من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما قيل في طيف الخيال
، قال قيس بن الخطيم:
إنى شربت، وكنت غير شروب!وتقرّب الأحلام غير قريب
ما تمنعى يقظى، فقد تؤتينهفى النوم غير مكدّر محسوب
كان المنى تلقاءها، فلقيتهاولهوت من لهو امرئ مكذوب!
وقال عمرو بن قميئة:
نأتك أمامة، إلا سؤالاوإلّا خيالا يوافى خيالا
خيالا يخيّل لى نيلها،ولو قدرت لم يخيّل نوالا!
قال أبو هلال العسكرى: ومن هاتين القطعتين أخذ المحدثون أكثر معانيهم فى الخيال.
وقال البعيث:
أزارتك ليلى، والرّكاب خواضع؟وقد بهر الليل النجوم الطّوالع!
وأعطتك غايات المنى غير أنّهاكواذب ان حصّلتها وخوادع
وقال أبو تمام:
استزارته فكرتى في المنام،فأتاها في خفية واكتتام
يا لها ليلة تزاورت الأرواح فيها سرّا عن الأجسام!
مجلس لم يكن لنا فيه عيبغير أنّا في دعوة الأحلام!
وقال الحمدونىّ:
لم أنله، فنلته بالأمانىفى منامى سرّا من الهجران!
واصل الحلم بيننا بعد هجر،فاجتمعنا ونحن مفترقان
وكأنّ الأرواح خافت رقيبا،فطوت سرّها عن الأبدان
منظر كان نزهة العين إلّاأنه منظر بغير عيان
وقال ابن الرومىّ:
طرقتنا، فأنالت نائلاشكره- لو كان في النّبه- الجحود
ثم قالت، وأحسّت عجبىمن سراها حيث لا تسرى الأسود
لا تعجّب من سرانا، فالسّرىعادة الأقمار والناس هجود
أخذ العسكرىّ المعنى، فقال:
رقبت غفلة الرّقيب، فزارتتحت ليل مطرّز بنهار
فتعجّبت من سراها، فقالت:غير مستطرف سرى الأقمار!
ثم مالت بكأسها فسقتنىجلّناريّة على جلّ نارى!
وقال آخر:
فيا ليت طيفا، خيّلته لى المنى،وإن زادنى شوقا إليك، يعود!
أكلّف نفسى عنك صبرا وسلوة،وتكليف ما لا يستطاع شديد!
وقال العسكرىّ:
طرق الخيال، فزار منه خيالا.فسرى يغازل في الرّقاد غزالا
يا كشفة للكرب، إلّا أنّهولّى على دبر الظّلام فزالا
قعد المتيّم، وهو أكثر صبوةوأشدّ بلبالا وأكسف بالا!
وقال العماد الأصفهانىّ:
ظبى طربت لطيفه المتأوّبطرب العليل لرؤية المتطبّب
لم أدر زورته، أكانت خطفةمن بارق أم لمعة من كوكب
زار الكرى متهيّبا رقباءه،أهلا به من زائر متهيّب!
لمّا رأى وجدى، تأوّه رحمة.لله من متأوّه متأوّب!
وأتى ليقرب من وساد متيّم؛لمّا أحسّ بناره، لم يقرب
وقال محمد بن بختيار:
لو أنّ طيف الخيال يسرى،بلّ سراه غليل صدرى
ولو أراد الحبيب أن لايضيمنى، ما استطاب هجرى
يلومنى في هواه من لايعلم أنّ الملام يغرى
كم ليلة زار في دجاها،فكان تحت الظلام بدرى
يتحفنى باحمرار خدّمورّد وابيضاض ثغر
يجمع لى بين سكر لحظوسكر ريق وسكر خمر،
ودرّ لفظ ودرّ ثغرودرّ كأس ودرّ نحر
وقال آخر:
قلت للمعرض الّذى صدّ عنّى:إنّ طيف الخيال لى عنك يغنى
قال: لا تحمد الخيال فما زارك إلّا عن اختيارى وإذنى
كدت تقضى أسى، فقلت لطيفى:أحى لى روحه بزور التّمنّى!
ليس شحّا بأن تموت؛ ولكنخفت أن تستريح بالموت منّى!
وقال آخر:
فإن يحجبوها بالنهار، فما لهمبأن يحجبوا بالليل عنّى خيالها!
وقال المجنون:
وإنّى لأستغشى، وما بى نعسة؛لعلّ لقاها في المنام يكون!
تخبّرنى الأحلام أنّى أراكم،ألا ليت أحلام المنام يقين!
وقال المؤمل:
أتانى الكرى ليلا بشخص أحبّه؛أضاءت له الآفاق، والليل مظلم
فكلّمنى في النّوم غير مغاضب،وعهدى به يقظان لا يتكلّم!
وذكر العباس بن الأحنف العلة في طروق الخيال، فقال:
خيالك حين أرقد نصب عينىإلى وقت انتباهى لا يزول
وليس يزورنى صلة، ولكنحديث النفس عنك به الوصول
وتبعه الطائىّ فقال:
زار الخيال لها، لا بل أزاركهفكر، إذا نام فكر الحلو لم ينم
ظبى تقنّصته لمّا نصبت لهفى آخر الليل أشراكا من الحلم
ومما قيل في الردّ على العذول، قال أبو نواس:
ما حطّك الواشون من رتبةعندى، ولا ضرّك مغتاب
كأنّما أثنوا- ولم يشعروا-عليك عندى بالذى عابوا
وقال تاج الملوك:
مه يا عذول عن المحبّ، فإنّماعذل المحبّ يزيد في بلباله!
لا تعذلنّ على الصّبابة مغرماحتّى تبيت من الزّمان بحاله!
وقال أيضا من قصيدة:
ولقد قلت للذى لا منى فيك، وما زال حاله مثل حالى:
يا عذولى في حبّه، كفّ عذلى.أنا ما للعذول فيه وما لى!
كلما زدت في ملامى وعذلى،زدت في لوعتي وفي بلبالى!
وقال الأرّجانى:
وجدى بلومك، يا عذول يزيد!فاستبق سهمك، فالرمىّ بعيد!
بلغ الهوى من سرّ قلبى موقعا:لا العذل يبلغه ولا التفنيد!
وتنمّ بالشّجو المكتّم عبرتى،ومن الدّموع على الغرام شهود!
وقال سيف الدين المشدّ:
يا عاذلى، خلّ عنّى!أسمعت غير سميع!
لا ترج منّى سلوّا!فما فؤادى مطيعى!
وكيف أكتم ما بىمن لوعة وولوع،
والذّاريات جفونى،والمرسلات دموعى !
وقال ابن الخيمى:
وتأمرنى العذّال بالصبر عنكم،ومن ذا الذى يرضى عن الحلو بالصّبر؟
ومن أعجب الأشياء أنّ عواذلىيطيلون لومى في الهوى، والهوى عذرى!
ومما قيل في رجوع العذول، قال ابن وكيع:
أقبل والعذّال يلحوننى،فكلّهم قال: من البدر؟
فقلت: ذا من طال في حبّهمنكم لى التعنيف والزّجر!
قالوا: جهلنا، فاغتفر جهلنافليس عن ذا لامرئ صبر!
عذرك في الحبّ له واضح،وما لنا في لومنا عذر!
وقال أيضا:
أبصره عاذلى عليه،ولم يكن قبل ذا رآه
فقال لى: لو عشقت هذا،ما لامك الناس في هواه!
قل لى: إلى من عدلت عنهفليس أهل الهوى سواه؟
وظلّ من حيث ليس يدرى،يأمر بالحبّ من نهاه!
ومما قيل في الوصال، قال ابن الرومىّ:
ولقد يؤلّفنا اللّقاء بليلةجعلت لنا حتّى الصباح نظاما
نجزى العيون جزاءهنّ عن البكاوعن السّهاد ولا نصيب أثاما
فنبيحهنّ مرادهنّ، يردنهفيما ادّعين، ملاحة ووساما
ونكافئ الآذان، وهى حقيقةإذ لا تزال تكابد اللّوّاما
فنثيبهنّ من الحديث مثوبةتشفى الغليل وتكشف الأسقاما
ونكافئ الأفواه عن كتمانها،إذ لا يزال لها الصّمات لجاما
فنبيحهنّ ملاثما ومراشفا،ما ضرّها أن لا تكون مداما!
نجزى الثلاثة أنصباء ثلاثةمقسومة آناؤها أقساما
ومما قيل في الفراق والبين، قال بعض الكتّاب: فى الفراق مصافحة التسليم، ورجاء الأوبة، والسلامة من الملال، وعمارة القلب بالشوق، والدلالة على فضل المواصلة واللقاء.
قال شاعر:
جزى الله يوم البين خيرا، فإنّهأزانا على علّاته أمّ ثابت!
وقال ابن الرومىّ:
فإذا كان في الفراق اعتناق،جعل الله كلّ يوم فراقا!
وقال أبو حفص الشطرنجىّ:
من يكن يكره الفراق، فإنّىأشتهيه لموضع التّسليم!
إنّ فيه اعتناقة لفراقوانتظار اعتناقة لقدوم
وقال سيف الدولة بن حمدان:
راقبتنى العيون فيك، فأشفقت؛ ولم أخل قطّ من إشفاق
ورأيت العدوّ يحسدنى فيك مجدّا بأنفس الأعلاق
فتمنّيت أن تكون بعيدا،والذى بيننا من الودّ باق!
ربّ هجر يكون من خوف هجروفراق يكون خوف فراق!
وأرى هذا كلّه على سبيل التعلل ليس إلا، وإنما الفراق لا شكّ في إيلامه للقلوب.
قال بعض الشعراء:
فلم لا تسبل العبرات منّى،ولست على اليقين من التّلاقى؟
فلا وأبيك، ما أبصرت شيئاأمرّ على النّفوس من الفراق!
وقال آخر:
يا ربّ، باعد بين جفنى والكرىمادام من أهواه في هجرانى!
إنّى لأخشى أن أنام فألتقىبخياله، خوف الفراق الثانى!
وقال آخر:
فارقته وبودّى لو تفارقنىروح الحياة، وأنّى لا أفارقه!
وقال أبو تمام:
الموت عندى والفراق: كلاهما ما لا يطاق!
يتعاونان على النفوس: فذا الحمام وذا السّياق!
لو لم يكن هذا كذا،ما قيل: موت أو فراق!
وقال غريب بن سعيد شاعر «اليتيمة»:
ألان يوم الفراق قسوتهحتّى جرى دمعه وما شعرا
فخلت ما سال من مدامعهدرّا على وجنتيه منتثرا
لم يبك شوقا، لكن بكى جزعالهول يوم الفراق إذ حضرا
فى مشهد لو أطاق شاهدهفيه استتارا لوجهه، سترا
أبى أساه وفيض أدمعهإلا اشتهارا في الحبّ، فاشتهرا
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:
هيّج البين دواعى سقمى،وكسا جسمى ثوب الألم!
أيّها البين، أقلنى مرّةفإذا عدت، فقد حلّ دمى
يا خلىّ الرّوع، نم في غبطة!إنّ من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبى سقماذكر من لو شاء، داوى سقمى
وقال آخر:
بكت وبكيت لوشك الفراق؛فقف، تر من مد معينا العجب!
فذا فضّة في عقيق جرى،وهذا عقيق جرى في ذهب!
وقال آخر:
قلت له والرّقيب يزعجهمستعجلا للفراق: أين أنا؟
فمدّ كفّا إلى ترائبهوقال: كن آمنا، فأنت هنا!
وقال آخر:
قد قلت إذ سار السّفين به،والشّوق ينهب مهجتى نهبا:
لو كان لى ملك أصول به،«لأخذت كلّ سفينة غصبا»
وقال كشاجم:
مزجت دموع العين منّى يوم بانوا بالدّما
فكأنّما مزجت بخدّى مقلتى خمرا بما!
وقال آخر:
لم أنس يوم الفراق موقفها،وطرفها في دموعها غرق
وقولها، والرّكاب سائرة:تتركنا هكذا، وتنطلق؟
ومنه ما قيل في مفارقة الأصحاب:
لمّا رأيت مصاحبى ومعاشرىلجديد ودّى بالقطيعة مزّقا،
فارقته وسللت من يده يدى،وقرأت لى وله: «وإن يتفرّقا»
وقال آخر:
قالوا: قطعت صديقك البرّ الذىمنه استفدت مكارم الأخلاق
فأجبتهم: بعض المفاصل ربّمافسدت، فتقطع في صلاح الباقى!
وقال آخر:
ولقد شكرت مفارقىإذ ساء في أخلاقه
لو كان أحسن عشرتى،لهلكت يوم فراقه
ومثله قول الآخر:
علّمتنى بهجرها الصّبر عنها،فهى مشكورة على التّقبيح!
وأرادت بذا قبيح فعالصنعته، فكان عين المليح!
ومما قيل في التوديع، قال البحترىّ:
أقول له عند توديعه،وكلّ بعبرته مبلس:
لئن قعدت عنك أجسامنا،لقد سافرت معك الأنفس!
وقال أبو الطيب المتنبى:
يا راحلا، كلّ من يودّعهمودّع دينه ودنياه
إن كان فيما نراه من كرمفيك مزيد، فزادك الله!
وقال البحترىّ:
ألم ترنى يوم فارقتهاودّعه، والهوى يستزيد
أولّى إذا أنا ودّعته،فيغلبنى الشوق حتّى أعود
وقال أبو تمام:
نأى وشيك وانطلاق،وغليل شوق واحتراق
بأبى فتى ودّعتهتاهت بصحبته الرّفاق!
بدر يضىء لعاشقيهـ فما يطيف به المحاق!
وقال ابن زيدون:
ودّع الصبر محبّ ودّعك،حافظ من سرّه ما استودعك!
يقرع السّنّ على أن لم يكنزاد في تلك الخطا، إذ شيّعك!
يا أخا البدر سناء وسنا،حفظ الله زمانا أطلعك!
إن يطل بعدك ليلى، فلكمبتّ أشكو قصر الليل معك!
وقال أبو عبد الرحمن شاعر «اليتيمة»:
إذا دهاك الوداع فاصبرولا يهولنّك البعاد!
وانتظر العود عن قريب،فانّ قلب الوداع عادوا
وقال آخر:
ودّعته حيث لا تودّعهروحى، ولكنّها تسير معه
ثم تولّى وفي القلوب لهضيق مجال وفي الدموع سعه
وقال الإمام الصولى:
لو كنت يوم الوداع حاضرناوهنّ يشكون علّة الوجد،
لم تر إلا الدّموع جاريةتسقط من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدّموع قطر ندى،يقطر من نرجس على ورد!
وقال أبو منصور أحمد بن محمد اللخمىّ:
وقفت يوم النوى منهم على بعدولم أودّعهم وجدا وإشفاقا
إنّى خشيت على الأظعان من نفسىومن دموعى: إحراقا وإغراقا
وقال ابن نباتة:
ولمّا استقلّت للّرواح حمولهمولم يبق إلا شامت وغيور،
وقفنا: فمن باك يكفكف دمعه،وملتزم قلبا يكاد يطير!
وقال آخر:
ولمّا وقفنا للوداع، وقلبهاوقلبى يبثّان الصّبابة والوجدا،
بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعىعقيقا فصار الكلّ في نحرها عقدا
وقال آخر:
ودّعتها ولهيب الشّوق في كبدىوالبين يبعد بين الرّوح والجسد،
وداع صبّين لم يمكن وداعهماإلا بلحظة عين أو بنان يد
وحاذرت أعين الواشين فانصرفتتعضّ من خوفها العنّاب بالبرد
وكان أوّل عهد العين يوم نأتبالدّمع آخر عهد القلب بالجلد
وقال الهيثم الكلاعىّ، من شعراء «اليتيمة»:
ولم أنسها يوم الوداع، ومسحهابوادر دمع العين. والعين تذرف
أفانين تجرى من دموع ومن دمعلى الخدّ منها تستهلّ وترعف
وتكرارنا نجوى الهوى ذات بيننا،وكلّ إلى كلّ يلين ويعطف
جعلنا هناك الهجر منّا بجانب،وللبين داع بالتّرحّل يهتف
ولولا النوى، لم نشك ضعفا عن الأسى!ومن يحمل الأشجان بالبين يضعف!
فقلت: كلانا مثقل من صبابة؛ولكنّنى عن حملها منك أضعف
وقال الظاهر البصرىّ:
نفسى الفداء لمن جاءت تودّعنىيوم الفراق بقلب خائف وجل!
قد كنت فارقت روحى يوم فرقتها؛لكن حييت بطيب الضّمّ والقبل!
وقال يزيد بن معاوية:
جاءت بوجه كأنّ البدر برقعهحسنا على مثل غصن البانة الثّمل
إحدى يديها تعاطينى معتّقةكخدّها عصفرته حمرة الخجل
ثمّ استبدّت وقالت وهى عالمة،بما تقول وشمس الكأس لم تفل:
لا ترحلنّ، فما أبقيت لى جلدامما أطيق به توديع مرتحل!
ولا من الصبر ما ألقى الفراق بهولا من الدّمع ما أبكى على طلل!
ومن الناس من كره الوداع. وفي ذلك يقول البحترىّ:
الله جارك في انطلاقكتلقاء شامك أو عراقك!
لا تعذلنّى في مسيرى يوم سرت ولم ألاقك!
إنّى خشيت مواقفاللبين تسفح غرب ماقك!
وعلمت أنّ بكاءناحسب اشتياقى واشتياقك!
وذكرت ما يجد المودّع عند ضمّك واعتناقك،
فتركت ذاك تعمّداوخرجت أهرب من فراقك!
وقال آخر:
الله يعلم ما تركت وداعه،ولقد جزعت لبعده وفراقه،
إلا مخافة أن يذيب فؤادهما في فؤادى منه عند عناقه!
وقال آخر:
إنّ تركى فضيلة التشييعلاجتنابى مشقّة التّوديع
ما يفى أنس ذا بوحشة هذا،فرأيت الصّواب ترك الجميع!
وقال آخر:
ما تركت الوداع يوم افترقناعن ملال ولا لوجه قبيح
أنت روحى على الحقيقة ما زلت، وما اخترت أن أودّع روحى!
ومما قيل في الصدّ والهجران، قال أبو عبادة البحترىّ:
هجر الحبيب، فمتّ من شغفلمّا حرمت عزيمة الصّبر!
فإذا قضيت، فناد: يا حزنى،هذا قتيل الصّدّ والهجر!
والبدر في حلّ وفي سعةمن سفكه دم عبده الحرّ!
وقال ابن ميّادة:
كانوا بعيدا، فكنت آملهمحتّى إذا ما تقاربوا، هجروا
فالبعد منهم على رجائهمأنفع من قربهم إذا هجروا!
وقال أبو الحسن أحمد بن عمر النهروانىّ:
على قلبى الاحبّة بالتمادى في الهوى غلبوا
وبالهجران من عينىّ طيب النوم قد سلبوا
وما طلبوا سوى قتلى،فهان علىّ ما طلبوا!
ولما سمع الشيخ العالم صدر الدين محمد بن الوكيل هذه الأبيات، عارضها، وأنشدنى لنفسه في صفر الأغر الميمون سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
لئن غلبوا على عقلى،لقد سلبوا لمن غلبوا!
وإن أبكى تبسّمهم،فخلّب برقهم خلبوا!
وإن ترج العيون، فقدإليها السّهد قد جلبوا!
وإن عطفوا برقّتهم،فدرّ مدامعى حلبوا
ومما قيل في الزيارة، قال الوزير ابو عبد الله بن الحدّاد:
إذا جاءنى زائرا حسنهأقام عليه رقيبا عتيدا
إذا ما بدا، سربلته العيونوخرّت وجوه إليه سجودا
هو البدر والغصن: خدّا وقدّا،كما أنه الظّبى: لحظا وجيدا
أتى زائرا وفؤادى خلىّ،فمرّ به مستهاما عميدا
وغادرنى بعده في غرامتضرّم بين ضلوعى وقودا!
وقال نصير الخبز أرزّى، شاعر «اليتيمة» عفا الله عنه:
خليلىّ! هل أبصرتما أو سمعتمابأكرم من مولى تمشّى إلى عبد!
أتى زائرا من غير وعد وقال لى:أصونك عن تعليق قلبك بالوعد!
وقال الوأواء الدمشقى:
زار بليل على صباحعلى قضيب على كثيب!
حتّى أتت ألسن الليالىمعتذرات من الذّنوب
فيالها زورة أخذنابها أمانا من الخطوب!
وقال أبو عبد الله الحدّاد:
يا زائرا، ملأ النّواظر نوراوالنّفس لهوا والفؤاد سرورا!
لو أستطيع، فرشت كلّ مسالكىحدقا وبيض سوالف ونحورا
وقال آخر:
أهلا وسهلا بطارق طرقا،أحببت فيه السهاد والارقا!
زار على غفلة الرقيب ويمناه تدارى وشاحه القلقا
فبتّ منه معانقا صنماينفح مسكا وعنبرا عبقا
لو شئت، أنشأت من ذوائبهليلا، ومن نور وجهه فلقا!
وقال أبو عبد الله الحامدىّ من شعراء «اليتيمة»:
مشتاقة طرقت في الليل مشتاقا!أهلا بمن لم يخن في العهد ميثاقا!
أهلا بمن ساق لى طيف الأحبّة فيليل الدّجنّة، بل أهلا بما ساقا!
يا زائرا زار من قرب على بعد،آنست مستوحشا! لا ذقت ماذاقا!
الله يعلم لو أنى استطعت، لقدفرشت ممشاك آماقا وأحداقا!
يا ليل، عرّج على إلفين قد جعلاعقد السواعد للأعناق أطواقا!
وقال مؤيد الدين الطغرائىّ:
وزائرة وافت، فأجللت خدّهاوقبّلت إكراما لموردها الأرضا!
فيازورة جاءت على غير موعد،فقرّت عيون واشتفت أنفس مرضى!
فلم أر إلّا ما ألذّ وأشتهى،ولم أر إلّا ما أودّ وما أرضى!
على أنّها ولّت ولم أقض سنّة- من الوطر الممطول دهرا- ولا فرضا!
وما سوّغتنا ليلة الوصل قرضهاإلى أن بدا الإصباح يسترجع القرضا
وقال ابن سكّرة، من شعراء «اليتيمة»:
أهلا وسهلا بمن زارت بلا عدةتحت الظلام ولم تحذر من الحرس!
تستّرت بالدّجى عمدا، فما استترتوبات إشراقها ليلا على قبس!
ولو طواها الدّجى عنّا، لأظهرهابرق اللّثات وعطر النّحر والنّفس!
ومما قيل في تخفيف الزيارة وموانعها، قال شاعر الحماسة:
ولمّا رأيت الكاشحين تتّبعواهوانا وأبدوا دوننا نظرا شزرا،
جعلت- وما بى من جفاء ولا قلى-أزوركم يوما وأهجركم شهرا!
وقال مسلم بن الوليد:
أقلل زيارتك الصّديق، يراك كالثّوب استجدّه!
إنّ الصّديق يملّهأن لا يزال يراك عنده
إلّا الكرام ذوى النّهى،إنّ الكريم يديم عهده!
وقال آخر:
إذا ما كثرت على صاحبوقد كان يدنيك من نفسه،
فلا بدّ من ملل واقع،يغيّر ما كان من أنسه!
وقال آخر:
لئن تأخّرت عن مفروض خدمتكمتجشّما، فضميرى غير متّهم!
سعى ودادى إليكم بالوفاء لكم،والسّعى بالقلب فوق السعى بالقدم!
وقال ابن المعلم:
لم أطو بحر نداك- مع قربى- قلىإلا مخافة موجه المتراكب
وعلمت أنّى إن أتيتك زائرا،ثقّلت، والتثقيل ليس بواجب
وقال المعوّج:
ثلاثة منعتها من زيارتنا،وقد طوى الليل جفن الكاشح الحنق:
نور الجبين، ووسواس الحلىّ، ومايمسّ أردانها من عنبر عبق
هب الجبين بفضل الثوب تستره،والحلى تنزعه، ما الشأن في العرق؟
وقال أبو فراس الحمدانىّ:
لقد نافسنى الدّهربتأخيرى عن الحضره
فما ألقى من العلة ما ألقى من الحسرة!
ومنها التأخر عن عيادة المرضى، قال ابن زريق الكوفىّ الكاتب:
يا مريضا لسقمه،مرض العلم والوفا!
لم يكن تركى العيادة هجرا ولا جفا
لم أطق أن أراك ياأكرم الناس مدنفا!
طال خوفى عليك، والحمد لله إذ كفى!
وقال آخر:
منعتنى عليك رقّة قلبىمن دخولى عليك في العوّاد
لو بأذنى سمعت منك أنينا،لتفرّى على الأنين فؤادى
وقال آخر:
فو الله! ليس انقطاعى جفاوفي كبدى منك نار تشبّ!
ولكنّنى قطّ لا أشتهىأرى من أحبّ كما لا أحبّ!
ومما قيل في المدامع، قال العسكرىّ: أبلغ ما قيل في امتلاء العين من الدمع قول بعض الأعراب:
فظلت كأنّى من وراء زجاجةإلى الدّار من فرط الصّبابة أنظر
وقال البحترىّ:
ويحسن دلّها والموت فيه،وقد يستحسن السيف الصّقيل!
وقفنا والعيون مثقّلاتيعالج دمعها طرف كليل!
نهته رقبة الواشين حتّىتعلّق: لا يغيض ولا يسيل!
وقال السرىّ:
بنفسى من ردّ التحية ضاحكا،فجدّد بعد اليأس في الوصل مطمعى!
إذا ما بدا، أبدى الغرام سرائرىوأظهر للعذّال ما بين أضلعى
وحالت دموع العين بينى وبينه،كأنّ دموع العين تعشقه معى
وقال الصولىّ:
قد كان في طول البكالى راحة،وعنان سرّى في يد الكتمان
حتّى إذا الإعلان نبّه واشيا،رقأت دموعى خشية الإعلان!
وقال بشّار:
ماء الصّبابة، نار الشّوق تحدرهفهل سمعتم بماء فاض من نار؟
وقال أبو هلال العسكرىّ:
أشكو الهوى بدموع قادها قلقحتّى علقن بجفن ردّها الفرق
ففى الفؤاد سبيل للأسى جدد،وفي الجفون مقيل للكرى قلق
لهيب قلبى أفاض الدّمع من بصرى،والعود يقطر ماء وهو يحترق!
وقال الصولىّ: أنشد أبو الحسن بن رجاء المبرّد يوما بيت ذى الرّمّة:
«لعلّ انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفى شجىّ البلابل!»
وقال: من قال في مثله، فقد ملح.
وقال الحسن بن وهب:
ابك! فما أكثر نفع البكا!والحبّ إشفاق وتعليل!
افزع إليه في ازدحام الجوىففيه مسلاة وتسهيل
وهو إذا انت تأمّلتهحزن على الخدّين محلول!
وقال العباس بن أحمد بن الأحنف:
إنّى لأجحد حبّكم وأسرّهوالدمع معترف به لم يجحد
والدمع يشهد أنّنى لك عاشقوالناس قد علموا وإن لم يشهد!
وقال آخر:
فلا تنكرن لون الدّموع فإنّمايبيّضها تصعيدها من دم القلب!
وقال العسكرىّ:
آفة السّر من دموع دوام دوامع!
كيف يخفى مع الدّموع الهوامى الهوامع؟
ما رأينا أخا هوىسرّه غير ذائع!
إنّ نيران حبّهباديات الطلائع!
وقال خالد الكاتب:
بكيت دما حتّى بقيت بلا دم،بكاء فتى فرد على شجن فرد!
أأبكى الذى فارقت بالدّمع وحده؟لقد جلّ قدر الدمع فيه إذا عندى!
وقال آخر:
غدت بأحبّتى كوم المطايا،فبان النوم وامتنع القرار
وكان الدّمع لى ذخرا معدّا،فأنفقت الذخيرة يوم ساروا!
وقال آخر:
طال عهدى بها فلمّا رأتنى،نظمت لؤلؤا على تفّاح!
وقال آخر:
إذ لا جواب لمفحم متحيّرإلا الدموع تصان بالأطراف
وقال آخر:
تقول غداة البين عند وداعها:إلى الكبد الحرّى: فسر، ولك الصّبر!
وقد سبقتها عبرة: فدموعهاعلى خدّها بيض، وفي نحرها حمر!
معناه: أن الدّموع إذا انحدرت إلى نحرها احمرّت من الطّيب.
قالوا: وأحسن ما قيل في صفة الدّموع إذا امتزجت بالدماء، قول أبى الشّيص:
لهون عن الإخوان إذ سفر الضّحىوفي كبدى من حرّهنّ حريق
مزجت دما بالدّمع حتّى كأنمايذاب بعينى لؤلؤ وعقيق
وقول أبى تمام:
نثرت فريد مدامع لم تنظم،والدمع يحمل بعض ثقل المغرم!
وصلت نجيعا بالدّموع، فخدهافى مثل حاشية الرّداء المعلم!
ومن أجود ما قيل في بياض الدمع على حمرة الخدّ قول الصولىّ:
كأنّ تلك الدّموع قطر ندىيقطر من نرجس على ورد!
وهى أبيات تقدّمت في التوديع.
ونحوه قول ابن الرومىّ:
لمّا دنا البين وزاح الدّلّ،ودّعتها ودمعها منهلّ
وخدّها من قطره مخضلّكأنه ورد عليه طلّ!
وقال آخر:
كأنّ الدّموع على خدّهابقيّة طلّ على جلّنار
ومما قيل في الرضا من المحبوب باليسير، فمن ذلك قول حميد بن ثور:
أقلّب طرفى في السماء لعلّهيوافق طرفى طرفها حين تنظر!
ومثله قول ابن المعلوط:
أليس اللّيل يجمع أمّ عمرووإيّانا؟ فذاك لنا تدانى!
بلى، وأرى السماء كما تراها،ويعلوها النهار كما علانى!
وقال جميل:
وإنى لأرضى منك، يابثن، بالّذىلو استيقن الواشى لقرّت بلابله!
بلا، وبأن لا أستطيع، وبالمنىوبالأمل المكذوب قد خاب آمله!
وبالنّظرة العجلى، وبالحول ينقضى،أواخره لا نلتقى وأوائله!
وقريب منه قول الآخر:
يودّ بأن يمسى سقيما لعلّهاإذا سمعت منه بشكوى تراسله!
ويهتزّ للمعروف في طلب العلالتحمد يوما عند سلمى شمائله!
أخذ العسكرىّ المعنى فقال:
وقلت: عساها إن مرضت تعودنىفأحببت لو أنّى غدوت مريضا!
وزدت اتّساعا في المكارم والعلاليصبح جاهى عندهنّ عريضا!
وقال أبو الفضل بن عبد العزيز:
يا من هجرت فلا تبالى!هل ترجع دولة الوصال؟
هل أطمع يا عذاب قلبىأن ينعم في هواك بالى؟
الطّرف كما عهدت باكوالجسم كما ترين بالى!
ما ضرّك أن تعلّلينىفى الوصل بموعد المحال!
أهواك وأنت حظّ غيرى،يا قاتلتى، فما احتيالى؟
ومما قيل في النحول، فمن ذلك قول المتنبى:
أبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدنى،وفرّق الهجر بين الجفن والوسن!
روح تردّد في مثل الخلال إذاأطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمى نحولا أننى رجللولا مخاطبتى إيّاك- لم ترنى!
وقال آخر:
أسرّ إذا بليت، وذاب جسمىلعلّ الريح تحملنى إليه!
وقال ابن المعتزّ:
ماذا ترى في مدنفيشكوك طول سقمه؟
أضنيته فما يطيق ضعفه حمل اسمه،
ولا يراك عائداإلا بعين وهمه!
وقال كشاجم:
وما زال يبرى أعظم الجسم حبّهاوينقصها حتّى لطفن عن النّقص
فقد ذبت حتّى صرت لو أنا زرتها،أمنت عليها أن يرى أهلها شخصى
ومن أبلغ ما قيل في ذلك، قول ديك الجنّ:
أنحل الوجد جسمه والحنين،وبراه الهوى فما يستبين!
لم يعش أنّه جليد؛ ولكندقّ جدّا، فما تراه المنون!
وقال نصير بن أحمد:
أنحلنى الحبّ فلو زجّ بىفى مقلة النائم، لم ينتبه!
وكان لى فيما مضى خاتمواليوم لو شئت، تمنطقت به!
وقال الحسن بن وهب:
أبليت جسمى من بعد جدّته،فما تكاد العيون تبصره
كأنه رسم منزل خلقتعرفه العين، ثمّ تنكره!
ومما قيل في المحبوب إذا اعتلّ، قال العباس بن الأحنف:
زعموا لى أنّها صارت تحمّ!ابتلى الله بهذا من زعم!
اشتكت أكمل ما كانت، كمايكسف البدر إذا ما قيل تمّ!
وقال أحمد بن إسحاق الطالقانىّ:
لقد حلّت الحمّى بساحة خدّهفأبدلت التّفّاح بالسّوسن الغضّ!
قال أبو هلال العسكرىّ: والأصل في ذلك قول عبد بنى الحسحاس. ونقل فى كتابه ديوان المعانى بسند رفعه قال: كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه: إنى اشتريت لك عبدا حبشيا شاعرا. فكتب إليه عثمان: لا حاجة لى فيه، فإن قصارى الشاعر منهم أن يهجو أعراضهم ويشبب بكريمتهم. فاشتراه بنو الحسحاس، فرئى يوما وهو ينشد:
ماذا يريد السّقام من قمركلّ جمال لوجهه تبع؟
ما يبتغى- خاب- من محاسنه؟أما له في القباح متّسع؟
غيّر من لونه وصفّر ماورّد منه الجمال والبدع
لو كان يبغى الفداء، قيل له:ها أنا دون الحبيب يا وجع!
ثم يقول لنفسه: أحسنك والله! يريد أحسنت. وكان العبد كما حدس عثمان، فما زال يهجو مواليه ويشبّب بنسائهم، حتّى قتلوه. فضحكت منه امرأة وقد ذهبوا به ليقتلوه، فقال:
فإن تضحكى منّى، فيا ربّ ليلةجعلتك فيها كالقباء المفرّج!
وقال لهم:
فلقد تحدّر من جبين فتاتكمعرق على ظهر الفراش وطيب!
وهو الذى مدح نفسه بقوله:
إن كنت عبدا، فنفسى حرّة كرما؛أو أسود اللون، إنى أبيض الخلق!
ولم أورد هذه الواقعة هنا لأنه موضعها من كل وجه، وإنما الشىء بالشىء يذكر.
وقال شاعر:
لو لم تكن حمّاه مشغوفةتعشقه طورا وتهواه،
ما عانقبت إذ أقبلت جسمهوقبّات إذ فارقت فاه!
وقال آخر:
لو كان كلّ مريضيزداد مثلك حسنا،
لكان كلّ صحيحيودّ لو كان مضنى!
وقال محمد بن العباس الخوارزمىّ، من شعراء «اليتيمة»:
ولى من أمّ ملدم كلّ يومضجيع لا يلذّ له منام!
مقبّلة وليس لها ثنايا،معانقة وليس لها التزام!
كأنّ لها ضرائر من غذائى،فيغضبها شرابى والطّعام
إذا ما صافحت صفحات جسمى،غدا ألفا وأمسى وهو لام
ومما يناسب هذا الفصل ما قيل في شرب الدواء، فمن ذلك قول أبى تمام:
أعقبك الله صحّة البدن،ما هتف الهاتفات في الغصن
كيف وجدت الدّواء؟ أوجدك اللهشفاء به مدى الزّمن!
وقال ابن حجاج:
يا من به تتباهىمجالس الخلفاء!
ومن تقصّر عنهمدائح الشّعراء!
يا سيّدى كيف أصبحت بعد شرب الدّواء؟
خرجت منه تضاهىفى الحسن بدر السّماء!
فى ثوب صحّة جسممطرّز بالشّفاء
ومما قيل على لسان الورقاء- وكل مطوّقة عند العرب حمامة: كالدّبسى والقمرىّ والورشان وما أشبه ذلك. وجمعها حمام. يقال للذكر والأنثى منه حمامة.
والحمامة تبكى، وتغنّى، وتنوح، وتغرّد، وتسجع، وتقرقر، وتترنّم.
وإنما لها صوت سجيع لا يفهم: فجعله الحزين بكاء، والطّرب غناء.
قال حميد بن ثور:
مطوّقة خطباء تسجع كلّمادنا الصيف وانزاح الربيع فأنجما
تغنّت على غصن عشاء فلم تدعلنائحة في نوحها متلوّما
فلم أر مثلى شاقه صوت مثلها،ولا عربيّا شاقه صوت أعجما!
وقال مجنون بنى عامر:
ألا يا حمامات اللّوى عدن غدوةفإنّى إلى أصواتكنّ حزين!
فعدن؛ فلمّا عدن، كدن يمتننىوكدت بأسرار لهنّ أبين!
فلم تر عينى مثلهنّ حمائمابكين، ولم تدمع لهنّ عيون!
وقال أبو الأسود الدؤلى:
وساجع في فروع الأيك هيّجنى!لم أدر لم ناح ممّا بى ولم سجعا؟
أباكيا إلفه من بعد فرقته،أم جازعا للنّوى من قبل أن يقعا؟
يدعو حمامته، والطير هاجعة:فما هجعت له ليلى وما هجعا!
شكا النّوى فبكى خوف الأسى فرمىبين الجوانح من أوجاعه وجعا!
كأنّه راهب في رأس صومعةيتلو الزّبور، ونجم الصّبح قد طلعا!
وقال جحدر العكلىّ:
وقدما هاجنى فازددت شوقابكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبتا بلحن أعجمىّعلى عودين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمىوفي الغرب اغتراب غير دانى!
وقال عوف بن محلّم:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك ميّاد! ففيم تنوح؟
وقال ابن عبد ربه من ابيات:
وكيف، ولى قلب اذا هبّت الصّباأهاب بشوق في الضّلوع دفين؟
ويهتاج منه كلّ ما كان ساكنادعاء حمام لم تبت بوكون
وإنّ ارتياحى من بكاء حمامةكذى شجن داويته بشجون
كأنّ حمام الأيك لمّا تجاوبت،خزين بكى من رحمة لحزين!
وقال ابن قلاقس:
غناء حمام في معاطف بانإلى مذهب الحبّ القديم ثنانى
تغنّى فأعطاف الغصون رواقصوأحداق أزهار الرّياض روانى
فذكّرنى شرخ الزمان فمدمعىسفوح وقلبى دائم الخفقان
وقال أعرابىّ:
وقبلى أبكى كلّ من كان ذا هوىهتوف البواكى والدّيار البلاقع
وهنّ على الأغصان من كلّ جانبنوائح، ما تخضلّ منها المدامع!
وقال فتح الدين بن عبد الظاهر:
نسب الناس للحمامة حزنا،وأراها في الحزن ليست هنا لك!
خضبت كفّها وطوّقت الجيد وغنّت، وما الحزين كذلك!
وقال ابن الرومىّ:
أشجتك داعية مع الإشراق،هتفت بساق من ذؤابة ساق؟
أيكيّة تدعو، ولم أر باكياريب الزمان قرينها لفراق
تبدو أواميت الشّجى في صوتهاوترى عليها أنّة الإطراق
لو تستطيع، تسلّبت من طوقهالو كان منتحلا من الأطواق
ومما قيل في المراجعات، فمن ذلك قول وضّاح اليمن:
قالت: ألا لا تلجن دارنا،إنّ أبانا رجل غائر!
أما رأيت الباب من دوننا؟قلت: فإنّى واثب طافر!
قالت: فإن القصر من دوننا!قلت: فإنّى فوقه ظاهر!
قالت: فإنّ الليث عال بهقلت: فسيفى مرهف باتر!
قالت: فهذا البحر ما بينناقلت: فإنّى سابح ماهر!
قالت: أليس الله من فوقنا؟قلت: بلى! وهو لنا غافر
قالت: فإمّا كنت أعييتنا،فأت إذا ما هجع السّامر!
واسقط علينا كسقوط النّدى،ليلة لا ناه ولا زاجر!
وقال المؤمل بن أميل:
وطارقات طرقننى رسلا،والليل كالطّيلسان معتكر
فقلن: جئنا إليك عن ثقةمن عند خود كأنّها قمر!
هل لك في غادة منعّمةيحار فيها من حسنها النّظر؟
فى الجيد منها طول إذا التفتتوفي خطاها إذا خطت قصر
فقمت أسعى إلى محجّبةتضىء منها البيوت والحجر
فقلت لمّا بدا تخفّرها:جودى، ولا يمنعنّك الخفر
قالت: توقّر، ودع مقالك ذاأنت امرؤ بالقبيح مشتهر!
والله لا نلت ما تحاول أوينبت في بطن راحتى شعر!
لا أنت لى قيّم فتجبرنىولا أمير علىّ مؤتمر
قلت: ولكن ضيف أتاك بهتحت الظلام القضاء والقدر
فاحتسبى الأجر في إنالته،ويا سرى قد تطاول العسر!
قالت: فقد جئت تبتغى عملاتكاد منه السماء تنفطر
فقلت: لمّا رأيتها حرجتوغشيتها الهموم والفكر:
لا عاقب الله في الصّبا أبداأنثى ولكن يعاقب الذّكر!
قالت: لقد جئتنا بمبتدع،وقد أتتنا بغيره النّذر
قد بيّن الله في الكتاب فلاوازرة غير وزرها تزر
قلت: دعى سورة لهجت بهالا تحرمنّا لذّاتنا السّور
وجهك وجه تمّت محاسنه،لا وأبى لا تمسّه سقر
وقال آخر:
خطرت فقلت لها مقالة مغرم:ماذا عليك من السّلام فسلّمى
قالت: بمن تعنى فحبّك بيّنفى سقم جسمك؟ قلت: بالمتكلّم
فتبسّمت، فبكيت، قالت: لا ترعفلعلّ مثل هواك بالمتبسّم
قلت: اتّفقنا في الهوى، فزيارةأو موعدا قبل الزيارة قدّمى
فتضاحكت عجبا، وقالت: يا فتىلو لم أدعك تنام، بى لم تحلم
وقال آخر:
ولمّا نزلنا على زمزم،ونحن نريد طواف الإفاضه،
بكيت، فقالت: علام البكا؟فقلت: على الودّ أخشى انتقاضه
فقالت: ثكلتك من عاشقتشمّر ذيلك قبل المخاضه
فقلت: صدقت، ولكنّنىأعلّم نفسى طريق الرّياضه
ومما قيل في المردوف، قال بعض الشعراء:
عيناك على سفك دمى أسرفتاوالجسم نحيل
أطلق برضاك في الهوى أسرفتىحيران ذليل
فى ريقك خمرتان قد حرّمتامن غير دليل
والعاشق ظمآن فيا حرّ! متىتسقيه قليل؟
وقال آخر:
فى خدّك وردتان قد ركّبتامن فوق قضيب
فى قلبى جمرتان قد أضرمتا:نار ولهيب
حلّفتك بالإله يا خير فتىرفقا بكئيب
حيران يهيم بين حتّى ومتىوالأمر عجيب
وقال آخر:
يا بدر! عصيت في الهوى عذّالىطوعا لهواك
وانقدت لأمرك الكبير العالىما قلّ وفاك!
إن كان رضاك سقم جسمى البالىصبرا لرضاك
عذّب جسدى بسائر الأحوالإلا بجفاك
وقال آخر:
يا مرتحلا إلى الحمى مصرفهبالله عليك
خذ معك كتاب، فيه خبرى.لى ثمّ رشا عساك تستعطفه
إن هان عليكفى رد جواب، للمنتظر
إن عرّض بى، فقل: نعم أعرفهيشتاق اليك
قد رقّ وذاب، بين البشر.ما يتركه هواك أو تتلفه
والأمر اليكما الهجر صواب، من مقتدر
ومما قيل في الجناس، قال ابو الفضل الميكالى:
مواعيده بالوصل أحلام. نائمأشبّهها بالقفر أو بسرابه
فمن لى بوجه لو تحيّر في الدجىأخو سفر في جنح ليل سرى به
وقال أيضا:
صل محبّا، أعياه وصف هواهفضناه ينوب عن ترجمانه
كلّما راقه سواك، تصدّتمقلتاه بدمعه ترجمانه
وقال آخر:
ما ضرّ من قد أباح قتلىفى حبّه لو أباح ريقه
أبى فؤادى السلوّ عنهلكنه ما أبى حريقه
وقال آخر:
أقول والليل مرخىّ غياهبهوالدّير يسمعنى حسّ النواقيس:
يا نفس كم بين مسرور بلذّتهوبين مبلى بتشتيت النوى قيسى
وقال آخر:
يا من تنكّدت الدنيا لغيبتهأساخط أنت عنى اليوم أم راضى؟
أمرضت بالهجر قلب المستهام فماعليك، بالوصل لو داويت أمراضى؟
وقال آخر:
لقد راعنى بدر الدجى بصدودهووكّل أجفانى برعى كواكبه
فيا عبرتى سحّى دما لفراقهويا كبدى صبرا على ما كواك به!
وقال آخر:
قلت له: ماذا السواد الذىفيك تبدّى؟ قال: ذا غاليه
فقلت: قبّلنى إذا قبلةفقال: خذها قبلة غاليه
فقلت: ما تغلو على عاشقفى حبكم، ذى كبد غاليه
وقال آخر:
شافه كفّى رشأبقبلة ما شفت
فقلت إذ قبّلها:يا ليت كفّى شفتى!
وقال آخر:
لم يكفكم أخذ قلبه سلباحتى أخذتم عن طرفه وسنه
كم ليلة بات للغرام وكميوم وشهر ما نامه وسنه
وقال آخر:
يا من لحظاته أسود وثبتقد صحّ هواك في فؤادى وثبت
جرّدت لها سيوف صبرى فنبتيا من غرس الهوى بقلبى فنبت
وقال آخر:
يا من بحشاشتى- إذا غاب- سكنهيّجت من الغرام ما كان سكن
يا من شرع الصدود في الحبّ وسنّمن بعدك مهجورك ما ذاق وسن
وقال آخر:
أهوى قمرا سفك دمى حلّ لهفى أىّ شريعة ومن حلّله
ما بلّل شعره وما حلّلهإلا سمح البخيل وانحلّ له
وقال آخر:
من بلّل صدغ قاتلى من سلسل؟من أودع ثغره رحيقا سلسل؟
من علّلنى في حبّه؟ من سلسل؟يا عاذل إن جهلت ما بى سل سل
وقال آخر:
يا بانة لحبّهافى القلب أصل قد نبت
سيوف صبرى عن سيوف مقلتيك قد نبت
تلك لحاظ أعينأم أسد غيل وثبت؟
لواحظ لو برزتفى يوم حرب، لسبت
وعقرب الصّدغ التىلكلّ قلب لسبت
أسناؤكم تاقت لها النفوس يوما وصبت
لا سيّما إن حملتنشرك ريح وصبت
فخيلهم دون بلوغ السّول فينا قد كبت
أفدى حبيبا زارنىفكم عدوّ قد كبت
رعى حقوقى في الهوىعليه لمّا وجبت
وسكّن الأحشاء بالوصال لمّا وجبت
وقال أيضا:
من لفتى، جار عليهـ طرفه فيما قضى؟
صبّ إذا الدهر قضىعليه بالبين، قضى
يبكى على دهر تولى بالتدانى أو مضى
تمطر عيناه إذا البرق الشآمى أو مضا
وقال آخر:
رمى حرّ قلبى بهجرانهرشا مادرى قدر ما قد رمى
وقد كان قدّم إحسانهولكنه قدّ ما قدّما
فتسليم أمرى به للقضاذخرت به أجر ما أجرما
ومما قيل في الموشّحات، فمن ذلك ما قاله بعض الأندلسيين:
يد الإصباح، قدحت زناد الأنوارفى مجامر الزّهر
دهر جذلان، واعتدال ريعانفما الإظعان؟ عن طلّا وغزلان
راق الزمان، وشدت على البانذات الجناح، وانثنت قدود الأشجار
فى الغلائل الخضرلنا أجساد، للسرور تنجذب
كما تنقاد، لربيعها العرب.حتى الجماد، لا يفوته الطرب
طافت بالراح، سحب فسكر النّوّار.من سلافة القطر
إن انخلاعى، مع رشا وصهباءلدى بقاع، حكت وشى صنعاء
وللشّعاع، لهب على الماءوللرياح، فى متون تلك الأنهار
شبك من التّبروريم المى، بات بيده صدرى
كبدر تمّا، وسط غرّة الشهر.شدوت لمّا، راعنى سنا الفجر
قل للصباح: إن تدن بطرد الأقمار.فمع الدجى نسرى
وغصن مائل، الهلال أعلاهله من نابل، فى النفوس قتلاه
سيف الحمائل، غمده عذاراهطوع الجماع، إن يكن كثير النّفار
فهى عادة العفر
وقال ابن بقى:
ما بى شمول، إلا شجونمزاجها في الكأس، دمع هتون
لله ما بذّر، من الدموعصبّ قد استعبر، من الولوع
أودى به جؤذر، يوم البقيعفهو قتيل؛ لابل طعين
بين الرجا والياس، له منون[خرجت للحين، كفّى بكفّى
وحيل ما بينى، وبين إلفى.لا شك بالبين، يكون حتفى
حان الرحيل، ولى ديون.إن ردها العباس، فهو الأمين]
أما ترى البدرا؟ بدر السعودقد اكتسى خضرا، من البرود
إذا انثنى نضرا، من الفدودأضحى يقول،: مت يا حزين
قد اكتسى بالياس، الياسمينقلت وقد شرّد، النوم عنّى
وآيس العوّد، السقم منّى:صدّ فلما صدّ، قرعت سنّى
جسمى نحيل، لا يستبين.يطلبه الجلّاس، حيث الأنين
تجاوز الحدّا، قلبى اشتياقاوكلّف السهدا، من لا أطاقا
قلت وقد مدّا، ليلى رواقاليلى طويل، ولا معين:
يا قلب بعض الناس، أما تلين؟
وقال سراج الدين عمر الكتّانى الحلبىّ، يمدح الملك المنصور صاحب حماه:
جسمى ذوى، بالكمد، والسهر، والوصب، من جانىذى شنب، كالبرد، كالدّرر، كالحبب، جمانى
لى غصن بان نضريسبيك منه الهيف
يرتع فيه النظرفزهره يقتطف
والخدّ منه قفروالجسم منه ترف
قد جاءنا يعتذرعذاره المنعطف
ثم التوى، كالزرد، معبقرى، معقربى، ريحانىفى مذهب، مورّد، مدنّر، مكتّب، سوسانى
ظبى له مرتشفكالسلسبيل البارد
غصن نقا ينعطفمن لين قدّ مائد
بدر علاه سدفمن ليل شعر وارد
مقرطق مشنّفيختال في القلائد
بين اللّوى، وثهمد، كجؤذر، فى ربرب، غزلانىذى ضرب، ذى غيد، ذى حور، ذى هدب، وسنانى
أما وحلى جيده!ورنّة الخلاخل!
والضمّ من برودهقدّ قضيب مائل
والورد من خدوده،إذ نمّ في الغلائل
لا كنت من صدودهمتصلا بعاذل!
نار الجوى، لا تخمدى، واستعرى، وكذّبى، سلوانىوأسبلى، واطّردى، وانهمرى كالسّحب، أجفانى
مولاى جفنى ساهرمؤرّق كما ترى
فلا خيال زائريطرقنى ولا كرى
إنّى عليل صابرفما جزا من صبرا؟
إن سحّ دمعى الهامرفلا تلمه إن جرى
جال الهوى، فى جلدى، ومضمرى، أضرّبى، كتمانىمؤنّبى، اتّئد، لا تفتر. وجنّب، عن عانى
إن صال بالهجر وصدرحت بصبرى مرتدى
عنه وإن طال الأمدإلى ذرى محمد
وكيف يخشى من قصدملكا كريم المحتد
الملك المنصور قدسما سماء السّودد
ثم استوى، بأجرد، مضمّر، ومقضب، يمانىذى شطب، مهنّد. وسمهرى. مضطرب، مرّانى
ملكا علت همّاتهمن فوق هام المشترى
وبخّلت راحاتهسحّ السحاب الممطر
وعوّذت راياتهبمحكمات السّور
بدر بدت هالاتهمن الصباح المسفر
تحت لوى، منعقد، بالظّفر، فى موكب، فرسانىكالأشهب، فى الأسعد، كالأقمر. فى أعذب، سيحانى
يا ملكا دون الورىتخطبه الممالك
ومالكا إذا سرىتحجبه الملائك
بعض عطاك هل ترىجادت به البرامك
فاستجلها من عمراثغر مناها ضاحك
لا يجتوى: كالشّهد، كالسّكّر. كالضّرب، معانىكالسّحب، كالعسجد، كالجوهر، من حلب، كتّانى
انتهى ما أوردناه من الغزل والنسيب في هذا الموضع؛ وقد آن أن نأخذ في ذكر الأنساب وبالله التوفيق.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع