تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح التبريزي الموسوم بالموضح

﷽

هذا ما أخذ على الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي في تفسير شعر أبي الطيب المتنبي.

من ذلك قوله:

أسَفي على أسَفِي الذي دلهُتنِيعن علْمه عَليُ خَفَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: المعنى، أني أحزن لذهاب عقلي، حتى أني خفي علي حزني، لما لقيت فيك من الجهد.

وأقول: هذا لا يستقيم؛ لأن من ذهب عقله لا يحزن لشيء ولا يفرح به ولا يخفي عنه ولا يبدو له، والمعنى: أني كنت أتأسف عليك، لشدة شوقي إليك، فبلغت من السقم والنحول إلى الحال دلهتني عن علم الأسف، فأنا أتأسف على ذلك الأسف؛ لأنه كان وبي رمق وفي بقية. فيقال على هذا: إذا دلهته عن علم الأسف، فكيف لم تدلهه عن أسفه على الأسف؟!

وقوله:

وشكَيتُي فَقْدُ السُقام لأنهقد كان لماُ كانَ لي أعضْاَءٌ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

ذكر المعنى، إلا عقبه بقوله: ومحصول البيت؛ انه يطلب أعضاءه لا السقام وذلك غير سائغ، بل محصول البيت، أنه يطلب حال أصلح من الحال التي هو فيها، وإن كانتا غير صالحتين، وهذا ينظر إلى قول الشاعر:

رُبُ يومِْ بَكْينٌ منه فلمُاضِرْتُ في غَيْرِهِ بَكَيتْ عَلَيهِ

وقوله:

يَتَلَوُنُ الخرُيتُ من خَوْفِ التُوىَفيها كَماَ تَتَلَوُنٌ الحِرْبَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

ذكر المعنى، إلا أنه نقضه، وقد ذكرته في شرح الواحدي.

وقوله:

يَتَلونَ الخرُيتُ من خوْف التُوْىفيها كَماَ تَتَلَونُ الحرْباءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: يتلفت يمنة وشامة.

وأقول: ليس في البيت ما يدل على ذلك، والتلون هنا هو تغير اللون خوف الهلاك بالضلال كتلون الحرباء، وتلونه مذكور مشهور.

وقوله:

لا تَكثُرٌ الأمْواتُ كَثْرةَ قلةٍإلاُ إذاَ شَقَيتْ بها الأحياءْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال: إن الأحياء إذا بك كثر الأموات، وترك الكثيرة يؤدي القلة، إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت، وإما لأن الميت يقل بنفسه.

وأقول: إن تقسيمه هذا ليس بحسن، بل كان ينبغي له أن يقول: إن قوله: كثرة قلة، لا تخلو قلة من أن تكون للأموات أو للأحياء، فإن كانت للأحياء؛ فلا فائدة في ذلك؛ لأن الكثير في الأموات قلة في الأحياء، وإن كانت للأموات، وهو الصحيح فقد جرت العادة أن زيادة الشيء يكون لفائدة، ولا فائدة في كثرة الأموات؛ فكثرتهم بمنزلة القلة؛ فهذا هو المعنى.

وأما قوله:

...... شقيت بك الأحياء

فقد قيل فيه: إن معنى بك بموتك وهو قول أبن جني.

وقيل: ببأسك

وقوله:

لم تشُم يا هارونُ إلاُ بعدماْ اقْترَعَتْوناَزعَتِ اسمْكَ الأسْماَءْ

ذكر فيه تفسير ابن جني، وهو الصحيح، وذكر تفسير المعري وهو القبيح! والرد عليه ذكره له الظهور فساده، ثم أردفه بتفسير البيت التالي على قول المعري، وذلك كلم على كلم!

وقوله من قصيدته التي أولها:

ألاَ كٌلُ مَاشيةَ الخَيَزَلَي......

فما كان ذلك مدحا لهولكنه كان هجو الورى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال: كانت طباعه تنافر طباع الناس، سفالاً، ثم مدح فذلك هجو لهم.

وقوله من قصيدته التي أولها:

لا يخْزِنِ الله الأمير فإنني .........

وإنُي وإن كان الدُفينٌ حَبيبِهُحَبيِب إلى حبِيبُ حبيِبي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: أي: يلزمني أن أحب من يحيه؛ فالمدفون وإن كان حبيبه، فهو حبيبي لأجل سيف الدولة.

وأقول: إنه قصر في هذا التفسير، وهذه العبارة! والمعنى: إن كان يماك الدفين حبيب سيف الدولة؛ فهو حبيبي لأن سيف الدولة حبيبي؛ فيلزم أن يكون حبيبه حبيبي. وهذه نتيجة المقدمتين.

ومثل هذا علي ﵇: أصدقاؤك ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك. أعداؤك ثلاثة: عدوك وعدو صديقك، وصديق عدوك.

وقوله فيها:

سُبقْنَا إلى الدنُيا فلو عَاش أهْلُهاَمٌنعْا بِهاَ منْ جِيئةٍ وذٌهُوبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ذكر فيه معنيين.

ويحتمل معني ثالثا: أي: لو عاش أهل الدنيا، لامتلأت من الخلق، فمنعنا من الحركة؛ المجيء والذهاب لكثرة الناس، وفي هذا تسلية له بكثرة من مات من الناس.

وقوله فيها:

ولولا أيادي الدُهْر الَجمْعِ بينَناَغَفَلناَ فَلَم نْشَعْرْ له بذُنُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: المعنى أن الدهر لو لم يحسن إلينا بالجمع بيننا، ولكنا غافلين في العدم.

وذكر عن ابن جني قال: لولا إحسانه بالجمع بيننا، لم نشعر بذنوبه في تفرقنا، أي: تارة يحسن الدهر وتارة يسيء، وما أحسن ما اعتذر للدهر!

وأقول: المعنى أن الدهر لو لم يحسن إلينا باجتماعنا، لم نشعر له بذنوب عظيمة بتفرقنا. فينبغي أن يكون قوله: بذنوب أي: بذنوب بذنوب عظيمة؛ لأن من ابتدأ الإساءة فهو مذنب، ولا كمن بدأ بالإحسان عقبه بالإساءة، وكذلك من لم يرب الإحسان، وهو معنى البيت الذي بعده.

وقوله: ما أحسن ما اعتذر للدهر ليس في هذا بيان عذر بل بيان إساءة!

وقوله فيها:

فَعُوُضَ سَيْفُ الدُولة الأجرَ إنُهُأجَلُ مُثَاب من أجَلُ مُثيِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: يجوز أن يكون الضمير في إنه للأجر، ويجوز أن يكون لسيف الدولة قلت: فإذا كان للأجر ينبغي أن يكون مثاب بفتح الميم، مصدراً، وإن كان لسيف الدولة، فينبغي أن يكون مثاب بضم الميم، اسم مفعول لا غير.

وقوله من قصيدته التي أولها:

دَمْعُ جَرىَ......

إذَا بداَ حَجَبَتْ عَيْنيْكَ هَيْبتُهُوليسَ يَحْجٌهُ ستْرُ إذاَ احْتجبَاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال: يحتمل معنيين:

أحدهما: حجابه قريب، لما فيه من التواضع.

والآخر: وهو أنه، وإن احتجب بالستر؟ فلا يخفي عليه ما وراءه لشدة مراعاته للأمور.

قلت: ويحمل معني ثالثاً، وهو أنه لكثرة نور وجهه لا يحجبه ستر، والبيت الذي بعده يدل عليه وهو قوله:

بياضُ وضجْه يرِيكَ الشمسَ حاَلِكَةً......

وقوله في قصيدته التي أولها:

بأبِي الشُمٌوس الجَانحاَتٌ غَوَاربِاَ......

أظْمتْني الدنُيا فَلمُا جئْتهَامُستْقياً مَطَرتُ عليُ مَصاَئبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال: أراد أظمأتني فحذف الهمزة، ويحمل ذلك على أن يقال: أظمأ في الوقف فتسكن الهمزة، فإذا سكنت وقبلها فتحة، جاز أن تجعل ألفا كما فعلوا ذلك في فاس ورأس، وإذا صارت إلى ذلك حذفت تاء التأني، ومنهم من يرى ذلك مطردا ومنهم من يجعله مسموعا.

وأقول: إذا هذا التعليل غير سائغ، والصحيح ما قاله سيبويه، وهو حملوا ذلك على الهمزة التي تجعل بين فقلبوها ألفاً للفتحة قبلها؛ لأنها صارت لوضعها بمنزلة الهمزة الساكنة الكامل:

...... فَارْعَيْ فَزَارةُ لا هَنَاكِ الَمرْبَعُ!

ويدل على ذلك، أن همزة بين بين لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لئلا يلتقي ساكنان، إلا الألف؛ فإنها جاز معها ذلك معها ذلك في نحو هباءة لزيادة المد فيها فأشبهت المتحرك فقلبوها في منساه وأظمأني ونحو ذلك تشبيها لها بهمزة سأل وقرأ ثم حذفوها إذا لقيها ساكن بعدها لأنها قربت من الساكن.

وقوله: ومنهم من يرى ذلك مطرداً ليس بصحيح إذا أطلق، بل إنما ذلك في الشعر خاصة.

وقوله:

ليس بالُمنكَرِ أن بَرُزْتَ سَبْقاًغير مَدفُوعِ السُبقِ العرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

ذكر في رفع العراب وجهين:

أحدهما: أن تكون مبتدأ، وغير مدفوع السبق خبره.

قال: إلا أن الأجود أن تقول: مدفوعة وهو كما قال.

والثاني: أن تكون العراب مرفوعة بمدفوع، على قول من أعمل اسم الفاعل غير معتمد نحو: قائم زيد.

وأقول: إن هذا لا يشبه ذلك؛ يغر فيها معنى النفي. تقول: زيد غير قائم، كما تقول: زيد لا يقوم، فإذا كانت كذلك، فاسم الفاعل هنا معتمد، فكأنه قال: لا تدفع العراب عن السبق.

وقوله:

ويدل على ذلك، أن همزة بين بين لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لئلا يلتقي ساكنان، إلا الألف؛ فإنها جاز معها ذلك في نحو هباءة لزيادة المد فيها فأشبهت المتحرك فلبوها في منساة وأظمأني ونحو ذلك تشبيها لها بهمزة سأل وقرأ ثم حذفوها إذا لقيها ساكن بعدها لأنها قربت من الساكن

وقوله: ومنهم من يرى ذلك مطردا ليس بصحيح إذا أطلق، بل إنما ذلك في الشعر خاصة.

وقوله:

ليس بالمنكُرِ أنْ بَروُتَ سَبقاًغير مَدفٌوعٍ السُبقِِ العرابُ

ذكر في رفع العراب وجهين:

أحدهما: أن تكون مبتدأ، وغير مدفوع عن السبق خبره

قال: إلا الأجود أن تقول: مدفوعة وهو كما قال.

والثاني: أن تكون العراب مرفوعة ب مدفوع، على قول من أعمل أسم الفاعل

غير معتمد نحو: قائم زيد.

وأقول: إن هذا لا يشبه ذلك؛ لأن غير فيها معنى النفي. تقول: زيد غير قائم، كما تقول: زيد لا يقوم، فإذا كانت كذلك، فاسم الفاعل هنا معتمد، فكأنه قال: لا تدفع العراب عن السبق. وقوله:

أدمنا طَعُنهمْ والقَتْل حَتُىخَلَطْنا في عظَامِهمِ الكُعٌوبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال: أدمنا: خلطنا وجعنا، يقال للمتزاوجين: أدم الله بينكما: جعلنا القتل مقرونا بالطعن؛ أي: خلطنا القنا في عظامهم.

وأقول: إن هذا وه. وأجود منه، قد ذكره الواحدي: أن يكون أدمنا من الدوام، أي: أدمنا فيهم والقتل لهم إلى أن تحطمت الرماح فيهم، وفي هذا الوجه إشعار بكثرة القتل، ولا كذلك في الأول.

وقوله:

يقَدُمهَا وقد خُضبِتْ شَوَاهاَففَي تَرْمي الحْروبُ به الحُروبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال: أنث الشوى لأنه القوائم، وتذكيره أحسن، وإن كان يجوز في الجمع الذي بينه وبين واحده التاء التذكير والتأنيث، إلا يؤلف أحدهما فيكون أحسن.

قال: وإن رويت:

... وقد خصَبتْ شَوَاَهَا......

كان أحسن في حكم النظم، وسلم البيت من تأنيث الشوى، ويجعل التخضيب للخيل.

وأقول: إن قوله: وسلم من تأنيث الشوى مع اعترافه بجوازه غير حسن، وأحسن من هذا، أن يقر لفظه على ما هو عليه، ويجعل شواها جمع شواة وهي جلدة الرأس. وتلك ليس تذكيرها بأشهر من تأنيثها، ويكون هذا مثل قوله:

ينظرْنَ من مقٌلِ أدْمَى أحجُتَهاَقَرْعُ الفَوارِسِ بالعسُالةِ الذبلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

وقوله:

شَديدُ الخنز وأنَه لا يبْاليأصابَ إذاَ تنََمر أوَ أصيبَا

قال: ومن روى أم أصيبا فلا بد له من إضمار حرف الاستفهام

كقوله:

.... بسَبعِ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بثمانِ

وأقول: لا يلزم هاهنا يقال: أصحاب وصاب، وقد قال:

...... فصابنيسَهْمُ بَعذُبُ والسُهامُ تريحُ

فتكون الهمزة للاستفهام، ولا يحتاج إلى إضمار، ويجمع بين اللغتين في اللفظتين كقوله:

... أسْرَتْ إليكَ ولم تكْن تَسْري

وقوله:

فَشمْ في القُبةِ المَلك الُمرجُىفَشَمرَ بعدما عَزمَ انسِكابَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تعرض لي السحاب وقد قفلنا»

قال: أكثر ما يستعمل: عزم وعزمت مع حروف الخفض أو مع أن فيقولون: عزمت على الارتحال، وعزمت أن أرتحل، ولا يكادون يقولون: عزمت الارتحال ثم قال: إلا أن ذلك جائز لأن العزم القطع والإمضاء.

وأقول: كأنه ظن أنه عدى عزم إلى انسكابا تعدية المفعول به وليس الأمر كذلك، ولكنه عداه إليه لأنه مصدر في موضع الحال

وقوله:

إليك فإني لستُ ممن إذا أتقىًعضاَضَ الأفاعي نَامَ فوقَ العقَاربِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

ذكرَ قولَ ابن جنُي وهو: لستُ ممُن إذا اتقىُ عظيمةُ صبرَ على مذَلةِ؛ وهو أن يشُبه العظائمَ بالأفاعي والمذلة بالعقارَب

وأقول: أحسنُ من هذا تشبيهٌ الأفاعي بالمهالك، والعقارب بالمكائد، والأذى والنمائم. وقد جاءَ ذلك في قول أبي النشاشَ:

وللموْتُ خيرُ للفتىَ منْ قُعورهِعَديماً ومن مَولى تَدبُ عقاربهُ

وقوله:

كأن كُل سؤال في مَسامعهِقَميصُ يُوسفَ في أجفانِ يعقوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قال: يفرح بكل سؤال فرح يعقوب بقميص يوسف

وأقول: إنه يحتاج مع ذكر الفرح بالسؤال إلى ذكر انتفاعه به لقوله سبحانه:

(ألقَاه عَلى وجهِهِ فَارتد بَصيراً) ولهذا قال:

في أجفان يعقوب كأنه يقول: ينتفع بسؤال الناس له، لما فيه من الشرف العظيم، والذكر الجميل بجلبة سائله، وإعطاء آمله، (كانتفاع يعقوب بقميص يوسف):

وقوله: الطويل.

وكُل امرئ يُولي الجَميِل مُحبَبُوكل مَكَان يُنبِتُ العِز طَيَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قال ينبت العز استعارة حسنة؛: أي من دخل في خدمتك علا قدره

وأقول: إن المعنى في هذا البيت مرتب على ما قبله، لأنه ذكر أهله في أوطانه، والأهل محببون إلى الإنسان، والأوطان طيبة، فكأنه قال: لا ينبغي أن يخص الأهل بالحب، بل كل من أولاك الجميل فهو محبب، ولا ينبغي أن يخص الوطن بالطيب، بل كل مكان يحصل لك العز فيه فهو طيب.

وقوله:

سللت سيوفاً علمت كل خاطبعلى كل عود كيف يدعو ويخطب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

ذكر فيه معنى؛ وهو أنه رأى الناس ما صنعت سيوفك، أدعوا لك، ودعوا لك، رغبة ورهبة.

وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أن يستعير لسيوفه نطقاً تعلم منه الناس كيف يخطبون، ونطقها ضرب رقاب أعدائه، فجعلها، وهي خرس، تعلم الناس النطق كقوله:

يحاجى به ما ناطق وهو ساكتيرى ساكتاً والسيف عن فيه ناطق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

وقوله:

نواطق مخبرات في جماجمهمعنه بما جهلوا منه وما علموا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

وعن ذملان العيس ما سامحت بهوإلا ففي أكوارهن عقاب

قال: أي أنا غني عن الأوطان، وعن ذملان العيس. ثم ابتدأ كلاماً فقال: إن

سامحت بذملانها، ركبتهعا، وإن لا تسامح به، وإلا ففي أكوارهن عقاب، أي: أنا أقدر من السير والتصرف على ما لا تقدر عليه. وهذا قول الجماعة.

أقول المعنى غير ذلك وهو ما ذكرته في مآخذ أبي العلاء وقوله: الطويل.

وأكَثرُ ما تلَقَى أبا المِسكِ بِذلَةًإذا لمِ إلا الحديدَ ثَيابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ذكر معناه، وهو أنه أشد ما يكون تبذلاً، إذا كان غيره أشد اتقاء.

وأقول: لعله قص إلى وصفه بالخرق موجها للمدح كعادته فيه، وكأنه علم بقضية كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد مدحه بقوله فيه: الطويل.

على ابنِ أبي العَصِي دِلاصُ حَصِينةأجادَ المُسدي نَسجَها فأذَالهَا

فقال له: هلا قلت كما قال الأعشى: الكامل.

وإذا تكونُ كَتِيبة مَلومَةُشهباءُ يَخشَى الذائدُونَ نِهَالَهَا
كنت الُقَدومَ غير لا بِسِ جُنةٍبالسيفِ تَضربُ مُعلماً أبطَالَها

فقال: إنه وصفه بالخرق، ووصفتك بالحزم!

وقوله:

وفَشَت سَرَائرنُا إليك وشفَناوتَعريِضُنا فَبدا لك التصريِحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

ذكر فيه وجوها اختار منها: أنا لما جهدنا التعريض، استروحنا إلى التصريح؛ فانتهك الستر.

وأقول: وقوله: انتهك الستر هو قول أبن ني وقد ذكره في شرحه.

وقوله:

نَازعْتُهُ قُلصَ الركابِ وركبهاَخوفَ الهلاك حدُاهمُ التَسبيحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

قال: المعنى: نازعتهُ بقطعي إياهُ، وأعطيتهُ بما نالَ من الركابِ.

وأقولُ: وهو قولُ ابن جنيً، وقد ذُكرَ المعنى هناك.

وقوله:

يمشي به العكازُ في الديرِ تاَئباًوما كانَ يَرضيَ مشْيَ أشقرَ أجرُداَ

قال: هذا البيت فيه قلْب، وإنما أصل الكلام: يمشي في الدير بالعكار، إلا أنه لما كانت تؤديه إلى المشي، جار أن تجعلَ هي الماشيةَ كقولهم: ليلُ نائم، لما كان مؤديا إلى النوم.

وأقولُ: إنه لم يرد هذا، وإنما أراد أنً الدمستقَ لما تَرهبَ خوفاَ من سيف الدولة، مشَى معتمداً على عكارِ فعلْ الرهبان، فجعلَ العكارَ، لاعتمادهَ عليه، بمنزلةِ الدابةُ التي تحملهُ وتمشي به، بعد أن كان لا يرضى أن يمشي به فرس كريمّ وهذه استعارةٌ ومجازُ. فعلى ليس قلبُ في البيت وإنما هو الفهم!

وقولهُ:

رأيتك مَحْضَ الحَلمِ في محضِ قدُرةِولو شئتَ كانَ الحلمُ منك المهندُا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال: أيْ حلمكَ عن الجُهالِ عن قدرةِ، ولو شئت لسلكَ عليهمُ السيف

أقول: وليس كذلك، وإنما هو: لضَربتَ أعناقهمُ، وقد فسًرهُ بقولهِ بَعدهُ: وما قتل الأحرار كالعفوْ عنهم.

وقوله:

يا ليستَ بي ضَربهَ أتيحَ لهاَكما أتيحتُ له مُحمدهاُ

ذكر فيه عن المعري معنببن، وقد بينا في شرحه ما في ذلك.

وقوله:

فرَؤوسُ الرماحِ أذهبُ للغياظوأشفىْ لغلِّ صدرِ الحقودِ

قال: كان الوجه أن يقول: أشد إذهاباً للغيظ؛ لأنه رباعي، ولكنه جاء به على حذف الزائد، على أنه لو قال: أذهب بالغيظ لا ستغنى عن هذا القول.

يقول: إنه إذا عداه بالباء جعله ثلاثيا، فجار أن يبني منه أفعل، فيقال: ذهبت به وأنا أذهب به

وقوله:

اليومَْ عَهُدكُمُ فأينَ الموعدُهيَهْات ليسَ ليوْمِ عهْدُكمُ غَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

اشتغلَ عن المعنى بلفظ هيهات، وهيهات أن يدركه (هيهات)!! وذكر قول ابن جني، وقد ذكرت ما فيه في موضعه.

وقوله:

فرأيتُ قرنَ الشمس في قَمرِ الدُجىَمتأوداً غُصْنُ به يتأوَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

ذكر فيه معنيين عن المعري، والمعنى، الصحيح ما ذكره الواحدي، وهو أنه شبهَ وجهها في بياض لونه بالقمر، والصفرة التي عرضت فيه من الحياء بالشمس أول طلوعها

وقوله:

فلهُ عَبدْ العزيز بن الرُضاولكلُ ركْبِ عيسُهمْ والفدْفَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: الهاء في (له) راجعة إلى الممرض، وإنما يعني نفسه؛ أي: إنه قد اختار هؤلاء القوم دون غيرهم وترك المقاصد لمن يريدها من الركبان.

وأقول: إن معنى هذا البيت لم يحققه أحد من الجماعة، وهو أن الممرض الذي هو المتنبي له بنو عد العزيز ولكل ركب ساروا إليهم عيسهم والفدفد؛ أي: العيس التي يسيرون عليها والفدفد الذي يسيرون فيه لهم، وهذا مثل قوله:

أسيرُ إلى أقطاعهِ في ثيابهِعلى طِرفهِ من دارهِ بحسامه
للشاعر ابن الأبار البلنسي، من قصيدة «هنيئا له عادى أعادي إمامه»

وقد ذكرتهُ قبل.

وقوله:

في كل مُعتْركِ كُلي مَفريةٌيَذممنْ منهُ ما الأسنةُ تَحمدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال: ذم الكلي هذا الفعل. يريد أنه يفعل بها فعلا قبيحا من الفري، وإنما الذم من أصحابها، ولكن لما كان ذمهم لأجل فريها، جار أن يستعار الذم لها. قوله:

...... ما الأسنة تحمدُ

لو وضع موضع الأسنة غيرها، لكان ذلك أقوى في النظم؛ لأن الأسنة لا تنتفع بالمفري، وربما تحطمت فيه. ولكن لما كان الممدوح يفعل الأسنة ما يحمد عليه، جار أن ينقل إليها الحمد لأنها كالخدم له.

وأقول: انظر إلى هذا التفسير، وما فيه من قلة التحصيل، (وكثرة) الجهل باستعارة العرب! والذم والحمد من الكلي والأسنة، ليس حقيقة، وإنما هو مجار واستعارة. والمعنى ما قاله الواحدي؛ وهو أن الكلي تذم الممدوح لأنه يقطعها، والأسنة تحمده لإصابة الطعن، وجودة الشق بها وهذا مثل قوله:

ما يجيلُ الطرُف إلا حَمدتهُجهدَهاَ الأيدي وذَكتهُ الرقابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»

وأقول: إنه يحتمل أن يكون الضمير في قوله: (منه) راجعا إلى المعرك، فيرجع

الذم إليه، وهو أحسن من رجوعه إلى الممدوح، ويكون ذم الكلي لأنها تفري، وحمد الأسنة لأنها تروى.

وقوله:

أحادُ أم سُداسٌ في أحادٍلُيَيلَتُنَا المُنوطةُ التَناد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ذكر فيه أقوالاً معانيها لا تطاق اللفظ. والصحيح، ما قاله الواحدي؛ وهو أنه استفهم فقال: أواحدة هذه الليلة، أم ست في واحدة؟ وأراد ب (في) معنى الظرفية، كأنه قال: ست مستقرة في واحدة، ولم يرد الضرب الحسابي، وإذا كان كذلك فهي سبعة، وتلك أيام الدهر (الدائرة) المتصلة بالقيامة.

وقوله:

فَوَلى بأشْيَاعِه الخَرْشَنِيُكشاَءٍ أحسن بزارالأسود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

قال: الشاء يستعملونه مذكراً، ولو أنت لم يبعد ذلك. واختلفوا في أصله فقالوا في همزته أنها بدل من هاء، واستدلوا على ذلك بأنهم يقولون في تصغير شاة: شويهة،

ويقولون في الجمع: شياه، فتظهر الهاء

وأقول: إن هذا يخالف قول سيبويه، وذلك لم يجعل شاء من الجمع الذي ينه وين واحدة التاء، لو قال إن شاء من بنات الياءات والواوات التي تكون لا مات، وشاة من بنات الياءات والواوات التي تكون عينات ولامها هاء.

وقال: إن ذلك منزلة امرأة ونسوة ليست على لفظ امرأة: أي أنه اسم للجمع، فشاء منزلة جامل وباقر وليس منزلة تمر وتمرة فإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يؤنث؛ لأن تصغيره شوى فلا يكون كالنخل، ولا يقال في همزته إنها بدل من هاء

وقوله:

مَتىَ لَحظتْ بياضَ الشَّيِب عيْنيفَقدْ وَجَدتْهُ منها في السوادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ذكر ما ظن أنه المعنى لفظ عجيب، أنا أذكره لك وهو: أي: أني إذا لحظت بياض الشي فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني، ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت، جاز أن يحمل على سواد القلب

ويكون نحوا من قول الطائي:

شَاَبَ رأسيَ وما رأيتُ مشَيبَ الرَّاسِ إلا من فَضلِ شيب الفؤادِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

إلا أن الطائي جعل شيب فؤاده متقدماً شيب رأسهِ، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه.

وأقول: أنظر إلى هذه المشابهة بين البيتين وبعدها! بل لا مشابهة البتة، ولا إقامة صورة لفظ صحيح، ولا معنى صحيح! وقول أبي الطيب من قول ابن المعتز:

في كلً يَومِ أرى بيضَاء طاَلعةَكأنماً نبَتْ في باَطنِ البصر

إلا أنه زاد عليه بالطباق. والمعنى: أن عيني إذا رأت الشعر الأبيض في رأسي أو لحيتي؛ فكأنما لم تجده نابتا هناك، بل كأنه نابت في سوادها. وهو توهم أن رؤية الشعر الأبيض في سواد العين كأنه حقيقة؛ وذلك لا يمكنه إدراكه إلا بالمرآة وليس كذلك، بل هو استعارة ومجاز. وجدير لمن لم يضرب في الشعر بسهم، ولم يقف منه على رسم، ولم يعرف منه غير اسم، أن يفسره هذا التفسير، ويعبر عنه بهذا العبير!!

وقوله:

مهَذبةُ حُلوةُ مُرةُحَقرْنا الَبحارَ بها والأسودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال: مهذبة: لا عيب فيها:

حلوة: لأن كل أحد يعشقها.

مرة: لأن الوصول إليها صعب، لبذل المال والمخاطرة بالنفس.

وأقول: إنما أراد: حلوة بالجود، مرة بالبأس، وقوله:

...... حقَرناَ الحارَ بها والأسودا

مرت على ذنبك، مفسر لهما.

وقوله:

وأنتَ وَحيدُ بني آدمِولَستَ لفقْدِ نظيرهاٍ وَحيداَ

ذكرَ قَولَ ابنَ جني قال: أدعى الوحدة في أول البيت ثم قال:

...... ولستَ لفَقْدِ نظيرٍ وَحيداَ

أي: إن الناس يشاركونك في الصورة الإنسية، وفي الأشياء التي يشترك فيها

العالم؛ كالنوم والطعام والشرب، فإذا جاء السؤدد والكرم، والشجاعة، وما يحمد عليه الرجال، كنت الأوحد.

وأقول: والمعنى ما ذكر الواحدي؛ وهو أنه لم تصر وحيداً لأنك فقدت لأنك فقدَت نظيرا لك؛ بل كنت وحيدا مذ لم تزل، والوحدة صفة لازمة لك.

وأقول: إنه نظر إلى قول الشاعر فعكسه، وهو:

خلَتِ الديارُ فَسدتُ غيرُ مسودِومن الشقًاءِ تفرَدي بالسؤددِ
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

وقوله:

وطعنِ كأنً الطعنَ لا طعنَ عندهُوضَرِب كأنً النارَ من حرهً بردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: الهاء في عندهُ تعود على تعود على طعن الأول من صفته، والطعن الثاني اسم كأن وخبره الجملة بعدهُ والعائد عليه منها ضمير محذوف للعلم هـ كأنه قال: وطعن كأن الطعن لا طعن منه أو عنده.

وأقول: إن العائد على أسم كأن غير ضمير يقول مقام المضير، وذلك أنه لما قال: كأن الطعن لا طعن نفي عاماّ، فعاد من الثاني إلى الأول لعمومه ودخول الأول تحته عائد معنوي، ومنه:

وأما الصدرُ لا صُدورَ لجعْفروأما القَتالُ لا قَتالَ لَديكمُ

ومثله: نعم الرجل زيد، العائد إلى زيد المبتدأ، لما في الرجل من عموم الجنس.

وقوله:

بنفَسي الذي لا يزُْدهيَ بخدَيعةٍوأنْ كَثُرتْ فيها الذًرائع والقصدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

ذكر فيه قول ابن جني: إن هذا البيت موجه، وأنه يريد به الهجو؛ أي: نفس غيرك أيها الممدوح؛ لأني أنا أزدهيك بالخديعة، وأسخر منك هذا القول، وأن هذا مثل مدحه في كافور وأنه موجه.

وأقول: وهذا قول مرغوب عنه؛ لأنه في غاية الوهن والضعف وقلة التأمل والتحصيل. ولو سلكت هذه الطريقة في تأويل الشعر، لأمكن أن يحمل كثير من المديح على الهجو، وإنما يعلم ذلك قرائن الأحوال، وعلامات الإشكال.

وقوله:

ألوم به من لامنَي في وِدَادهِوحُقً لخيرْ الخَلق من خَيرهِ الوُدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: هو خير الخلق، وأنا كذلك، وحقيق على أهل الخير، أن يود عضهم بعضا، فحقيق علي إذا أن أوده.

وأقول: فجعل الضمير في قوله: من خيره راجعا إلى المتنبي، والأجود أن يرجع إلى آبائه الذين تقدم ذكرهم، فيكون الممدوح خير الخلق، مستخرج من خير الخلق، وإن كانت حمامة المتنبي تقضي ما ذكره، إلا أن هذا الأحسن، وقد ذكرته في شرح الواحدي

وقوله:

كذا فَتنحوًا عن عليً وطرُقهِبني اللُومِ حتى يعترُ الملكُ الجعُد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال: الجعد إذا وصف به الرجل فإنما يراد هـ أنه مجتمع وليس بسبط؛ يريدون صفة حاله التي هو عليها، والسباط أحمد عندهم، قال الراجز:

قالتْ سُليمىَ لا أحبُ الجعْدينْ

ولا ألفظَاظ إنهم مَناَتينْ

وأقول: إن الجعد قد استعمل مطلقاً في الكريم، وهو مأخوذ من قولهم: ثرى جعد لكثرة نداه قال بعض العرب يصف مطرا:

رأيت غيثَا مَعدامُتراكِبا جَعد

فإذا أضيف فقالوا: جعد اليدين، أو: جعد الأنامل، وأرادوا هنا البخيل، وربما استعمل مطلقاً في الخيل؛ قال الراجز:

لا تعذلني في ظُرُب جَعدِ

وقوله: الطويل:

كذلك أخلاقُ النساء ورُبمايضل ها الهَادي ويخَفَى ها اللاُشدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: أخلاق النساء يخلبن في أول الأمر فإذا تملكن قلوب الرجال نكصن عن وصالهن.

وأقول: ليس الأمر كما ذكر، بل أشار إلى ذلك ما تقدم من صفاتهن؛ فإن أخلاقهن تخالف أخلاق غيرهن، وأفعالهن لا تجري على سنن واحد وقياس مطرد.

وقوله:

وشهوة عَودٍ إن جُودَ يميِنهِثُناءُ ثُناءٌ والجَوادُ بها فَردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: ترك صرف ثناء الأولى

قال: ترك صرف ثناء الأولى على ما يجب، وصرف الثانية ضرورة لأنه لو لم يصرفه لصار في البيت رحاف يسمى القض، وكان أبو الطيب يجتنبه.

أقول: يعني في مفاعيلن وأما وإما فعولن فإنه قد جاء فيها القبض في أول البيت، وفي أول النصف الثاني بترك صرف ثناء الأولى على ما ذكر.

وأقول: إنه لا ضرورة في ذلك؛ لأنه جاء كثيراً من أشعار العرب وغيرهم. إلا

أن يجعله ضرورة لما التزمه أو الطيب، وهو غير لازم، في شعره، أو أنه سمع من لفظه صرف الثاني وترك الأول. وإنما حسن القبض في فعولن دون مفاعيلن لأن سببه يعتمد على وتد قله ووتد بعده، ومفاعلن أحسن من مفاعيل؛ لأن القبض زحاف في السبب الأول، فيعتمد على وتد معه في الجزء، وليس كذلك مفاعيل؛ لأن الكف في السب الآخر، فيعتمد على الوتد الذي بعده في الجزء الذي يليه. وشيء آخر، وهو أن مفاعيلن تشابه العروض، فحسن ذلك لتواليهما على وتيرة واحدة.

وقوله:

وعندي قَباطيُ الُهمامِ وماَلهُوعندهمُ مما ظفرتُ به الجحْد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال: - وذكر المعنى عن ابن جني:

دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئاً، أو يجحدوا ما رزقوه إن كانوا رزقوا شيئاً، ليكون سبباً لانقطاع الخير عنهم.

وأقول: الصحيح أن قوله:

... وفي يَدهَمِ غيَظٌ وفي يَدهِ الرُفدُ

والبيت الذي بعده إلى آخره في موضع الحال من قوله:

... ألقى الحاسدين بمثلها......

فلا يكون دعاء عليهم. ويكون المعنى: ألقى الحاسدين في حال قباطي الهمام عندي، وعندهم الجحد مما ظفرت به من جوده حسدا لي ذلك، وذلك مشهور من الحاسد أن يقلل ما ظفر به محسوده، أو ينفيه عنه جملة.

وقوله:

ما يقَضي الموتُ نفَساً من نُفوسهمُإلاَّ وفي يَدهِ من نتنَهْاَ عُودُ

قال: يحتمل وجهين:

أحدهما وأحسنهما: أن يكون العود مرادا الذي يتبخر به؛ لأنه يدفع ما يكره من رائحة الميت إيقاده.

والآخر: أن يكون أراد عودا من العيدان؛ لأن من عادة الإنسان إذا كره أن يمس شيئاً استعان على قلبه ونقله عود من عيدان الشجر.

وأقول: إن الوجهين اللذين ذكرهما في نهاية الضعف والغثاثة، في أن الموت إذا أراد قبض نفس من نفوسهم خر يده بعود أو مس النفس بعود! والمعنى غير ذينك، وهو أن الموت إذا ظفر بنفس من نفوس هؤلاء اللئام، فقبضها بيده عد نتنها في يده كأنه طيب، سروراً بظفره بها لأن اللئيم كأنه يمتنع على الموت بلؤمهِ

وقوله:

يَنثنيَ عنك آخرَ اليوم منهناظرُ أنت طرَفهُ ورقاَدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

ذكر فيه معنى عن ابن جني: أي إذا انصرف عنك آخر اليومخلف عندك طرفه ورقاده، فبقي بعدك، بلا لحظ، ولا نوم إلى أن يعود إليك.

وأقول: وقد استقبح هذا، وأن يعود عنه أعمى ساهراً، والمعنى قد ذكرته في موضعه من شرحه.

وقوله:

نحن في أرضِ فَارسِ في سرورِذاَ الصًباحُ الذي يُرىَ ميلادُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: فكأنه لنا كل يوم ميلاد؛ فنحن كل يوم في سرور؛ لأن الصباح كل يوم يرى.

وأقول: كأنه أراد بالصباح الجنس؛ أي: الصباح الذي يرى كل يوم، وليس كذلك، بل هو صباح يوم النوروز. يقول: نحن في أرض فارس في سرور، ميلاد يوم النوروز. وإنما خصه بالذكر تعظيماً له؛ لأنه يوم عيد عظيم عندهم، فجعله ميلاد السرور؛ أي: كأنه ولد فيه. ولا يمنع، إذا كانوا في سرور، يوم النوروز أوله، أن يكونوا في سرور آخر قبله.

وقوله:

كُلماَ قال نَائلٌ أنا منهٌسَرفَ قال آخرٌ ذا اقتصادهٌ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: أي: كلما استعظم النائل نفسه، استصغره نائل آخر لما يجده في نفسه من العظم.

وأقول: إن المعنى: أنه كلما استكثر منه نائل، قلله آخر بعده، واستعار للنائل قولا بلسان الحال، دليلا على كثرة كقوله:

امتَلأ الحَوضُ وقالَ قطَني

مهلاُ رُويداً قد ملأتَ طني

وقوله:

ورَجتْ راحَةً بنا لا تَراهاوبلادّ تسيرُ فيهاَ بلادُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: أي هذه السواقُ رجت أن تستريح إذا صارت إلينا؛ لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها أن لا تنال ذلك. أنا نتعبها؛ لأنا نتع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء.

قال: وهذا معنى مستطرف؛ لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح؛ إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها، جار أن يحتاج أربابها إلى قتالها. وأقول: إن قوله (لا تراها) ليس بدعاء، بل هو نفي على غير وجه الدعاء

وأما قوله: إن هذه الخيل ينبغي أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء. فيقال فهي وإن كانت آمنة من جهة الأعداء، إلا أنه يريد أن تكون الأعداء آمنة من جهتها. وما ذلك إلا بسيرها إليها، وإغارتها عليها. وإذا كانت كذلك، فلا تستريح فهذا الإلزام غير لازم، والمعنى ذلك، وهو ما ذكره ابن جني

وقوله:

هل لُعدوي إلى الُهمامِ أبي الفضلِقَبولُ سَوادُ عينيَ مَدادهُ

ذكر قول ابن جني وهو أني رضيت أن يجعل المداد الذي به قبول عذرة، سواد عيني حبا له واعترافا بالتقصير.

وذكر الواحدي أن قوله:

...... سواد عيني مداده

دعاء لابن العميد، لأنه كاتب.

وأقول: إن الجند؛ أن يكون سواد عيني، في قول ابن جني، في موضع الحال من العذر طرح الواو كقول المسيب:

نَصَفَ النهاُر الماءُ غَامرهُورفيقُهُ بالغْيبِ ما يدري
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أصرمت حبل الوصل من فتر»

أي: أعتذر إليه، في حال عذري، بسواد عيني، لا بالمداد؛ تقربا إليه فهل يقبله على هذا الوجه؟ وهذا في غاية التلطف ونهاية التحبب

وقوله:

إنَّني أصيدُ البُزاةِ ولكنْنَ أجلً النُجومِ لا أصطادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: لو استوى له أن يقول: أعلى النجوم لكان الألبق

قلت: وأقل شاعر يستوي له أن يقول ذلك، أن تزيد ياء فيقول: ولكني أعلى النجوم.... ولو قال أبو الطيب ذلك، لدخل عليه السها وما أشبهه من النجوم الخفية في تشبيه الممدوح أو تشبيه صفاته وشرفه، وذلك قبيح جدا. وإنما أراد بأجل النجوم الشمس، وهذا النقد على أبي الطيب نقد غير صراف

وقوله:

غَمَرتْني مَواهبُ شَاَء فيهاأنْ يكونَ الكلامَ مما أفادُهْ

قال: أي تعلمت منه حسن القول فيما أفادني. فهذا الكلام تفسيره البيت الذي يليهوهو قوله:

ما سَمعْنا بمن أحًب العَطاَيافاشتْهىَ أن يكونَ فيها فؤاده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

أي: كلامه الحسن نتيجة عقله وقلبه، فكأنه إذا أفاد إنسانا وهب له عقلا ولبا.

وأقول: ليس بين البيت الأول والثاني تعلق، لأنه إن جعل قوله: فؤاده نتيجة عقله لأنه محل العلم، أو ما ذكره الواحدي، أن يعني بفؤاده ما أفاد من العلم، فذلك غير جائز، لأن ذلك يشتهي أن يعطي، ولا يمتنع العطاء فيه، لأنه يحسن أن يسمع بفؤاده منها علوم. فالبيت الأول غير مفسر، والمعنى: غمرتني:

أي: غلبت قولي منه فوائد، إذ أن يكون الذي أجازيه به منها، وأمت به إليه من جملتها، وذلك حسن الكلام في دقة التنقيح وجودة التنبيه، على المآخذ التي أخذها عليه، كما ذكر. والبيت الثاني قائم نفسه، وهو أن الممدوح جواد معطاء، وما سمعنا بمن أحب العطايا فاشتهى أن يجعل فيها قلبه، وهذا المعنى مطروق مشهور، وقد أكثرت الشعراء منه نحو قوله:

يجود بالنفس إن ضن الجواد بها ..........

وقوله:

ولو أن ما في كفه غير نفسه ............

ونحو ذلك، فأقام القلب مقام النفس.

وقوله:

نسيتُ وما أنسىَ عتاَباً على الصًدٌولا خَجلاً زَادتْ به حُمرةُ الخَد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: وفيت بمن غدر بعهدي

رَوَىَ ابن جني: نسيتُ وفسره بهذا والأكثر نسيت يقول: نسيتُ كل شيْ،

ولم أنس عتاب حبيب لي على صده قديما عند اجتماعي به، وإنما قال ذلك لطيبه؛ لأن عتاب الحبيب على صده وإعراضه طيب، ولا سيما عند اجتماعه؛ ووصاله له، ولذلك بما بعده عاطفا من قوله: ولا خفرا ولا ليلة

وقوله:

اختْرتُ دَهْماَء تَينِ يا مطرُومنْ له في الفَضائلِ الخيرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: موضع من نصب؛ لأنها تكون معرفة ونكرة. وهي هاهنا واقعة موقع النكرة لأنها موصوفة بقوله:

.... ومنْ لهُ في الفضائلِ الخُيرُ

كقوله:

يا رب من يبغِضُ أذوادنارُحن على بَغضَائِهِ واغتدين
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وأقول: إن الأولى أن تكون معروفة؛ لأنه قد عطفها على معرفة، وهي قوله يا مطر وتكون بمعنى الذي. ويجوز أن يكون موضعها نصاً ورفعا على قولك، يا زيد والحرث والحرث.

وقوله:

كأني عَصَت مُقلتَي فيكُمُوكاتمتِ القلبَ ما تُبصِرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

قال: لا تخشوا أن أظهر سرا؛ فإن بعض جوارحي، لا يفشي إلى بعضها، ما تعلم من أخباركم، فالعين هي التي تدل القلب على ما تبصر، فكأنها لا تعلم بشيء لما تؤثره من فرط الكتمان.

وأقول: إن قوله:

كأني عصت مقلتي.............

إشارة إلى ما ذكر أن القلب في الجسد وأن الجوارح والأعضاء، بمنزلة الخدم والأعوان له؛ إليه تؤدي وعنه تأخذ، فعلى هذا ينبغي للعين أن تؤدي إلى القلب ما تبصر، فكأنه عيني خالفت هذه الطريقة، فعصت القلب وهي من بعض أعوانه، فلم تؤد إليه ما رأت من الأحبة حفظا لسرهم، وصيانة لحبهم، فما ظنك بغير القلب من الناس؟ وذلك نهاية في كتمه السر، وحفظه الحب، والمعنى ما ذكره إلا أنه بهذه العبارة.

وقوله:

سماَكَ هَميُ فَوقَ الُهمومِفَلستٌ أعُدُ يَساراً يسَارَا

ذكر فيه أن اليسار من المال، وقد ذكره غيره وزاد فيه بأن قال: والأحسن أن

يحمل الكلام على الشعر، كأنه يقول: وإن كنت أقدر على أن أقول ما تيسر من الشعر، فلا أعد ذلك يسارا منه، إذ كنت لا أقنع الأبيات ولا أرضى بمدحك إلا القصائد، وأني لا أرضى بالقطعة التي هي كالدرة الصغيرة، حتى أني بقصيدة تشبه ما كبر من الدر.

وأقول: انظر إلى هذا التفسير الذي لا يقوله محصل، ولا يرضا، وترك حمل المعنى اليسار في الحال، ومطابقة البيت الثاني لما وطأ له في البيت الأول يدل على حذق الشاعر وإتقانه!

وأقول: إنه استزاد سيف الدولة في العطاء استعظام سيف الدولة في قوله:

ومن كنت بحرا له........

أي: إذا كنت أكبر بحر، لم أقبل منه أكبر در؛ لا أقنع بالعطايا الصغار، ولا أقبلها إلا كبارا؛ لأن عظم يقتضي عظم على وجه المشابهة والمشاكلة.

وقوله البسيط

تَشْيهُ جُوكَ بالأمْطارِ غَاديةًجُودُ لكَفكَ ثَانٍ نَاَلهُ المَطرُ

قال: معناه إذا شبه جودك بالمطر؛ فذلك جود منك عليه. ولو أمكن الوزن لكان قوله: تشبيه الأمطار بجودك أول في النطق.

وأقول: إن الذي قاله أبو الطيب هو الأولى؛ وذلك أنه إذا جاد على إنسان بجود استكثر جوده، فشبه لكثرته فقيل: كأنه المطر، وتشبيه جوده بالمطر وقد جاد على سائله جود ثان على المطر كيف شبه وهو أشرف منه؟ إذ العادة جارية بأن الأدنى يشبه بالأعلى ولا ينعكس.

وقوله:

عَدوُي كلُ شيء فيكِ حتىلَخلتُ الأكْمَ موُغَرةَ الصُدورِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

قال: معناه يحتمل وجهين:

أحدهما: يريد أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها ولا تطمئن به كأن ذلك لعداوة بينهما.

والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدر من شدة حرارتها. ويؤكد ذلك قوله فيما تقدم:

...... والصْبُ حُرً وَجهين للَهجيرِ

وأقول: هذان المعنيان، ذكرهما الواحدي، وذكر كلام ابن فورجة عليهما، ورده لهما. وذكر من عنده معنى كان دونهما. والمعنى الصحيح ما ذكرته هناك

وقوله:

وَخَرقِ مكانُ العيسِ منه مَكانناُمن العيسِ فيه واسطُ الكُورِ والظّهرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

قال: قوله:

... مكان العيس فيه مكاننا

أي: العيس في وسطه، ونحن في وسطه. ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله:

الكور والظهر والمعنى أن الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، ليست تذهب فيه، ولا تجيء وذلك لسعته، فكأنه ليست تبرح منه، فنحن في ظهور هذه الإبل، لا نبرح منها

في أوساط أكوارها وكذلك هي، كأن لها من أرض الخرق كورا فقد قامت به لا تبرحه. ألا تراه يقول بعد ذلك:... وذكر البيت. وأقول: هذا الذي ذكره معنى ابن جني وليس بشيء!

والمعنى: إن هذا الخرق مكان العيس منه وسطه، لقوله بعده:

يحدْنَ بنا في جَوزِهِ......

وقوله: مكاننا من العيس، يعني وسط الكور والظهر، فكما أن مكننا من العيس وسط كورها وظهرها، فكذلك هذه الإبل، مكانها وسط الخرق، فكان هذا الخرق

لسعته، لا تقطع العيس منه بسيرها شيئاً، فتصل إلى طرفه تسري ولا تبرح في وسطه. وشبهه في البيت الثاني بالكرة، والكرة ليس لها طرف ثم قال:

............ أو أرضه معنا سفرُ

أي: تسير بسيرنا فلا تقطع منها شيئاً، وقد ذكره الواحدي.

وقوله:

ولا ينَفعُ الإمكانُ لولا سَخاؤهُوهَلْ نَافعُ لولا الأكفُ القناُ السمرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: لولا سخاؤه ما أنتفع الناس بإمكانه وغناه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا يقع نفع، كما أن القنا لو لم تحفره الأكف لما عمل.

وأقول: والأولى أن يجعل النفع بالإمكان للممدوح؛ أي: لا تنفعه كثرة المال لولا جوده، فجعل المال بمنزلة الرمح، والسخاء منزلة الكف، ولولا الكف ما نفع الرمح.

وقوله:

إذا وَرَمتْ من لسعةٍ مَرَحتْ لهاكأنً نوالاً صر في جلدهاَ النبًرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

قال: هذا الناقة إذا لسعها الذباب مرحت لذلك، كأنها تفرح، فكأن الورم الذي يحدث فيها نوال صره في جلدها

وأقول: وعندي في هذا المعنى زيارة فيه وتحرير له، وذلك أنه وصفها بالمرح، وهو من شدة الفرح من صفات من يعقل، جعل الورم من لسع النبر بمنزلة الصرر من النوال التي يفرح بها من يعقل، فهي، حال لسع الذباب لها، وألمها بها، وقلقها منها، كأنها مرحة المتألمة قلقة. وهذا التفسير ينظر إلى قوله سبحانه:

إني رأيتٌ أحدَ عَشرَ كَوكباً والشمسَ والقَمر رأيتهمْ لي ساجدينَ لما وصف الكوكب بالسجود، وهو من صفات من يعقل، جمعها جمع من يعقل. وكذلك أو الطيب لما وصف الناقة بالمرح، وهو من وصفات من يعقل، جعل الورم في جلدها كصرر

النوال التي لا يفرح بها إلا من يعقل.

وقوله:

غَداَ الناسُ مثْلهمْ به لا عَدِمتْهُوأصحَ دَهْري في ذُراهُ دُهُورا

قال: قوله:

....... وأصبحَ دَهريِ في ذُراهُ دُهُورا

فيه زيادة على ما ذكره في الأول - يعني قوله:

ووقت وفي بالدهر........

أي: جعل الوقت وافيا، وجعل الناس مثيلهم بالممدوح، وجمع الدهر فبالغ فيه أكثر مما بالغ فيه أكثر مما بالغ في الممدوح؛ لأن الجمع أكثر من التثنية إذ الجمع لا نهاية له.

وأقول: كأن هذا نقد منه وأخذ عل أبي الطيب. والجواب أن الوقت الذي ذكره وقت شره معه ومنادمته له، فجعل الوقت أنه بالدهر لطيبه وحسنه، لا لطوله، فإن أوقات السرور إنما توصف بالقصر لا بضده، وقوله:

......... و... دَهري في ذُراهُ دُهورا

ليس على ما ذكره من الطول، بل لأنه عظمه بعظم الممدوح فجعله كأنه دهور كثيرة، قد اجتمعت دفعه واحدة كاجتماع أشخاص كثيرة

وأما تثنيته قوله: (مثليهم) فذلك لأنه قال في البيت الأول:

....... عند واحدِوفيَ لي بأهليهِ

فجعله مثل الناس فكانوا على هذا: الناس به مثيلهم، وليس في تثنيه الناس نقص عن الجمع في الدهور كما ذكر؛ وذلك أنه جعل الممدوح، وهو أحد، بمنزلة الناس، كما أنه جعل الدهر، وهو واحد بمنزلة الدهور، فقد تماثلا في ذلك ولم تحصل الزيادة للدهور. وهذا المعنى قد كرره في شعره بألفاظ مختلفة، والأصل فيه قول

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.