تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح التبريزي الموسوم بالموضح (٣)

لم يذكر في هذا البيت ما يحسن ذكره فيستفاد معناه!

والمعنى، أن سيف الدولة يفعل فعلا لا يستطيع أحد مثله لصعوبته، ويقول قولا لا يقدر أحد يقول مثله لفصاحته وبلاغته.

وقوله:

......... ......... لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ

أي: مطمع ممتنع.

ويحتمل أن يكون معنى: لم يترك أي: يقول قولا، منه ما هو امر، فلا يترك؛ لأن امتثاله واجب. ومنه ما هو غير أمر، من بيان في نثر، أو نظم، فلم يقل مثله.

وقوله:

قد عَرَّض السَّيْفَ دونَ النَّازلاتِ بهِوظَاهَرَ الحَزْمَ دونَ النَّفْسِ والغِيَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

قال: ظاهر الحزم: أي: جعل بعضه فوق بعض، كما يظاهر الرجل بين درعين.

وأقول: ويحتمل ان يكون المظاهرة بين السيف والحزم، فيكون كل واحد منهما كالدرع. كقوله:

لقَوْهُ حاسِراً في دِرْعِ ضَرْبٍدَقيقِ النَّسْجِ مُلْتَهِبِ الحَواشِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

بذِي الغَبَاوَةِ من إنْشَادِهَا ضَرَرٌكما تُضِرُّ رِيَاحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

قال: يقول: شعري إنما يعرف جودته من هو صحيح الفكر سليم النظر فإن كان بضد ذلك، نال منه كما ينال الورد من الجعل، وإن كان مستلذا له، في الحقيقة.

وأقول: فليت شعري! من أين علم أن الجعل تستلذ بالورد على الحقيقة وذلك شيء لا يعلمه ويخبر به إلا جعل؟!!

والمعنى إن شعري كالورد، يستلذه وينتفع به النبيه الفاضل، ويستضر به الخسيس الجاهل، كاستضرار الجعل بالورد.

وقوله:

تَيُلُّ الثَّرَى سُوداً من المِسْكِ وَحْدَهُوقد قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ

قال في آخر شرح البيت - بعد تطويل -:

قوله: وحده: أي: إنما سواده من المسك وحده لا الكحل.

وأقول: هذا وهم! لأن قوله: وقد قطرت حمرا ينفي أن يكون من الكحل. وإنما

قوله: وحده احترازا من السخم الذي تفعله النساء في الحزن كما قال:

......يَضَعْنَ النِّفْسَ أَمْكِنَةَ الغَوالي

وقوله:

إنِّي لأبْغِضُ طيفَ من أحْبَبْتُهُإذ كانَ يَهْجُرُنا زَمَانَ وِصَالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

قال: قال في أول القصيدة:

لا الحُلْمُ جَادَ به ولا بِمِثَالِهِ .........

فزعم، أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال. ثم ذكر بعد ذلك، إنه مبغض طيف من أحب.

قال: وهذا يسمى الاكذاب كقول زهير:

قِفْ بالدِّيارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُبَلَى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

وأقول: إن أبا الطيب، لم يكذب نفسه؛ لأنه لم يخبر في الأول إنه يحب الطيف، ثم أخبر بعد إنه يبغضه. وإنما قال: لم يجد الحلم به لو لم أتذكره، فالخيال في النوم إنما رآه بسبب الذكر، وذلك لا يدل على إنه أحب الخيال؛ لأن الخيال إنما عرض له في النوم اتفاقا بسبب الذكر للحبيب، ولم يكن الخيال من قصده، فلا يسمى ذلك اكذابا

ولا مناقضة، ولكنه مناقضة من وجه آخر وهو قوله:

بِتْنَا يُنَوِلُنا المُدامَ بكَفِّهِ .........

وقوله:

......ونَنَالُ عَيْنَ الشَّمْسِ من خَلْخَالهِ

ثم قال:

إني لأبغض طَيْفَ من أحْبَبْتُهُ .........

فكيف ابغضه وقد بات يناول المدام على ما ذكر لولا التغفل؟!

وقوله:

جَعَلْتُكَ بالقَلْبِ لي عُدَّةًلأنَّكَ باليَدِ لا تُجْعَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

قال: أي جعلتك في قلب الجيش لي عُدة؛ لا تجعل في شمال الجيش، ولا في يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب.

قال: هذا وجه، ووجه آخر، وهو أجود، أن يريد الشاعر قلب نفسه؛ أي: جعلتك

عدتي بقلبي؛ لأنك أجل من أن تجعل باليد؛ لأنها إنما تصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير، حتى يضم ما لا يدرك.

وأقول: الوجه الصحيح، هو الثاني إلا إنه لم يعبر عنه بعبارة حسنة، وكان الجيد أن يقول: أنك يا سيف الدولة، لست بمنزلة السيوف التي يعتد بها في اليد من الحديد! أنت أعظم وأشرف من ذلك؛ إنما يعتد بك في القلب بصدق الولاء والمحبة.

وقوله:

أشكو النَّوَى ولَهُمْ من عَبْرَتي عَجَبٌكذَاكَ كانَتْ وما أشكو سوى الكِلَلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: أشكو النوى، وأصحابي يتعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يتعجبوا لذلك؛ لأنها كانت على ما شاهدوه، والذي أحب قريب، ليس بيني وبينه سوى الكلل.

وأقول: وهذا هو المعنى، إلا إنه زاد فيه بعد هذا ما لا يؤديه اللفظ. وهو قوله: فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد؟ وهذا البيت مثل قول أبي تمام:

لا أظْلِمُ النأيَ قد كانَتْ خلائِقُهَامن قَبْلِ وَشْكِ النَّوى عندي نَوىً قَذَفَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

وقوله:

ما بَالُ كلِّ فُؤَادٍ في عَشِيرتِهَابه الذي بي ومَا بي غَيْرُ مُنْتَقِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ذكر في تفسير معناه، ما لا يليق ذكره. والصحيح، ما قاله الواحدي. قال: يعني أن قومها يحبونها كحبي إياها، فهي بعيد مرامها، منيع وصالها، وهم دونها، وذلك مما يؤنس من الوصول إليها، وإذا وقع الياس دعا إلى السلو، ومع ذلك فأني لا أسلو، ولا ينتقل ما بي من الهوى.

وقوله:

تُمْسِي الأمَانيُّ صَرْعَى دون مَبْلَغِهِفما يقولُ لِشَيءٍ لَيْتَ ذلك لي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: أي دون أن تبلغ إلى قلبه أو لسانه فتجري عليه.

وأقول: إن معنى قوله: دون مبلغه أي دون بلوغه الأشياء. يقول: إنه قد بلغ من الأشياء ما تقصر الأماني عن بلوغه. فهو لا يقول: ليت؛ لأن ليت للتمني، والتمني، إنما يكون للشيء الذي لم يحصل.

وقوله:

انظُرْ إذا اجتمَعَ السَّيفان في رَهَجٍإلى اختلافِهِمَا في الخَلْقِ والعَمَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

قال: يعني بالسيفين سيف الدولة، والسيف الذي يقاتل به، وهما مختلفان في الخلق والعمل، لأن بني آدم لا يشبهون السيوف في الخلق، والسيف في الحقيقة لا يعمل شيئا، إنما يعمل به الإنسان.

وأقول: إن هذا البيت، تفسيره فيما بعده. وهو قوله:

هذا المُعَدُّ لرَيْبِ الدَّهْرِ مُنْصَلِتاًأعدَّ هذَا لِرأسِ الفَارِس البَطَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

أي: إن سيف الدولة معد لريب الدهر، يقطعه بجوده. وسيفه معد لقطع رأس البطل بحده، فاختلفا لذلك، فكان سيف الدول أعظم منه، لأن فعله أعظم من فعله، وشكله أكمل من شكله.

وقوله:

شديدُ البُعْدِ من شُرْبِ الشَّمولِتُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخِيلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «شديد البعد من شرب الشمول»

قال: رفع ترنج الهند بالابتداء، كأنه قال: بين يديك، أو في مجلسك ترنج الهند؛ لأنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر؛ لأنه مشاهد. فدلت الحال على ما أضمره؛ كما تقول إذا رأيت رجلا سدد سهما إلى القرطاس، فسمعت صوته: القرطاس والله! أي: أصاب القرطاس.

قال: فان قيل: وما في أخباره عما في مجلسه، وهو بحضرته، من الفائدة؟ وهل كان يشك في ذلك فيجوز الإخبار عنه؟

قيل: إنما جاز ذلك لأنه ثناء عليه.

فيقول له: أنت شديد البعد من شرب الشمول، وإن كان بين يديك ما يحضر، في أكثر الأوقات، للشرب. فأثنى عليه ونفى عنه الظنة.

وأقول: إن تقديره حذف المبتدأ من النصف الأول وهو أنت صواب، وتقديره حذف الخبر من النصف الثاني، وهو بين يديك أو في مجلسك، خطأ لأن التقدير الأول مفيد، والثاني غير مفيد. والصواب أن يقدر الخبر المحذوف: ما تصنع به؟ أو: ما حاجتك إليه؟ كأنه قال: أنت شديد البعد من شرب الشمول، ترنج الهند، أو طلع النخيل، ما تصنع به،

وهو من آلات الشرب؟ ثم استدرك السؤال بقوله في البيت الذي يليه:

ولكنْ كلُّ شيءٍ فيه طِيبٌلديكَ من الدَّقيق إلى الجَليلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «شديد البعد من شرب الشمول»

وكذلك البيت الثالث.

وقوله:

وأضْحَتْ بحصْنِ الرَّانِ رَزْحَى من الوَجَىوكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَلِيلُ

قال: اعتذر للخيل، أي: لم يلحقها ذلك لضعفها، ولكنه كلفها من همه صعبا.

وأقول: ليس هذا عذر للخيل، وإنما النصف الثاني جملة وقعت حالا من الخيل خبرا؛ أي: أضحت الخيل رزحى بحصن الران، في حال ذل فيها كل عزيز ممن ذكره لسيف الدولة.

وقوله:

قارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّماحُ ولكِنْتَرَكَ الرَّامحين رُمْحُكَ عُزْلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قال: يقول: قارعت الرماح رمحك، فترك الرامحين عزلا؛ أي: لا سلاح معهم.

وأقول: إنه لم يأت في تفسيره بشيء يزيد على ما في لفظه، سوى أن بين أن قوله: عزلا لا سلاح معهم! وهذا الذي ذكره أبو الطيب كرره لفظا، ولم يبين له

معنى! والمعنى: أن رمحك جعل الرامحين بمنزلة العزل، فهم، وإن كانوا ذوي رماح، كمن لا رماح معهم، وذلك أما لحذقك بالطعن فبطلت رماحهم به، وأما لخوفهم منه، فضعفت أيديهم بالرماح؛ فصار وجودها كعدمها.

وقوله:

يَجْمَعُ الرُّومَ والصقاِلَبَ والبُلْغَرَ فيها وتجمَعُ الآجَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: الآجال: جمع أجل؛ أي: يجمع آجالهم ومناياهم.

وأقول: إنه لم يرد آجالهم مخصصا لهم، وإنما أراد الآجال على الإطلاق؛ أي: المنايا والحتوف، وذلك أبلغ في المعنى للعموم، وأشبه باللفظ للألف واللام.

وقوله:

وقِسِيٍّ رُمِيتَ عنها فَرَدَّتْفي قُلوبِ الرُّماةِ عنكَ النَّصَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال: أي: لما هزموا اخذ سرلاحهم، فقوتلو به.

وأقول: وهذا ليس بشيء! وإنما ذكر القسي مثلا للمكائد؛ أي: أعدوا لك مكائد فعادت عليهم.

وقوله:

كلَّمَا صَبَّحَتْ ديارَ عَدُوٍّقالَ: تلك الغُيوثُ هذي السُّيُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال: المعنى: الغيوث التي هي نعم على قوم، حدثت منها سيول هي نقم على آخرين.

وأقول: إنه عنى بالسيول الدماء في الكثرة، لأن النعم التي ذكر إنها تحيي مواليه وتقتل أعاديه، وعددها، وهي أربعة أنواع من آلات الحرب، وبها تراق الدماء كثيرة

كالغيوث، فأخبر عن كثرة ما تريقه من الدماء بالسيول.

وقوله:

لو تَحَرَّفْتَ عن طَريق الأعاديربَطَ السِّدْرُ خَيْلَهُمْ والنَّخيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال: لو ملت عن طريق الأعادي، لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، فكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيل الأعداء.

وأقول: لم يذكر معنى البيت، وهو ما ذكره الواحدي؛ أي: لو ملت عن طريق الروم، لساروا فأوغلوا في ديار العرب حتى يربطوا خيولهم بالسدر والنخيل؛ يريد بهذا الغض ممن بالعراق، ومصر من الملوك، والرفع من شانه.

وقوله:

وسِوَى الرُّومِ خَلْفَ ظَهْرِك رُومٌفعَلَى أيِّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال: أي: أعداؤك كثير، وليس الروم أعداء، بل هم دون غيرهم فلأيهم تقاتل؟

وأقول: المعنى في هذا البيت: إشارة أيضا إلى من بمصر، والعراق من الملوك، لأنه جعل سيف الدولة مستقبلا بلاد الروم بسبب الغزو، وجعل أولئك خلف ظهره عن منكبيه، فقال: إن الذي وراءك أيضا روم، وفي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعطيلهم الحدود، واشتهارهم بالفسوق. وبين هذا، فيما بعد، في قوله:

ما الذي عندَهُ تُدَارُ المنَاياكالذي عِنْدَهُ تُدَارُ الشَّمُولُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قال حبي علام تهجر طرفي»

وقوله:

وجَعَلْتُ ما تُهدي إليَّ هديَّةًمنِّي إليك وظَرْفَهَا التَّأمِيلاَ

قال: يحتمل المعنى وجهين:

أحدهما: أن يكون أهدى إليه شيئا، كان أهداه إليه الممدوح.

والآخر: أن يكون أراد: جعلت ما من عادتك أن تهديه إلي، وتزودينه وقت فراقك هدية مني إليك؛ أي: أسألك أن لا تتكلف لي.

قال: والقول الأول أشد انكشافا واظهر، والثاني أقوى وألطف.

قال: وظرفها التأميلا أي: جعلت تأميل قبولك ذلك، مشتملا على هذه الهدية،

كاشتمال الظرف على ما فيه وأقول: لم يصب في الوجهين اللذين ذكرهما؛ لأن أبا الطيب لم يكن ممن يهدي لأحد شيئا، ولا ممن يقنع بعطاء فيسأل أن لا يتكلف له فيه!

والمعنى: أني جعلت الهدية التي تهديها إلي؛ أي: العطاء الذي تعطينيه، لسرورك به، هدية مني إليك؛ أي كأني أتحفتك بتحفة وذلك لفرط جودك.

وقوله: وظرفها التأميلا أي: وجعلت ظرف الهدية، وهي عطاء الممدوح، التأميل. وهذا المعنى قد لطفّه هاهنا، وهو في مواضع كثيرة من شعره كقوله:

قبولُكَ مَنَّهُ مَنٌّ عليه .........

وقوله:

......فَتىً لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ

وقوله:

وأسْعَدُ من رأيْنَا مُسْتَمِيحٌيُنِيلُ المُسْتَمَاحَ بأنْ يَنَالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وأشباه ذلك. وأصله قول زهير:

......كأنَّكَ تُعْطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ

وقوله:

بطُلُولٍ كأنَّهُنَّ نُجُومٌفي عِرَاصٍ كأنَّهُنَّ لَيَالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال: شبه الطلول بالنجوم؛ لأنها عنده مستحسنة، لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص كالليالي؛ لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها.

وأقول: إنه شبه الأطلال وهي ما شخص من آثار الدار، بالنجوم للاهتداء بها، والعراص بالليالي، لدروسها بعد الأحباب وخفائها. فالعراص لا يهتدي فيها إلا بالأطلال، كالليالي لا يهتدي فيها إلا بالنجوم.

وقوله:

ذي ذَنَبٍ أجْرَدَ غَيْرِ أعْزَلِ

كأنَّهُ من جِسْمِهِ بِمَعْزِلِ

قال: هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه وينعزل.

أقول: وجعل ذلك من صفة الكلب، وانشد عليه استشهادا، وهو قول ابن جني.

وأقول: ليس ذلك من صفة الكلب، وإنما هو من صفة الذنب. ويدل عليه قوله:

لو كانَ يُبْلِي السَّوْطَ تَحْريكٌ بَلِي

وجعل ابن جني هذا من صفة الكلب ايضا، لما جعل الذي قبله من صفته، وجعله التبريزي من صفة الذنب فخبط!

وقوله:

لا يأتَلِي في تَرْكِ أنْ لا يَأتَلِي

قال: معناه: لا يقصر في ترك أن لا يقصر.

أقول: ولم يذكر هنا أن (لا) زائدة، وهو يذكر أشياء لا حاجة إليها، ولا فائدة فيها!

وأقول: إنما قدر هنا زيادة (لا) لئلا يفسد المعنى، وذلك لأن نفي النفي إيجاب،

لأنك إذا قلت: فلان لا يقصر في ترك أن يقصر، وكانت أن والفعل بمعنى المصدر فكأنك قلت: لا يقصر في ترك التقصير، وترك التقصير جد. فإذا قلت: في ترك أن لا يقصر، فكأنك قلت: لا يقصر في ترك الجد، وترك الجد تقصير! فلهذا قدر زيادة (لا) وهي كثير ما تزاد زيادة في الكلام والشعر.

وقوله:

يُقْبِلُهُمْ وَجْهَ كلِّ سابِحَةٍأرْبَعُهَا قَبْلَ طَرْفِهَا تَصِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: هذا اسراف في المبالغة، يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز مثله! ومع هذا فإن القوائم إذا وصلت قبل الطرف فقد وصف النظر بالضعف.

وأقول: إنه إذا فضّل عدوها على طرفها في السرعة، لا يدل على وصف النظر بالضعف. وكذلك إذا وصفوا الفرس بأنه يسبق البرق في السرعة، لا يدل على فتور البرق وضعفه؛ لأن ذلك قد عرف في السرعة، وكذلك طرف الفرس الجواد، قد عرف بالحدة؛ قال:

حديدُ الطَّرفِ والمِنْكَبِ والعُرْقوبِ والقَلْبِ

فإذا فضل عليه عدوه، لا يدل على ضعفه، بل إنما يراد به المبالغة.

وقوله:

قُصِدْتَ من شَرْقِهَا ومَغْرِبِهَاحَتَّى اشْتَكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: في هذا البيت مبالغتان؛ إحداهما يجوز أن يكون مثلها: وهو ادعاؤه أن الركاب تشتكي الممدوح من كثرة ما تركب إليه. فهذا يجوز مثله، لأنها إذا صارت انضاء، وأخذ منها السير فكأنها تشتكيه.

والأخرى: ادعاؤه أن السبل تشتكيه؛ أي: الطرق؛ وهذا ما لا يمكن أن يكون.

وأقول: يقال له: اشتكاء الإبل والطرق مجاز لا حقيقة، فلا يمكن أن يكون، وإذا جوزت ذلك في الإبل لكثرة ما تركب إليه وينضيها السير، فلم لا يجوز مثل ذلك في الطرق لكثرة ما تركب ويؤثر فيها السير؟ وكلاهما لا يعقل الاشتكاء فلا فرق بينهما إلا أن إحداهما فيها حياة، والأخرى لا حياة فيها.

وقوله:

عُذْرُ المَلُوَمْينِ فيكَ أنهماآسٍ جَبَانٌ ومبضَعٌ بَطَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: قد اعتذر للآسي؛ أي: الطبيب، وللمبضع، فذكر أن الآسي جبن لفرط الهيبة، وإن المبضع، لما عجز الطبيب عن تدبيره، كان كالبطل الشجاع. فوصل إلى

موضع لا يجب أن يصل إليه.

وأقول: إنما وصف المبضع بالبطل لمضائه وحدته - وقد وصف أبو الطبيب ما

هو كالمبضع، وهو السيف، بالجبان لكونه لم يقطع في قوله:

تَلْقَى الحُسَامَ على جَرَاءةَ حَدِّهِمِثْلَ الجَبَانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

فهاتان صفتان مختلفتان، والمؤثر فيهما غير مختلف، لأن هذا جبان مضى في يده المبضع، وذلك جبان جبن في كفه السيف، فكان فيهما تناقض.

فيقال: لا تناقض فيهما. وذلك أن أحوال الجبان تختلف وتتباين؛ فتارة تكون بترك الإقدام والفرار، وتارة بالإقدام مع اضطراب واضطرار.

وقوله:

مَدَدْتَ في راحة الطَّبِيبِ يَداًوما دَرَى كيفَ يُقْطَعُ الأمَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال: ليس من عادة الطبيب أن يقطع الآمال، وإنما عادته أن يقطع العروق، لأن عروق كفك تتصل بها اتصال الآمال، فكأنها آمال.

أقول: وهذا أخذه من ابن جني!

وقال الواحدي: هذا كلام من لم يعرف المعنى! وقال (الأمل) لأن يدك أمل كل أحد؛ منها يرجون العطاء والإحسان.

وأقول: إنما جعل اليد الأمل على وجه المبالغة، كما جعلت الخنساء البقرة إقبالا وإدبارا في قولها:

.........فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدْبَارُ

أي: كأنها خلقت من ذلك. ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: ذات الأمل، وكذلك قول الخنساء، والأول أبلغ.

وقوله:

بقائي شَاَء ليسَ هُمُ ارتحالاوحُسْنَ الصَّبْرِ زَمُّوا لا الجمَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال: ادعى انهم لم يشاءوا الرحيل، ولا محالة أنهم شاءوا الرحيل، وزعم أنهم لم يزموا الإبل وتلك دعوى ليست بالصحيحة.

وأقول: إن هذا نقد غير بصير بجوهر الكلام! وذلك أن هذا الكلام إنما ذكره على وجه المبالغة كما يقال: ما مات زيد ولكن مات الجود، وما سار عمرو ولكن سار الكرم، وإن كان زيد وقع فيه الموت، وعمرو منه السير؛ ومثله قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).

وقوله:

كأنَّ العِيسَ كانت فوق جَفْنيمُنَاخَاتٍ فَلَمَّا ثُرْنَ سَالاَ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: كأن العيس كانت مناخات فوق جفن عيني؛ فهي مانعة له من أن يسيل، فلما ثرن فاض الدمع.

قال: وبدخول كاف التشبيه، خلص اللفظ من الكذب!

أقول: تأمل هذا التفسير الذي يحتاج إلى تفسير، لأنه إعادة لفظ البيت بعينه!!

وأقول: المعنى إن مقام الأحبة، كان يمنعني من دمع كثير بسبب هجر الحبيب لي، أو منعه مني. فكنى عن مقام الأحبة بإناخة العيس فوق جفنه، وجعلها كالسكر الذي يحبس الماء، فلما ثرن سال ذلك الماء؛ أي: الدمع، وكنى عن الرحيل بثوران العيس. والسيل إنما يكون عن الماء الكثير من المطر، فكنى به عن كثرة الدمع والبكاء الذي كان مجتمعا قبل الرحيل.

وقوله:

وضَفَّرْنَ الغَدائِرَ لا لِحُسْنٍولكِنْ خِفْنَ في الشَّعَرِ الضَّلاَلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال: أراد: خفن أن يضللن في الشعر؛ أي: يغبن، من قوله تعالى: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ) أي: غبنا.

قال: وهذه مبالغة في الصفة، وإذا احتجبت المرأة في شعرها كان عيبا.

وأقول: إن تفسيره (يضللن)، أي: يغبن، لم يرده الشاعر، وإنما أراد يضللن، ضد (يهتدين). وذلك أن الشعر يشبه بالظلام، فخشين أن يضللن في الظلام، بالشعر

المحلول، فضفرنه خوفا من ذلك. فعلى هذا التفسير لا يكون عيبا. والذي حمله على هذا التفسير تنبيهه على إحاطته بهذه اللغة الغريبة التي هي (ضللنا) بمعنى (غبنا) فخطأ الرجل فوقع في الخطأ!

ويقال له: لم قلت: إذا احتجبت المرأة بشعرها كان عيبا وقد قال الشاعر:

.........فأرسَلَتِ الظَّلامَ على الضِّياءِ

وقال أبو الطيب:

وَمَنْ كلَّمَا جَرَّدْتُهَا من ثِيَابِهَاكسَاهَا ثياباً غَيْرَها الشَّعَرُ الوَحْفُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

وقوله:

ولولا أنَّني في غَيْرِ نَوْمٍلَبِتُّ أظُنُّني مِنِّي خَيَالاَ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: قوله:

......... ...... أظُنُّنِي مِنِّي خَيَالا

يناسب قوله في الأخرى:

.........كأنَتْ إعادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ

وأقول: لا مناسبة بينهما لأن قوله:

.........لَبِتُّ أظُنُّنِي مِنِّي خَيَالاَ

أي: أظن نفسي من نفسي خيالا، أو: أظن جسمي.

وقوله:

.........كانَتْ إعادتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ

أي: تذكرته فتخيلته، فلما نمت رايته، فكان الخيال الذي رايته نائما، خيالا للخيال الذي رايته متذكرا. فلا مناسبة بين البيتين إلا بلفظ (الخيال)!

وقوله:

ويا ابنَ الضَّاربين بكُلِّ عَضْبٍمن العَرَبِ الأسافِلَ والقِلاَلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال: القلال جمع قلة؛ وهي أعلى الرأس. وجعلهم يضربون الأسافل؛ لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلة رأسه، نزل السيف إلى أسفل جسده!

وأقول: انظر إلى هذا التفسير العجيب، والتقدير الغريب!

وأقول: إن قوله:

.........من العَرَبِ الأسَافِلَ والقِلاَلاَ

تفضيلا له على غيره من العرب؛ وذلك أن العرب تضرب الأسافل والقلال من الإبل، وهذا يضرب الاسافل والقلال من العرب. ولهذا خصص العرب بالذكر، وإلا كان قال: من الناس، فوصفه بضربه من العرب الذي يوصفون بضربه من الإبل.

وقوله:

حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غَيْرهابدرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قال: زعم أن الممدوح يذم؛ أي: يعطي الذمة، من كل القواتل، إلا من هذه العيون! وقد افرط في صفة العيون بتمكنها من القتل، إلا إنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهن من القتل!

وأقول: كأنه أنكر جعل الممدوح لا يذم من حدق الغواني القواتل، وليس في ذلك إنكار، ولا يلحقه بذلك عار، لأن الممدوح إنما يذم من أهل البأس والنجدة، وممن يقاتل ويقتل بسلاح، وحدق العيون لسن كذلك.

وقوله:

أعْدَى الزَّمَّانَ سَخَاؤهُ فَسَخَا بهِولقد يكونُ به الزَّمانُ بَخِيلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

ذكر فيه قول ابن جني وقد نسب فيه إلى الإحالة.

وأقول: والجيد في قوله: فسخا به أي: فسخا به علي، بأن اتصلت به، وانضممت إليه.

أو يكون: فسخا به أي: ابقاه، ويكون قوله:

.........ولقد يكونُ به الزَّمَانُ بَخِيلاَ

من قول أبي تمام:

عليكَ سَلامُ الله وقْفاً فإنَّنيرأيتُ الكرِيمَ الحُرَّ ليسَ له عُمْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

وكقوله:

وقوله:

لو طَابَ مَوْلِدُ كُلِّ حَيٍّ مثلَهُوَلَدَ النِّسَاءُ وما لهنَّ قَوَابِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

قال: نصب (مثله) على تقدير قوله: لو طاب مولد كل حي طيبا مثل طيب مولد هذا الممدوح لولد النساء ولا قوابل لهن لأن أمرهن كان يتيسر. وهذا الكلام يؤدي إلى أن الممدوح ادعى له الشاعر إنه لما ولد لم يحتج إلى قابلة!

فيقال: بلى ولد بقابلة، إلا أن القابلة وجدته متيسر الولادة، طيبا، طاهرا، فلو علم منه ذلك قبل القبول لما احتيج إليها، ولو طاب مولد كل حي طيب مولده في الطهارة والتيسير؛ لما احتاجت النساء إلى قوابل ييسرن امرهن، ويقيهن الخبث والتنجيس.

وقوله:

مَنْ لي بِفَهْم أُهَيْلِ يَدَّعِيأنْ يَحْسُبَ الهنديَّ فيهم بَاقِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

قضية باقل مشهورة بالظبي الذي اشتراه وتسييبه، وقد سئل عن ثمنه، برفع أصابعه وإخراج لسانه عبارة عن (أحد عشر).

قال: باقل لم يؤت من سوء الحساب، وإنما أتى من سوء العبارة! ولو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل، ونحوه، لكان أسوغ.

وأقول: وهذا نقل قول ابن جني! وقد أجيب عن هذا بأنه من جانب الحساب

أيضا؛ لأنه كان يقدر على أن يمسك الظبي بإحدى يديه، ويعقد الثمن بالأخرى عقد الحساب.

وقوله:

فَصِرْتُ كالسَّيف حَامِداً يَدَهُما يَحْمَدُ السَّيْفُ كلَّ من حَمَلَهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: المعنى: إن يد الممدوح يد شجاع، وأنا سيف ماض، فهي تحمدني، وأنا أحمدها. واستعار الحمد للسيف الذي يضرب به، وإنما يعني شعره.

وأقول: إن قوله: وأنا سيف ماض فهي تحمدني يعني يده، وأنا أحمدها ليس في الكلام ما يدل على أن يده تحمدني، وإنما المعنى أني صرت كالسيف في حمده يده؛ لأن السيف يحمد يده على جودة الضرب، وأنا احمدها على جودة العطاء!

وقوله:

قالَ الزَّمَانُ له قَوْلاً فأفْهَمَهُإنَّ الزَّمَانَ على الإمْسَاكِ عَذَّالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال: الهاء في (فافهمه) و (له) عائدة على (الكسوب) - يعني في قوله:

.........ولا كَسُوبٌ بغَيْرِ السَّيفِ سَآّلُ

والمراد إن أكرم الناس هو الذي يتعب في جمع المال، ويطلبه بالسيف، ثم يهبه بعد ذلك

وأقول: إن التفسير هذا كان ينبغي أن يكون للبيت الذي قبله وهو من:

لا وارِثٌ جَهِلَت يمناهُ ما وَهَبَتْولا كَسُوبٌ بغير السَّيْفِ سَآّلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهو من قول ابن الرومي:

وما في الأرْضِ أكرَمُ من جَوادٍوإنْ أعْطَى القَليلَ من النَّوَالِ
وذلكَ إنه أعْطَاك مِمَّاتَفِيءُ عليه أطرافُ العَوَالي

وقوله:

تَدْري القَنَاةُ إذا اهْتَزَّتْ بَراحتِهِأنَّ الشَّقِيَّ بها خَيْلٌ وأبْطَالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال: ادعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس، التي هي معه، وهذا مدح للقناة، ليس للفارس به فضيلة!

وأقول: إن المدح، وإن كان للقناة مجازا، إلا إنه للفارس حقيقة، لأنها إنما فعلت ذلك به لكونها في يده، وهو الطاعن بها، فعلى قوله هذا: إذا قيل: السيف يدري إنه يضرب رقاب الأعداء في يد زيد، والفضل يدري إنه يكسب المحامد في صحبة عمرو، وأن لا يكون لزيد ولا لعمرو فضيلة! وهذا لا يقوله محصل، وإنما استعار الدراية هنا للقناة، لأنه جعلها بمنزلة من قد علم ذلك بطول الصحبة وجري العادة. وهذا من احسن الاستعارات والطف المجازات.

وقوله:

أمْضَى الفَريقين في أعْدائِهِ ظُبَةًوالبِيضُ هَادِيةٌ والسُّمْرُ ضُلاَّلُ

قال: قوله والبيض هادية أي: يهتدى بها في ظلم النقع، لأن النهار قد استتر بالغبار. واستعار الضلال للرماح. وهو يحتمل إنها تغيبت في النقع، فهي كالضالة فيه. ويمكن أن يعني بقوله ضلال أي: إنها لا يطعن بها؛ لأن القوم قد دنا بعضهم من بعض، فهم يتضاربون بالسيوف، فكأن الرماح ضالة طريقها.

وأقول: إن قوله:

.........والبِيضُ هاديةٌ والسُّمْرُ ضُلاَّلُ

حال من الضمير في قوله: أمضى؛ كأنه قال: الممدوح أمضى الفريقين ظبة في حال

اجتمع فيها حالتان متضادتان وهما: هداية السيوف بضوئها، وضلال الرماح في ظلم الأجوف بالطعن، لا ظلام النقع كما قال! لأنه قد انجلى بضوء السيوف. وقول أبي الطيب بضد قول ابن دريد:

يُرِي المَنُونَ وهي تَقْفُو إثْرَهُفي ظُلَمِ الأكْبَادِ سُبْلاً لا تُرَى

وقوله:

عليهِ منهُ سَرابيلٌ مضاعَفَةٌوقد كَفَاهُ من الماذِيِّ سِرْبَالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال: يقول: على الممدوح سرابيل من الحمد كثيرة، وقد كفاه سربال واحد من الماذي.

وأقول: إن هذا تفسير الشيء بنفسه، كما تقول لغيرك: ما الإنسان؟ فيقول: الإنسان! أو تقول له: ما الجوهر أو العرض؟ فيعيد اللفظ الذي سألته عنه، وأردت تفسيره منه!

وأقول: المعنى إن الحمد سربال الجود، والماذي سربال البأس، وكان يكفيه من سرابيل الحمد الكثيرة عليه سربال واحد من البأس لاشتهاره به وتقدمه فيه، وإنما أراد أن يجمع بينهما.

وقوله:

لو أنَّ فَنَّا خُسْرَ صَبَّحكُمْوبَرَزْتِ وَحْدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله: عاقه الغزل!

وأقول: وهو قول ابن جني!

وأقول: لم يرد بقوله: عاقه الغزل الانهزام؛ وإنما أراد العشق والافتتان. ويدل على ذلك قوله فيما قبل:

.........بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بها الحِلَلُ

أي: قد بلغ من حسن هذه المرأة البدوية، إلى أن عضد الدولة، مع علو قدره، ووفور عقله، ورصانة حلمه، واحتقاره للشيء النفيس، لو صبح حيها مغيرا عليه أو ضيفا له لعاقه الغزل؛ أي: لشغله الهوى، عما جاء بصدده، ولرغب عن الجيوش والملك حبا لها، وشغفا بها، وليس في هذا توهين لعضد الدولة الممدوح، ولا غض منه، ولا إزراء به؛ بل في ذلك إخبار عن جلالة حسن هذه المرأة بجلالة قدر الصابي إليها، المفتتن بها، وعلو شأنه، وعظم ملكه. وهذا مثل قول

النابغة - وهو

مذهب العرب، وقصدهم فيه المبالغة -:

لو أنَّها عَرَضَتْ لأَِشْمَطَ رَاهِبٍعَبَدَ الإلهَ صَرُورةٍ مُتَعَبِّدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
لصَبَا لِبَهْجَتِهَا وحُسْنِ حَدِيثهاولخَالَهُ رَشَداً وإنْ لَمْ تَرْشُدِ

وقوله:

لو جَذَب الزَّرَّادُ من أذْيَالي

مَخَيَّراً لي صَنْعَتي سِرْبَالي

ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ

قال: يقول: لو أن الزراد خيرني فقال: ما تريد ان اصنع لك من اللباس لم اسمه سوى سروال من زرد لأن لي درعا ومغفرا.

وأقول: هذا قوله. وهو قول المعري.

وقال: قال أبو الفتح: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدرع، مخيرا لي بينهما، لما طلبت منه أن يصنع لي إلا سراويل من حديد تحصن عورتي، ولا أبالي، بعد ذلك، بانحسار سائر جسدي.

وأقول: القول قول أبي الفتح، إذا وضع موضع: تحصن عورتي تحصن فرجي لأن ذلك، والمستعمل في كلام العرب، وكلام الله تعالى، إذا أريد العفة. وفي هذا التفسير وصفه نفسه بالعفة والشجاعة، وإشارة إلى قوله:

ولا عِفَّةٌ في سَيْفِهِ وسِنَانِهِولكنَّها في الكَفِّ والفَرْجِ والفَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

وقوله:

وَفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْبأن تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

أقول: إن هذا البيت قد قدر تقديرات كثيرة، وقيل فيه أقوال مختلفة. والصحيح التقدير فيه: إنه كان يخاطب صاحبيه، فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع، فالربع أشجاه طاسمه، والدمع أشفاه ساجمه، فحذف الربع الثاني لدلالة الأول عليه،

وذلك إنه قدّر أن صاحبيه كانا قد عاهداه على ان يسعدا بالبكاء على الربع،

فقال لهما: لا أعد وفاءكما بالدمع وفاء، إلا أن يكون على قدر حال الربع، فالربع أشجاه طاسمه، فينبغي أن يكون الدمع أشفاه ساجمه؛ أي: يكون الدمع في سجومه على قدر الربع في دروسه، وذلك بمنزلة رجل له صاحب وعده بان يسعده بالجاه على البر فقال له: وفاؤك بأن تسعدني بالجاه كالبر، فالبر خيره أعجله، والجاه أفضله أسهله.

وقوله:

فقد مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ مما تُغِيرُهُومَلَّ سَوادُ اللَّيلِ مما تُزَاحِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل بنفسه اختصارا وأنشد:

في سَاعةٍ يُحَبُّها الطَّعَامُ

وأقول: يحتمل أن يكون (تغيره) من الغيرة، فتعديه بالهمزة لأنك تقول: غرت أنا وأغرت غيري، أي: جعلته ذا غيرة؛ كأنه يقول: مل ضوء الصبح من كثرة ما تغيره بضوء الحديد في الغارات على الأعداء، وهذا التقدير أشبه بالقافية لأنها متعدية بنفسها فيكون (تغيره) مثل (تزاحمه).

وقوله:

أينَ أزْمَعْتَ أيُّهَذا الهُمَامُنحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنْتَ الغَمامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

قال: قوله: نحن نبت الربى إنما جاء بالربى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم.

قال: ويجوز أن يقال: إنما خص (الربى) لأن النبت عليها احسن من الوهد لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه في الأودية ويلقي عليه الدمن.

وأقول: المعنى بقوله:

.......نَحْنُ نبتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمَامُ

أي: ليس لنا نفع إلا بك، ولا عطاء إلا منك، كما إن نبت الربى ليس له سقي إلا من الغمام، بخلاف نبت السهول والوهاد، فإنه يسقى من الغمام ومن غيره، ولا كذلك نبت الربى.

وقوله:

ليتَ أنَّا إذا رَحَلْتَ لك الخيْلُ، وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيامُ

قال: تمنى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام. وقد عاب بعض الناس هذا القول عليه، وقال: الخيام تكون متعالية على من فيها، فقال أبو الطيب:

لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ ............

وحجة أبي الطيب في هذا واضحة؛ لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحل فيها، تصد عنه حرارة الشمس وغيرها من المؤذيات. وتلخيص معناه ليتنا نقيك الردى، ونحتمل عنك الأذى.

وأقول: إنما تمنى أن يكون بمكان الخيل، والخيام، ليقيه الأذى، من تحته، وفوقه، بعقل وفهم وشفقة وتوفية؛ لجلب المنافع، ودفع المضار، بخلاف الخيل والخيام فانهما لا يمكن فيهما ذلك.

وقوله:

ولا كُتْبَ إلا المشرفيَّةُ عنَدهُولا رُسُلٌ إلاَّ الخميسُ العَرَمْرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

أقول: لو كان قال:

ولا كُتُبٌ إلا الصَّفائحُ عندَهُ ............

لكان أعدل لألفاظه؛ لأن (كتب) تقابل (رسل) وتوازيها بالحروف والحركات، من غير إخلال بالمعنى، وتكون قد جاءت على أصلها لأن جمع (فعال): فعل.

وقوله:

وَهُنَّ مَعَ الغِزلانِ في الوَادِ كُمَّنٌوَهُنَّ مع العِقْبَانِ في النِّيقِ حُوَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

قال: كثر (الوادي) في كلامهم حتى حذفوا منه الياء، والأجود إثباتها مع الألف واللام كقول سحيم:

ألا أيُّهَا الوَادي الذي ضَمَّ سَيْلُهُإلينَا نَوَى الحَسْنَاءِ حُيِّيتَ وادِيَا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وأقول: إن حذف الياء من الوادي هاهنا أحسن، من اثباتها؛ ليقابل بين (الواد) و (النيق) كما قابل بين (الغزلان) و (العقبان) و (كمن) و (حوم)، ومثل ذلك مجيئه في الفواصل كقوله تعالى: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البْلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) وإنما حذفت لأجل السجع، وإن كانت الفواصل كالقوافي، يجوز فيها ما لا يجوز في حشو البيت. إلا أنهم قد يعنون بتحسين الالفاظ، كما يعنون بتحسين المعاني. وذلك إنما يكون في ازدواج ألفاظ، أو في سجع، كقولهم: (الغدايا والعشايا) و: ارجعن مأزورات غير مأجورات وقولهم: شهر ثري وشهر ترى والمقابلة والموازنة بهذه المثابة لأن فيها تحسين الألفاظ.

وقوله:

إذَا رأيتَ نيوبَ اللَّيثِ بارزةًفلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيْثَ مُبتَسِمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول لسيف الدولة: إذا الليث أبدى نيوبه؛ فليس ذلك تبسما، وإنما ذلك إرادة الصولة.

قال: وهذا نقيض ما زعمه الفرزدق في وصف الذئب، لما رفع ناره، فجاءه يلتمس عنده الخير في قوله:

فقلتُ له لما تَبَّسمَ ضاحِكاًوقائمُ سَيْفي من يَدِي بِمَكَانِ

وأقول: إن قول أبي الطيب مثل قول الفرزدق، وليس نقيضه! وذلك أن الذئب لما كشر للفرزدق عن أنيابه، شبهه بالمتبسم ضاحكا، وإن لم يكن كذلك، لأن الضحك من خواص الإنسان ولهذا قال:

.......وقائمُ سَيْفي من يَدِي بِمكانِ

خيفة غدره وأذاه، فهذا مثل قوله فليس ذلك تبسما؛ إنما هو للصولة، فقد اتفقا في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ. وهذا من قول عنترة:

.........أبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ

وقوله:

رِجْلاهُ في الرَّكْضِ رِجْلٌ واليَدَانِ يَدٌوفِعْلُهُ ما تُرِيدُ الكَفُّ والقَدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال: معناه: ما تريد كف راكبه وقدمه؛ أي: هو جواد مؤدب، فإذا قصر عنانه قصر في الجري، وإذا أرخى له العنان، بذل ما يريد الراكب من الجري. وكذلك إن حرك الفارس قدمه عليه ليمتري حضره فانه يسمح بما يرضيه.

وأقول: إنما فسر هذا، نظرا إلى قول امرئ القيس:

فللزَّجْرِ ألْهُوبٌ وللسَّاق دِرَّةٌ ............

وقد أخذته عليه امرأته أم جندب.

وقال الواحدي: معنى قوله:

............وفِعْلُهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ

أي: يستغني عن تحريك اليد بالسوط، والرجل بالحث.

وكأن قول التبريزي اقرب إلى الحقيقة من قول الواحدي؛ لأن الإرادة، إنما تتعلق بالفعل، لا بالترك. وقول الواحدي يتعلق بالترك؛ لأن اليد تريد أن لا تتحرك بالسوط، والرجل أن لا تتحرك بالحث. وهو مع ذلك جائز حسن لأنه مجاز واستعارة، والمجاز في الشعر أحسن من الحقيقة.

وقوله:

صَحِبْتُ في الفَلواتِ الوَحْشَ منفرداًحتَّى تَعَجَّبَ منِّي القُورُ والأكَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

إن قيل: لم قال: القور والاكم وهما بمعنى واحد؟ وهلاّ قال: الوهد والاكم ليختلف

المعنى، فيكون أحسن في اللفظ، وأعم في الفائدة؟

فيقال: إنما خص القور والاكم للمناسبة التي بينها وبينه في الارتفاع والجلد والصلابة، ولأن ذا الشرف، والمجد، والحلم، والصبر، يشبه بالجبل، ولا يشبه بالوهد وما انخفض من الأرض. فلهذا خصها بالذكر دون أضدادها.

وقوله:

إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُواأنْ لا تُفَارِقَهُمْ فالراحلون هُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال: قال أبو العلاء: هذه دعوى كغيرها. وإنما غرضه إن الرجل، إذا فارق أناسا وقد ظنوا إنه غير مفارق لهم أسفوا له فكأنهم راحلون.

وأقول في قوله: فارق أناسا وقد ظنوا إنه غير مفارق: إن هذا ظن فاسد إلا أن يريد: غير مفارق لهم بالمودة.

وقوله: أسفوا له فكأنهم راحلون.

فيقال: ولم خص الأسف بالراحلين دون المقيمين؟

والمعنى إنك إذا رحلت عن قوم وهم قادرون على أن لا تفارقهم بإحسانهم إليك، وكف الأذى عنك، ثم الأذى عنك، ثم لم يفعلوا فهم الراحلون؛ أي: المقاطعون؛ لأن الرحيل مقاطعة؛ أي: هم ألجأوك إلى الرحيل فكأنهم فعلوا الرحيل.

وقوله:

بأيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌتجوزُ عِندَكَ لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال: قوله: لا عرب ولا عجم أي: ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم لفصاحة العرب.

وأقول: إن قوله:

......... زِعْنِفَةٌ ...... لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ

أي: خسيس مجهول في القبيلين؛ أي: وضيع في النفس والنسب.

وقوله:

إذَا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلاً مُضَارعاًمَضَى قبلَ أن تُلْقَى عليه الجَوازِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: كأنه إذا جرى في نفسه، أن يقتل عدوا قتله، من قبل أن يقول قائل: لم يقتله.

وأقول: إنه لم يبين ما سبب ذلك. والمعنى، إنه يجعل ذلك ماضيا. أما كان عطاء فإنه لا يتردد فيه، ويؤامر نفسه بخلا. وأما أن يكون إقداما، فإنه لا يتوقف فيه، ويؤخره جبنا، بل إذا نواه أمضاه عاجلا، جواد كان أو بأسا فيقال: فعل قبل أن يقال لم يفعل. ويحتمل أن يكون في ذلك إشارة إلى سعادته.

وقوله:

وقد حلكَمُوهَا والمَنايَا حَوَاكِمٌفمَا مَاتَ مَظْلومٌ ولا عاشَ ظالِمُ

قال: أي: لما ظلموا، وعتوا بقصدهم هدمها، أهلكهم الله، وسلّم سيف الدولة وأصحابه.

وأقول: إن المحاكمة، إنما وقعت بين الروم وبين الحدث، إلى المنايا. وكنى بها عن الحروب أو عن السيوف والرماح. فالمظلوم هو الحدث، والظالم هم الروم، فعاش المظلوم بسيوف الدولة ومات الظالم، فهذا هو المعنى لا قوله: فأهلكهم الله وسلّم سيف الدولة وأصحابه.

وقوله:

بِضَرْبٍ أتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غَائِبٌوصَارَ إلى اللّبَّاتِ والنَّصْرُ قَادِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: يقول: إذا ضربت عدوك، وصار السيف إلى رأسه، لم تعد ذلك نصرا، ولا ظفرا. فإذا فلق السيف رأسه، وصار إلى لبته؛ فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا، ولا يرضيك ما دونه.

وهذا قول ابن جني أيضا!

وأقول: إن قوله:

بِضَرْبٍ أتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غائبٌ ............

أي: غائب عنك، وعن أعدائك. وفي هذا إخبار عن اشتداد الأمر في الحرب، وإنه كان له فيها، مثلما عليه. ويدل على ذلك قوله قبل:

وَقَفْتَ وما في المَوْتِ شكٌّ لواقِفٍ ............

وقوله:

............وصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصْرُ قادِمُ

أي: لما فلقت السيوف الجماجم، تبين بذلك النصر، وإن الظفر لك.

وأقول: إنه لا يمكن أحد أن يعبر عن شدة أمر الحرب، والتباسه على الفريقين، بأحسن من هذه العبارة!

وقوله:

أَيُنْكِرُ رِيحَ اللَّيْثِ حَتَّى يّذٌوَقَهُوقد عَرَفَتْ رِيحَ اللُّيوثِ البهائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: يقول: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث، فيعلم إنه إن وقف فرسه؛ فقلة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث؛ فعند ذلك يفر. والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرت منه؛ أي: لو كان حازما، لكفاه ما سمعه من شجاعتك عن ملابستك.

وأقول: إن قوله: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث وقوله: حتى يذوقه الليث ليس بشيء! وإنما معناه: ألم يعلم خبرك في الشجاعة، وهو مشهور فلا يقدم عليك ويسلم؟ وضرب مثلا بالأسد والبهائم، وإنها مع جهلها، تعرف الأسد برائحته فتتقيه، فأنت أسوأ حالا من البهائم، مع إنك إنسان، إذ لم تعرف خبر سيف الدولة فتتقيه. والهاء في (يذوقه) راجعة إلى الدمستق؛ أي: تخبره وتلابسه.

وقوله:

تَغُرُّ حَلاوَاتُ النفوس قُلُوبَهَافَتَخْتَارُ بَعْضَ العَيْشِ وهو حِمَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قال: قلوبها أي: قلوب النفوس فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.

وأقول: إن قوله: فتختار الهرب لم يرده وإنما أراد: فتختار الذل بطلب الهدنة، وقد فسره بالبيت الذي بعده.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.