من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الحادي والعشرون في الموت وأحواله
تعظيم أمر الموت: قال النبي ﷺ: ما رأيت منظرا فظيعا إلا والموت أفظع منه. قال عبد الله بن معاوية:
والموت أعظم حالةمما يمرّ على الجبلّة
وقال رجل للحسن: إن عشت تر ما لم تره، فقال الحسن: إن مت تر ما لم تر، وكان كثيرا ما يقول الحسن: عند الموت يأتيك الخبر. وقال: إن الموت فضح الدنيا.
تناهى بعد من مات: قال أبو حية النمري:
فلا غائب من كان يرجى إيابهولكنه من ضمّن اللحد غائب
وقال آخر:
بلى كلّ من تحت التراب بعيد
وقال آخر:
ومن نصب المنون بعيد
قال النابغة:
حسب الخليلين نأي الأرض بينهماهذا عليها وهذا تحتها بالي
الأجل حائل بين الإنسان والأمل: قيل: لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال ووجد حجر بدمشق مكتوب عليه: يا ابن آدم لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك.
وقال أمير المؤمنين: إنكم في أجل محدود، وأمل ممدود، ونفس معدود، ولا بد للأجل أن يتناهى وللأمل أن يطوى وللنفس أن يحصى.
وقيل لحكيم: ما أبعد الأشياء من الناس؟ قال: الأمل، فقيل: وما أقرب الأشياء منهم؟ فقال: الأجل.
من مات بعد الكبر: عاش نوح ﵇ ما عاش، وقيل له لما أشرف على الموت: كيف وجدت الدنيا؟ فقال: وجدتها دارا دخلتها من باب وخرجت من آخر.
وقال بعضهم:
وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبةله غاية تجري إليه ومنتهى
وقال محمود الوراق:
وما صاحب السبعين والعشر بعدهابأقرب ممّن حنّكته القوابل
ولكنّ آمالا يؤمّلها الفتىوفيهنّ للراجين حقّ وباطل
وقال المتنبّي:
وأوفى حياة الغادرين لصاحبحياة امرئ خانته بعد مشيب
الموت لا يفوته أحد: قيل: من لم يمت عاجلا مات آجلا.
قال شاعر:
فمن لم يلاق الموت كاس منيّةفلا بدّ منه أن تصادفه غدا
وقال آخر:
كلّ حيّ مملّكسوف يفنى وما ملك
وقال آخر:
وكلّ جمع في الورى لتفرّق
وقال آخر:
من لم يمت غبطة يمت هرما
وقيل لابن المقفع: قد كنت نعيت إلينا. فقال: ما بعد كائن ولا قرب بائن.
وقال ابن المعتز:
ألا إنما جسمي لروحي مطيةولا بد يوما أن يعرّى من الرحل
الموت لا يتخّلص منه بالطب: قيل للربيع بن خيثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا لقد كان فيهم أطباء فما أرى المداوي بقي ولا المداوى صلح:
ما للطبيب يموت بالداء الذيقد كان يبرئ مثله فيما مضى
هلك المداوي والمداوى والذيجلب الدواء وباعه ومن اشترى
وقال المتنبّي:
يموت راعي الضأن في جهلهموتة جالينوس في طبّه
ودخل الفرزدق على مريض يعوده فسمعه يطلب طبيبا، فقال:
يا طالب الطبّ من داء تخوّفهإن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجّى لعافيةلا من يدوف لك الترياق بالماء
وقال آخر:
وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
وفي باب الطب بعض ذلك وأشباهه.
كلّ إنسان يفقد أو يفقد أقاربه: قال بعض الحكماء: من طال عمره رأى المصائب في إخوانه وجيرانه، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.
قال شاعر:
كل امرئ ستئيم منهـ العرس أو منها يئيم
وقال الموسوي:
فمؤجّل يلقى الرّدى في أهلهومعجّل يلقى الرّدى في نفسه
وقال المتنبّي:
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئة وذهوب
تملّكها الآتي تملّك سالبوفارقها الماضي فراق سليب
الموت لا يدفع بالأسلحة: قال علقمة:
بل كلّ قوم وإن عزوا وإن كثرواعريقهم بأثافي الشرّ مرجوم
وقال المتنبيّ:
نعدّ المشرفيّة والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقرباتوما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديماولكن لا سبيل إلى الوصال
وقال الموسوي:
تفوز بنا المنون وتستبدّويأخذنا الزمان فلا يردّ
رويدك بالفرار من المنايافليس يفوتها الساري المجدّ
وكلّ فتى يحفّ بجانبيهخواطر بالقنا قنب وجرد
فما دفع المنايا عنه وفرولا هزم النّوائب عنه جند
الحياة معرضّة لسهام المنايا: قال أبو العتاهية:
إنّ للموت لسهما قاصداليس يفدي أحدا منه أحدا
وقال الرفاء:
نحن أغراض خطوب إن رمتحيرت في دقّة الرمي ثعل
وإذا ما اختلفت أسهمهافأصابت بطل القرم بطل
صحيح مات: قيل لحكيم: مات فلان أصح ما كان، فقال: أو صحيح من الموت في عنقه. وقيل للحسن: مات فلان فجأة، فقال: لم يمت فجأة لمرض فجأة، ثم قال: اللهم أجرني من أن أكون مختلسا. وقيل لأعرابي: كيف مات أبوك؟ قال: مات سرا يعني فجأة. وقال شاعر:
وربما غوفص ذو غرّةأصحّ ما كان ولم يسلم
وقيل لرجل: ما كان سبب موت فلان؟ قال: كونه. وقال سفيان: يا ابن آدم إن جوارحك سلاح الله عليك بأيها شاء قتلك.
ضعف بنية الإنسان وتركيبه: سئل جالينوس عن الإنسان فقال: سراج ضعيف وكيف يدوم ضوؤه بين أربع رياح.
يعني بالسراج روحه وبالرياح الأربع طبائعه قال شاعر:
وما المرء إلا كالشّهاب وضوئهيصير رمادا بعد إذ هو ساطع
وقال أفلاطون: إذا كانت الطينة فاسدة والبنية ضعيفة والطبائع متنافية والعمر يسيرا والمنية راصدة فالثقة باطلة. قال شاعر:
أنظر إلى هذا الأنام بعبرةلا يعجبنّك خلقه ورواؤه
بيناه كالورق النضير تقضّبتأغصانه وتسلّبت شجراؤه
وقال الحسن: مسكين ابن آدم مكتوب الأجل والعلل، أسير الجوع والشبع.
إتيان المرء حتفه حيثما قدّر له: قيل لفيلسوف: مات فلان في غربة، فقال: ليس بين الموت في الوطن والغربة فضل. لأن الموت في جميع المواضع واحد والطريق إلى الآخرة من كل مكان سواء.
قال شاعر:
إذا ما امرؤ حانت عليه منيّةبأرض أتاها مكرها لا تطوّعا
وقال آخر:
إذا ما حمام المرء كان ببلدةدعته إليها حاجة أو تطرّب
جهل الإنسان بوقت موته وموضع مضجعه: قال الله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
. وقيل لجعفر بن محمد عليهما الرضوان: كيف يأتي الموت من وجوه شتى على أحوال شتى؟ فقال: إن الله أراد أن لا يؤمن في حال. وقيل: أمر لا تدري متى يغشاك ألا تستعد له قبل أن يفجأك.
وقال ديك الجن:
النّاس قد علموا أن لا بقاء لهملو أنّهم عملوا مقدار ما علموا
وقال آخر:
وإنّك لا تدري بأية بلدةتموت ولا عن أي شقّيك تصرع
مرجع الإنسان إلى ما خلق منه: قال الله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
وقال المتنبي:
إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتىيعود كما أبدي ويكري كما أرمى
قال الخبزارزي:
هو الموت مخلوق له الخلق أجمعفليس له عن أنفس النّاس مقلع
وقال المتنبّي:
نحن بنو الدنيا فما بالنانعاف ما لا بدّ من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هنّ من كسبه
فهذه الأرواح من جوّهوهذه الأجساد من تربه
لو فكّر العاشق في منتهىحسن الذي يسبيه لم يسبه
ومنها:
يموت راعي الضأن في جهلهميتة جالينوس في طبّه
وربّما زاد على عمرهوزاد في الأمن على سربه
فهذا الكلام هو الجوهر الذي لا قيمة له.
ذمّ من يخاف الموت ولا يستعدّ له: قال أمير المؤمنين ﵇ لرجل: كيف أنتم؟ قال: نرجو ونخاف قال: من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه. وقال أبو الدرداء: العجب لمن يكره الموت لإساءته ولا يكره الإساءة في حياته. ونظر الحسن إلى جنازة يزدحم الناس عليها، فقال: مالكم تزدحمون ها هي سارية في المسجد، أقعدوا تحتها واصنعوا ما كان يصنع حتى تكونوا مثله.
وقال الحسن لشيخ في جنازة: أترى هذا الميت لو رجع إلى الدنيا كان يعمل صالحا.
قال: نعم، قال: إن لم يكن ذاك فكن أنت ذاك. وقال علي بن عبد العزيز:
إذا قلت لم يبلغ بي السّنّ مبلغاوعظت بطفل صار قبلي إلى التّرب
الحثّ على تعاطي ما يسهّل الموت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أكره الموت. فقال: ألك مال؟ قال: نعم، قال:
قدّمه فإن قلب كل امرئ عند ماله. وقال رجل لأبي الدرداء: ما بالنا نكره الموت؟ قال:
لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
وقال أبو حازم: كل عمل تكره الموت لأجله فدعه كي لا تخاف منه متى أتاك.
من أمر ذويه بالبكاء عليه: قيل فيما روي عن النبي ﷺ: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، أنه إنما عنى إذا هو أمرّ به، نحو قول طرفة بن العبد:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهلهوشقّي عليّ الجيب يا أمّ معبد
وقول الفرزدق:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهلهفكلّ جميل قلت فيّ مصدّق
وقال ابن المعتز:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهلهولا تذخري دمعا إذا قام نائح
وقولي ثوى طود المكارم والعلىوعطّل ميزان من الحلم راجح
من أظهر جزعا عند موته: لما أحضر حجر بن عدي ليقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، وأظهر جزعا.
فقيل له أتجزع؟ فقال: كيف لا؟ وإني لأرى سيفا مشهورا وقبرا محفورا، ولست أدري إلى جنة يمضي بي أم إلى نار؟ وبكى الحسن بن علي عليهما الرضوان فقيل له: ما يبكيك؟
وقد ضمن لك رسول الله ﷺ الجنة. فقال: إني أسلك طريقا لم أسلكها وأقدم على سيد لم أره. وقيل لبشر بن الحارث: كرهت الموت فقال: القدوم على الله شديد.
ذمّ من امتنع من التّوبة عند موته: إعتل أعرابي فقيل له: لو تبت، فقال: لست ممن يعطي على الذلّ إن عافاني الله تبت وإلا مت هكذا. وقيل للحجّاج: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التوبة، وإن كنت محسنا فليست ساعة الفزع.
ذمّ من أوصى بما ليس له من ماله: قال النبي ﷺ: إن لك من مالك الثلث والثلث كثير. وقال: لا نذر في معصية الله ولا وصية في مال الغير. وقيل لميمون بن مهر: إنّ رقية أعتقت كل مولاة لها عند موتها فقال: إنهم يعصون في أموالهم مرتين، يبخلون بها وهي في أيديهم حتى إذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها.
الحثّ على أن يكون الإنسان وصيّ نفسه: . قيل: كن وصيّ نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك واعلم صدق الذي يقول:
ولا يغررك من توصي إليهفقصر وصية المرء الضياع
وفي الزهديات بعض ما أوصى به الصّالحون: ذكر الحسن عن بعضهم لمّا حضرته المنية قيل له: أوص. فقال: أوصيكم على المحافظة بآخر سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
. وقيل لهرم بن حيّان: أوص. قال: مالي من مال فقد صدقتني في الحياة نفسي، ولكني أوصي بخواتيم سورة البقرة.
وقيل لعمر بن عبد العزيز: أوص لبنيك. فقال: أوصي بهم الذي أنزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.
من تمنّى الموت: قيل: شر من الموت ما إذا نزل تمنيت الموت لنزوله. وقيل: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة.
قال المهلبيّ:
ألا موت يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن روح حرّتصدّق بالوفاة على أخيه
وقال المتنبّي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وقال الموسوي:
آها لنفس حبست في جلديإن الأسير غرض بالقدّ
واعتل الشبلي ثم برأ فقال له بعض أصحابه: كيف أنت؟ فقال:
كلما قلت قد دنا حل قيديقدموني وأوثقوا المسمارا
المستنكف أن يموت حتف أنفه: قال الشنفرى:
فلا تقبروني إنّ قبري محرّمعليكم ولكن أبشري أم عامر
وقال بكر بن عبد العزيز:
إن موت الفراش ذلّ وعاروهو تحت السيوف فضل شريف
وإني لأستحسن قول أبي فراس بن حمدان:
متى ما يدن من أجلي كتابيأمت بين الأسنّة والأعنّة
وقال آخر:
فيا ربّ لا تجعل حياتي دنيئةولا ميتتي يا ربّ بين النوائح
ولكن صريعا بين أرماح فتيةطوال القنا من فوق أدهم قادح
وقال أبو عمرو الشيباني: رأيت بالبصرة جنازة عليها مطرف خزّ أخضر، فسألت عنها فقيل: جنازة الطرمّاح، فذكرت قوله:
فيا ربّ إن حانت وفاتي فلا تكنعلى شرجع يعلى بخضر المطارف
فعلمت أنّ الله لم يستجب دعاءه وهذا من باب الشجاعة، وقد مرّ مثله.
العذر لعصابة تسرع إليهم المنية: قال أبو تمّام:
عليك سلام الله وقفا فإنّنيرأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
وقال السامي:
فلا تجزعنّ من موته وهو ناشىءولا ينكرنّ هذاك من جرّب الدهرا
فكلّ طويل المجد يقصر عمرهكذاك سباع الطير أقصرها عمرا
تسلي النّاس عمّن مات: قيل: إذا أردت أن تنظر الناس من بعدك فانظر إليهم بعد من مات قبلك.
قال أبو العتاهية:
سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتيويحدّث بعدي للخليل خليل
وقال منصور الفقيه:
كلّ مذكور من النّاسإذا ما فقدوه
فهو في حكم حديثحفظوه فنسوه
وقال آخر:
هالوا عليه التّرب ثم انثنواعنه وخلّوه وأعماله
لم ينقض النّوح من دارهعليه حتى اقتسموا ماله
نفي العار عن الموت: قالت ليلى الأخيلية:
لعمرك ما بالموت عار على الفتىإذا لم تصبه في الحياة المعاير
ومثله:
وهل بالموت يا للناس عار؟
آخر أمر المرء الموت: قال شاعر:
نل كلّ ما شئت وعش ناعماآخر هذا كلّه الموت
الموت منهاة الرجال: قال أبو بكر العنبري: كنت قاعدا في الجامع فمرّ بي معتوه فأقبل عليّ، وقال:
فهبك ملكت هذا الناس طرّاودان لك العباد فكان ماذا
ألست تصير في لحد ويحوىتراثك عنك هذا ثمّ هذا
وقال آخر:
هبك قد نلت كلّ ما تحمل الأرض فهل بعد ذاك إلّا المنيّة
وقال آخر:
لدوا للموت وابنوا للخرابفكلّكم يصير إلى ذهاب
كلمات لهج بها من حضره الموت فذكر الشهادة: لما حضرت ابن جلاء الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: اليوم كذا سنة في أي شيء نحن؟ وقال الكسائي: دخلت البادية فرأيت شابا قد أشرف على الموت، فدنوت منه وقلت قل: لا إله إلا الله فلم يجب فثنيّت وثلّثت فقال: كم تذكرني بالله وأنا محترق في الله. وقيل: لرجل كان مستهترا بالنبيذ، قلّ: لا إله إلا الله، فقال:
يا ربّ سائلة تمشي وقد تعبتكيف الطريق إلى حمام منجاب
وقيل لبعض الشطرنجيين ذلك، فقال: شاه مات.
الكفن: لما حضرت زياد الوفاة، قال له ابنه: يا أبت قد هيأت لك ثوبين لكفنك، فقال: يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من هذا، أو سلب هو شر منه. وأوصى عبد الوهاب الأفريقي أن يكفّن في عباءته وقال: إني ختمت فيها ثلاثة آلاف ختمة.
من استصوب الهرب من الطاعون: تقدّم خبر عمر مع المغيرة في أول الكتاب، وأراد هشام أن يهرب من الطاعون فقيل له: لا تخرج فالخلفاء لا يطعنون. ولم يسمع بخليفة مات مطعونا قط، فقال لهم: أتريدون أن تجربوا ذلك فيّ.
النهي عن ذلك: كتب بعض عمال عمر إليه: إن الطاعون قد نزل بنا فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في إتيان قرية خربة، فوقّع في كتابه: إذا أتيت القرية الخربة فسلها عن أهلها والسلام.
وكتب شريح إلى صديق له هرب إلى النجف من الطاعون: إن المكان الذي أنت فيه يعين من لا يفوته طلب ولا يعجزه هرب، والمكان الذي خلفت لا يعجل إلى امرئ حمامه، وأنت وهم على بساط واحد وإن النجف من ذي قدرة لقريب.
من عزم على الهرب فعرض له ما صرفه: قد تقدّم خبر عبد الملك حين هرب من الطاعون في هذا الفصل، وأراد رجل من أهل البصرة أن يهرب من الطاعون، فركب حمارا له ومعه غلام يتبعه فسأله أن يرتجز، فقال:
لن يسبق الله على حمارولا على ذي منعة طيّار
قد يصبح الله أمام الساري
فقال صدقت، وحطّ رحله ومات فيمن مات.
كثرة الوباء: كثر الموت سنة بالبصرة فقيل للحسن: ألا ترى؟ فقال: ما أحسن ما صنع ربّنا، أقلع مذنب وأنفق ممسك ولم يغلط بأحد. وإذا قيل له: قل الموت يقول: ما يبقى أحد.
ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي
الأسباب الموجبة للحزن: قال يعقوب الكندي: أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب، ولا يسلم منهما إنسان. لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد. وقال الحسن: الدنيا دار غموم فمن عوجل فجع بنفسه، ومن أجّل فجع بأحبابه.
وقال بعض أصحاب المنطق: من أراد أن لا يصاب بمصيبة فقد أراد ما لا يكون، لأن المصائب بالكون والفساد في الطبع فينبغي أن يكون منا على بال. إن جمع الأشياء التي تصل إلينا كانت قبلنا لغيرنا فانتقلت إلينا بشريطة ما كان لمن قبلنا.
النّهي عن اتخاذ ما يورث الجزع ومدح فاعل ذلك: . قال ابن الرومي:
ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤهفلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
وقيل لسقراط: مالك لا تجزع؟ قال: لأني لا أقتني ما يحزنني فقده.
من نهى عن الجزع وبيّن قلّة عنايته: قال النبي ﷺ: من انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه. وقيل لرجل اشتد جزعه: لو آمنت بالمرتجع لم تجزع، ولو اقتصدت في التمتع لم تضرع، فالجزع لا يلم ما تشعث ولا يرم ما انتكث. الجزع منقصة الحياة، ومن أعان على نقصان حياته فقد عظمت خطيئته.
وقيل: التأسف على الفائت تضييع وقت ثان إن كنت جازعا لما أفلت منك، فاجزع على ما لم يصل إليك. الحزم التسلي عما لا يغني الغم فيه والاحتيال لدفع ما يندفع بالحيلة. وقيل لحكيم: الخوف أشدّ أم الحزن؟ فقال: الحزن لأن الخوف صار مكروها لما فيه من الحزن، فكما أن السرور غاية كل محبوب فالحزن غاية كل مكروه.
ذهاب الحزن بعد انقضاء المدة: الحزن ينضو عن ابن آدم كما ينضو الصبغ عن الثوب ولو بقي لقتله. قال المتنبي:
وللواجد المكروب من زفراتهسكون عزاء أو سكون لغوب
حقيقة الصبر: قيل: الصبر حبس النفس على المكروه وعما تدعوك إليه. وقيل: الصبر صبران، صبر على المكروه فيما يلزمك فعله وصبر عما يدعوك إليه الهوى. وسمع رجل آخر يقول:
اللهم أرزقني صبرا، فقال له: ما أراك تسأل الله إلا الغم.
الصبر يفضي إلى الفرح والظفر: الصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل. إنك لا تنال قليل ما تحب إلا بالصبر على كثير ما تكره. حيلة من لا حيلة له الصبر. قيل: لكل شيء ثمرة وثمرة الصبر
الظفر. قال أنوشروان: الصبر كاسمه وعاقبته العسل. وقيل: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت. وقيل: مكتوب على باب الجنة من صبر عبر.
حثّ الجزوع على الصّبر وتحكيمه بين الجزع والصّبر: قال أمير المؤمنين كرّم الله وجهه: إن صبرت فأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك المقدور وأنت مأزور. قال بعضهم: رآني راكب وأنا مكبّ على قبر أبكي، فقال: اصبر فالصبر خير معية، فلم أصغ إليه، فولّى وهو يقول:
فإن تصبرا فالصبر خير معيّةوإن تجزعا فالأمر ما تريان
وقال أبو راكد:
فإن صبرت فلم ألفظك من شبعوإن جزعت فعلق منفس ذهبا
وقال النابغة:
ألا أيّها الباكي لأحداث دهرهتحمّل على ما يحدث الدهر فاصبر
فإن أنت لم تصبر لما كان جائياوأبصرت تنكيرا لذاك فأنكر
الحثّ على تصوّر النوائب والاستعداد لها لتخفّ عند نزولها: قيل: ما أمتع الدهر إلا ليمنع ولولا اغترار الجاهل بفوائده لخلت النفوس من الحسرة على نوائبه. قيل: لا تخل قلبك من عوارض الفكر وخواطر الذكر فيما تعروك به الأيام من ارتجاع ودائعها وحلول وقائعها. وقيل: من كان متوقعا لم يلف متوجعا.
قال ابن الرومي:
ألم تر رزء الدهر من قبل كونهكفاحا إذا فكرت في الخلوات
فما لك كالمرمي في مأمن لهبنبل أتته غير مرتقبات
فإن قلت مكروه أتاني فجأةفما فرحت نفس مع الخطرات
ولا عوفصت نفس لبلوى وقد رأتعظات من الأيام بعد عظات
إذا بغتت أشياء قد كان مثلهاقديما فلا تعتدها بغتات
الغمّ يمرض البدن: سئل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الحزن والغضب فقال: أصلاهما واحد، وذلك وقوع الأمر على خلاف المحبة فأما فرعاهما فمختلفان فالمكروه ممن فوقك ينتج حزنا وممن دونك ينتج غضبا. قال المتنبي:
وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضب
وقيل: الأحزان تسقم القلوب كما أن الأمراض تسقم الأبدان. وقيل: الغمّ يشيب القلب والهرم يشيب الرأس.
النّهي عن الإفراط في البكاء وإظهار الجزع على الأموات: روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الميت ليعذّب ببكاء أهله.
وأنكرت عائشة ذلك وقرأت: (ألا تزر وزرة وزر أخرى). وقيل: معناه يعذّب بأفعاله التي يندب بها من غاراته وقتاله.
ودخلت أعرابية الحضر فسمعت بكاء من دار فقالت: ما هذا؟ أراهم من ربّهم يستغيثون ومن استرجاعه يتضجرون ومن جزيل ثوابه يتبرمون. وقال أبو سعيد البلخي: من أصابته مصيبة فأكثر الغم جعل الله عقوبته غما مثله. قال الله تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا
الآية. وقال ﷺ: النائحة إذا لم تنب قبل أن تموت أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من كبريت.
نفع البكاء في دفع الأحزان: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كنت إذا أصابتني مصيبة وأنا شاب لا أبكي وكان يؤذيني ذلك حتى سمعت أعرابيا ينشد:
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
فسألته: لمن الشعر؟ فقال لذي الرمة فكنت إذا أصبت بكيت فاسترحت. قال العبق:
ويشفي منّي الوجد ما أتواجع
وقال المتنبّي:
وقلّ غناء عبرة تسكبانهاعلى أنّها تشفي الحرارة في الصّدر
قلّة نفع البكاء: قال أبو تمّام:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤهابالدمع أن تزداد طول وقوع
وقال أراكة:
أعينيّ إن كان البكا ردّها لكماعلى أحد قبلي فلا تتركا جهدا
وقال الموسوي:
وإن غبين القوم من ظاعن الردىإذا جاء في جيش الرزايا بأدمع
وقال آخر:
إن الدموع طليعة الأحزان
من سلا عن الولد أو سليّ عنه بسلامته في نفسه: قيل لعبد الله بن عبيد الله بن طاهر: وقد مات له ولد ثم أتاه الخبر قبل عوده من جنازته بأن مات له آخر فانتظر حتى جهز، فدفنه وانصرف مع أصحابه ودعا بالطعام، فقيل له في ذلك، فقال: إذا سلمت الجلة فالسخل هدر.
ودخل أبو العتاهية على الفضل بن الربيع يعزيه بابنه فقال: الحمد لله الذي جعلنا نعزيك به ولا نعزيه بك.
وقال الموسوي:
فتسلّ عن سيف طبعت غرارهوأعرت صفحته سنا ومضاء
فالابن للأب إن تعرّض حادثأولى الأنام بأن يكون فداء
من تسلّى عنه أو سلّي بأنه فتنة وبلاء: كتب رجل إلى آخر: أما بعد، فإن الولد ما عاش حزن لوالده وفتنة. وإذا قدمه فهو صلاة ورحمة. فلا تجزعنّ فيما أزال الله عنك من حزن ومن فتنة، ولا تزهد فيما أولاك من صلاة ورحمة. وعزّى رجل عبيد الله بن سليمان، فقال: لئن حرم الأجر ببرّك لقد كفى الإثم بعقوقك، ولئن فجعت بفقده لقد أمنت الفتنة به.
من رأى المفقود من ولده له دون الباقي: قال زياد لرجل: أين منزلك قال: وسط البلد، قال كم لك من ولد؟ قال: تسعة.
فقال بعض من حضر: أيها الأمير إنه يسكن المقابر وله ابن واحد، فقال: أجل، داري بين أهل الدنيا والآخرة ومات لي تسعة فهم لي وبقي واحد لا أدري أهو لي أم أنا له.
وقيل لأعرابي: كم لك من الولد؟ قال: لي عند الله خمسة وعندي ثلاثة. وقال رجل للرشيد: بارك الله لك في الماضين وآجرك في الباقين فقال له: أعكس تصب، قال: لا لأن
الله تعالى يقول ما عندكم ينفد وما عند الله باق.
التسلية عن الأب ببقاء الابن: عزّى رجل آخر بموت أبيه، فقال: من كنت من بقيته لموفور ومن كنت خلفه لمجبور ومن كنت وليّه لمنصور:
قال المتنبّي:
فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
وقال علي بن الجهم:
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذيله مثل ما سدى أبوك وما سعى
التّعزية بالبنات: نعي إلى ابن عباس ﵄ بنت له وهو في سفر. فقال: عورة سترها الله ومؤنة كفاها الله وأجر ساقه الله. وماتت لعمر بن عبد العزيز بنت فأقبل الناس لتعزيته فأمر بحجبهم وقال: إنّا لا نعزّى في البنات ولا الأخوات.
حثّ الإنسان أن يستعمل من التسلّي عاجلا ما يعود إليه آجلا: عزّى رجل رجلا فقال: إن رأيت أن تقدم ما أخرته الفجوة فتربح نفسك وترضي ربك. وأصيب ابن المبارك بابن رجل، فدخل عليه مجوسي فقال: إن رأيت أن تفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام، فقال ابن المبارك: اكتبوا هذا. وعزّى أمير المؤمنين ﵁ أشعب فقال: إن صبرت جرى عليك المقدور وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك وأنت موزور.
طول العهد يقتضي التسلّي: اعتكفت فاطمة بنت الحسين على قبر زوجها سنة، فلما أرادت الانصراف سمعت قائلا من جانب البقيع يقول: هل وجدوا ما سلبوا؟ فأجابه من الجانب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا. وقيل لأم الهيثم: ما أسرع ما سلوت، فقالت: إني فقدت منه سيفا في مضائه ورمحا في استوائه وبدرا في بهائه، ولكن قلت:
قدم العهد وأسلاني الزمنإن في اللّحد لمسلى والكفن
وكما تبلى وجوه في الثّرىفكذا يبلى عليهن الحزن
وقال عمر لمتمم بن نويرة: ما بلغ من حزنك على أخيك؟ قال: بكيت عليه حتى ساعدت عيني العوراء الصحيحة. قال: ثم مه. قال: سلوت. وقيل: لم يخلق الله شيئا إلا كان صغيرا فكبر إلا المصيبة فإنه خلقها كبيرة فصغرت.
من تمنّى بعده زوال الدّنيا وموت الورى: قالت أم جرير:
فلا وضعت أنثى ولا أب واحدولا ذرّ قرن الشمس بعد جرير
قال محمد بن صالح:
قل للردى لا تغادر بعده أحداوللمنيّة من أحببت فاعتمدي
وقال المتنبّي:
لا قلّبت أيدي الفوارس بعدهرمحا ولا حملت جوادا أربع
الحثّ على التسلّي لقرب اللحوق بالميت والتمدّح بذلك: دخل الطائي على جعفر بن سليمان وقد توفي له أخ، فاشتد جزعه عليه، فقال: أذكر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك. واذكر قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
، وخذ بقول الشاعر:
وهوّن ما ألقى من الموت أنّماأصابك منه يا بنيّ مصيبي
وكتب بعضهم: فيم الجزع ونحن على مدرجة المتوفى. وقال إبراهيم بن المهدي:
وإنّي وإن قدمت قبلي لعالمبأني وإن أبطأت عنك قريب
وقال يحيى بن زياد:
وهوّن وجدي أنني سوف أغتديعلى إثره يوما وإن نفس العمر
الحثّ على التسلّي بموت النبي ﵇: قال ﷺ: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي.
قال ديك الجن:
تأمّل إذا الأحزان فيك تكاثفتأعاش رسول الله أم ضمّه القبر
رئي على قبر:
تعزّ فكم لك من أسوةتبرّد عنك غلل الحزن
بموت النبي وقتل الوصيّوذبح الحسين وسمّ الحسن
التسلّي بأنه معزّى لا معزّى به: قال بعضهم: لا زلنا نعزّيك ولا نعزّي بك، وقال أبو فراس:
كن المعزّى لا المعزّى بهإن كان لا بدّ من الواحد
لا بد من فقد ومن فاقدهيهات ما في النّاس من خالد
وقال المتنبّي:
مهما يعزّ الفتى الأمير بهفلا بإقدامه ولا الجود
ومن منانا بقاؤه أبداحتى يعزّى بكلّ مولود
التسلية عمّن مضى بمن بقي: قال الحمدوني:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجاخراش وبعض الشر أهون من بعض
وقال البحتري:
تعزّ بالصبر واستبدل أسى بأسىفالشمس طالعة إن غيّب القمر
وقال المتنبّي:
قاسمتك المنون شخصين جوراجعل القسم نفسه فيك عدلا
فإذا قست ما أخذن بما غادرن سرّى عن الفؤاد وسلّى
وقيل لرجل ماتت امرأته نفساء: عظم الله أجرك فيما أباد وبارك لك فيما أفاد.
التعزية بمملوك: دخل إبراهيم ابن العباس على الواثق وقد أصيب بخادم كان مشغوفا به، فقال: في بقاء السيد المالك عزاء عن المملوك الهالك.
أدعية لذوي المصيبة: جعل الله رزيته خاتمة الرزايا، وصب على أعدائه ديم المنايا. لا جرّعك الله مصيبة غيرها ولا أنالك قارعة سواها. لا نهشتك بعدها حيّة ولا لذعتك كيّة. جعل الله مصيبتك أدبا ولا جعلها غضبا. لقّاك الله الصبر ووقاك ما يحبط الأجر لا أنساك الله المصيبة بأعظم منها. وهب الله لك عمرا طويلا وأجرا جزيلا وصبرا جميلا.
وقال رجل لابن عمر: عظّم الله أجرك فقال: بل جعل لي العافية، معناه أن تعظيم الأجر في تعظيم ما يؤجر عليه من المصيبة. ويقال: أخلف الله عليك لما منه عوض، وخلف الله عليك لما ليس منه عوض. وقال يحيى البرمكي: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة.
الرزيّة فقد الأماثل لا فقد الأموال: قال شبيب بن البرصاء:
لعمرك ما الرزيّة بالمطاياولا الخيل الجياد ولا العبيد
ولكنّ الرزيّة كلّ خرقمن الفتيان متلاف مفيد
وقال آخر:
لا أعد الإقتار عدما ولكنّفقد من قد رزئته الإعدام
وقال لبيد:
إن الرزيّة لا رزيّة مثلهافقدان كلّ أخ كضوء الكوكب
الموت يعاجل الأفاضل ويؤخّر الأراذل
هو الدهر لا يبقى عليه مقدمجواد ولا وغد من النّاس واضع
بكلّ أراه فاجعا غير أنهإلى الحرّ والعلق النفيس مسارع
وقال أبو تمّام:
أن ينتجل حدثان الدهر أنفسكمويسلم الناس بين الحوض والعطن
فالماء ليس عجيبا أنّ أعذبهيفنى ويمتدّ عمر الآجن الأسن
وقال آخر:
يقود الزمان جياد الخيولويبقي الرّذال على المدود
وقال آخر:
كريم لزاد يحبسه الوعاء
وقال الحمدوني:
إذا ما اتقيت على فرحةفكلّ بلاء بها مولع
وقال آخر
وسهم المنايا بالذّخائر مولع
موت السني والصديق وبقاء الدنيء والعدوّ: قال سعيد بن عبد الرحمن:
إنّ الزمان ولا تفنى عجائبهأبقى لنا ذنبا واستأصل الراسا
وقال البسّامي:
حياة هذا كموت هذافلست تخلو من المصائب
وقال الفقعسي:
لعمرك إنّي بالخليل الذي لهعليّ دلال واجب لمفجّع
وإنّي بالمولى الذي ليس نافعيولا ضائري فقدانه لممتّع
من عمّ به مصاب النّاس: قال الرفّاء:
تساوت قلوب الناس في الحزن إذ ثوتكأنّ قلوب الناس في حزنها قلب
وقال سلم:
كادت له مهج الأنام تسيل
وقال آخر:
يشاركني في فقده البدو والحضر
وقال الموسوي:
يموت قوم ولا يأسى لهم أحدوواحد موته همّ لأقوام
من اغتمّ بموته الجمادات: قال أبو تمّام:
أظلمت الآفاق من بعدهوعرّيت عن كلّ حسن وطيب
وقال آخر:
لقد حزنت لفقدهم الشّهور
من ذكر طول حزنه على من رثاه: قال سلم:
وحزن كطول الدّهر باق إذا مضتأوائله عادت إلينا الأواخر
وقال آخر:
أأسرع الحزن في عقلي وفي جسدي
وقال آخر:
أصاب غليلي عبرتي فأسالهاوعاد احتمامي ليلتي فأطالها
وقال أبو فراس:
أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلدجلّ المصاب عن التعنيف والفند
أبكي بدمع له من حسرتي مددوأستريح إلى صبر بلا مدد
وقال آخر:
وظلّت بي الأرض الفضاء كأنّماتصعد بي أركانها وتجول
وقال أبو فراس:
يعزّون عنك وأين العزاءولكنّها سنّة تستحبّ
من زاد سوء حاله على حال الميت: قال المتنبّي:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرملوهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
كأنّك أبصرت الذي بي وخفتهإذا عشت فاخترت الحمام على الثّكل
وقال الموسوي:
يفوز بالراحة الفقيد وللفاقد طول العناء
الراغب عن الحياة لأجل من رثاه: قالت بثينة:
سواء علينا يا جميل بن معمر
وقال آخر:
طلّقت من بعده السروروفرّغت فؤادي للهمّ والحزن
فليتني متّ إذ فجعت بهبل ليته لم يكن ولم أكن
قال آخر:
وما في حياة بعد موتك طائل
من أصابه ما لو أصاب الجبال لهدّها: قال هدب:
أصبنا بما لو أنّ سلمى أصابهالسهّل من أركانها ما توعّرا
وقال البحتري:
ولو أنّ الجبال فقدن إلفالأوشك جامد منها يذوب
كثرة البكاء على الميّت: قال أبو ذؤيب:
فالعين بعدهم كأنّ حداقهاسلّت بشوك فهي عور تدمع
وقال جرير:
أظنّ انهمال الدمع ليس بمنتهعن العين حتى يضمحلّ سوادها
وقال أبو الغمر:
وحلّت وكاء الدمع في وجناتهكما انفجرت عن مائهنّ المنابع
من يستقلّ لموته البكاء: قال شاعر:
لا أستطيع سوى الدموع وأستقل له الدموعا
وفي كتاب يقل له البكاء ولو كان يدمع الحشا. قال بعضهم:
إن المغيرة فوق نوح النّائح
الإنكار على من لا يغمّه الموت: قالت امرأة:
أيا شجر الخابور مالك مورقاكأنّك لم تجزع على ابن طريف
قال الشماخ:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمتله الأرض تهتزّ العضاه بأسوق
وقال آخر:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوريمقيما وقد غالت يزيد غوائله
وقال عبد الصمد:
ما للسّماء عليه ليس تنفطروللكواكب لا تهوي فتنتثر
من اعتذر وتذمّم لبقائه: قال بعضهم:
ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرىوبتّ بما زوّدتني متمتّعا
وقال آخر:
ولو أنني أنصفتك الودّ لم أقم
وقال خليفة بن خلف:
أعاتب نفسي إن تبسّمت خالياوقد يضحك الموتور وهو حزين
وقال الهذلي:
تقول أراه بعد عروة ساليافلا تحسبي أن تناسيت عهده
المستقبح بموته الصّبر: قال ديك الجن:
إذا الصبر أهدى الأجر فالصّبر مأثملديّ وترك الصّبر فيك هو الأجر
وقال ابن الرومي:
لا أسأل الله حسن مصطبرفإنّه عنك يوم مصطبر
وحزن نفسي عليك من كرموهو على من سواك من خور
وقال آخر:
الصبر والأجر فيك إثم
وقال العتبي:
الصبر يحمد في المصائب كلّهاإلّا عليك فإنّه مذموم
وقال أبو تمّام:
وإن امرأ لم يمس فيك مفجّعابمجهوده في رأيه لمفجّع
وقال المتنبّي:
أجد الحزن فيك حفظا وعقلاوأراه في الخلق وعرا وجهلا
شق الجيب: نهى النبي ﷺ عن شقّ الجيوب. قال أبو سعيد البلخي: من أصيب بمصيبة فشقّ ثوبا وضرب صدرا فكأنما أخذ رمحا يريد أن يقاتل به ربّه.
قال المتنبّي:
علينا لك الإسعاد إن كان نافعابشقّ قلوب لا بشقّ جيوب
وقال أبو عطاء:
عشية قام النائحات وشقّقتجيوب بأيدي مآتم وخدود
وقال رجل من طيء:
ولو لم يفارقني عطية لم أهنولم أعط أعدائي الذي أمنع
شجاع إذا لاقى ورام إذا رمىوها أنا ذا ما أظلم الليل مصرع
وقال أبو الشّيص:
يا أيّها الدهر أقصر عن تنقّصنافلست منتهيا عن عشمنا أبدا
أضحى سنان قناتي بعد حدّتهمرّت به عثرات الدهر فانقصدا
زيارة القبور وتجديد الحزن بها: قال النبي ﷺ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا.
قال عبد الملك الحارثي:
أتيناه زوّارا فأمجد ناقريمن البثّ والداء الدخيل المخامر
وأبنا بزرع قد نما في صدورهامن الوجد يسقى بالدّموع البوادر
وقال خلف بن خليفة:
وبالدير أشجاني فكم من شبح لهدوين المصلّى بالبقيع شجون
ربى حولها أمثالها إن أتيتهاترينك أشجانا وهنّ سكون
قالت أعرابية:
لقد كنت أعدو إلى قصرهفقد صرت أعدو إلى قبره
وكنت أراني غنيّا بهعن النّاس لو مدّ في عمره
تذكّر الميت وتصوّر محاسنه: قالت الخنساء:
يذكّرني طلوع الشّمس صخراوأذكره لكلّ مغيب شمس
وقالت كلثوم:
لم يخل من تمثاله بصرييوما ولا من لفظه أذني
يا من تمثّل من محاسنهللعين مشبوح بلا بدن
زيارة طيف الميت: قال ديك الجن:
جاءت تزور وسادي بعد ما دفنتفبتّ ألثم خدا زانه الجيد
فقلت قرّة عيني قد نعيت لنافكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي في ملحدهينهشن منها بنات الأرض والدود
وهذه النّفس قد جاءتك زائرةهذي زيارة من في القبر ملحود
فداء الميّت لو قبل عنه الفداء: قال متمّم:
فلو أخذت منّي المنيّة فديةفديتك منها بالسّوام وبالأهل
وقال إبراهيم بن إسماعيل:
أجاري لو نفس فدت نفس ميتفديتك مسرورا بأهلي وماليا
وقال البحتري:
بي لا بغيري تربة محفورةلك في ثراها رمّة وعظام
من ذكر أنّه لو أمكنه دفع المنيّة لدفعها: قال الحميح:
فلو أني استطعت دفعت عنهولكنّ باعه من لا يقيل
وقال ابن الرومي:
ولو كان هذا الموت قرنا أطيقهلما فاتني إحدى الليالي بثاره
وقال الفرزدق:
فلو كانت الأحداث يدفعها امرؤبعزّ لما نالت يداه عريني
وقال الموسوي:
أتته المنيّة مغتالةرويدا تخلل من سيره
فلم تغن أجناده حولهولا المسرعون إلى نصره
من ذكر أنّه لو حضر لدفع قاتله: قال سعيد بن علقمة:
وغيّبت عن قتل الحباب وليتنيشهدت حتاتا يوم ضرّج بالدم
وفي الكفّ مني صارم ذو حفيظةمتى ما يقدم في الضّريبة يقدم
فتعلم أحيا مالك ولفيفهابأن لست عن قتل الحتات بمجرم
وقال البحتري:
فوا أسفي أن لا أكون شهدتهفحاست شمالي دونه ويميني
وإلا لقيت الموت أحمر دونهكما كان يلقى الدهر أغبر دوني
من مات حتف أنفه وكان يخشى عليه القتل: قال لبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة فمات:
أخشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السّماك والأسد
فجعني البرق والصواعقبالفارس يوم الكريهة لنجد
وقال كعب بن زهير:
لعمرك ما خشيت على أبيّمصارع بين قوّ فالسّليّ
ولكنّي خشيت على أبيّجريرة رحمه في كلّ حيّ
وقال المتنبّي:
نفى وقع أطراف الرماح برمحهولم يخش وقع النّجم والدّبران
ولم يدر أن الموت فوق شواتهمعار جناح محسن الطّيران
من اختطفته المنية لمّا أدرك المشتهى أو تناهى: قال سلم الخاسر:
لما استظلّ بتاج الملك واجتمعتله الأمور فمنقاد ومقسور
حطّت عليه بمقدار منيّتهكذاك تصنع بالنّاس المقادير
وقيل: وقوع المنية في إدراك الأمنية، وذلك نحو قوله:
إذا تمّ أمر بدا نقصهتوقّ زوالا إذا قيل تمّ
وله باب.
من الموت مرديه مع كثرة توقّيه: قال رجل من بني أسد:
أبعدت من يومك الفرار فماجاوزت حتّى انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذرأنجاك ممّا أصابك الحذر
وقال أبو تمّام:
وقد كان لو ردّ غرب الحمامشديد توقّ طويل احتماء
التصامم عن النعي والتوّجّع له: قال:
وفي السمع عمّا خبّروا غدوة وقر
وقال آخر:
أعلّل نفسي بالمرجم غيبةوكاذبتها حتى أبان كذابها
وقال اليربوعي:
ولما نعى الناعي بزيد تغوّلتبي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر
عساكر تغشى النفس حتّى كأنيأخو سكرة دارت بهامته الخمر
وقال الموسوي:
أبدي التصامم عنه حين أسمعهعمدا وقد بلغ الناعون أسماعي
من دعا على ناعيه ودافنيه: قالت الخنساء:
ألا ثكلت أم الذين غدوا بهإلى القبر ماذا يحملون إلى القبر؟
وقال أبو فراعة:
لأمك الويل تترى أيّها الناعيأوجعت سوداء قلبي أيّ إيجاع
قوم تفانوا واحدا بعد واحد: قال رجل من خثعم:
نهل الزمان وعلّ غير مصرّدمن آل عتّاب وآل الأسود
فاليوم أضحوا للمنون وسبقهمن رائح عجل وآخر مقتد
وقال ابن هرمة:
أنهب للمنية يعتريهمرجالي أم هم درج السّيول
من تصيبه كلّ يوم مصيبة: قال شاعر:
وتقرعني في كلّ يوم مصيبةفقد صرت ذا أنس بقرع المصائب
لعمرك ما تعفو كلوم مصيبةعلى صاحب إلّا فجعت بصاحب
من قاسمته فأخذت النصيبين: قال المتنبّي في سيف الدولة وقد ماتت أختاه فرثى الأولى:
قاسمتك المنون شخصين جوراجعل القسم نفسه فيه عدلا
ثم ماتت الأخرى فقال:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهماوعاش درهما المفدّى بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركهإنا لنغفل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتا كان بينهماكأنه الوقت بين الورد والقرب
من اغتاله الموت وكان من خدّامه: قال مسلم بن الوليد:
ألم تعجب له أنّ المنايافتكن به وهنّ له جنود
وقال بكر بن النطاح:
ألم تر للأيام كيف تتابعتبه وبه كانت تذاد وتدفع
من استوحش فناؤه بموته: قال أبو حية النمري:
فإن يمس وحشا داره فلربّماأقام به بعد الوفود وفود
وقال أبو تمّام:
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسةووحشة من فيها لمصرع واحد
الموصوف بأنه لو خلّد أحد لخلّد هو: قالت الخنساء:
لو كان للدهر مال كان متلدةلكان للدهر صخر مال فتيان
قال أبو ذؤيب في قريب من هذا المعنى:
لو كان مدحة حيّ أنشرت أحداأحيا أباكن يا ليلى الأماديح
من بقيت نعمته بعد موته: قال أبو الزبرقان:
فمات وأبقى من تراث عطائهكما أبقت الأنواء للحيوان
وقال أبو مطير:
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
وقال صرم:
أما مضيت فكالربيع بمائهيعفو وتحسن بعده الآثار
من خلّف العلى دون اللها: قال مالك بن عمرو الحارثي:
ولما حضرنا لاقتسام تراثهأصبنا عظيمات اللها والمآثر
وقال عمارة بن عقيل:
لم يكن موسرا من المال لكنموسرا من مكارم ومعالي
من يحسن تأبينه ومدحه: قال مطيع بن إياس:
يا خير من يحسن البكاء به اليوم ومن كان أمس للمدح
وقال البحتري:
مضى غير مذموم وأصبح ذكرهحلى القوافي بين راث ومادح
وقال آخر:
قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقال العطوي:
وليس صرير النعش ما تسمعونهولكنّه أصلاب قوم تقصّف
وليس بريح المسك ريح حنوطهولكنه ذاك الثناء المخلّف
وقال آخر:
إذهب كما ذهبت غوادي مزنةأثنى عليها السهل والأوعار
المرثيّ بالجود: قال مروان بن أبي حفصة:
وكان الناس كلهم لمعنإلى أن زار حفرته عيالا
وقال السلامي:
أما طلاب المعالي فاستهين بهوأكرمت بعده الأوراق والذهب
وقال آخر:
أتاه الرّدى في زيّ عاف وإنماأبى جوده أن يرجع الموت خائبا
من مات بموته الجود والكرم: قال شاعر:
سلوا عن المجد والمعروف أين همافقيل إنهما ماتا مع الحكم
وقال زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة ضمناقبرا يمرّ على الطريق الراضع
وقال آخر:
ولما مضى معن مضى الجود وانقضىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
وقال آخر:
ما درى نعشه ولا حاملوهما على النّعش من عفاف وجود
وقال المتنبّي:
يحسبه دافنه وحدهومجده في القبر من صحبه
من تضمّن قبره عزّا ومنفعة: قال أبو الشّيص:
يا حفرة طولها خمس إذا ذرعتفي خمسة قد دفنّا عزّنا فيها
وقال ديك الجن:
عجبت لحفرة حشيت بطودوقبر حشوه بلد رحيب
وقال التنوخي:
ولحد حوى شمسا وأرض تضمّنتسماء نجوم المجد فيها ثواقب
من توجّع له المكارم: قال أوس بن حجر:
ليبك الضيف والمكارم والفتيان طرّا وطامع طمعا
وقال أشجع:
أنعى فتى الجود إلى الجودما مثل من أنعى بموجود
وقال الخوارزميّ:
أعزّيكم أم أعزّي النّدىفما هو دونكم في الألم
وقال أبو تمّام:
يعزّون عن ثاو تعزّى به العلىويبكي عليه الجود والبأس والشّعر
من فقد الآمال بموته: قال أبو تمّام:
توفيت الآمال بعد محمّدوأصبح مشغولا عن السّفر السفر
وقال:
وكانت الآمال مبسوطةحتى إذا مات طويناها
وقال دعبل:
مات الثلاثة لما مات مطلبمات الرجال ومات الرّعب والرّهب
المرني بحفظ الجوار: قال بعضهم:
بمن يستجير الحرّ أقفر بيتهإذا لم يجد في الأرض قرضا ولا فرضا
ومن للأمور والمعضلات إذا عرتومن يحسن الإبرام بعدك والنقضا
وقال بعض بني أسد:
كانوا على الأعداء نار محرقةولقومهم حرما من الأحرام
وقال آخر:
يا طالبا وزرا من ريب حادثةأودى سعيد فلا كهف ولا وزر
وقال أبو القاسم العلاء في الصاحب:
قام السعاة وكان الخوف أقعدهمواستيقظوا بعد ما نام الملاعين
لا يعجب الناس لما مات فانتشروامضى سليمان فانحلّ الشياطين
من مات بموته من لم يمت: قال شاعر:
ماتوا بموتك غير أنّ شخوصهمنصب الهموم مقيمة لم تقبر
وقال امرؤ القيس:
فلو أنّها نفس تموت بموتهولكنّها نفس تساقط أنفسا
وقال هشام أخو ذي الرمّة:
ولم يك قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقالت ليلى:
قتلتم فتى لا يسقط الرعب رمحةإذا الخيل جالت في قنا متكسّر
وقال الفرزدق:
ألا هلك المكسّر فاستراحتحوافي الخيل والحيّ الحريد
لما أتى معاوية نعي عمرو بن العاص، أنشد:
ماذا رزئنا به من حيّة ذكرنضناضة بالرزايا صلّ أصلال
من هابته الحوادث فاشتفت بموته: قال أبو الغمر:
وسألت عنه فقيل مات لما بهقلت النّدى لا شك مات لما به
فكأنما ضنّ الزمان على الورىببقائه أو هابه فبدا به
وقال محمد بن وهب:
كأنّ الموت صادف منك غنماأو استشفى بموتك من سقام
من تبجّح به الموت وطاب القبر: فلان تباشرت القبور بموته وأشرقت المقابر بحفرته. قال العقيلي:
لئن أظلمت من بعدك الأرض وحشةلقد أشرقت أنسا إليك المقابر
وقال الطائي:
مضى طاهر الأخلاق لم تبق بقعةمن الأرض إلا تشتهي أنها قبر
وقال:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّهفطيب تراب القبر دلّ على القبر
المرثي بالعلم: أنشد أبو نواس أبا عبيدة في مرثية خلف الأحمر قوله:
أودى جماع العلم مذ أودى خلففليذّم من العياليم الخسف
رواية لا يجتني من الصحف
وفي أبيات كثيرة قال ما أحسنها وطوبى لمن يرثى بمثلها، فقال: مت راشدا وعلي أن أرثيك بخير منها، ولما مات سفيان بن عيينة.
قال ابن مناذر:
راحوا بسفيان على نفسهوالعلم مكسوين أسفانا
لا يبعدنك الله من هالكورّثنا علما وأحزانا
وقال آخر:
يبكيك للمجد أقلام مهذبةوالأمر والنهي والديوان والعمل
وقال التنوخي:
ثوى الفقه في قعر الثرى مذ ثوى بهوغاصت بحار الشعر وانقطع النظم
ولو أنّ هذا الموت خصم مفوّهلأفحمه من عزّ ألفاظه خصم
المرثي بالزّهد والعبادة: رأى رجل ميتا فقال: كان والله بالليل قوّاما وبالنهار صوّاما يجمع بين طرفي النهار والليل بالعبادة، كما قال الأفوه:
لقد أبقى مكانك في لؤيوآل محمد خللا مبينا
وليل قد دأبت له بآيمن الفرقان بين الساجدينا
فآنس شخصك الجدث المعفّىوأوحش قبرك المتهجّدينا
قال عبد الصمد بن المعدل:
لو كان يبكي كتاب الله من أحدلطول إلف بكتك الآي والسور
المختصّ بمرثية الأبوين: قيل: موت الأبوين سد بابين من أبواب الجنة. قال قتيبة بن مسلم لما ماتت أمه لأبي مجلز: لقد سدّ دوني باب من أبواب الجنة قال: نعم وباب من أبواب النار لأنك ما كنت تأمن أن تعقها.
قال كشاجم:
أبعد مصاب الأمّ آلف مضجعاوآوي إلى خفض من العيش أو ظلّ
سترضع عيني قبرها من دموعهابما كلفته من رضاعي ومن حملي
رثيت لنصل يأخذ الموت جفنهوأعجب من فرع ينوح على أصل
وبكت صبية أباها، فقالت: وا أبتاه تركتنا كالبهم ليس لنا رعاة، وا أبتاه تركتنا كالزرع ليس له مسقاة.
الفجيعة بولد صغير: قال أحمد بن أبي طاهر:
بدر ليل بدر النقص له قبل تمامه
كان نورا من رياضفذوى قبل ابتسامه
وقال أعرابي:
يا غائبا ما يؤوب من سفرهعاجله موته على صغره
شربت كأسا أبوك شاربهالا بدّ منها ولو على كبره
وقال المتنبي:
فإن تك في قبر فإنّك في الحشاوإن تك طفلا فالأسى ليس بالطّفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنّهولكن على قدر المحيلة والأصل
بنفسي وليد عاد من بطن أمهإلى بطن أم لا تطرق بالحمل
وقد مدّت الخيل العتاق عيونهاإلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل
وريع له جيش العدوّ وما مشىوجاشت له الحرب الضّروس وما تغلي
وكتب: كاتب عاجله موته على صغره وعاقصه رداه قبل سفره، وقال التنوخي:
كغصن ثنته الريح عند اعتدالهرياح غواد بالرّدى وروائح
التحسّر على الولد: قال أبو الشّيب:
بأبي وأمي من عبأت حنوطهبيدي وودّعني بماء شبابه
كيف السلوّ وكيف أنسى ذكرهوإذا دعيت فإنّما أدعى به
وقال:
لعمرك ما أبقى لنا الدهر باقيانقرّ به عينا غداة نؤب
كأنّي وترت الدهر بابن أفادهعلى حين كانت كبرة فمشيب
وقال العتبيّ:
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحتلها دافن من نفسها ودفين
المتوجّع لموت البنين وبقاء البنات: قال أبو الغمر، وقد مات له خمس بنين وحصلت له خمس بنات:
مضى خمسة وجهي بهم كان مشرقابخمس بهنّ الوجه أسود سافع
وقال العتبيّ:
ألا يدرأ الدهر عنّا المنونايبقي البنات ويفني البنينا
وكنت أبا خمسة كالبدوروقد فقأوا أعين الحاسدينا
فمروا على حادثات الزمانكمرّ الدراهم بالنّاقدينا
مرثية عروس: امرأة مات عنها زوجها ليلة العرس، فقالت:
أبكيك لا للنعيم والأنسبل للمعالي والرمح والترس
أبكي على فارس فجعت بهأرملني قبل ليلة العرس
وقال:
يا قرب مأتمها من العرس
وقال صالح بن عبد القدوس:
وكذاك الدهر مأتمهأقرب الأشياء من عرسه
وقال المتنبي:
أتتهنّ المصيبة غافلاتفدمع الحزن في دمع الدلال
من قتل محبوبه: قال بعضهم وقد اتهم امرأته فقتلها:
يا طلعة طلع الحمام عليهاوجنى لها ثمر الرّدى بيديها
رويت من دمها الثّرى ولطالماروى الهوى شفتي من شفتيها
وذباب سيفي في مجال خناقهومدامعي تجري على خدّيها
وقال ديك الجن وكان اتهم امرأته فقتلها ثم تبين له بطلانه:
تبكي وتقتل من تحبّفقدك من عجب عجيب
وقال:
وآنسة عذب الثنايا وجدتهاعلى خطّة فيها لذي اللبّ مألف
فأصلتّ حرّ السيف في حرّ وجههاوقلبي عليها من جوى الوجد يرجف
فخرّت كما خرّت مهاة أصابهاأخو قنص ومستعجل متعسّف
سيقتلني حزنا عليها تأسّفيوهيهات ما يجدي عليّ التأسّف
مرثية عشيقة: قال العبّاس:
ريحانتي واختلست من يديأبكي عليها آخر المستند
كانت يدا كانت بها قوّتيفاختلس الدهر يدي من يدي
مرثية زوجة: قال الفرزدق في مرثية امرأة حامل ماتت له:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أمتعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جفنه من دارم ذو حفيظةلو أن المنايا أخطأنه لياليا
وقال الموسوي:
إن لم تكن نصلا فغمد نصولغالبت أحداث الزمان بغول
أو لا تكن بأبي شبول ضيغمتدمى أظافره فأمّ شبول
الإستهانة بموت النساء: قال النبي ﷺ: دفن البنات من المكرمات. وقيل: دفن الحرم من أعظم النعم.
وقال الفرزدق:
وأهون مفقود إذا الموت نالهعلى المرء من أصحابه من تقنّعا
أصحاب الصنائع الخسيسة: قال البقطري الكاتب يرثي غلاما له يدعى مباركا:
مبارك من ذا يسوس الدواب في القيظ والليلة الشاتية
ومن ذا يصبّ لنا في الجبابمياها إذا أصبحت خالية
لقد كنت أخدم سوّاسناوأسلمهم عندنا ناحية
فوقاك ربّك نار السّمومولا زلت في عيشة راضية
قال جحظة في مرثية طبّاخ كان يسمّى صندل:
لقد عظمت صائبات الرزاياوأودت بصندل كفّ المنايا
فمن للبوادر قبل الطبيخومن للمبزر قبل القلايا
نبش القبور: قال عمرو بن هانئ الطائي: بعثنا أبو غانم المروزيّ على نبش قبور بني أمية، فانتهيت إلى قبر هشام فاستخرجته صحيحا فما فقدت منه شيئا إلا أطراف أنفه. إلا أنه كان كريشة فأحرقناه، ثم استخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد إلا صلبه وجمجمته، وكذلك كان عبد الملك، ووجدنا معاوية كخط أسود كأنه رماد، ولم يوجد في قبر يزيد بن معاوية إلا عظم واحد، وما وجد من عظامهم أحرقناه.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع