من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح التبريزي الموسوم بالموضح (٢)
أي نواس:
وليسَ على اللهِ مستنكْرِأنْ يجمْعَ العَالمَ في واحدِ
وقوله:
نافَستُ فيه صورةً في سترهُِلو كنُنتهاَ لَخفيتُ حتُى يظهرَ
قال: نافستُ: فاعلت، من قولهم: نفستُ عليه بالشيء إذا بخلت به، وهم يتنافسون في الشيء؛ إذا كان كل واحد منهم يريده، وينفس به على الآخر والهاء في قوله: (فيه) راجعة على المصور الذي هو الشخص
قال: ولا يمتنع أنه يريد أنه (بمصور) أنه مصور في قلبه ممثل
قال: وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة، يراد شدة النحول. والمعنى أني نفست على هذه الصورة أن تقرب من ذلك المصور، ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته
وأقول: وهذا المعنى ذكره غيره
قال: ويحتمل أن يكون المراد مقصورا على صفة بالنحول، فيجوز أن يضاف
وقوله:
نافَسْتُ فيه صورةً في سِتْرِهِلو كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظْهَرَا
قال: نافست: فاعلت، من قولهم: نفست عليه بالشيء إذا بخلت به، وهم يتنافسون في الشيء؛ إذا كان كل واحد منهم يريده، وينفس به على الآخر. والهاء في قوله: (فيه) راجعة على المصور الذي هو الشخص.
قال: ولا يمتنع إنه يريد (بمصور) إنه مصور في قلبه ممثل.
قال: وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة، يراد بها شدة النحول. والمعنى أني نفست على هذه الصورة أن تقرب من ذلك المصور، ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته.
وأقول: وهذا المعنى ذكره غيره.
قال: ويحتمل أن يكون المراد مقصورا على صفة نفسه بالنحول، فيجوز أن يضاف إليه إرادته بأن يظهر هذا المستور؛ لأنه قد حجب عنه بالستر.
وأقول: أما قوله: (بمصور في القلب ممثل) فليس بشيء! لأن اللفظ لا يعطيه، ولا يدل عليه. وإنما أراد شخصا مصورا؛ أي: ممثلا، كالصورة لحسنه. والمعنى الذي ذكر فيه ما أراه يصح على ما قاله بعض العلماء: وهو أن العاشق لو كان مكان الصورة التي في ستر محبوبه لكان مواصله؛ قريبا منه، يعاينه، ويلاصقه، ويماسه، فكيف ينحل، مع هذا الحال، حتى يرق فيظهر محبوب محجوبه من ورائه؟ فيقال على هذا: أن العاشق قد يعرض له، في حال وصاله معشوقه، ما يكون سببا لنحوله من خوف الفراق، كما يعرض له في حال فراقه ما يكون سببا لنحوله من ألم البعاد، وهذا دليل على شدة العشق وهو قوله:
ومَا في الأرضِ أشْقَى من مُحِبٍّ ............
أبيات الحماسة الأربعة.
وقوله:
نُسِقُوا لنا نَسَقَ الحِسَابِ مُقَدَّماًوأتَى (فذلك) إذ أتَيْتَ مُؤَخَّرا
لم يذكر معناه التبريزي، وهو ما ذكره الواحدي: وهو أن الحساب قد يذكر مفرقا بأعداده المستعملة فيه؛ يتبع بعضها بعضا، فإذا انتهى إلى آخرها، جمع ذلك المفصل وأشار إليه فقال: فذلك كذا إشارة إلى مجموع تلك الأعداد المتفرقة. وكذلك هذا الممدوح، هو مجموع من تقدم وتتابع من الفضلاء المتفرقين في الأزمان.
ومثل هذا قوله:
ومن اللَّفْظِ لَفْظَةٌ تجمَعُ الوَصْفَ وذاك المُطَهَّمُ المعروفُ
وقوله:
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةًالشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كَنَهْوَرا
قال: هذا من التصنيف المبين لأن قوله:
.........الشمسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كَنَهْورَا
بيان لقوله:
وتَرَى الفضيلةَ لا تَرُدُّ فَضِيلةً ............
وذلك أن الشمس لا تشرق إذا تراكم السحاب، وإن السحاب لا يمطر إذا أشرقت الشمس، فإحدى الفضيلتين رادة للأخرى، لأن المنفعة بالشمس عظيمة وكذلك بالسحاب.
وأقول: إنه لم يبين المعنى بهذا القول، ولا رأيت غيره ذكره على ما ينبغي، إلا أن ابن فورجة قال: إن الممدوح جمع بين المتضادين؛ إذ وجهه كالشمس، ونائله كالسحاب. والمعنى إنه أثبت له في أول البيت فضيلتين، وأخبر أن أحدهما لا ترد الأخرى ولا تنفيها، وضرب لهما مثلا بالجمع بين شيئين حسنين متضادين من الشمس والسحاب فلا يكونان وجهه ونائله لأنه ليس بينهما تضاد، ولكنهما البشر والعطاء؛ وذلك أن مال الإنسان بمنزلة نفسه، فإذا أخرجه ربما تغير وجهه بإخراجه، فيقول: إن
الممدوح يعطي ماله، ولا يحدث له تغيرا كغيره بل بشرا، ولا ترد بشؤه كثرة عطائه، بل يجتمعان فيه ولا يتضادان، وإن كانا بمنزلة الضدين.
فإن كان ابن فورجة أراد بوجهه بشره لأنه محله او وجهه ببشره فهو المعنى، وهذا مثل قوله:
القاتِلُ الواصِلُ الكَميلُ فلابعضُ جَميلٍ عن بَعْضِهِ شَغَلهْ
فواهبٌ والرِّماحُ تَشْجُرُهُوطاعِنٌ والهِبَاتُ مُتَّصِلَهْ
وقوله:
تَقْضَمُ الجَمْرَ والحديدَ الأعاديدونَهُ قَضْمَ سُكَّرِ الأهوازِ
قال: أعداؤه يقضمون الجمر والحديد، مكرهين، لما يلقونه من شدته عليهم كما يقضم غيرهم السكر.
وأقول: إنما خص الجمر والحديد بالذكر دون غيرهما؛ لأنه جعل أعداءه بمنزلة النعام في ذعرها منه وخوفها له. والنعام يوصف بذلك كقوله:
إنَّما مُرَّةُ بن عَوْفِ بن سَعْدٍجَمَراتٌ لا تَشْتَهِيهَا النَّعَامُ
وقوله:
إنْ كنتِ ظاعِنَةً فإنَّ مَدَامعيتَمْلاَ مزادَكُمُ وتُرْوِي العِيسَا
قال: هذا نقيض قوله:
ولا سَقَيْتُ الثَّرَى والمُزْنُ مُخْلِفُهُدَمْعاً يُنَشِّفُهُ من لَوْعَةٍ نَفَسي
لأنه هناك، ذكر أن نفسه ينشف دموعه، وهنا ذكر أن مدامعه تملأ المزاد وتروي العيس، وهذا يدل على كثرتها، وما عدمت الشعراء مثل هذا، وأنشد بيت زهير:
قِفْ بالدِّيار التي لم يَعْفُهَا القِدَمُبَلى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ
وقال: إنه رد على نفسه، وإن كان يمكن أن يخرج معنى قول زهير على غير الرد.
وأقول: إن الذي ذكره لا يلزم أبا الطيب؛ لأن البيتين من قصيدتين، فلا يعد فيهما مناقضا، وكيف وتغزله بامرأتين يجوز أن يختلف حاله معهما في زيادة العشق ونقصانه فتختلف حال دمعه بكثرته وقلته. والذي ذكره من التناقض في قول المتنبي لا يشبه بيت زهير؛ لأنه معدود في محاسن الشعر لا في عيوبه، وذلك النمط يسمى الاستدراك.
وقوله:
حَاشَى لمثلكِ أنْ تَكُونَ بَخِيلةً ............
والبيت الذي بعده قد ذكرت ما جاء فيهما عن ابن جني وغيره في شرح الواحدي، وذكرت ما خطر لي فيه، مما يخالف أقوالهم.
وقوله:
يَقُودُهُمُ إلى الهَيْجَا لَجُوْجٌيُسِنُّ قِتَالَهُ والكَرُّ نَاشِي
قال: استعار السن للقتال؛ يريد إنه يديم القتال، ويطيل فيه، كما أن المسن يتقادم الوقت عليه؛ يقول: إنه محدث الكر في وقت بعد وقت، فهو كأنه ناشئ، أي: في أول أمره، ولا يضعف لتقادم القتال.
وأقول: إن المعنى غير ذلك! وهو إنه وصف القتال بأنه مسن لشدته، ووصف الكر
بأنه ناشئ؛ أي كأنه في أول اللقاء أي: لم يكسره ويضعفه؛ وذلك يدل على صدقه في القتال، ومعاجلته للأبطال، وهذا من قول قطري:
.........جَذَعَ البَصيرِة قارِحَ الإقدامِ
أي: صغير التأمل، كبير الجرأة. فكنى عن ضعف التأمل، والنظر في العواقب بالجذع، وعن قوة الإقدام بالقارح.
وقوله:
على أنني طُوِّقْتُ منك بِنِعْمَةٍشهيدٌ بها بَعْضي لغيري على بَعْضي
قال: قوله: على أنني، أي: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل، ولهذا حذف أول الكلام للدلالة عليه. وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال، على أنني متلبس بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية؛ ألا تراه يقول بعد هذا البيت:
سَلامُ الذي...... ............
وأقول: إن قوله:
على أنني طُوِّقَتُ منك بنعمةٍ ............
تعليل وتحقيق لقوله:
... والفَضْلُ الذي لك لا يمضي ............
كأنه يقول: فضلك لا يمضي لتطويقك إياي بنعمة شهد بعضي بها لغيري على بعضي، فجعل نعمته، للزومها وظهورها كطوق الحمامة، وتكون (على) بمعنى اللام كقول الراعي:
رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عليهافَطارَ النَّيُّ فيها واسْتَغَارَا
وقوله:
كَمْ مِنْ حُشَاشةِ بِطْريقٍ تَضَمَّنَهاللبَاتِراتِ أمينٌ ماَلُه وَرَعُ
قال: لم يذكر المعنى وأطال في ذكر اللفظ وذكره أهم من ذكر اللفظ.
والمعنى، ما قاله الواحدي؛ وهو أن أرواحهم في ضمان القيود للسيوف؛ أي: الأسرى مقيدون متى شاء قتلهم قتلهم.
وقوله:
تَغْدُو المنايا فلا تَنْفَكُّ واقِفَةًحتى يقولَ لها عُودِي فَتَنْدَفِعُ
زعم أن هذا البيت يجب أن يكون في صفة القيد؛ لأنه يلي ما قبله في وصفه.
قال: ولولا ذلك لكان تصييره للممدوح أشبه.
قلت: وكذلك هو، وإن كان بعد وصف القيد؛ لأن هذا الوصف لا يصلح إلا له. وقد قدر فيما اختاره تقديرا، إذا تأمله من تأمله، تبين له فيه سوء الاختيار وقبح الاختبار!
وقوله:
وجدتموهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُكأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
قد اختلفت أقوال الجماعة في قوله:
... نياماً في دِمَائِكُمُ ............
فروي عن ابن جني، أن أبا الطيب حدثه، أن سيف الدولة لما هزم الدمستق، وقتل أصحابه، جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، فمن كان به رمق أجهزوا عليه، فبينا هم كذلك أكب عليهم المشركون.
وهذا الذي ذكره لا يطابقه قول أبي الطيب.
وقال الواحدي: أنهم ناموا بين القتلى، وتلطخوا بدمائهم، تشبها بهم خوفا من الروم.
وأقول: إن المعنى في قوله:
... نياماً في دِمَائِكُمُ ............
غير ذلك! وهو إنه ليس عندهم جد في اللقاء، ولا حرص على القتال، فشبهوا بفتورهم وترك اهتمامهم، بالنيام وليسوا نياما على الحقيقة.
وقوله: في دمائكم يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى، في سفك دمائكم.
والثاني: أن يكون المعنى، في ثاراتكم عند المسلمين بقتلهم من قتلوا منكم؛ لأن الدم هو الثار. يقال لفلان عند فلان دم، أي: ثار، فقصروا عند لقائكم لطلب ثاراتكم، حتى كأن من قتل منكم فجعوا به، وقول أبي الطيب:
وَجَدْتموهُمْ نياماً في دمائِكُمُ ............
عذر لسيف الدولة في إسلامه لهم، لقوله في البيت الأول:
قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسْلَمِينَ لكمخَانُوا الأميرَ فجَازَاهم بما صَنَعُوا
والذين أجهزوا على القتلى، ليس لهم ذنب فيسلمهم للقتل. والذين ناموا بين القتلى نفر يسير، بالإضافة إلى من فقد في هذه الوقعة كما ذكر. والمعنى، أن هؤلاء
الذين أصبتم من أصحاب سيف الدولة خانوه بتركهم الجد في القتال، وبذلهم الجهد في النزال، ونكوصهم عن اللقاء في قراع الأعداء، فأسلمهم جزاء لهم على ذلك، فلا تفرحوا وتفخروا بأخذهم وقتلهم وهم بمنزلة الموتى التي تأكلها الضباع، فلو شاء أن يمنعهم لمنعهم، وهذا أحسن ما يعتذر به لسيف الدولة، وقد كسر، وأسر من عسكره من أسر.
وقوله:
رَضِيتَ منهم بأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرَأوْاوأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيْضِ فاسْتَمعُوا
قال: المعنى، إنه يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم؛ أي: أنا أضرب معك بالسيف، وهم مختلفون ومتخلفون عنك. وهذا التفسير يدل على أن الرواية: بأن زرت وأن قرعت بضم التاء في الفعلين، والذي رويته ورأيته بالفتح.
وأقول: أن الصحيح الضم. ويدل عليه ما فسره الواحدي من قوله:
ليتَ الملوكَ على الأقدار مُعْطِيةٌفلم يَكُنْ لدنيٍّ عندَهُمْ طَمَعُ
أي: ليتهم يعطون الشعراء على أقدارهم في الاستحقاق بفضلهم وعلمهم. قال: وهذا تعريض؛ بأنه يسوى مع غيره، ممن لم يبلغ درجته. فقد اجتمع من التفسيرين في البيتين ما يدل على ان الرواية الصحيحة بالضم وكذلك قوله: رضيت، وإن المعنى بالملوك سيف الدولة.
يقول: ليته يعطي على قدر الاستحقاق، ليبين فضل السني على الدني، ثم قال:
رضيتَ منهم بأن زُرْتُ الوَغَى فرأوا ............
أي: من سيف الدولة، وكذلك قوله:
.........وإنْ قَرَعْتُ حَبِيكَ البِيضِ فاسْتَمَعُوا
وهذا يدل على إنه ثبت في هذه الوقعة وقاتل. يقول: رضيت من عطائه بزيارتي الحرب، وقرعي البيض رؤياه واستماعه، وحسبي ذلك عطاء وفخرا، وفي ذلك
عتب ومن عليه، ولوم وتقريع له، وما بعد هذا البيت يدل على هذا التفسير.
وقوله:
بما بين جَنْبَيَّ التي خَاضَ طَيْفُهَاإليَّ الدَّيَاجي والخَليُّونَ هُجَّعُ
لم يذكر المعنى، وقد ذكرته فيما قبل.
وقوله:
أبَحْرٌ يَضُرُّ المُعْتَفِينَ ومَاؤُهُزُعَاقٌ كَبَحْرٍ لا يَضُرُّ ويَنْفَعُ
قال: قوله:
......... ...... كَبَحْرٍ لا يَضُرُّ ويَنْفَعُ
فيه قبح، لأن المشهور عنهم؛ أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لأوليائه، وإلى المضرة لأعدائه، كقوله:
ولكنْ فَتَى الفِتْيَانِ من رَاحَ أو غَدَالِضرِّ عَدُوٍّ أو لِنَفْعِ صَدِيقِ
وأقول: ليس فيه قبح، وقد قال الشاعر:
عندَ المُلوكِ مَضَرَّةٌ ومنافِعٌوأرَىَ البَرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنْفَعُ
والإغراق في الشعر حسن بالغ، إلا إنه لا يلزم، فتركه ليس بقبيح.
وقوله:
أوَ مَا وَجَدْتُمْ في الصَّراة مُلوحَةًمما أرَقْرِقُ في الفُراتِ دُموعي
قال: وذلك أن دمع الفرح حلو، ودمع الحزن ملح.
وأقول: وهذا شيء لم نسمع به؛ إنما قالوا في قولهم: أقر الله عينه، وأسخن عينه. أن ذلك دعاء له وعليه، لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سخن. فأما الحلاوة والملوحة فلم تسمع ولم تستعمل. وإنما ذكر أبو الطيب ذلك؛ لأن الدمع في ذوقه ملح، فأخبر عن كثرة دموعه وشدة بكائه بذكر الملوحة في الماء، وإنه قد أراق في الفرات، مع كثرتها من الدموع، ما يوجب تغير طعم ماء الصراة التي هي
بعض لها وشرب منها ورده من الحلاوة إلى الملوحة. وهذا إغراق في المعنى وحسن صناعة في النظم.
وقوله:
إنِ استَعْطَيْتَهُ ما في يَدَيْهِفَقَدْكَ، سألْتَ عن سِرٍّ مُذِيعَا
قال: تم الكلام عند قوله: فقدك ثم استأنف فقال: كأنك إذا سألته ما في يديه
سألت عن سر من جرت عادته أن يذيع الأسرار، فأنت مستغن عن سؤاله.
وأقول: كأنه يقول: لا ينبغي لك أن تسأله؛ لأنه يعطيك من غير سؤال؛ كمذيع السر؛ فانه يخبرك به من غير سؤال، فقد أخطأت في السؤال.
وأقول: لو أراد ذلك لكان في الكلام ما يدل عليه ولقال: أكفف ولم يقل اكتف. والمعنى انك إذا سألته أعطاك جميع ماله، فلا يبقي منه شيئا؛ كمذيع السر إذا سألته عنه فإنه لا يكتم منه شيئا.
وقوله: الوافر
عليٌّ قاتِلُ البَطَلِ المُفَدَّىومُبْدِلُهُ من الزَّرَدِ النَّجِيعَا
قال: يقتل قرنه، ويسلبه درعه، ويلبسه الدم.
وأقول: إن قوله: ويسلبه درعه ليس بجيد؛ لأن الجيد أن لا يسلبه، لقوله في موضع آخر:
فتىً لا تَسْلُبُ القَتْلَى يداهُويَسْلُبُ عَفْوُهُ الأسْرَى الوِثَاقَا
وقول أبي تمام:
إنَّ الأسودَ أسودَ الغاب هِمَّتُهَايومَ الكَريهةِ في المَسْلوبِ لا السَّلَبِ
والمعنى، إنه يهتك الزرد عنه بالضرب، ويلبسه الدم.
وقوله:
قد استَقْصَيْتَ في سَلَبِ الأعَاديفَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجوعَا
قال: المعنى، انك سلبت الأعداء جميع ما يملكون، وكل خلة مثل الأمن ونحوه، حتى سلبتهم الهجوع، فأردده عليهم؛ لأنهم لا يأمنون من خوفك.
فيقال له: ولم يرد عليهم النوم وهم أعداؤه، وهو من أنفس الأسلاب التي يسلبهم، وأضرها لهم، وأقلقها لمضاجعهم؟! والمعنى ما ذكرته على الواحدي، فإنه فسره بنحو من هذا التفسير.
وقوله:
فَلاَ عَزَلٌ وأنْتَ بِلا سِلاَحٍلِحَاظُكَ مَا تَكُونُ به مَنِيعَا
قال: المعنى: إذا كنت بلا سلاح، فلست بأعزل؛ لأن لحاظك تقوم مقام السلاح. فإذا نظرت إلى العدو انهزم.
وأقول: إن قوله:
.........لِحَاظُكَ ما تَكُونُ به مَنِيعَا
لا يدل على هزيمته اعداءه، بل يدل على امتناعه من أدائه. فقوله: إذا نظرت إلى العدو انهزم لا يطابق اللفظ، ولا يطابقه إلا: إذا نظرت إلى العدو امتنعت منه، وامتناعه منه، لا يدل على هزيمته له.
ويجوز: إذا جعل لحظه بمنزلة سلاحه، أن يكون إذا نظر إليه هزمه...
وقوله:
رُدِّي الوِصَالً سَقَى طُلولَكِ عارِضٌلو كانَ وَصْلُكِ مثلَهُ ما أقْشَعَا
قال: الأليق في صناعة الشعر أن يقول: لو كان وصلك مثله ما هجرت، ولكن الضرورة حملته على هذا، وهو جائز.
وأقول: الأليق ما ذكره أبو الطيب، وأبلغ في المعنى، وأدخل في الصنعة. وذلك إنه استسقى لطولها سحابا دائما في قوله: لو كان وصلك الذي ذهب، وسألتك رده مثله ما أقشع؛ أي: ما انكشف. فقوله: ما أقشع، بمعنى: ما هجرت لأن الانقشاع
من صفة السحاب. فإذا جعله مثله، وصفه بوصفه فكان مناسبا للسحاب.
وقوله:
النَّومُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌواللَّيلُ مُعْيٍ والكواكبُ ظلَّعُ
قال: ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل، والكواكب، مما يؤثر فيه حزن، لأثر فيها حزنه.
وأقول: لم يرد التأثير في الليل، والكواكب، وإنما أراد التأثير في نفسه بحزنه وهمه وسهره وطول الليل عليه. فكنى عن طوله بذلك، وجعله كالبعير المعيي،
والكواكب كالإبل الظلع، وهذا من قول امرئ القيس:
فقلت له لمَّا تَمطَّى بصُلْبِهِوأردفَ أعجازاً وناَء بِكَلْكَلِ
ومثله قول بعض شعراء العصر:
أقولُ لمَّا طال لَيْلِي وقدتَحَيَّرَتْ أنْجُمُهُ ما تَسِيرْ
وقد تَمَطَّى ملقياً بَرْكَهُكأنَّهُ عَوْدٌ طَلِيحٌ حَسِيرْ
ما لِظَلامِ اللَّيلِ لا يَنْجَليوما لضَوْءِ الصُّبْحِ لا يَسْتَنِيرْ
وقوله:
فالَيوْمَ قَرَّ لكلِّ وَحْشٍ نَافِرٍدَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ
قال: المعنى، أن هذا المرثي، كان مغزي بالصيد. وهذه صفة حال ليست مما يمدح بها الملوك؛ لأن اشتغالهم بغير ذلك اجمل، إلا أن يريد بالوحش هاهنا عدوا يستوحش فينفر خوفا من القتل؛ فحينئذ يكون فيه مدح للمذكور.
وأقول: إنه لم يرد بالوحش إلا الصيد! وقد مدحه بذلك في قوله:
له من الوَحْشِ ما اختارتْ أسِنَّتُهُعَيْرٌ وَهَيْقٌ وخَنْساءٌ وَذيَّالُ
وإذا وصفه بذلك في حياته، جاز ان يصفه به بعد وفاته.
وقوله: صفة حال ليست مما يمدح بها الملوك غير مسلم. وذلك أن الملوك
توصف تارة بالصيد والقنص، وأخرى بالحرب والقتال. ولاسيما العرب؛ فانهم لذلك معتادون، وبه مرتاضون. على أن فاتكا لم يكن ملكا وإنما كان مملوكا!!
وقوله:
كُنَّا نَظُنُّ دِيَارَهُ مَمْلُوَءةًذَهَباً فمَاتَ وكلُّ دَارٍ بَلْقَعُ
قد خبط المعنى بألفاظ طويلة غير طائلة بذكر البيت الذي بعده والمعنى في البيتين، إنه وصفه بخلو داره من الذهب، وغير خلوها مما ذكر في البيت الثاني، فأثبت له صفة حمد، ونفى عنه صفة ذم.
وقوله:
وَخبَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّمَاتَثَنَّى لنا غُصْنٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
يروى: خيّل وخبّل - بفتح الخاء - وأرى أن ضمها أحسن لأنه أتم في المعنى.
ولم يذكره، ود ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله:
ولما فَقَدْنَا مثلَهُ دامَ كَشْفُنَاعليهِ فَدامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ
قال: لولا إنه منظوم، لكان الأشبه به في هذا الموضع أن يقال: عنه في موضع عليه.
فيقال له: وعليه هنا بمعنى عنه ولم يمنع النظم من ذلك، وقد جاء في الشعر كثيرا؛ من ذلك قول القحيف:
إذَا رَضيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍلعَمْرُ اللَّهِ أعجبني رِضَاهَا
وقول الراجز:
أرْمِي عليها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ
وقد ذكرته فيما قبل.
وقوله:
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومنطِقُهُ حُكْمٌوباطِنُهُ دِينٌ وظاهِرُهُ ظَرْفُ
وقد ذكرت ما فيه من جانب العروض فيما تقدم.
وقوله:
أماتَ رياحَ اللُّؤمِ وهي عواصِفٌومَغْنَى العُلا يُودي وَرَسْمُ النَّدَى يَعْفُو
ذكر عن ابن جني أن قوله: ومغنى العلا ورسم الندى في موضع الحال، ثم قال: وله وجه آخر؛ وهو أن يكون أراد أن مغنى العلا مما يودي، ورسم الندى مما يعفو، كما يودي ويعفو غيرهما، فلا تكون الواو في موضع الحال بل تكون لاستئناف جملة.
وأقول: إن هذا الوجه الذي ذكره، لا يجوز؛ - كما ذكر - استئناف جملة خبرية، وذلك كذب؛ لأن مغنى العلا لا يودي، ورسم الندى لا يعفو، بل هما باقيان. وجاز في الوجه الأول؛ لأنهما جعلهما حالا من: إماتة رياح اللؤم على طريق المبالغة، فلا يجوز غيره، ولا يصح أن يقال: العلم مما يفنى، كما لا يصح أن يقال: الجهل مما يبقى، إلا على ما ذكرته.
وقوله:
ولم نَرَ شيئاً يحملُ العِبَء مِثْلَهُويَسْتَصْغِرُ الدُّنيا ويَحْمِلُهُ طِرْفُ
لم يذكر معناه، وقد ذكرته قبل.
وقوله:
ولستُ بدُونٍ يُرْتَجَى الغيثُ دونهولا مُنْتَهى الجُودِ الذي خَلْفَهُ خَلْفُ
قال: أي: لست بقليل من الرجال.
وأقول: إن هذا لا يكفي في مدح من يريد الإغراق في مدحه؛ بل لا يحسن؛ بل يقبح أن يقال له: لست بلئيم أولست بخسيس، من غير أن يتبع ذلك بشيء يتخلص به من النقص، كما تخلص أبو الطيب على طريقته في المدح والإغراق، وقد
ذكرت ذلك في شرح الواحدي.
وقوله:
ولو تَبَّعْتِ ما طَرَحَتْ قَنَاهُلكَفَّكِ عن رذَايَانَا وعَاقَا
قال: سبق إلى هذا الأولون؛ أعني اتباع الطير والوحش الجيش. ولم يبالغ أبو الطيب في هذا البيت لأنه جعل الوحش تتبع الجيش لتأكل رذاياه، والرذايا: جمع رذية، وهي الناقة التي حسرها السير، ولم يقل كما قال الحكمي:
تَتَأيَّا الطَّيْرُ غُدْوَتَهُثِقَةً بالشِّبْعِ من جَزَرِهْ
وأقول: إن هذا، إما وهم، وإما سوء فهم في جعل الوحش تتبع الجيش لأكل رذاياه ولا تتبع ما طرحت قنا الممدوح من القتلى كما ذكر. وبيت أبي الطيب فيه زيادة على بيت أبي نواس؛ وذلك إنه ذكر شدة سيره إلى الممدوح تقربا اليه، وبما لقي من الجهد في طريقه بانحسار ابله، وانقطاع رواحله، حتى طمعت بها الوحش. كما قال الحطيئة:
والذِئبُ يَطْرُقُنَا في كُلِّ منزلةٍعَدْوَ القَرِينين في آثارِنَا خَبَبَا
فخاطب الوحش وقال لها: لو تتبعت ما طرحت قنا سيف الدولة من أعدائه، لكفك عن أن تتعرضي لما كل من إبلنا، وانحسر من مطينا.
وقوله:
تَبِيتُ رِمَاحُهُ فوق الهَوَاديوقد ضَرَبَ العَجَاجُ لها رِوَاقَا
قال: الهوادي: جمع هادية، وهي العنق، واستعار الرواق هاهنا للغبار لأنهم
يركزون الرماح إلى رواق البيت، والهاء تعود على الرماح، أو على الهوادي.
وأقول: إنها تعود على الرماح ولم يتبين له معنى البيت، والهوادي هاهنا، أعناق الفرسان، فجعل الرماح مسندة إليها، مائلة عليها كالعمد، والعجاج ساطعا فوقها كالرواق، ولهذا قال:
تميلُ كأنَّ في الأبْطالِ خَمْراً ............
ولا تميل إلا إذا كانت قائمة.
وقال الواحدي: الهوادي: أعناق الخيل؛ كأنه نظر إلى قول النابغة:
.........إذا عُرِّضَ الخَطِّيُّ فوقَ الكَواثِبِ
والصحيح الأول، لما ذكرناه.
وقوله:
إذَا ما لَبِسْتَ الدَّهْرَ مُسْتَمِتعاً بهِتَخَرَّقْتَ والملبوسُ لم يَتَخَرَّقِ
ذكر فيه قول ابن جني. هذا البيت إذا طولب الشاعر بحسن الأدب، وجب أن لا يقابل الممدوح بمثله. وقد أنكر عبد الملك على جرير ما هو دونه، من قوله:
أتَصْحُو أمْ فُؤادُكَ غيرُ صَاحِي ............
فقال: فؤادك لأجل مخاطبته بالكاف، وإن كان لم يرد إلا نفسه.
وأقول: إن هذا، إذا أنشده الشاعر الممدوح كان فيه، كما ذكر، سوء أدب. وأما إذا أرسله فليس فيه ذلك؛ لأنه إنما قبح لأجل المخاطبة، والإرسال لا مخاطبة فيه. ولعل أبا الطيب أرسل القصيدة إليه، ولم ينشدها إياه. وفي هذا البيت أيضا ما يسأل عنه، وهو ضربه المثل فيه، لما هو كأنه منقطع منه، فلا يكون المثل ورد في موضعه. والصحيح إنه متصل بما قبله، وذلك إنه قال:
سَقَى اللَّهُ أيَّامَ الصِّبَا... ............
لما بانت عنه، وصار في غيرها من أيام الكبر، فضرب مثلا بتغيره بالدهر وعدم تغير الدهر به، فجاء بأغرب مثل وأعجبه، لأن من العهود الأكثر، أن اللابس يبلي الملبوس ويخرقه، فكأنه يقول: الدهر ملبوس يخالف غيره من اللابس؛ لأن هذا يبلي اللابس، وغيره يبليه اللابس.
وقوله:
أدَرْنَ عُيوناً حَائراتٍ كأنَّهامُرَكَّبَةٌ أحْداقُهَا فَوْقَ زئْبَقِ
ذكر في شرح هذا البيت، ما يرغب عن ذكره! والمعنى فيه ظاهر، وهو إخبار عن شدة حال الفراق وصعوبته، بحيرة الأعين وقلق أحداقها؛ وذلك لأن الزئبق رجراج لا يستقر فلا يستقر المركب فوقه.
وقوله:
ضَرُوبٌ بأطرافِ السُّيوفِ بنانُهُلَعوبٌ بأطراف الكلامِ المُشَقَّقِ
ذكر في قوله: المشقق من الاشتقاق ما لا يحسن معه المعنى! والصحيح: أن المشقق مشتق من الشق الذي هو نصف الشيء، وعنى بالكلام المشقق: المعتدل الأوزان، المحكم الألفاظ، ولعله أراد الشعر، أما النظم له؛ فان سيف الدولة كان شاعرا، أو إنشاد المتقن منه، أو أراد السجع المعتدل القرائن، كالخطب وما أشبهها.
وقوله:
وما بلدُ الإنسان غَيْرُ المُوَافِقِولا أهلُهُ الأدنونَ غَيْرُ الأصَادَقِ
قال: هذا البيت، بالتصريع، وقد ضعف ضعفا بينا، وهو كالمنقطع مما قبله.
وأقول: إن التصريع لا يضعف البيت، ويدل على ذلك ما جاء من أشعار العرب مصرعا كقول امرئ القيس:
ألاَ أيُّهَا اللَّيلُ الطويلُ ألا انْجَليبِصُبْحٍ وما الإصبَاحُ منك بأمْثَلِ
وقوله: الطويل
ديارٌ لسَلْمَى عَافِيَاتٌ بذي خَالِألَحَّ عليها كُلُّ أسْحَمَ هَطَّالِ
وما أشبه ذلك. وهذا ليس فيه ضعف، بل قوة بمجيء قافيتين فيه، وبيت أبي الطيب قد جاء بمثلين وقافيتين، فهو بيت كبيتين.
وأما قوله: كالمنقطع مما قبله فليس كذلك، لأنه ذكر فيما قبل بلاده في قوله:
بلادٌ إذا زَارَ الحِسَانُ... ............
ثم وصفها فقال:
سَقَتْنِي بها القُطْرُبُّلِيَّ مَلِيحةٌ ............
ثم وصف تلك المليحة، وعطف عليها الاغيد، ووصفه ثم قال:
وما بَلدُ الإنسان غير المُوَافِقِ ............
أي: تلك البلاد كانت موافقة له، وأصحابه الذين ذكرهم فيها؛ كانوا كالأهل الأدنين منه.
وقوله:
تُصِيبُ المجَانيقُ العِظَامُ بكَفِّهِدقائِقَ قد أعْيَتْ قسِيَّ البَنَادِقِ
قال: وصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف، يصيب بحجر المنجنيق، للطف رأيه، ما لا تصيبه البندقة التي تخرج من قوس البندق.
وأقول: إن المعنى بخلاف ما ذكر! ولم يتنبه عليه أحد من الجماعة، وهو إنه ينال بالمجاهرة والقسر، ما لا ينال غيره بالمجاملة والمكر، فكنى عن المجاهرة والمغالبة بالمجانيق لعظمها، وعن المسارة والمخاتلة بقسي البندق لصغرها. والذي يدل على هذا المعنى البيت الذي قبله وهو قبله:
ولم أرَ أرْمَى منه غَيْرَ مُخَاتِلٍوأسْرَى إلى الأعداءِ غيرَ مُسَارِقِ
وقوله:
أبَني أبِينَا نحنُ أهْلُ مَنَازِلٍأبداً غُرابُ البَيْنِ فينا يَنْعِقُ
قال: عنى بغراب البين داعي الموت.
وأقول: إنه لم يرد ذلك؛ وإنما أراد التفرق، فكنى عنه بنعيق الغراب، وذلك
المشهور من كلامهم، والمعروف في استعمالهم، ويدل عليه قوله فيما بعد:
.........جَمَعَتْهُمُ الدُّنيا ولم يَتَفَرَّقُوا
وهذا الذي ذكره أبو الطيب في البيت) وما بعده، إلى التخلص إلى المدح، من المواعظ بفناء الأكاسرة، وهلاك الجبابرة، وموت الأنفس، ليس هذا موضعه من القصائد التي يتغزل فيها بصفات النساء، طلبا لبسط الممدوح، وطربه وسروره، فهذا وضع الشيء في غير موضعه. وما ذلك إلا لأنه من نظم الصبا.
وقوله:
وليلٍ دَجُوجيٍّ كأنَّا جَلَتْ لنامُحَيَّاكَ فيه فَاهْتَدَيْنَا السَّمالِقُ
قال: ينشد بكسر الكاف من محياك وفتحها. فإذا روي بالكسر: فقبل ذلك ينبغي قوله أن يكون سلي لأنه مخاطب مؤنثا، وإذا كان: سل خاطب مذكرا،
فهو خروج، لم تجر عادة أبي الطيب بمثله؛ لأنه ترك النسيب وخرج إلى ذكر الممدوح.
وأقول: إن قوله: أن أبا الطيب لم تجر عادته بمثل هذا الخروج، وقد ذكر قبل هذه القصيدة قوله:
أمَّا بنو مَعْنِ بن أوْسِ بن الرَّضَا ............
وهو من اقبح الخروج، تغفل عن مثله!
على أن ما ذكره، ليس بقبيح من إنه ترك النسيب وخرج إلى ذكر الممدوح بل من النسيب خرج إليه! وذلك أن قوله:
ولَيْلٍ...... ............
قد أضمر فيه: (رب) فالواو للعطف، فينبغي أن يكون على شيء قبله؛ فكأنه قال: فرب فلاة سرنا بها، وليل دجوجي جلت السمالق محياك فيه فاهتدينا، فعلى هذا التقدير لا يكون قبيحا بل حسنا، ومثل هذا التخلص إلى المدح كثير.
وقوله:
يَتْرُكُ في حجَارَةِ الأبَارِقِ
آثارَ قَلْعِ الحَلْيِ في المناطِقِ
مَشْياً وإنْ يَعْدُ فكالخَنَادقِ
قال: إنما المبالغ، في صفة الفرس بالخفة، أن يدّعي لحوافره إنها لا تقع على الأرض من خفته؛ إذ كانوا يشبهون الفرس بالبازي، والصقر، وغيرهما من الطيور.
وأقول: إن الذي ذكره، إنما يستعملونه في الأرض السهلة، وأما الأرض الحزنة؛ فبخلاف ذلك. كقول زياد بن منقذ:
يَرْضَخْنَ صُمَّ الحَصَى في كل هَاجِرَةٍكما تَطَايَرَ عن مِرْضَاخِهِ العَجَمُ
وقال النابغة في صفة الحمار والأتان، وهما في ذلك بمنزلة الفرس:
إذا هَبَطا سَهْلاً أثَارا غَيَايَةًوإنْ عَلَوَا حَزْناً تَقَضَّتْ جنادِلُ
أي: تكسرت.
وقال وهو يصف الخيل في أحد التفاسير:
.........ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاح نَارَ الحُبَاحِبِ
ومثله قوله تعالى: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً) فهذا، كما ترى، وصف جريها، في الحزن، وشدة اعتمادها عليه، وذلك يدل على غلظ القوائم، وصلابة الحوافر، وعدم اتقائها واحتفالها بالحجارة.
وقوله:
يُرِيكَ خُرْقاً وهو عينُ الحَاذِقِ
قال: المعنى أن هذا الفرس، إذا رأيت خلقه دلّك على إنه بهيمة، وإذا نظرت إلى معرفته بالأشياء، علمت إنه صاحب معرفة وحذاقة.
وأقول: إن هذا الفرس لحدة قلبه ونشاطه، يريك إنه اخرق، والخرق نقيض الرفق؛ وهو العجلة والتسرع. والفرس يوصف بذلك، وبالجنون أيضا؛ قال امرؤ القيس:
ويَخْضِدُ في الآريِّ حتى كأنمابه عُرَّةٌ من طائفٍ غيرِ مُعْقِبِ
وقوله:
... وهو عينُ الحَاذِقِ
أي: ماهر في الصنعة بما ذكره قبل من معرفته وحسن خصاله فهذا هو التفسير الصحيح، لا ما ذكره من قوله: إذا رأيت خلقه دلّك على إنه بهيمة فإن هذا التفسير لا يقوله أحد.
وقوله:
تَسْتَغْرِقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُوتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْربِ العَرِقِ
قال: تسرف القائل في صفة هذا المذكور بصغر الرأس، وضؤولة الخلق.
وأقول: لم يرد ذلك حتى يرى الكف تستغرق الفودين والمنكب معا على وجه التقدير والمساحة، بل لما وصفه بالذلة والطيش، وصفه بأنه يصفع، فجعل اليد تستغرق فوديه، وهما معظم شعر اللمة مما يلي الأذنين؛ وذلك أعلى العنق، تارة، وتارة تستغرق
المنكب، وهو مجتمع ما بين العضد والكتف. والواو لا توجب أن يكون ذلك في وقت واحد حتى تستغرق الكف الفودين والمنكب معا؛ وذلك انك تقول: ضربت زيدا وعمرا فتعلم وقوع الضرب بهما، ولا تعلم كيف وقع في التقديم والتأخير والجمع والتفريق.
وقوله:
جاعِلٌ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْلم يكُنْ دونَها من العَارِ واقي
قال: هذا معنى لطيف، والغرض فيه، إن هذا الذمر لا يلبس درعا؛ لأن العرب
تفضل الذي يشهد الحرب حاسرا، على الذي يشهدها دارعا. كقوله:
وأكثرُ مِنَّا ناشئاً يطلب العُلايجالِدُ قِرْناً دَارِعاً وهو حَاسِرُ
وأقول: إن المعنى الذي ذكره ليس بشيء! وإنما هو في قولهم: المنية ولا الدنية والنار ولا العار يقول: يجعل الدرع التي يتقي بها المنية، المنية نفسها، فيلبسها إذا لم يجد درعا سواها يقيه العار.
وقوله:
لو تنكَّرْتَ في المَكَرِّ لقومحَلَفُوا أنَّكَ ابنُهُ بالطَّلاقِ
قال: قوله: (ابنه) راجع إلى (المكر)، وقرره بكلام ضعيف، في معنى ضعيف! والصحيح: إنه راجع إلى أبيه المذكور في البيت قبله؛ أي: لو تنكرت في موضع الحرب لقوم، لتبين لهم من أفعالك فيه بالشجاعة والبأس، ما يحملهم على اليمين بأنك ابن علي؛ لاشتهار أفعال أبيك، وإنها لا يفعلها إلا من هو منه.
وقوله:
كيفَ يَقْوَى بكفِّكَ الزَّنْدُ والآفَاقُ فيها كالكَفِّ في الآفَاقِ
قال: هذا من قول مروان بن أبي حفصة:
ويا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وارَيْتَ جودَهُوقد كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا
والصحيح إنه للحسين بن مطير.
وقوله:
بِضَرْبِ هَامِ الكُمَاةِ تَمَّ لهكَسْبُ الذين يَكْسِبُونَ بالمَلَقِ
قال: يريد أنه على ما يلحق بالأعداء محبوب؛ كأنه يقتلهم بلين.
وأقول: هذا التفسير على رواية من روى: (يضرب) فعل مضارع و (ثم) حرف عطف، وهو تصحيف، والصحيح: (بضرب) اسم مصدر و (تم) فعل ماض؛ يريد إن هذا الممدوح يتم له، بضرب الكماة، من كسب المال، ما يتم لغيره من كسبه
بالملق؛ أي: باللين والتذلل. والبيت الذي بعده يدل عليه. وهو قوله:
كُنْ لُجَّةً أيُّهَا السَّمَاحُ فقدآمَنَهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ
أي: كن أيها السماح؛ أي: العطاء، كثيرا، فانك لا تغرقه؛ أي: لا تجحف به وتفقره؛ لأن سيفه يؤمنه من ذلك، بما يأخذه من مال أعدائه. فهذا هو المعنى، وهو مرتب على ما قبله.
وقوله:
رُبَّ نَجِيعٍ بسَيْفِ الدَّولةِ انْسَفَكَاورُبَّ قَافِيةٍ غَاظَتْ به مَلِكَا
قال: لم يزاحف أبو الطيب زحافا ينكره الطبع، إلا في هذا الموضع، ولا ريب إنه قاله على البدية، ولو أن لي حكما لقلت:
كَمْ مِنْ نَجِيعٍ...... ............
لأن (ربّ) تدل على القلة، ويجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء. ويحسن ذلك أن (ربّ) جاءت في النصف الثاني، وهي ضد (كم).
وأقول: إن قوله: (رب: للقلة) فكذلك هي، إلا إنها قد استعملت في مواضع كثيرة، للكثرة. كقول الأعشى:
رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذلك اليَوْمَ وأسْرَى من مَعْشَرٍ أقْتَالِ
وقول سويد:
رُبَّ من أنضجتُ غَيْظاً صَدْرَهُقد تَمَنَّى لِيَ موتاً لم يُطَعْ
وغير ذلك من الشعر. وهذا لا يحسن أن يراد به القلة؛ لأنه في موضع مدح وفخر،
فإذا كانت كذلك ف (رب) للكثرة في أول النصفين.
وقوله: ويحسن من ذلك، أن (ربّ) جاءت في النصف الثاني وهي ضد كم لعله أراد بالتحسين الطباق بالكثرة والقلة، وهذا، وإن كان تحسينا في اللفظ، فهو تقبيح في المعنى؛ لأن فيه قلة غيظ الملوك به، وحسدهم له، بل الصحيح أن إتيانه
بالزحاف، وان لم يكن قبيحا، حسّن تكميل المعنى، وتطابق النصفين في الصحة بذكر الكثرة فيهما على مذهب العرب.
وقوله:
مَنْ يَعْرِفِ الشَّمْسَ لا يُنْكِرْ مَطَالِعَهاأو يُبْصِرِ الخَيْلَ لا يَسْتْرِمِ الرَّمَكَا
قال: الرمكة: أنثى البرذون، ولم تجئ في الشعر إلا أن يكون شاذا، لأنها إذا جاءت في حشو البيت اجتمعت فيها أربعة حروف متحركة، وذلك مستثقل.
وأقول: إن تعليله بذلك يقتضي أن لا يجيء شيء من الثلاثي، المحرك العين، المؤنث بالتاء في الشعر، وهذا لا يقوله أحد.
ويقال له: وإذا استثقل حشوا، فلم لم يجيء آخرا؟ لأنه ينقص بالوقف حركة فيخف وتذهب العلة المانعة من ذلك؛ كقول ابن الرومي:
شَهْرُ الصِّيامِ وإن عَظَّمْتُ حُرْمَتَهُشهرٌ طويلٌ ثَقيلُ الظِّلِّ والحَرَكَهْ!
يَمْشي الهُوَيْنَى وأمَّا حينَ يُدْرِكُنَافلا السُّلَيْكُ يُدَانِيهِ ولا السُّلكَهْ
كأنه طالبٌ ثأراً على فَرَسٍأجَدَّ في إثْر مَطْلُوبٍ على رَمَكَهْ
يا صِدْقَ من قال: أيامٌ مبارَكَةٌإنْ كانَ يَكْنِي عن اسم الطُّولِ بالبَرَكَهْ
وقوله:
يُحَرِّمُ أنْ يَمَسَّ الطيبَ بَعْديوقد عَبِقَ العَبيرُ به وصَاكَا
لم يذكر معناه!
وهو من قول امرئ القيس:
ألَمْ تَرَيَاني كُلَّمَا جئتُ طارقاًوَجَدْتُ بها طيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ
وقوله:
وما أنَا غَيْرُ سَهْمٍ في هَواءٍيَعودُ ولم تَجِدْ فيه امْتِسَاكَا
قال: لم يقل في سرعة الأوبة، وتقليل الشيء كهذا.
وأقول: إنه لم يرد السرعة في العود إليه والتقليل؛ لأن ذلك في غاية التثقيل. وإنما أراد إنه لابد أن يعود إلى خدمته، وهو غير متماسك من الشوق؛ كالسهم الذي يرمى به إلى فوق فلا بد أن يعود إلى الرامي إذا انقطع اعتماده بحركته القسرية إلى خلاف جهة حركته الطبيعية. فكأنه يقول: وذلك من أحسن تدقيق في المعنى، ورشاقة في اللفظ، أن حركتي: عنك وبعدي بالقسر، وحركتي: إليك وقربي بالطبع، كالسهم الذي يرمي به في الهواء.
وقوله:
وكنتُ أعِيبُ عَذْلاً في سَماحٍفهَا أنَا في السَّمَاحِ له عَذُولُ
قال: المعنى، أني كنت أعيب عذلا في السماح، فلما دام هذا المطر، عذلته في الدوام؛ لأنه قد منعنا من السير.
وأقول: إن هذا التفسير فيه مناقضة لما ذكره أبو الطيب من قوله: الوافر رويدك وتأي:
وَجُودَك بالمقام، ولو قليلاً ............
فإذا حصل له ذلك بدوام المطر، كيف يلومه؟ بل ينبغي له، أن يحمده، لحصول ما أراده. ومعنى عذله للسحاب في سماحه، إنما يكون بسبب كثرته، وما يلحق فيه من الكلفة والمشقة، وان كان مع كثرته، غير مانع لسيف الدولة من المسير، وثان عزمه عن الرحيل، ولهذا قال بعده:
وما أخْشَى نُبُوَّكَ عن طَريقٍوسَيْفُ الدَّولة الماضي الصَّقِيلُ
وقوله:
فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِينَ السِّياطَبِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ
قال: لأن عرق الخيل ابيض، فلما يبس على ظهورها، لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل؛ أي انها مبيضة بالعرق.
وأقول: إنه لم يرد البياض؛ وإنما أراد الصلابة، وخص صفا البلد الماحل لأنه
أبعد عهدا بالمطر من غيره؛ فهو أصلب وهذا مثل قول امرئ القيس:
لهَا عَجُزٌ كَصَفاةِ المسيلِ أبرَزَ عنها جُحَافٌ مُضِرّْ
ومثل قول علقمة:
هل يُلْحِقَنِّي بأخرى الحَيِّ إنْ شحَطُواجِلْذِيَّةٌ كأتَانِ الضَّحْلِ عُلْكُومُ
وقوله:
وما بينَ كاذَتَي المُسْتَغيرِكما بين كاذَتي البائلِ
قال: شبه العرق ونزوله بنزول البول.
قال: وقد ذهب من فسر هذا البيت، إلى أن الفرس إذا أعيا، تباعد ما بين فخذيه؛ فكأنه فرجهما ليبول.
وأقول: إن الفرس الجواد، يوصف بتباعد ما بين اليدين والرجلين؛ لأن قربهما هو الصكك، وقد قال زهير:
......... ...... لا فَحَجٌ فيها ولا صَكَكُ
فكأنه بالغ في ذلك حتى جعله كالبائل.
وقوله:
فإنَّ الحُسَامَ الخَضِيبَ الذيقُتْلِتُمْ به في يَدِ القَاتِلِ
قال: الخضيب: الذي من شانه ان يخضب؛ أي: بمعنى خاضب، وأنشد:
كذَبْتُمْ والذي رَفَعَ المعَاليولمَّا يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ
قال: ويعني بالحسام سيف الدولة.
قلت: ويكون، على هذا التفسير، القاتل هو الله، وسيف الدولة، سيفه في يده يضرب به أعداءه كقوله:
.........وفي يدِ جَبَّارِ السَّموات قائِمُهْ
وهو من قول أبي تمام الطويل
.........لِحَدِّ سِنَانٍ في يَدِ اللَّه عامِلُهْ
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يكون الخضيب بمعنى المخضوب، ويكون صفة سيف الدولة وهو هاهنا القاتل؛ أي: سيفه معد لكم، أن عدتم كما عهدتم.
وقوله:
أعْلَى الممالكِ ما يُبْنَى على الأسَلِوالطَّعْنُ عند مُحِبِّيهنَّ كالقُبَلِ
قال: أي: ما وصل إليه اقتسارا وغلابا بالطعن، لا ما جاء عفوا.
وأقول: إنه لما وصف الممالك بالعو والارتفاع، وتلك من صفات ما يبنى، جعل الرماح لها أساسا؛ لأنها بها تثبت، وعليها تعلو؛ كأنه يقول: إنما تثبت الممالك وتعلو بطعان الأعداء وقتالهم، لا بالمسالمة والموادعة، وهذا مثل قوله:
وكَيْفَ تُرَجِّي الرومُ والروسُ هَدْمَهَاوذَا الطَّعْنُ أساسٌ لها ودَعَائِمُ
وقوله:
الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِوالقائلُ القَوْلَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع