدباء يستحسنونه
قول الأفوه
ويقولون) أحسن الشعر أكذبه (والغلو يراد به المبالغة في مجيء الشاعر بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود وقد أتت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لِما كان بخلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق.
قال أبو محمد: وما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس منهم الصدق إنما يلتمس منهم حسن القول، والصدق يلتمس من أخبار الصالحين وشهود المسلمين فمن هذا القول قول الأفوه:
وَتَرى الطَّيرَ على آثارنارَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أن ستمار
أخذه النابغة فقال:
إذا ما غَزوا بالجيش حَلّق فَوقهُمْعَصائبُ طيرٍ تَهْتدي بِعصائبِ
جَوانح قَدْ أيقنَّ أن قبيلَهُإذا ما التقى الجمعَانِ أوَّلُ غالِبِ
لَهُنَّ علْيهِم عادةٌ قَدْ عرفنهاإذا عُرَّضَ الخَطيُّ فوقَ الكوائِبِ
واستجاد قوله بعض المحدثين من المؤلفين فقال مثل ابن الأفوه مثل ابتداء النابغة.
قال أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك لأن الأفوه سبق وأقتصر وشرح مراده في بيت وأطال النابغة، وأتى بإرادته في أبيات، وهذا حيف من قائله أو ضعف في النقد، ونقد الشعر صنعة، وما أكثر ما يعيب محاسنه عن كثير من العلماء وتستخرجه قرائح العقلاء، وقد أتبع هذا من المتأخرين مسلم فقال:
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عادات وَثِقْنَ بِهافَهُنَّ يَتْبعنْهُ في كُلِّ مُرْتَحل
وقال أبو نواس:
تَتأيَّأ الطيرُ غَدْوتهثِقَةً بالشّبْعِ من جَزَرِهْ
وزعم عمرو الوراق قال: قلت له ما تركت للنابغة شيئاً - فقال: أسكت -
فإن كان قد سبق) إليه (فما أسأت الإتباع.
قال أبو محمد: والمعنى المعنى بعينه، والسبب الذي ما أساء فيه الإتباع هو اختصار ما أطاله النابغة وما في قوله:) حلّق (دلالة على سبب التحليق، والطير اسم للجنس بعمّة وعصائب بعد عصائب منها فارغ.
وقال بعض الأعراب في صفة فرس:
جَاءَ كَلمعِ البرْقِ جَاءَ ماطِرُهْيَسْبحُ أولاه وَيَطْفو آخرُهْ
فما يَمَسّ الأرضَ مِنْهُ حَافِرُهْ سرقه خلف الأحمر فقال في ثور وحشي:
فكأنَّما جَهَدتْ إلْيتُهُألاّ تَمسَّ الأرضَ أرْبَعُهُ
وقوع) كأنَّما (هاهنا يخرجه عن حد المحال وهو خبر أنّ أربعه لا تمس الأرض فكأنَّهُ أقسم على ذلك فهو مجتهد في أن يبر) إليته (وكان الشاعر الأول
أشد أعترافاً، والثاني أقرب إلى الصدق من الأول وأكثر توقياً ومثل ذلك قول القائل:
ما إنْ يَقِعْنَ الأرضَ إلاَّ فرطاكأنَّما يُعْجِلْنَ شيئاً لقْطا
فجوز الوقوع إلا أنه قليل. ومن الألفاظ قول مهلهل:
فلولا الريحُ أسْمعُ من بحِجرصَلِيلُ البِيض تُقْرَعُ بالذِكُورِ
وبين) حجر (والوقعة مسافة بعيدة، وقال سلم بن عوف:
فَلوْ أنّها تَجْري عَلى الأرضِ أدْرَكَتْولكنما يُطلينَ تِمثال طَائِرُ
وقول امرئ القيس أحسن من هذا ممن يستحسن الاقتصاد وقلة الإِحالة وذلك قوله:
كأنَّ غُلامي إذْ علاَ حال مِتْنَهعَلى ظَهْرِ بَازٍ في السماءِ مُحَلّقُ
فقوله:) كأنَّ غلامي (اقتصادي في القول. وكذلك قال معاوية بن مرداس:
يَكادُ في شأْوه لَوْلا أُسْكِّنهُلَوْ طَارَ ذو حَافرٍ من سُرعةٍ طَارا
ومثله لبعض الأعراب:
فَلَو طَارَ ذو حَافرٍ قَبْلهالَطارَتْ ولكنَّهُ لَمْ يَطِرْ
فهذا مثال كاف في هذا الفن.
يتلوه: حسن الخروج المليح إلى الهجاء والمديح وهو في شعر المحدثين أكثر فمن ذلك في الهجاء قول حسّان:
إنْ كُنت كَاذِبة الذي حَدَّثَتْنيفَنَجوت مَنْجى الحارث بِنْ هُشام
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونهُمْوَنَجا برأس طِمَّرةٍ وَلِجَام
وقد حكى علي بن هارون قال: سألت أبي عن أحسن تخلص يخلص منه شاعر إلى مدح أو ذم، فقال: هذا مذهب تفرد به المحدثون، وقلّما يتفق الإحسان لمحدث، فأمّا ما وجدت أهلي فجمعت على حسنه في التوصل إلى المدح، فكقول محمد بن يوسف:
ما زالَ يُلثِمُني مراشِفَهُويُعِلُّني الأبْريقُ والقَدَحُ
حَتى أستردّ اللْيلُ خَلْعَتهُوَبدا خلال سَوادِهِ وَضَحُ
وبر الصبّاح كأنّ طَلَعتَهُوَجْهُ الخَليفةِ حِينَ يُمتدحُ
قال أبو محمد: ومن أحسن ذلك عندي قول أبي تمام:
لا والَّذي هو عَالِم أنّ النوىصبرٌ وأنّ أبا الحُسَيْن كَرِيمُ
ما زلتُ عَنْ سننِ الوِدَادِ ولا غَدَتْنَفْسي عَلى إِلفٍ سِواك تَحُومُ
وقال البحتري:
قَدْ قُلْتُ للغيث الرُّكامِ وَلَحّ فيإبْراقِه، وألحَّ في إِرْعَادِهِ
لا تعرضنَّ لجَعْفر مُتشبّهاًلندى يَديْه فَلستَ مِنْ أنْدَادِهِ:
وقال أيضاً:
أقْسمت لا أجْعَل الإِعدامَ حادِثةًتُخْشَى) وعيسي بن إبراهيم (لي سَنْدُ
قال أبو محمد: ومما ابتدأه في هذا الباب مسلم في قوله:
أجدّكِ هَلْ تَدْرين أنْ رُبّ ليلةكأنَّ دُجَاها من قُرونكِ يُنْشَرُ
نصبت لها حَتَّى تجلّتْ بِغُرّةٍكغُرةِ) يحيى (حِينَ يُذْكرْ) جَعْفَرُ
قال ابن الجهم في السحابة:
فَلَما قَضَتْ حَقَّ العراقِ وأهْلِهِأتاها من الرِّيح الشمال بَريدُها
فَمَّرتْ تَفوتُ الطْرفَ سبقاً كأنَّهاجُنود عُبَيْد الله وَلّتْ بُنودُها
يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سرّ من رأى عند قتل المتوكل.
قال أبو محمد: وهذا المعنى مما عكسه ابن الجهم من قول أبي العتاهية:
وراياتٍ يحُلّ النّصْر فِيهاكأنَّ زُهاءها قِطع السَّحابِ
فجعلها أبو العتاهية في رايات منصورة وجعلها ابن الجهم في مهزومة.
قال أبو محمد: وهذا من لطف صياغة الشاعر وفطنته أن يجعل الشيء مدحاً ويعكسه في ذم.
قال أبو محمد: وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد الشعر فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره لتفاضل بين الشعراء بأصل وتنطق بعدل. ثم قد حسن الآن أن أورد ما قدمت الوعد به من شرح ما أخذه أبو الطيب، ولا أشرح إلا ما يقع فيه المعنى الذي لو كان له وقع بمثله وجماله، وحسن به مقاله أو ما قارب ذلك، فأمّا الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات فإني لا أشتغل بإيرادها ولا أطيل الكتاب باعتمادها ولكني أخاف أن يظن بنا غفلة عنها لا التجاوز لها فاحتاج إلى إيراد شيء من ذلك خوفاً مما ذكرت لك ولا يكون في غاية الفراغ من معنى يتعلق به، فإذا كان أبو الطيب يسهل عليه أخذ غير فائق ولا رائق لم يغفل عمّا اهتم به على أني لا أذكر المعاني التي قد كثّرت الشعراء استعمالها وواصلت استبدالها وصار موردها قد حصل له أسم السارق ولم يظفر بمعنى فائق، وذلك كتشبيه الوجه بالبدر، والريق بالخمر والمسك والماء الزلال، والقد بالغصن، وما أشبه ذلك من المتكرر المتردد
والمألوف المتعود وإنما أعذر سارق هذه الألفاظ المتداولة والمعاني المتناولة إذا زاد في معناها أو تملح في ألفاظها كقول ابن المعتز في صفة القد:
يا غُصناً إنْ هزَّهُ مَشيهُخَشِيتُ أنْ يَسْقُطَ رُمَّانُهُ
هذه الخشية من سقوط رمان الغصن وجمعه في البيت تشبيه الثدي والقد من أملح كلام وكقوله في تشبيه الوجه بالبدر:
مَوْسومةٌ بالحُسن مَعْشوقةٌتُميت من شاءت وتُحييهِ
باتَ يُرِينِيها هِلالُ الدّجَىحَتَّى إذا غابَ أرتنيهِ
فهذا كلام وإن كانت فائدته فائدة قوله: وجهها مثل البدر فترتيب كلامه في) أ (بياته كل واحد منهما عن صاحبه في عينيه مليح جداً كقول ابن الرومي:
يا طيبَ ريقَ بَاتَ بدر الدُجَى لمحة بَيْن ثَنَاياكا
يَروي ولا ينهال عنْ شُرْبهوالماءُ يُرويكَ ويَنْهاكَا
أنظر كيف قرن تشبيه الريق بالماء بلفظ مليح صار به المألوف غريباً والمبتذل عجيباً هذا وما أشبهه من الألفاظ المتداولة والأبيات الفارغة. فإذا رأيتني
أغفلته فلا يحمدّن حامد نفسك عندك استخراج سرقاتها، ولا يظنّ بنا عجزاً عمّا قدر عليه ولا جهلاً بما وصل إليه، لكنّا تركناه عمداً، وحذفناه قصداً ولولا خوفنا من ظنون هذه الطائفة لأوردنا المعنى الفائق، واللفظ الرائق الذي يتجمل به إذا كان إليه سابقاً وتقبيح به إذا كان سارقاً وحذفنا ما لا يكسب الأخذ فضيلة، ويلحقُ الأخذ رذيلة، ونحن نبدأ الآن بشعر أبي الطيب من أوله إلى آخره، والله المعين والموفق للصواب.
) بسم الله الرحمن الرحيم (أولُ شعرٍ قالهُ أبو الطيب أحمد بن الحسين قوله:
بأبي مَنْ وَددْتُهُ وافَترقْناوَقَضَى اللهُ بَعْدَ ذَاكَ اجْتِماعا
وافترقْنا حَوْلاً فَلمّا التقيناكانَ تَسْلِيمُهُ عَليَّ وَدَاعَا
البيت الأول هو الفارغ قلت لا ألتمس له استخراج سرقة. والبيت الثاني هو بيت المعنى وهو مأخوذ من قول أبي الحسن جحظة أنشدنيه أبي ﵀:
زائرٌ نَمَّ عليه حُسْنهكيفَ يُخفي الليلُ بدراً طَلعَا؟
راقَبَ الغفلة حَتَّى أمكنتْورعا الحَارس حَتَّى هَجَعَا
ركب الأهْوالَ في زَوْرتِهثُمَّ ما سَلم حَتَّى وَدّعَا
قال أبو محمد: ولا أعرف في بيت أبي الطيب زيادة يفضل بها من سرق منه وهذا الجنس من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى يزيد نظام على نظام السابق أولى ببيتيه، وأنشدت لأبي الشيص:
يا حبّذا الزورُ الذي زَاراكَأنَّهُ مُقتبسٌ نَارا
نَفْسِي فِداء لكَ من زائرٍمَا حَلَّ حتَّى قِيلَ قَدْ سَارا
مَرَّ بِبابِ الدَارِ فاجْتازهايَا ليْتَه لَوْ دَخَلَ الدَارا
يتلو هذين البيتين ثلاثة أبيات أولها:
أبلى الهَوى أسفاً يَوْم النَّوى بَدنيوَفرَّقَ الهَجْرُ بينَ الجَفْنِ والوَسَنِ
فهذا فارغ لا ذكر فيه وثانيه قوله:
روحٌ تَردّدُ في مِثْلِ الخلال إذَاأطارتْ الرّيحُ عَنْه الثَّوْب لَمْ يَبِنِ
وإنما ذكرنا لك هذا البيت لنذكر لك استحالة لفظه، فأمّا معناه فمستعمل ولفظه مستبذل لأن تشبيه جسمه بالخلال كثير جداً ومنه قول ديك الجن:
ارحمْ اليوم ذِلَتي وَخضوعيفَلَقدْ صُرْتُ ناحلاً كالخِلالِ
فالتشبيه كالتشبيه سواء: فإن قلت: ففي بيت أبي الطيب زيادة في أنّ الريح إذا أطارت عنه الثوب لم يبن والخلال يبين للناظر ولا يثبت الثوب على مثل الخلال وإن كان أخفّ ثوب وإنما نبهه على هذا بشار في قوله:
سَلَبت عِظَامي لَحْمها فَتركْتَهاعَواري في أجْلادِها تَتكسرُ
وأخليت منها مخها فَتركتُهاأنابيبَ في أجْوافِهَا الريح تَصفرُ
خذن بِيدي ثُمَّ ارْفعي الثوبَ فانْظريضَنى جَسدي لكنَّني أتَسَتَّرُ
وليسَ الذي يَجْري مِن العَين مَاؤهاولكنها نَفْسٌ تَذوب فَتَقْطرُ
وهذا أصح على مذهب من جهد الاقتصاد، وذلك أنه خبر عن ضنَّى يسير بستره ثوبه على بدن لا يتبين للناظر وهي مبالغة مستحيلة، وللشعراء مبالغتان ممكنة ومستحيلة والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل، فمن ذلك قول القائل:
مَنَعَتْ مهابتُكَ القلوبَ كَلامهابالأمرِ تَكْرههُ وإنْ لَمْ تَعلمِ
فبالغ وأحسن فادعى ممكناً في الهيبة، وأراد أبو نواس المبالغة في الهيبة فقال ما أسرف فيه وهو:
وَأخفتَ أهْلَ الشّرْكِ حَتَّى إنَّهُلَتخافُكَ النُّطفُ التي لَمْ تُخلقِ
قال أبو محمد: فهذا الكلام وإن أمكن المنتصر له أن يقول قد قيل أحسن الشعر أكذبه وإنما يريد أن يخرج عن حدّ الموجود إلى حدّ المفقود ليدلّ بوصفه الغاية وتجاوز النهاية، فأراد أبو نواس أن يدل على أنّ المخلوق من الممدوح على نهاية الخوف، إذ كان يطلق الخوف على من لم يخلق، ولا يجوز عليه الأمن والخوف.
قال أبو محمد: قلنا له هذه إرادته لا محالة ولكن إرادة الشاعر الذي قبله عند من حمد الأقتصاد، وفضل هذا الممكن أفضل وهذا الباب أكثر من أن يحصى وليس مما قصدنا له فيستحصى، وهذا مثال في علم المبالغة كاف، وقد قدمت، ذكر شيء منه في الرسالة والبيت الثالث قوله:
كَفى بجسمي نُحولاً أنَّني رَجلٌلَوْلا مُخَاطَبتي إِيّاكَ لَمْ تَرَني
أخذه من قولِ القائل:
برى ضنىً لمْ يَدعْ مني سوى شجىلَوْ لَمْ أقلْ هَاأنا لِلَّناسِ لَمْ أبِنِ
ولا فرق بين اللفظين والمعنيين وهذا من باب مساواة الآخذ المأخوذ منه وصاحب البيت الأول أولى به.
وقد قال آخر:
هَا فانظُروني سَقيماً بَعْد فِرْقتكمْلَوْ لَمْ أقلْ هَاأنا لِلناسِ لَمْ أبنِ
لَوْ أن إبرةَ رَفّاءٍ أكلّفُهاجَريتُ في ثُقْبها منْ دقّةِ البدنِ
وبعد ذلك أبيات في جرذ قتله رجلان، لو كان طرحها من ديوانه لاستغنى عنها ولا يلتمس لمثلها استخراج سرقه لفراغها. أولها:
لَقَدْ أصْبحَ الجُرذْ المستغيرُأسِيرَ المنايا صَريعَ العَطَبْ
وأتبعها بأبيات سقط عن راويها، النصف الأول من ابتدائها وذلك قوله: سَيْفُ الصّدُودِ على أعْلى مُقلِّدِهِ بغير تمام، وذلك يدلك على أنها غير مقروءة عليه وإذا كان سيف الصدود على مقلده، فلا معنى لا على مختص به وهو حشو لا يحتاج إليه، يليه بعده:
ذَمَّ الزَّمانُ إلْيهِ مِنْ أحبَّتهما ذَمَّ منْ دَهْرِه في حَمْدِ أحْمدِهِ
هذا البيت كما ترى كأنَّه رقية عقرب، وقد تكلف بعض أدباء عصرنا تفسيره فقال) الهاء (في) إليه (عائدة على) العاشق (ورواه:
م ذَمَّ مِنْ بَدْرِه في حَمْدِ أحْمدِهِ
و) البدر (هو معشوقه، وصير) المعشوق (بدر الزمان مبالغة في حسنه و) أحمد (يعني نفسه وجعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد مثله. والمعنى: أن هذا العاشق كان يتذمر من معشوقه الذي هو بدر الزمان جفاءه فاجتمع الزمان معه على ذمّ تلك الحال من معشوقه في حال حمد الزمان لأحمده أي فالزمان معه يذمّ هجر أحبته، وأحمد لفضله ونجابته: قال أبو محمد: وليس هذا المعنى مما يلتمس له استخراج سرقة وإنما ذكرته لِما أشترطه في ذكر غث كلامه. وقد تكلف المفسرون مشقة في تفسير غير مفيد ولا سديد، وهذا الكلام القليل الفصول الكثير الفضول البيّن التكلف المشبه ألفاظ
أهل التصوف، وأتبع ذلك بأن قال بيتاً زاده هذا المفسر لم أجده عندي وهو:
شَمْسٌ إذا الشَّمْسُ لاقَتُه على فَرَسٍتَردَّدَ النُّورُ فيها مِنْ تَرَدُّدِهِ
قال أبو محمد: فقوله:) على فرس (كلام سخيف ونسيج ضعيف لأنه جعله) شمساً يتردّد النور فيها من تردده (ما كان على فرس، ويسقط هذا الوصف عنه عند نزوله عنه إذا وقفه لا يتردد والمعنى في الشمس لأبن الرومي ما هو أجزل من هذا، وهو قوله:
عُجبتُ لِلشمسِ لمْ تكسَفْ لمهلكهِوهو الضِّياء الذي لَوْلاه لمْ تَقِد
قال أبو محمد: وهذا من الأقسام المذمومة، لأنه نقل جزلاً إلى رذل ثم قال:
إنْ يَقْبحُ الحُسْنُ إلا عنْدَ طَلعْتِهِفالعبْدُ يقبحُ إلاَّ عِنْدَ سَيِّدِهِ
فسر هذا بعض المتكلفين فقال) إن (معناه: إنّ الحسن ليقبح عند إضافته إلى إشراق حسنه لنقصانه عنه كما أن العبد لا يحسن عند أحد حسنه عند مولاه.
قال أبو محمد: وهذا تفسير غير واضح ومعنى غير لائح لأن هذا التفسير إنّما يصح لو كان البيت لا يقبح الحسن إلا عند طلعته كالعبد يقبح إلاّ عند سيّده
على أنّي لا أعرف هذا التشبيه ما هو، وقد يمكن أن يستحسن الناس شيئاً لا يستحسنه مولاه ويتمنّون ملك من لا يعبأ به مالكه ولا أعلم في هذا الشعر أصلح من قوله:
نَفْسٌ تُصغّرُ نَفْسَ الدَّهْر من كِبَرٍلَها نُهَى كَهْلِه في سن أمْردِهِ
ومثله قول البحتري:
حَدثٌ يوقّرُهُ الحجى، فكأنّماأخذ الوقار منْ المَشيبِ الشَّاملِ
وأخذه جميعاً قول مسلم:
كَبيرهُمْ لا تَقومُ الرَّاسياتُ لَهُحِلْماً وطِفْلُهُم في هدي مُكْتهِلِ
ويتلوها قصيدة أولها:
أهْلاً بدارٍ سَباكَ أغْيدهاأبْعدَ ما بانَ عَنْك خُرَّدُها
نذكر ما بلغه علمنا من مسروقها فمن ذلك:
ظَلت بِها تَنْطوي على كبدٍنَضيجةٍ فَوْق خِلبها يَدُها
قال أبو محمد: هذا مأخوذ من أبيات أنشدها محمد بن داود الجراح.
لَهُ من فوق وَجْنتهيَدٌ ويَدٌ على كَبدِهِ
يَسكنُ قَلْبُه بيدٍويمنحُ غَيره بِيدهِ
فالشعر المأخوذ أعذب لفظاً، وقد خبر عن شغل يديه وفر فملح وأوضح،
وهذا من السرقة المذمومة، لأنه قد زاد الأول في المعنى فأتم به، فلفظه أعذب فهو أرجح وأحق بما قال.
وقال المتنبي:
يا حادَيي عِيرِها وأحْسبُنيأُوجَدُ مَيتاً قُبيْلَ أفقدُها
قال أبو محمد: هذا متداول المعنى مبتذل المبنى فمنه قول ابن أبي فنن:
تَنادوا بليلٍ إن رحلتنا غداًوناديت إنْ كانَ الفِراق غداً مِتُّ
وقال ابن المعتز:
قَالوا: الرَحيل غداً لا شَكَّ قُلت لَهُمْبَلْ موت نَفْسي من قَبْل الرحيلِ غَدا
إني إذاً لصبورٌ إنْ بَقيتُ وَقدْقَالوا الرحيلَ وإنْ لم يَرحلوا أبَدا
فالبيت الأول من قسم المساواة في الكلام والبيت الثاني زيادة في المعنى ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
قِفا قليلاً بِها عليَّ فَلاأقلَّ من نظرةٍ أُزوَّدُها
قال أبو محمد: معنى هذا البيت غير غريب، ولكن أبا الطيب لا يحقر شيئاً بل يأخذ الشعر الرفيع والوضيع، وهو في الأخذ كما قال ابن المعتز في العِشق:
قَلبي وثّابٌ إلى ذَا وذالَيْسَ يرى شيئاً فيأباهُ
يَهيمُ بالحسنِ كما يَنْبغيويَرهمُ القُبحَ فَيهواهُ
وقال أبو محمد: فيجب علينا الاهتمام بما أهتم به وهذا البيت من قول ذي الرمّةِ:
فإِنْ لَمْ يكُنْ إلاّ تعلّلَ ساعةٍقَليل، فإِني نَافعٌ لي قَليلها
وهو من قسم المساواة. وقال ابن أبي فنن:
مَا ضر لوْ زودت خِلك نَظْرةًقَبل الرحيلِ وقلت قولاً تجَمل
وقال) المتنبي (:
فَفي فؤادِ المُحبّ نارُ هوىًأقل نار الجَحيم أبْردُها
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع