من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
وما يتصل بها وذكر مجالسها وما ينضاف إليها ويناسبها من الغناء والمغنين
ووصف الربيع والأزهار والرياحين وغير ذلك.
كان يقال: إن الشراب مشمة الملك وتاج يده وعروس مجلسه وتحفة نفسه وقيم جسده ودواء همه وحافظ بدنه وشفاء حزنه، لم يزل بتوليد التودد معروفاً وبتآلف الشمل المتبدد موصوفاً، إن تمشى في عظام الإخوان منحهم صدق الحس وذكاء النفس، وإن جرى في مفاصل الندمان أباحهم فراغ البال، وإن تطرب إلى شربه ذو أدب أو ارتاح لمصافحته ذو حسب طال باعه ورحب ذراعه وزين لنفسه الجود وبذل منها فوق الموجود وتطوع بالإحسان وتناسى جرائم الزمان ولم يفكر في عواقب الحدثان ورغب في التوسع ومدح التشجع.
أقول: إن في هذه الأوصاف ما هو بالذم أليق وفي باب هجاء الشراب أدخل.
وقيل: إن الشراب أجلب الأشياء للسرور الكامل وأصنعها للفرح العاجل، يمازج الأشباح ويراوح الأرواح ويؤدي إلى نشاط القوى وانبساط المنى ويعفى من الحذر ونصبه والتحرز وتعبه، ويحبب المزاح والمفاكهة وينغص الاستقصاء والمحادة ويزيل عن المقتصد في شربه العارف مقدار منفعته في تحصيل لذته تفقد الحشمة وكد المروة.
وقيل: إن من خصائص الشراب جودة الهضم ونفي الهم ودفع مضرة الماء وإزالة مكروه الدواء، قال الأعشى:
وكأسٍ شربتُ على لذةٍوأخرى تداويتُ منها بها
ليعلمَ منْ لامَ أنّي امرؤٌأتيتُ اللذاذةَ من بابها
البيت الأول أخذه أبو نواس فقال:
دعْ عنكَ لومي فإنّ اللوم إغراءُوداوني بالتي كانت هي الداءُ
ولأبي نواس في الخمريات بدائع رائعة هي للإحسان جامعة، وأنا أذكر ما يخطر من أشعاره فيها وأشعار غيره غير مراع أزمنة الشعراء وتقدمهم وتأخرهم ولكن بقدر ما يسنح. قال أبو نواس:
وندمانٍ يرى غبناً عليهبأنْ يمسي وليس به انتشاءُ
إذا نبّهته من نومِ سكرٍكفاهُ مرةً منكَ النداءُ
وليس بقائلٍ لك إيهِ دعنيولا مستخيرٍ لك ما تشاءُ
ولكن سقِّني ويقول أيضاًعليك الصرفَ إن أعياكَ ماءُ
أراد أن يقول: ولكن يقول سقّني فحذف يقول اختصاراً واكتفاءً بيقول الثانية. وقال أيضاً:
أثنِ على الخمرِ بآلائهاوسمِّها أحسنَ أسمائها
لا تجعلِ الماءَ لها قاهراًولا تسلِّطها على مائها
كرخيّةً قد عُتِّقت حقبةًحتى مضى أكثر أجزائها
فلم يكد يُدركُ خمّارهامنها سوى آخرِ حوبائها
والخمرُ قد يشربُها معشرٌليسوا إذا عُدوا بأكفائها
وقال أيضاً:
يا ليلةً بتُّها أُسقّاهاألهجني طيبها بذكراها
تلهّبُ الكاسُ من تلهّبهاوتحسرُ العينُ أنْ تقصّاها
كأنَّ ناراً بها محرّشةًنهابُها تارةً ونغشاها
كان لها الدهرُ من أبٍ خلفاًفي جحرهِ صانَها وربّاها
وحثحثتْ كأسها مُقرطقةٌلو مُنِّيَ الحسنُ ما تعدَّاها
إذا اقتضاها طرفي لها عدةًعرفتُ مردودها بفحواها
وقال:
دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُوداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَهالو مسّها حجرٌ مسّتهُ سرَّاءُ
ومنها:
طافتْ بإبريقِها والليلُ معتكرُفلاحَ من نورِها في البيتِ لألاءُ
فأُرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةًكأنّما أخذُها بالعينِ إغفاءُ
رقَّت عن الماءِ حتى ما يلائمُهالطافةً وجفا عن شكلها الماءُ
فلو مزجتْ بها ناراً لمازجهاحتى تولَّد أنوارٌ وأضواءُ
لتلكَ أبكي ولا أبكي لمنزلةٍكانتْ تحلُّ بها هندٌ وأسماءُ
هذا البيت يكرر أبو نواس معناه كثيراً، وقال:
أيا باكيَ الأطلالِ غيَّرها البلىبكيتَ بعينٍ لا يجفُّ لها غربُ
يقول منها:
وندمانِ صدقٍ باكرَ الراح سحرةًفأضحى وما منه اللسانُ ولا القلبُ
وحاولَ نحو الكأسِ مشياً فلم يطقْمن الضعفِ حتى جاءَ مختبطاً يحبو
فقلنا لساقينا اسقهِ فانبرى لهرقيقٌ بما سُمناهُ من عسلٍ ندبُ
فناولهُ كأساً جلتْ عن فؤادهِفناولهُ أخرى فثارَ له لبُّ
تغنَّى وما دارتْ لهُ الكأسُ ثالثاًتعزَّى بصبرٍ بعد فاطمةَ القلبُ
وقال أيضاً:
قطرُ بلٌ مربعي ولي بقرى الكرخِ مصيفٌ وأمِّيَ العنبُ
تُرضعني درَّها وتلحفنيبظلها والهجير يلتهبُ
يقول فيها:
فقمتُ أحبو إلى الرضاعِ كماتحاملَ الطفلُ مسّهُ السغبُ
حتى تخيرتُ بيتَ دسكرةٍقد عجمتها السنون والحقبُ
هتكتُ عنها والليلُ معتكرٌمهلهلَ النسجِ ماله هدبُ
يريد نسج العنكبوت.
فاستوسقَ الشربَ للندامى وأجراها علينا اللجينُ والغربُ
اللجين الفضة والغرب الذهب يريد حكت الفضة بمائها والذهب بلونها، وعلى الأول يكون قد أخذه ابن المعتز فقال:
وخمّارةٍ من بنتِ المجوسِترى الزقَّ في بيتها شائلا
وزنا لها ذهباً جامداًفكالتْ لنا ذهباً سائلا
وقد أوضحه أبو نواس في بقية الأبيات وهي:
أقولُ لمّا حكتهما شبهاًأيّهما للتشابهِ الذهبُ
هما سواءٌ وفرقُ بينهماأنّهما جامد ومنسكبُ
ملسٌ وأمثالُها محفرةٌصُور فيها القسوسُ والصلبُ
يتلونَ إنجيلَهم وفوقهمسماءُ خمرٍ نجومُها الحببُ
كأنّها لؤلؤٌ تُبدِّدهُأيدي عذارى أفضى بها اللعبُ
الملس: الأقداح التي لا نقش عليها، والمحفرة: المنقوشة، والقسوس: الصور التي على الأقداح، يقول: إن الخمر علت هذه الصور حتى صارت لها سماء والنجوم حبابها. وقال:
ساعٍ بكأسٍ إلى ناشٍ على طربِكلاهما عجبٌ في منظرٍ عجبِ
قامتْ تُريني وأمرُ الليلِ مجتمعٌصبحاً تولَّد بين الماء والعنبِ
كأنَّ صغرى وكبرى من فواقعهاحصباءُ درٍّ على أرضٍ من الذهبِ
من كفِّ ساقيةٍ ناهيكَ ساقيةًفي حسنِ قدٍّ وفي ظرفٍ وفي أدبِ
وقال من أخرى:
أعاذلَ أعتبتُ الإمامَ وأعتباوأعربتُ عمَّا في الضميرِ وأعربا
أعتبت: رجعت، يقال: لك العتبى: أي لك الرجوع إلى ما تحب، وأعربت: أفصحت.
وقلتُ لساقينا أجزْها فلم يكنْليأبى أميرُ المؤمنين وأشربا
فجوَّزها عني عقاراً ترى لهاإلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنّبا
ترى حيثُ ما كانتْ من البيتِ مشرقاًوما لم تكن فيه من البيت مغربا
أخذه من قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخالق أن لا تكنها السدَفُ
ومنها:
إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلتهُيقبِّلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
سقاهم ومنّاني بعينيهِ منيةًفكانتْ إلى قلبي ألذّ وأعجبا
وقال أيضاً:
دعِ الأطلال تسفيها الجنوبُوتبلي عهدَ جدَّتها الخطوبُ
وخلِّ لراكبِ الوجناءِ أرضاًتخبُّ بها النجيبةُ والنجيبُ
الوجناء: الناقة الصلبة. وقيل: العظيمة الوجنات.
إذا رابَ الحليبُ فبلْ عليهولا تحرجْ فما في ذاك حوبُ
فأطيبُ منه صافيةٌ شمولٌيطوفُ بكأسها ساقٍ أديبُ
يمدُّ بها إليكَ يداً غلامٌأغنّ كأنّه الرشأُ الربيبُ
وقال:
كلّ ميتٍ محرمٌ فأدرْهاغيرَ مقتولةٍ بكأسِ المزاجِ
وقال:
باكر صباحك بالصبوح ولا تكنكمسوّفين غدوا عليك شحاحا
قال ابغني المصباح قلت له اتئدحسبي وحسبك ضوؤها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربةًكانت له حتى الصباح صباحا
من قهوة جاءتك قبل مزاجهاعطلاً فألبسها المزاجُ وشاحا
عمرتْ يكاتمك الزمانُ حديثَهاحتى إذا بلغَ السآمةَ باحا
وقال من أخرى:
جريتُ مع الصِّبا طلقَ الجموحِوهانَ عليَّ مأثورُ القبيحِ
وجدتُ ألذَّ عارية اللياليقرانَ النغمِ بالوترِ الفصيحِ
ومسمعةٍ إذا ما شئتَ غنتْمتى كانَ الخيامُ بذي طلوحِ
تمتَّع من شبابٍ ليسَ يبقىوصلْ بعرى الغبوقِ عرى الصبوحِ
الغبوق: شرب الليل، والصبوح: شرب الصباح.
وخذها من مشعشعةٍ كميتٍتحركُ درةَ الرجلَ الشحيحِ
المشعشعة: الخمر التي قد راق مزاجها.
تخيرها لكسرى رائداهُلها حظانِ من لونٍ وريحِ
الرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ، يقال: الرائد لا يكذب أهله. وقال:
يا أخوتي ذا الصباحُ فاصطبحوافقد تغنَّت أطيارُه الفصحُ
هبُّوا خذوها فقد شكانا إلى الإبريقِ من طولِ نومنا القدحُ
صرفاً إذا شجّها المزاجُ بأيدي شاربيها تولّد الفرحُ
وقال:
عاذلي في المدام غيرَ نصيحِلا تلمْني على شقيقةِ روحي
لا تلمني على التي فتنتنيوأرتني القبيحَ غير قبيحِ
قهوةٌ تتركُ الصحيحَ سقيماًوتعيرُ السقيمَ ثوبَ الصحيحِ
إنّ بذلي لها لبذلُ جوادٍواقتنائي لها اقتناءُ الشحيحِ
وقال:
لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِواشربْ على الوردِ من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرتْ في حلقِ شاربهاأحذتْه حمرتها في العينِ والخدّ
أحذته: من الحذيا، وهي العطية.
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌمن كفِّ جاريةٍ ممشوقة القدِّ
تسقيكَ من ريقها ضمراً ومن يدهاخمراً فما لك من سكرينِ من بدِّ
لي نشوتانِ وللندمانِ واحدةٌشيءٌ خُصصتُ به من بينهم وحدي
وقال:
ألا سقِّني خمراً وقل لي هي الخمرُولا تسقني سرّاً إذا أمكنَ الجهرُ
فما الغبنُ إلاّ أنْ تراني صاحياًوما الغنمُ إلاّ أنْ يتعتعني السكرُ
فبحْ باسمِ من تهوى ودعني من الكنىفلا خيرَ في اللذاتِ من دونها سترُ
وقال:
أعطتك ريحانَها العقارُوحانَ من ليلكَ انسفارُ
يقول: إنه شربها فتحوّل طيبها إليه، وقيل: كانت كلون بعض الرياحين فلما شربتها حولت ذلك اللون إلى خدك. ومثله: أخذتك حمرتها.
وأخذه من الأعشى في قوله:
فانعمْ بها قبلَ رائعاتٍلا خمرَ فيها ولا خمارُ
ووقرِ الكأسَ عن سفيهٍلأنَّ آيينَها الوقارُ
آيينَها: هيئتها وما يصلحها.
تحيرتْ والنجومُ وقفٌلم يتمكنْ بها المدارُ
فلم تزلْ تأكلُ اللياليجثمانَها ما بها انتصارُ
حتى إذا مات كلّ ذامٍوخُلصَ السرُّ والنجارُ
سرّ كل شيء: خالصه.
عادتْ إلى جوهرٍ لطيفٍعيانُ موجودهِ ضمارُ
ويروى: آلت أي رجعت، يقول: معاينة ما وجد مني خفيّ.
كأن في كأسِها شراباًيخيلهُ المهمهُ القفارُ
لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلّتفدهرُ شرابِها نهارُ
ما أسكرتني المدام لكنمديرُ عينٍ بها احورارُ
وقال من أخرى:
دعْ لباكيها الدياراوانفِ بالخمرِ الخمارا
واشربنها من كميتٍتدعُ الليلَ نهارا
بنت عشرٍ لم تُعاينْغيرَ نارِ الشمسِ نارا
ثمّ شجتْ فأدارتْفوقها طوقاً فدارا
كاقترانِ الدرِّ بالدرِّ صغاراً وكبارا
فإذا ما اعترضته العينُ من حيثُ استدارا
خلتهُ في جنباتِ الكأسِ واواتٍ صغارا
فإذا ما سلسلوهاأحْذتِ العينَ احمرارا
صبوها في الحلوق فبقي تتابع جريها شبيهاً بالسلاسل والحذيا.
من يديْ ساقٍ ظريفٍكسيَ الحسنَ شعارا
ومغنّ كلّما شئتُ تغنَّى وأشارا
رفعَ الصوتَ بصوتٍهاجَ للقلبِ ادِّكارا
صاحِ هل أبصرتَ بالحيّينِ من أسماءَ نارا
وقال:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوابها أثرٌ منهم جديد ودارسُ
مساحب من جر الزقاق على الثرىوأضغاث ريحان جنيّ ويابسُ
الضغث قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، وهذا البيت ينظر إلى قول امرئ القيس وإن لم يتضمن تشبيهاً:
كأنَّ قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساًلدى وكرها العنابُ والحشفُ البالي
حبست بها صبحي فجددت عهدهموإني على أمثالِ تلك كابس
ولم أدرِ من هم غير ما شهدت بهبشرقي ساباط الديار البسابسُ
البسابسُ: الصحارى الواحد بسبس، وقالوا: سبسب فقبلوا، كما قالوا: جذب وجبذ، وكأنه نظر في هذا البيت إلى قول أبي خراش:
ولم أدرِ من ألقى عليهِ رداءهُولكنه قد سلَّ من ماجدٍ محضِ
أقمتُ بها يوماً ويوماً وثالثاًويوماً له يوم الترحل خامسُ
تدور علينا الكاس في عسجديةٍحبتها بأنواع التصاويرِ فارسُ
العسجد: الذهب، يريد آنية ذهبية.
فللخمر ما زرّت عليه جيوبهموللماء ما دارت عليه القلانسُ
يريد أن الخمر صُبت إلى حلوق الصور التي على الأقداح والماء إلى رؤوسها. وقال:
قالوا كبرتَ فقلت ما كبرت يديعن أن تخبّ إلى فمي بالكاسِ
والراحُ طيبةٌ وليسَ تمامهاإلاّ بطيبِ خلائقِ الجلاسِ
وكأنَّ شاربها لفرطِ شعاعهابالليل يكرع في سنا مقباضِ
وقال:
كفيتُ الصبا من لا يهش إلى الصباوجمعت منه ما أضاع مضيعُ
أعاذل ما فرطتُ في جنب لذةٍولا قلت للخمار كيف تبيعُ
وقال:
ومدامة تحيا النفوسُ بهاجلتْ مآثرها عن الوصفِ
وتروى سجد الملوك لها، ومنها:
فتنفست في البيت إذْ مزجتكتنفس الريحان في الأنفِ
من كفِّ ساقيةٍ مقرطقةٍناهيكَ من حسنٍ ومن ظرفِ
نظرت بعينيْ جؤذرٍ خرقٍوتلفتتْ بسوالفِ الخشفِ
الجؤذر: ولد البقرة الوحشية، وخرق: لاصق بالأرض من الفزع، والسالفة: صفحة العنق. وقال:
وخيمةِ ناطورٍ منيفةٍتهمُّ يدا من رامها بزليلِ
منيفة: هضبة مرتفعة. يقال: زللك يا فلان تزل زليلاً إذا زل.
إذا عارضتْها الشمسُ فاءَ ظلالهاوإنْ واجهتْها آذنتْ بدخولِ
حلبتُ لأصحابي بها درةَ الصِّبابصفراءَ من ماءِ الكرومِ شمولِ
درة الصبا: ماء مطر كان بالصبا وروى قوم: درة الصبي. يقول: سقيتهم صفراء شمولاً فكأني حلبت لهم درة لهو وتصاب.
إذا نزلتْ دونَ اللهاةِ من الفتىدعا همُّه من صدرهِ برحيلِ
وعاطيتُ من أهوى الحديثَ كما بداوذلّلتُ صعباً كانَ غيرَ ذليلِ
ويروى: غير ذلول، غير لين الرياضة، والذليل الممتهن، يقول: ذلك من لا يمتهنه أحد.
فغنَّى وقد وسَّدتُ يسرايَ خدهُألا ربما طالبتُ غيرَ منيلِ
وقال:
أما ترى الشمسَ حلتِ الحملاوطابَ وقتُ الزمانِ واعتدلا
ويروى:
وقامَ وزنُ الزمانِ واعتدلا
وغنتِ الطيرُ بعدَ عُجمتهاواستوفتِ الخمرُ حولها كملا
الخمر تُعصر والشمس في آخر الأسد وأول السنبلة ومن هذا إلى أن تحل الحمل سبعة أشهر وهذا لا يكون حولاً. والمعنى أنها استوفت حولاً مذ عقد الكرم وورق، وقيل: حولها: تغيرها، تحول في الدن وتتلون فإذا مضت لها هذه المدة قرّت ولزمت شيئاً واحداً ويكون هذا من حالت تحول حولاً والأول أجود.
وقول ثالث كان المبرّد يختاره، حولها: قوتها، من قولهم: لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
واكتستِ الأرضُ من زخارفهاوشيَ نباتٍ تخاله حللا
فاشربْ على جدةِ الزمانِ فقدأصبحَ وجهُ الزمانِ مقتبلا
يقال هو مقتبل الشباب إذا لم يبن فيه أثر كبر وما أحسن هذا البيت لولا تكرار لفظة الزمان فيه.
كرخيّةً تتركُ الطويلَ من العيشِ قصيراً وتبسطُ الأملا
تلعبُ لعبَ الشرابِ في قدحِ القومِ إذا ما حبابها اتَّصلا
اتصل: قارب بعضه بعضاً، ويروى: انتضلا من النضال والأول أجود، والحباب معلوم. وقال:
يا ربَّ صاحبِ حانةٍ قد رعتُهفبعثتهُ من نومهِ المتزمِّلِ
تزمّل بثوبه: تلفف به وتغطى.
يا صاحبَ الحانوتِ لا تكُ مشغباًأنَّ الشرابَ محرمٌ كمحللِ
يقول: الخمر المطبوخ عندي سواء وقد فسره بقوله:
فدع الذي نبذتْ يداكَ وعاطنيللهِ درُّك من شرابِ الأرجلِ
أقول: إن أبا نواس أخذ هذا من حسان بن ثابت حيث قال:
إنَّ التي ناولتني فرددتُهاقُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ
كلتاهما حلبُ العصيرِ فعاطنيبمدامةٍ أرخاهما للمفصلِ
فإن رغبة حسان عن الممزوج كرغبة أبي نواس عن المطبوخ، ورغبة أبي نواس في الخمر كرغبة حسان في الصرف. نعود إلى أبيات أبي نواس:
ممّا تخيرها التجارُ ترى لهاقرصاً إذا ذيقتْ كقرصِ الفلفلِ
ولها دبيبٌ في العظامِ كأنهُقبضُ النعاسِ وأخذهُ بالمفصلِ
المفصل: واحد مفاصل الأعضاء، والمِفصل، بالكسر: اللسان وإياه أراد.
عبقتْ أكفهمُ بها فكأنمايتنازعون بها سخابَ قرنفلِ
السخاب: قلادة تتخذ من السك وغيره، ليس فيها جوهر والجمع سخب.
تسقيكها كفٌّ إليك حبيبةٌلا بدَّ إنْ بخلتْ وإنْ لم تبخلِ
أخذ أبو تمام هذا فقال في المدح:
ورأيتَني فسألتَ نفسك سيبهالي ثمَّ جدتَ وما انتظرتَ سؤالي
كالغيثِ ليسَ له أُريدَ غمامهُأو لم يُردْ بدٌّ من التهطالِ
وقال:
كانَ الشبابُ مطيةَ الجهلِومحسِّنُ الضحكاتِ والهزلِ
كانَ الجميلَ إذا ارتديتُ بهوخرجتُ أخطرُ صيِّتَ النعلِ
يقال: خطر بباله يخطر، بالضم، وخطر في مشيته يخطِر، بالكسر، بمداسٍ يصرُّ.
كانَ المشفعَ في مآربهِعندَ الفتاةِ ومدركَ التبلِ
والباعثي والناسُ قد رقدواحتى أكونَ خليفةَ البعلِ
والآمري حتى إذا عزمتْنفسي أعانَ يدي على الفعلِ
هذه الأبيات قد سبق ذكرها في وصف الشباب، وإنما ذكرتها ثانياً لما تضمنه باقيها من وصف ما أنا بصدده وهي:
فالآنَ صرتُ إلى مقاربةٍوحططتُ عن ظهر الصبا رحلي
والكأسُ أهواها وإنْ رزأتْبلغَ المعاشِ وقللتْ فضلي
رزأت: نقصت، وبلغ المعاش: القوت، وهو جمع بُلغة، وقللت فضلي: ذهبت بما عندي من فضل.
وقد أحسن مهيار ما شاء في قوله:
في بُلغِ العيشِ لي فضولٌفما التفاتي إلى الفضولِ
نعود إلى الأبيات:
ذُخرتْ لآدم قبلَ خلقتهِفتقدَّمتهُ بخطوةِ القبلِ
فأتاكَ شيءٌ لا تلامسهُإلاّ بحسنِ غريزةِ العقلِ
فترود منها العين في بشرٍحرِّ الصفيحةِ ناصعٍ سهلِ
ترود: تذهب وتجيء، وحرّ: كريم، والصفيحة: جلدة الوجه وبشرته، ناصع: ظاهر اللون خالص.
حتى إذا سكنتْ جوانحُهاكتبتْ بمثلِ أكارعِ النملِ
جمح الفرس جموحاً وجماحاً: إذا غلب فارسه، والجموح من الرجال: الذي يركب هواه فيتعذر رده، يريد أن زبدها لما سكنت كان كأكارع النمل دقة وخفاء.
وقال:
لا تعرِّجْ بدارسِ الأطلالِواسقنيها رقيقةَ السربالِ
مات أربابها وبادت قُراهاوبراها الزمانُ بريَ الخلالِ
عُتقت في الدنانِ حتى استفادتْنورَ شمسِ الضحى وبردَ الظلالِ
ولعمر المدام إنْ قلتَ فيهاإنَّ فيها لموضعاً للمقالِ
وقال:
اسقنا إنَّ يومنا يومُ رامِولرامٍ فضلٌ على الأيامِ
يوم رام: يوم أحد وعشرين من كل شهر من شهور الفرس، وشهرهم ثلاثون يوماً أبداً، ولكل يوم منها اسم. يقال: إنه كان لهم في يوم رام لذة وفرح.
من شرابٍ ألذَّ من نظرِ المعشوقِ في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
بنتُ عشرٍ صفتْ ورقت فلو صُبتْ على الليل راح كلّ ظلامِ
في رياضٍ بهيةٍ بكر النَّوءُ عليها بمستهلِ الغمامِ
وقال أيضاً:
أعاذلُ ما على وجهي قتومُولا عرضي لأولِ منْ يسومُ
يفضّلني على الفتيانِ أنيأبيتُ فلا أُلامُ ولا أُليمُ
أي لا آتي ما ألامُ عليه أي أعذل.
شُققتُ من الصبا واشتُقَّ منيكما اشتقَّت من الكرمِ الكرومُ
فلستُ أُسوِّفُ اللذاتِ نفسيمساومةً كما دُفع الغريمُ
ولا بمدافعٍ للكأسِ حتىيهيِّجني على الطربِ النديمُ
ومتّصل بأسبابِ المعاليلي في كلِّ مكرمةٍ حميمُ
رفعتُ له النداءَ بقمْ فخذْهاوقد أخذتْ مطالعها النجومُ
فقمتُ فقام من أخوين هاجاعلى طربٍ وليلهما بهيمُ
أجرُّ الزقَّ وهو يجرُّ رِجلاًيجورُ بها النعاسُ ويستقيمُ
وقال:
ألا لا أرى مثلَ امترائي في رسمتغصُّ به عيني ويلفظه وهمي
ويروى: ألا لا أرى مثلي امترى اليومَ في رسمِ ماريت الرجل أماريه مراء: إذا جادلته، والمرية: الشك، وقوله: تغص به عيني: أي تمتلئ بالدمع معرفة، ثم ينكره وهمي لتغيره.
أتتْ صورةُ الأشباه بيني وبينهافجهلي كلاَ جهلٍ وعلمي كلاَ علمِ
فطبْ بحديثٍ عن نديمٍ مساعدٍوساقيةٍ سنّ المراهقِ للحلمِ
ضعيفةُ كرِّ الكرفِ تحسبُ أنّهاحديثةُ عهدٍ بالإفاقةِ من سقمِ
هذا هو الشعر الذي تطرب له النفوس فرحاً ومسرة، ويلوح على وجه المعاني الرائقة غرة، وماذا عسى أن يقال في شيخ الصناعة وفارس البراعة.
وإنّي لآتي الوصلَ من حيثُ يُتَّقىويعلمُ سهمي حين أنزعُ من أرمي
النزع في القوس مدها، أخذه من قول ابن الدمينة:
وإنّي لآتي الأمرَ من حيثُ يتَّقىوأرعى الحمى من حيثُ لم يدرِ حاجره
المحجر، بالفتح: ما حول القرية، ومن محاجر أقيال اليمن: وهي الأحماء، وكان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره.
وقال أبو نواس:
صفةُ الطلولِ بلاغةُ الفدْمفاجعلْ صفاتكَ لابنةِ الكرمِ
لا تخدعنَّ عن التي جُعلتْسقمَ الصحيحِ وصحةَ السقمِ
سقم الصحيح: الخمار وذهاب العقل، وصحة السقم: النفع الحاصل من شربها والنشاط العارض منه.
وصديقةِ النفسِ التي حُجبتْعن ناظريك وقيِّم الجسمِ
شُجتْ فغالت فوقها حبباًمتراصفاً كتراصفِ النظمِ
غالت: رفعت، والرَّصفة، بالتحريك: واحدة الرصف، وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض أي مصففة.
فعلامَ تذهلُ عن مشعشعةٍوتهيمُ في طللٍ وفي رسمِ
تصفُ الطلولَ على السماعِ بهاأفَذو العيانِ كأنت في العلمِ
وإذا وصفتَ الشيءَ متبعاًلم يخلُ من سقطٍ ومن وهمِ
هو يخاطب المحدثين من الشعراء الذين وصفوا الطلول اتباعاً لمن وصفها مشاهداً لها، يقول: لست في وصفك لها بالسماع كمن وصفها وشاهدها.
وقال:
يا شقيقَ النفسِ من حكمِنمتَ عن ليلي ولم أنمِ
فاسقني البكرَ التي اختمرتْبخمار الشيبِ في الرَّحمِ
اختمرت: لبست خمار الشيب في دنها فبلغت أقصى السن ولم تخرج عنه، وجعله كالرحم للطفل. وقيل: إنه نسج العنكبوت. وقيل: إن أول ما تنفطر الكرمة يخرج منها شيء أبيض شبيه بالقطن. وأقول: إنه لما وصفها بطول المكث حسن أن يقول: اختمرت بخمار الشيب، لموضع طول مدتها وعتقها وخدرها. وزاده حسناً قوله: في الرحم، لأنها قد بلغت سن من لو كان يشيب لكان قد اختمر بخمار الشيب، وهذا واضح جيد.
ثمتَ انصاتَ الشبابُ لهابعدما جازتْ مدى الهرمِ
كأنها صوتت له فانصات مثل دعته فاندعى.
فهيَ لليومِ الذي بُزلتْوهيَ تلوُ الدهر في القدمِ
عُتقتْ حتى لو اتصلتْبلسانٍ ناطقٍ وفمِ
لاحتبتْ في القومِ ماثلةًثمَّ قصتْ قصةَ الأممِ
قرعتْها بالمزاجِ يدٌخُلقتْ للكأسِ والقلمِ
في ندامى سادةٍ زهرٍأخذوا اللذات من أممِ
فتمشتْ في مفاصلهمكتمشي البرءِ في السقمِ
فعلتْ في البيتِ إذْ مُزجتْمثلَ فعلِ الصبحِ في الظلمِ
فاهتدى ساري الظلامِ بهاكاهتداءِ السفرِ بالعلمِ
أقول: إني إنما ابتدأت بأشعار أبي نواس في الخمر لأنه أكثر الناس إحساناً فيها، وأولهم استقصاء لمعانيها، وأسبقهم إلى التنوق في أوصافها وألقابها، وأكثرهم معاقرة لندمانها وشرابها، وأوفاهم تشوقاً إليها وتطرباً عليها، وأبلغهم قولاً في نعوتها الرائقة وصفاتها الفائقة، وإن وجد لمن تقدمه شيء من ذلك فإنما يوجد القليل النادر، ومن تأخر عن زمانه عيال عليه وتبع له. وها أنا أذكر ما يخطر من الأشعار والأخبار فيها على حسب ما اشترطته في هذا الكتاب.
كان يقال: للشراب حدان: حد لا هم فيه، وحد لا عقل فيه، فعليك بالأول واتق الثاني. مر أنوشروان وكان يعجبه الورد بوردة ساقطة، فقال: أضاع الله من أضاعك ونزل فأخذها وقبّلها وشرب مكانها سبعة أيام.
قال جميل:
فلمّا ماتَ من طربٍ وسكرٍرددتُ حياتهُ بالمسمعاتِ
فقام يجرُّ عطفيه خماراًوكانَ قريبَ عهدٍ بالمماتِ
ابن نباتة السعدي:
نعمتُ بها يجلو عليَّ كؤوسهأغرُّ الثنايا واضحُ الجيدِ أحورُ
فواللهِ ما أدري أكانتْ مدامةًمن الكرمِ تُجنى أم من الشمس تُعصرُ
إذا صبَّها جنحُ الظلامِ وعبَّهارأيتَ رداءَ الليلِ يُطوى وينشرُ
الببغاء:
واجلُ شمسَ العقار في يدِ بدرِ الحسن يخدمكَ منهما النيِّرانِ
في كؤوسٍ كأنها زهرُ الخشخاشِ ضمتْ شقائق النعمانِ
إنما سميت شقائق النعمان لأن النعمان بن المنذر رأى أرضاً كثيرة الشقائق فحماها فنسب إليه.
واختدعها عندَ البزالِ بألفاظِ المثاني ومطرباتِ الأغاني
فهي أولى من العرائس إنْ زفَّت بعزفِ الناياتِ والعيدانِ
قال ابن الجهم: قلت لجارية: نجعل الليلة مجلسنا في القمر، فقالت: ما أولعك بالجمع بين الضرائر، قلت: فأي الشراب أحب إليك، فقالت: ما ناسب روحي في الخفة ونكهتي في الطيب وريقي في اللذة ووجهي في الحسن، وخلقي في السلاسة.
ابن سكرة:
فما ترى في اصطباحِ صافيةٍبكرٍ حناها في الحانةِ الكبرُ
فهي لمنْ شمَّ ريحَها أثرٌوهي لمنْ رامَ لمسَها خبرُ
في روضةٍ راضها الربيعُ وماقصَّر في وشيِ قصرها المطرُ
وقد نأى النأيُ بالعقولِ وماقصّر في نيلِ وترهِ الوترُ
أشخص الوليد بن يزيد شراعة من الكوفة، وقال له: ما أحضرتك لأسألك عن كتاب الله ولا عن سنّة نبيه ﷺ، قال: والله لو سألتني عنهما لألفيتني فيهما حماراً، قال: ولكن أسألك عن الفتوة، قال: أنا دهقانها الخبير وطبيبها الرفيق، قال: أخبرني عن الماء، قال: لا بد منه والحمار شريكي فيه، قال: فاللبن، قال: ما رأيته قط إلاّ استحييت من أمي من طول ما أرضعتنيه، قال: فالسويق، قال: فالسويق شراب الحزين والمريض والمستعجل، قال: فنبيذ التمر، قال: سريع الملي سريع الإنفاش ضرط كله، قال: فنبيذ الزبيب، قال: حومة يحامها حول الأمر، قال: فما تقول في الخمر، قال: تلك صديقة روحي، قال: وأنت صديقي فاقعد، أي الطعام أحب إليك، قال: ليس لصاحب النبيذ على الطعام حكم إلاّ أن أشهاه إليه أمره وأنفعه أدسمه، قال: فأي المجالس أطيب، قال: البراح ما لم تحرقه الشمس ويغرقه المطر والله يا أمير المؤمنين ما شرب الناس على شيء أحسن من وجه السماء.
شاعر:
كأنما عرضٌ في كفّ شاربهاتخالهُ فارغاً والكأس ملآنُ
ابن المعتز:
يا نديميَّ سقِّياني فقد لاحَ صباحٌ وأذَّنَ الناقوسُ
من كميتٍ كأنها أرضُ تبرٍفي نواحيه لؤلؤٌ مغروسُ
وقال:
كأنهُ وكأنَّ الكأسَ في فمهِهلال أول شهرٍ غابَ بالشفقِ
ديك الجن:
فقامَ تكادُ الكأسُ تخضبُ كفهُوتحسبهُ من وجنتيهِ استعارها
مشعشعةٌ من كفِّ ظبيٍ كأنماتناولها من خدهِ فأدارها
ظللنا بأيدينا نتعتعُ روحهاوتأخذُ من أقدامِنا الراحُ ثارها
أخذه ابن الأصباغي فقال:
عقرتهم عقارة لو سالمتشرابها ما سميتْ بعقارِ
ذكرت حقائدها القديمة إذْ غدتْقدماً تُداس بأرجل العقَّارِ
لانت لهم حتى انتشوا وتمكنتْمنهم وصاحتْ فيهم بالثارِ
أبو عثمان الخالدي:
هتفَ الصبحُ بالدجى فاسقنيهاقهوةً تجعلُ الحليمَ سفيها
لستُ أدري من رقةٍ وصفاءٍهي في الكأسِ أم صبت الكأسُ فيها
ويقرب من هذا:
رقّ الزجاجُ ورقَّتِ الخمرُفتشابها وتشاكلَ الأمرُ
فكأنما خمر ولا قدحوكأنما قدح ولا خمر
أبو طاهر بن حيدر:
مرحباً بالتي بها قُتل الهمُّ وعاشتْ مكارمُ الأخلاقِ
وهي في رقةِ الصبابةِ والوجدِ وفي قسوةِ النوى والفراقِ
لستُ أدري أمنْ خدودِ العذارىسفكوها أو أدمعِ العشاقِ
آخر:
وأغيدُ معسولُ المراشفِ زارنيعلى فرقٍ والنجمُ حيرانُ طالعُ
فنازعتهُ الصهباءَ والليلُ ناصلٌرقيق حواشي البردِ والنسرُ واقعُ
عقارٌ عليها من دم الصبِّ نقطةٌومن عبراتِ المستهامِ فواقعُ
معوّدة غصبَ العقول كأنمالها عند ألباب الرجال ودائعُ
تدير إذا شجتْ عيوناً كأنهاعيون العذارى شق عنها البرقعُ
أشجع السلمي:
ولقد طعنتُ الليلَ في أعجازهِبالكأسِ بين غطارفٍ كالأنجمِ
يتمايلونَ على النعيمِ كأنَّهمقضبٌ من الهندي لم يتثلّمِ
يسعى بها الظبي الغريرُ يزيدُهاطيباً ويغشمها إذا لم تغشمِ
فإذا أدارتها الأكفُّ رأيتهاتثني الفصيحَ إلى لسانِ الأعجمِ
تغلي إذا ما الشعريانِ تلظتاصيفاً وتسكنُ في طلوعِ المرزمِ
ولها سكون في الإناء وخلفهشغبٌ تطوّح بالكمي المعلمِ
تُعطي على الظلمِ الفتى بقيادهاقسراً وتظلمه إذا لم يظلمِ
شرب الأقيشر في حانة بالحيرة حتى نفد ما معه ورهن ثيابه، وكان شتاء ثم جلس في تبن هناك واجتاز رجل ينشد ضالته، فقال الأقيشر: اللهم ارددها إليه واحفظ عليها، فقال الحاني: ويحك أي شيء يحفظ ربك، قال: هذا التبن لا تأخذه فأموت برداً فضحك منه ورد ثيابه.
جلست عجوز من الأعراب إلى فتيان يشربون فسقوها قدحاً فطابت نفسها وتبسمت ثم سقوها آخر فاحمر وجهها وضحكت فسقوها ثالثاً، فقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق أيشربن هذا الشراب، قالوا: نعم، قالت: زنين ورب الكعبة.
شرب داود المصاب مع قوم في شهر رمضان، فقالوا له وقت السحر: قم فانظر هل تسمع أذاناً فأبطأ ساعة ثم رجع، وقال: اشربوا فإني لم أسمع إلاّ أذان سوء من مكان بعيد.
شرب بعضهم عند خمّار فلم يسكر فشكا إليه، فقال: اصبر فهذا يأخذ في آخره فلما انصرف أخذه الطائف وحُبس، فقال: صدق الخمّار قد أخذه في آخره.
وعاب مسلم بن الوليد أبا نواس في الخمر، وقال له: خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبك وما كذا يفعل الأدباء، فأطرق هنيهة، ثم قال:
فأول شربك طرْح الرداءوآخر شربكَ طرحُ الإزارِ
وما هنأتك الليالي كمثلإماتةِ مجدٍ وإحياءِ عارِ
وما جادَ دهرٌ بلذاتهِعلى منْ يضنُّ بخلعِ العذارِ
فانصرف مسلم آيساً من فلاحه، وهو يقول: جواب حاضر من شيخ فاجر. ويعجبني قول القائل في الاعتذار عن السكر:
إذا شربت ماء الحياء وجوهناتنقّل عنها ماؤها وحياؤها
إذا كانتِ الصهباءُ شمساً فإنَّمايكونُ أحاديث الرجال هباؤها
وقد ظرف القائل:
كان منِّي على المدامةِ ذنبٌفاعفُ عنِّي فأنتَ للعفو أهلُ
لا تؤاخذْ بما يقولُ على السُّكرِ فتًى ما له على الصحوِ عقلُ
آخر:
إذا ما صدمتني الكأسُ أبدتْ محاسنيولم يخشَ ندماني أذاتي ولا بخلي
ولستُ بفحاشٍ عليه وإن أساوما شكلُ من آذى نداماه من شكلي
المعروف بالعطار المغربي:
وكأسٍ ترينا آيةَ الصبح في الدجىفأوّلها شمسٌ وآخرها بدرُ
مقطّبةٌ ما لم يزرْها مزاجُهافإنْ زارها جاءَ التبسمُ والبشرُ
فيا عجباً للدهرِ لم تخلُ مهجةٌمن العشقِ حتى الماءُ تعشقهُ الخمرُ
خليليَّ هات الكأسَ ممزوجةَ الرضىبسخطٍ فقد طابَ التنادمُ والسمرُ
ونبِّهْ لنا منْ كانَ في الشربِ نائماًفقد نامَ جنحُ الليلِ وابتسمَ الفجرُ
ابن قاضي ميلة:
ومدامة عُني الرضاب بمزجهافأطابها وأزارها التقبيلُ
ذهبية ذهبَ الزمانُ بجسمِهاقدماً فليسَ لجسمِها تحصيلُ
فكأنَّها شمسٌ وكفُّ مديرهافينا ضحًى وفمُ النديمِ أصيلُ
الماهر:
هو يومٌ حلوُ الشمائلِ فاجمعْبكؤوسِ المدامِ شملَ السرورِ
منْ مدامٍ أرقّ من نفسِ الصّبِّوأصفى من دمعةِ المهجورِ
رقَّ جلبابها فلم يُرَ إلاّروحُ نارٍ تحلُّ في جسمِ نورِ
آخر:
وكأسٍ سباها السفرُ من أرضِ بابلٍكرقةِ ماءِ الحزنِ في الأعينِ النُّجلِ
إذا شجَّها الساقي حسبتَ حبابهاعيونَ الدبا من تحت أجنحةِ النملِ
آخر:
وزنّا الكأس فارغةً وملأىفكانَ الوزنُ بينهما سواءَ
مثله، وأظنه لابن دريد، وهو أبلغ:
تقُلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرَّغاًحتى إذا مُلئتْ بصرفِ الراحِ
خفَّت فكادتْ أنْ تطيرَ بما حوتْوكذا الجسومُ تخفُّ بالأرواحِ
الببغاء يصف معصرةً:
ومعصرةٍ أنختُ بهاوقرنُ الشمسِ لم يغبِ
فخلتُ قرارَها بالراحِ بعضَ معادنِ الذهبِ
وقد ذرفت لفقد الكرمِ فيها أعينَ العنبِ
وجاشَ عبابُ واديهابمنهلٍّ ومنسكبِ
وياقوتُ العصير بهايلاعبُ لؤلؤَ الحببِ
فيا عجباً لعاصرهاوما يفنى بها عجبي
وكيفَ يعيشُ وهو يخوضُ في بحرٍ من اللهبِ
التنوخي:
وراحٍ من الشمس مخلوقةٍبدتْ لكَ في قدحٍ من نهارِ
هواءٌ ولكنه جامدٌوماءٌ ولكنّهُ غير جارِ
كأنّ المدير لها باليمينإذا قام للسقي أو باليسارِ
تدرّع ثوباً من الياسمينله فرد كمٍّ من الجلنارِ
إسحاق الموصلي:
كأنَّ أباريق المدام لديهمظباءٌ بأعلى الرقمتينِ قيامُ
وقد شربوا حتى كأنَّ رقابَهممن اللينِ لم تُخلقْ لهنَّ عظامُ
ابن الرومي في قدح:
كفمِ الحبِّ في الحلاوةِ أو أشفى وإنْ كانَ لا يناغي بحرفِ
تنفذ العينُ فيه حتى تراهاأخطأتهُ من رقةِ المستشفِّ
وسطُ القدّ لم يكبَّر لجرعٍمتوالٍ ولم يصغَّر لرشفِ
لا عجولٌ على العقولِ جهولٌبل حليمٌ عنهنّ من غيرِ ضعفِ
ما رأى الناظرون قدّاً وشكلامثله فارساً على ظهر كفِّ
السري الرَّفَّاء الكندي الموصلي:
كستْكَ الشبيبةُ ريعانَهاوأهدتْ لكَ الراحُ ريحانَها
فدمْ للنديمِ على عهدهِوغادِ المدامَ وندمانَها
يقال: إنما سمي النديم نديماً لأنه تندم على مفارقته.
فقد خلع الأفقُ ثوبَ الدجىكما نضتِ البيضُ أجفانَها
وساقٍ يواجهُني وجههُفتجعلهُ العينُ بستانَها
يتوّج بالكأسِ كفَّ النديمِإذ عقدَ الماءُ تيجانَها
فطوْراً يرشحُ ياقوتَهاوطوْراً يرصّعُ عقيانَها
وديرٍ شُغفتُ بغزلانهِوكدتُ أُقبِّلُ صلبانَها
سكرتُ بقطرُ بل ليلةًلهوتُ فغازلتُ غزلانَها
وأيُّ ليالي الهوى أحسنتْإليَّ فأنكرتُ إحسانَها
كان بعضهم يتحرج عن الخمر ويأمر غلامه بشراء المطبوخ، ويقول: حلّف الخمّار على أنه مطبوخ فإذا أتاه به، قال: هذا رديء لا صفاء له ولا لون، ولا يزال يردده حتى يأتيه بالخمر الصرفة، فيقول: أما استوثقت منه، فيقول: بلى واستحلفته، فيقول: أعرفه ثقة صادقاً وقد حج مرتين ثم يقعد ويشرب مطمئناً.
شرب جعفري ولهبي على سطح عال فسكر الجعفري ووثب من السطح، وقال: أنا ابن الطيار في الجنة، فوقع إلى الأرض متكسراً وكان في اللهبي بقية فقال: أنا ابن المقصوص في النار ولبد مكانه.
شرب كوران المغني عند بعض الرؤساء فافتقد رداءه وزعن أنه سرق، فقيل له: ويحك أتتهمنا به أما علمت أن بساط الشراب يُطوى بما عليه، فقال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي واطووه إلى يوم القيامة.
المريمي في بعض التائبين:
إنْ كنتَ تبتَ عن الصهباءِ تشربهانسكاً فما تبتَ عن برٍّ وإحسانِ
تبْ راشداً واسقنا منها وإن عذلوافيما فعلت فقل ما تابَ إخواني
وقد أحسن القاضي ابن سناء الملك غاية الإحسان في قوله:
أتاني حديثٌ ليتَني لا سمعتهفعنديَ منه مقعدٌ ومقيمُ
بأنَّ الحكيمَ الآنَ قد هجرَ الطِّلىوتابَ فقلنا ما الحكيمُ حكيمُ
أتُهجرُ شمسُ الراحِ وهي منيرةٌويتركُ بدرُ التمّ وهو وسيمُ
على الكوبِ من بعدِ الحكيمِ كآبةٌوللجامِ من بعدِ الحكيمِ وجومُ
ومن بعدهِ زوجُ الخلاعةِ طالقٌومن بعدهِ أمُّ السرورِ عقيمُ
وعادت كؤوس الراح وهي سمائملدينا وأنفاسُ المدامِ سمومُ
وكم منَّةٍ عند الحكيمِ لكأسهِغدتْ ولها حقٌّ عليه عظيمُ
أنامتْ له منْ لا ينامُ وربَّماأقامتْ له ما لا يكادُ يقومُ
وذلك إنعامٌ قضى بنعيمهِومن جحدَ الإنعامَ فهو لئيمُ
فإنْ قالَ إني قد سقمتُ بشربهافقد يعشقون الجفنَ وهو سقيمُ
وإن قال إني قد سلمتُ فإنهكما قيل قدماً للديغِ سليمُ
وسكّتني إبليسُ حين عتبتهُبأن قال هذا الأمرُ ليسَ يدومُ
فإن تسألوني بالحكيمِ فإننيحكيمٌ بأدواء الحكيمِ عليمُ
إذا ما خبا وهجُ المصيفِ فإننيبتحليلِ ناموسِ الحكيمِ زعيمُ
على أنه كان قد تابَ مخلصاًوخافَ عقابَ الله وهو أليمُ
فتوبتهُ من سوء ظنٍّ بربهقبيحٌ وإلا فالكريمُ كريمُ
أخر، وأنشدنيه زين الدين الحافظي:
يعجبني شربيَ بالدور علىتسلسل الماء ببطنِ الجدولِ
أنا الذي حدثت عنه وتريأقول بالدور وبالتسلسلِ
أنشد محيي الدين بن زيلاق لنفسه:
أنا في منزلي وقد وهب اللهـ نديماً وقينةً وعُقارا
فابسطوا العذرَ في التأخر عنكمشغلَ الحلي أهله أن يعارا
آخر:
راحٌ إذا علتِ الأكفّ كؤوسهافكأنها من دونها بالراحِ
وكأنما الكاسات مما حولهامن نورها يسبحن في ضحضاحِ
لو بثَّ في غسق الظلام ضياؤهاطلع المساءُ بغرةِ الإصباحُ
نفضتْ على الأجسام صبغة لونهاوسرتْ بلذّتها إلى الأرواحِ
ومدامةٍ يخفى النهار لنورهاوتذلّ أكناف الدجى لضيائها
صبّتْ فأحدق نورها بزجاجهافكأنها جعلتْ إناء إنائها
وتكادُ إن مزجت لرقّة جسمهاتمتازُ عندَ مزاجها من مائها
تزدادُ من كرمِ الطباعِ بقدر مايودي به الأزمانُ من أجزائها
لا شيء أعجب من تولد برئهامن سقمها ودواؤها من دائها
ابن المعتز:
بينَ أقداحهم حديثٌ قصيرٌهو سحرٌ وما عداه كلامُ
وكأنَّ السقاةَ بين الندامىألفاتٌ على سطورٍ قيامُ
الناجم:
فخذها مشعشعةً قهوةًتصبّ على الليل ثوبَ النهارِ
ينازعها الخدّ جريالهافتهديه للعينِ يومَ الخمارِ
الجريال الخمر، ويقال: جريال الخمر لونها، قال الأعشى:
وسبيةٌ مما تعتَّقُ بابلٌكدمِ الذَّبيحِ سلبتها جريالها
يقول: شربتها حمراء وبلتها بيضاء.
ابن دريد، وأجاد ما شاء:
وحمراءَ قبلَ المزجِ صفراءَ بعدهُبدتْ بين ثوبيْ نرجسٍ وشقائقِ
حكتْ وجنةَ المعشوقِ صرفاً فسلطواعليها مزاجاً فاكتستْ لونَ عاشقِ
ويعجبني قول القائل، وتروى ليزيد بن معاوية:
وإنيَ من لذاتِ دهري لقانعٌبحلو حديثٍ أو بمرِّ عتيقِ
هما ما هما لم يبق شيء سواهماحديث صديقٍ أو عبيق رحيقِ
وفي وصف سكران:
فبتُّ أرى الكواكبَ دانياتٍينلنَ أناملَ الرجلِ القصيرِ
أدافعهنّ بالكفين عنيوأمسحُ عارضَ القمرِ المنيرِ
ابن المعتز:
شربنا بالكبيرِ وبالصغيرِولم نحفلْ بأحداثِ الدهورِ
فقد ركضتْ بنا خيلُ التصابيوقد طرنا بأجنحةِ السرورِ
وقال وأحسن:
سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشعرهاشبيهةَ خدَّيها بغير رقيبِ
فما زلتُ في ليلينِ في الشعر والدجىوصُبْحينِ من كأسٍ ووجهِ حبيبِ
أبو نواس:
نبّهْ نديمك قد نعسيسقيك كأساً في الغلسْ
صرفاً كأنّ شعاعهافي كفّ شاربها قبسْ
مما تخير كرمهاكسرى بعانة واغترسْ
تذر الفتى وكأنمابلسانه منها خرسْ
يدعى فيرفعُ رأسهوإذا استقلَّ به نكسْ
السّريّ يستهدي شراباً:
تجنّبني حسنُ المدامِ وطيبهافقد ظمئتْ نفسي وطالَ شحوبها
وعندي ظروفٌ لو تظرَّفَ دهرهالما باتَ مغرىً بالكآبةِ كوبها
وشعثُ دنانٍ خاوياتٍ كأنهاصدورُ رجالٍ فارقتها قلوبها
فسقياكَ لا سقيا السحاب فإنمابيَ العلةُ الكبرى وأنتَ طبيبها
وقال:
كبوةُ الهمِّ بين كأسٍ وكوبِواغتباطِ المحبِّ بالمحبوبِ
حبذا أسهمٌ تفوِّقها الألحاظُ لا تتقى بغير القلوبِ
وبواطٍ كأنهنَّ وهادٌأترعتها سجالُ غيثٍ سكوبِ
السجل: مذكر الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سجل، والجمع السجال، وسجلت الماء فانسجل، أي صببته فانصب، وأسجلت الحوض: ملأته.
وكأنَّ الكؤوسَ فيها جنوحاًأنجمُ الليلِ صوّبتْ للمغيبِ
نحنُ أبناءُ هذه الكأسِ لا نعْدلُ عن شربها إلى مشروبِ
أدَّبتنا الأيامُ حتى أرتنابطشَ أحداثها بكلّ أديبِ
وعلمنا أنا نصيبُ المنايافأخذنا من المنى بنصيبِ
وقال:
خذوا من العيشِ فالأعمارُ فانيةٌوالدهر منصرمٌ والعمرُ منقرضُ
في حاملِ الكأسِ من بدر الدجى خلفٌوفي المدامةِ من شمسِ الضحى عوضُ
كأنَّ نجمَ الثريا كفُّ ذي كرمٍمبسوطةً للعطايا ليسَ تنقبضُ
دارت علينا كؤوسُ الراحِ مترعةًوللدجى عارضٌ في الجوِّ معترضُ
حتى رأيتَ نجوم الليلِ غائرةًكأنهن عيونٌ حشوها مرضُ
قعد قوم يشربون في غرفة فغنى مغنيهم:
ومقعد قوم قد مشى من شرابناوأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصرا
فطرق عليهم الباب، فقالوا: ذا من، فقال: رجل أعور يطلب قدحاً ونصفاً لعل عينه تفتح.
قال رجل من الشرّاب: وجهت إليك رسولاً فلم يجدك. قال: ذاك وقتٌ لا أكاد أجد فيه نفسي.
حمل سكران على قفا حمّال إلى منزله فسأل الناس الحمّال، وقالوا: ما هذا؟ فرفع السكران رأسه وقال: بقية مما ترك آل موسى وهارون تحمله الملائكة.
قيل لشيخ: كم مقدار ما تشرب من الشراب؟ قال: مقدار ما أتقوى به على ترك الصلاة.
قال ابن عياش: كنت وسفيان الثوري وشريكاً نمشي بين الحيرة والكوفة فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت، فقلنا: هذا شيخ جليل قد سمع الحديث وقد رأى الناس، فتقدم إليه سفيان وكان أطلبنا للحديث ثم سلم عليه، وقال له: أعندك شيء من الحديث، فقال: أما الحديث فلا ولكن عندي عتيق سنتين فنظرنا فإذا هو خمّار.
قال الجاحظ: رأيت أسود بيده قنينةٌ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك، قال: أخاف أن تنكسر هذه القنينة قبل أن أسكر.
محمد بن علي الدينوري:
هبّوا إلى شرب الصبوح فإنمالصبوحكم لا للصلاة أذاني
طلعت نجوم الراح في أيديهممثل النجوم وغبنَ في الأبدانِ
أخذه من شعر وجدته يروى ليزيد بن معاوية:
وشمسة كرمٍ بروجها قعر دنّهاومطلعها الساقي ومغربها فمي
مسلم بن الوليد:
كأنها وسنانُ الماءِ يقتلهاعقيقةٌ ضحكتْ في عارضٍ بردِ
دارت عليه فزادتْ في شمائلهِلين القضيب ولحظ الشادن الغردِ
مشته لما تمشت في مفاصلهلعب الرياح بغصن البانةِ الخضدِ
يقال: خضدت العود فانخضد أي ثنيته فانثنى من غير كسر.
آخر:
سقني الخمر صراحالا تخف فيّ جناحا
أقراحٌ أنا حتىأشرب الماء القراحا
آخر:
بدرٌ غدا يشرب شمساً غدتْوحدّها في الحسن من حدّهِ
تغرب في فيه ولكنهامن بعد ذا تطلع في خدِّهِ
ومثله، وهو أجود:
لو رام بحلف أنَّ الشمس ما غربتفي فيه كذّبه في وجهه الشّفقُ
وأحسن من هذا:
وشادن طاف بالكؤوس ضحىوحثَّها والصبحُ ما وضحا
والروض مبد لنا زخارفهوآسه العنبريّ قد نفحا
قلنا فأينَ الأقاح قال لناأودعتهُ ثغر من سقى القدحا
فظل ساقي المدام ينكر ماقال فلما تبسّمَ افتضحا
ومثله:
أصبحتْ شمساً وفوه مغرباويد الساقي المحيي مشرقا
فإذا ما غربت في فمهِأطلعت في الخدِّ منه شفقا
آخر:
ومهفهفٍ تمت محاسنهحتى تجاوز منيةَ النفس
في هذا البيت نظر لا يخفى على صاحب نظر.
أبصرته والكأس بين فممنه وبينَ أنامل خمسِ
فكأنه والكأسُ في فمهِقمرٌ يقبّلُ عارض الشمسِ
عبد الله بن المعتز:
إن راحاً قال الإله لها كونيفكانتْ روحاً وريحاً وراحا
درةٌ حيثما أديرتْ أضاءتْومشمٌّ من حيثُ ما شمّ فاحا
وقال أبو تمام:
إذا عوتبتْ بالماء كانَ اعتذارهالهيباً كوقعِ النارِ في الحطبِ الجزلِ
إذا هي دبّتْ في الفتى ظنَّ قلبهُلما دبَّ فيه قريةً من قرى النملِ
إذا ذاقها وهي الحياةُ رأيتهيعبّسُ تعبيسَ المقدّمِ للقتلِ
ومن ها هنا قال الحسن بن رجاء لرجل شرب بحضرته كأساً فعبّس وجهه: ما أنصفتها تعبّس في وجهها وتضحك في وجهك. ومن هنا قال الآخر:
ما أنصفَ الندمانُ كأسَ مدامةٍضحكت إليه فذاقها بتعبُّسِ
وقال آخر:
ظفرنا بها في الدَّن بكراً وبينهاوبين قطاف الكرم عادٌ وتبّعُ
فلما استقرت في الزجاج حسبتهاسنا النار في داجٍ من الليل يلمعُ
وقد أحسن أبو تمام وقد أنفذ له بعض أصدقائه شراباً غير مرضيّ فكتب إليه:
قد رأينا دلائلَ المنعِ أو مايشابه المنعَ باحتباسِ الرسولِ
وافتضحنا عند الندامى بما شاعَ لدينا من قبحِ وجهِ الشمولِ
فاجأتنا كدراءُ لم تسبَ عن تسنيم جريالها ولا السلسبيلِ
لا تهدَّى سبلَ العروق ولا تنسابُ في مفصل بغيرِ دليلِ
وهي نزرٌ لو أنها من دموع الصبِّلم يشفَ منه حرُّ غليلِ
وكأنَّ الأناملَ اعتصرتْهابعدَ كدٍّ من ماء وجهِ البخيلِ
كم صديقٍ قد امتحنّا نداهُواعتبرنا كثيرهُ بالقليلِ
ابن المعتز يصف الزق:
في مجلسٍ غابَ عنه عاذلهُنطردُ عنّا الهمومَ بالطربِ
والزِّقُّ في روضةٍ تسيلُ دماًأوداجهُ جاثياً على الركبِ
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: سألت محمد بن يزيد يعني المبرد عن قول المسيب بن علس:
وصهباءَ يستوشي بذي اللّبِّ مثلهاقرعتُ بها نفسي إذا الديكُ أعتما
تمزَّزتها صرفاً وقارعتُ دنَّهابعودِ أراكٍ مدَّةً فترنَّما
فلم يجيبني بجواب أرتضيه ثم سألت عنه أبا أحمد عبيد الله بن طاهر في دار أمير المؤمنين المعتضد فقال لي: معنى تستوشي أي تستخرج ما عند ذي اللب مثلها به، وذلك كما تقول: استوشيت الحديث من فلان إذا استخرجته، وقوله: قرعت بها نفسي أي شربتها فقرعتني، ويقال: امتلأت بها نفسي، ويروى مثلها ثم وقف عن تفسير قارعت دنها وخرج أمير المؤمنين من دار الخلوة ونحن في المنازعة فأمر بكتب رقعة إلى أبي العباس أحمد بن يحيى، يعني ثعلباً، فورد الجواب مسنداً عن أبي عمرو بن العلاء: إن المعنى ضربت دنّها بالعود فلما طنّ علمت أني قد شربت ما فيه وقرعته. وعن الأصمعي غنيت ووقعت على الدن بعود أراكٍ فترنم وعلا صوته.
إبراهيم بن سيار النظام:
ما زلتُ آخذ روح الدنّ في لطفٍوأستبيح دماً من غير مذبوحِ
حتى انثنيتُ ولي روحان في جسديوالدّنّ مطّرحٌ جسم بلا روحِ
وقال آخر:
إذِ الأباريق حوليكأنهنَّ ظباءُ
مملآت ملاءًدموعهنَّ طلاءُ
ابن المعتز:
خلِّ الزمانَ إذا تقاعسَ أو جمحْواشكُ الهمومَ إلى المدامة والقدحْ
واحفظْ فؤادكَ إن شربتَ ثلاثةًواحذرْ عليه أنْ يطيرَ من الفرحْ
هذا دواءٌ للهمومِ مجرّبٌفاقبلْ مشورةَ ناصحٍ لك قد نصحْ
ودعِ الزمانَ فكم رفيقٍ حازمٍقد رامَ إصلاحَ الزمانِ فما صلحْ
وقال بعض الأعراب، إنما الأبيات لأبي نواس وله سبب وحكاية مع الرقاشي:
ومستطيل على الصهباء باكرهافي فتيةٍ باصطباح الراح حذّاقِ
وكلّ شيء رآه ظنّه قدحاًوكل شخص رآه ظنّه الساقي
وقيل لبعض خلفاء بني أمية: ما يطيب في هذا اليوم؟ فقال: قهوة صفراء في زجاجةٍ بيضاء تناولنيها مقدودة هيفاء مضمومة لفّاء أشربها من يدها وأمسح فمي بفمها.
أقول: مقدودة أي حسنة القد معتدلة، يقال: قُدَّ قَدَّ السيف أي جعل حسن التقطيع، وهو صفة حركاته وأعضائه ومضمومة أي عقصت شعرها. واللفّاء: الضخمة الفخذين المكتنزة.
وقال ابن المعتز:
غدوتُ إلى كأسٍ ورحتُ إلى كاسِولم أرَ فيما تشتهي النفسُ من باسِ
وملتبسٍ بالبدرِ في أعينِ الورىمن الناسِ إلاّ أنه أملحُ الناسِ
سقانيَ خمراً من يديهِ وريقهِفأسكرني سكرينِ من دونِ جُلاسي
وكمْ من نديمٍ سابقٍ إلى الكرىوكمْ من نديمٍ قد سبقتُ إلى كاسِ
العطوي:
جارة لي أجارها الحسن من كلّ عائبِ
هي بينَ النساءِ كالبدرِ بينَ الكواكبِ
لحظها قبل لفظهامن جليلِ المواهبِ
سألتني هل النبيذُ حلالٌ لشاربِ
قلت إي والذي يُرينيك رغم الأقاربِ
اشربيهِ فإنَّ فيهـ لإحدى العجائبِ
يُنبتُ الوردَ في نقاءِ خدودِ الكواعبِ
وأجيبي بغيرِ قولٍ عن الحقِّ عازبِ
هل حلالٌ دماؤناللظباءِ الربائبِ
قالت استفتِ غيرَخصمك فعل الملاعبِ
وقال المأمون:
ردَّا عليَّ الكأسَ إنكمالا تعلمانِ الكأسَ ما تجدي
خوفتماني الله ربّكماوكخيفتيهِ رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معيخوفَ العقاب شربتُها وحدي
ابن المعتز:
معتّقة صاغَ المزاجُ لرأسِهاأكاليلَ درٍّ ما لمنظومِها سلكُ
جرتْ حركاتُ الدهرِ فوقَ سكونهافذابتْ كذوْب التبرِ أخلصهُ السبكُ
وقال الأعشى:
في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد علِمواأنْ ليسَ تدفعُ عن ذي الحيلةِ الحيلُ
نازعتهمْ قضبَ الريحانِ متكئاًوقهوةً مزَّةً راووقها خضلُ
يقال: أخضلت الشيء فهو مخضل إذا بللته، وشيء خضل: رطب، والخضل: النبات الناعم، والخضيلة: الروضة وأخضل اخضلالاً واخضوضل: ابتلّ.
وكتب أحمد بن أبي العلاء إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أنا سيفٌ على العِدى لك في الحربِ وفي السلم فابتذلني وصنِّي
ونديم إن لم يزرك نديمومغنّ إن لم يجئك مغنِّي
كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أخيه عبيد الله:
يومنا طيّب يطيب به القصف وشُرب الأرطال والجامات
ولدينا ساقٍ أغرُّ أديبٌقد غنينا به عن القيناتِ
إنْ تخلفت عندما تصل الرقعة عنّا فأنت في الأمواتِ
فأجابه:
أنا لو لم أُدعى تطفّلت حتىأشتفي من حديث هذا المواتي
فاجعل الشرط بيننا لا تقل ليقد تثاقلت فانصرف بحياتي
قال المأمون لجبريل بن بختيشوع: ما أخف النقل؟ ق نقل أبو نواس يا أمير المؤمنين، قال: وما هو؟ قال: قوله:
ما لي في الناس كلّهم مثلُما بي خمر ونُقلي القبلُ
حتى إذا ما العيون قيل هدتوحان نومي فمضجعي كفلُ
وقد قال أهل الأدب: لا فضيلة في السُّكر سوى فقدان الهموم، وذلك عند النظر لا يفي بفقدان العقل، قالوا: وفيه مع ذلك فضيلة خفية نافعة وهي جسارة من كان متيماً على إلفه.
قال العباس بن الأحنف:
أراني سأُبدي عندَ أولِ سكرةٍلديها هواها في ملاءٍ وفي سترِ
فإنْ رضيتْ كانَ الرِّضا سببَ الهوىوإنْ غضبتْ منه أحلتُ على السكرِ
والناس لا يعتدّون بالسخاء المتولد على السكر.
قال زهير:
أخو ثقةٍ لا يُذهبُ الخمرُ مالهُولكنّه قد يُذهبُ المالَ نائلهْ
وقال عنترة:
فإذا سكرتُ فإنَّني مستهلكُمالي وعِرضي وافرٌ لم يُكلمِ
وإذا صحوتُ فما أُقصِّرُ عن ندًىوكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي
وقد أحسن القائل:
يعيد عطايا سكره عند صحوهليعلمَ أنّ الجودَ منه على علمِ
ويسلم في الأنعام من قول قائلٍتكرّم لمّا خامرته ابنة الكرمِ
وقال بعضهم في معربد:
ومعربد أخرجتهللريح إذ آذى الندامى
أغلقتُ بابي دونهوتركته يرعى الخُزامى
يرنو بعيني مبغضٍنظر الوصيّ إلى اليتامى
ولآخر يعتذر:
قد جرت بيننا هناتٌ من الشكرِ كثار كبيرةٌ وصغارُ
وعثَار النبيذ عند ذوي الأخطارِ ما لا يكون منه اعتذارُ
فارمِ بالحقد عن فؤادِك فالأحقادُ مما تُرمى بها الأحرارُ
ولبعد وجهه الذي كان ليمنه إذا ما لقيته استبشارُ
ليس ذنبٌ جنيته سالم العقل كذنبٍ جنت عليّ العقارُ
وقال بعضهم:
على قدر عقل المرء في حال صحوهتؤثر فيه الخمر في حال سُكرهِ
فتأخذ من عقلٍ كثيرٍ أقلّهوتأتي على العقل القليل بأسرهِ
قال عطية الشاعر: بينا أنا مع الحسن بن عبد الملك بن صالح ونحن مصطبحان نشرف على طريق إذ نحن برجل ليس معه ثقل ولا غلام فأقبل إلى باب الأمير، فقال: يا غلام خذ دابتي، وقال للحاجب: ادخل بين يدي، قال: إنه ليس منزل سوقة هذا منزل الأمير أبي الحسن بن عبد الملك ابن صالح، قال: قد علمت فادخل بين يدي، فدخل فلما صار إلى صدر المجس سلّم على أبي الحسن ثم قال: يا غلام خذ ثيابي، فأخذ ثيابه، فقيل: أتأكل شيئاً، قال: إن جدد لي طعام أكلت فإني لا آكل فضلةً فجدد له لحم طير، فأكل، قال أبو الحسن: اسقوه، فسقوه ثلاثاً، ثم قال: يا غلام انطق السنارة فخفقت العيدان فلما سكتن قال: يا غلام بقي على الجارية في صوت كذا وكذا فغضب الحسن فلما تبين الغضب في وجهه، قال: يا غلام خذ العود من يدها فأخذه وضرب وتغنَّى:
ولما توافقنا غداة وداعناأشرْنَ إلينا بالجفونِ الفواترِ
ولا شيء أقوى شاهداً عند ذي هوًىمن اللحظ يأتيه بما في الضمائر
قال: اجز، يا غلام خمسمائة دينار فوضعت بن يديه ثم قال: يا غلام طنبوراً، فضرب به وتغنّى:
ولما توافقنا غداةَ وداعناولم يبقَ إلاّ أنْ تزمّ نجائبي
طلبنا من الركب المحشر عوجةًفعجن علينا من صدور الركائب
فلما توافقن كتبنَ بأعينٍلنا كتباً أعجمنها بالحواجبِ
فلما قرأناهن سرّاً طوينهاحذار الأعادي بازورار المناكبِ
ثم قال: يا غلام طبلاً، فضرب به وتغنَّى:
وشادنٍ مكتحلٍ بسحرِتنفث عيناه به في صدري
فيوهنان عزماتِ صبريمضطمرٌ أسفله عن خصرِ
كأنّما نجمعه في فتركأنّ أطراف البنان الحمرِ
عنه عقيق في سلوك درّمكّنتُ جنبي عينه من أسري
فاحتكما فيَّ احتكام دهري
ثم قال: يا غلام دفاً، فضرب به وتغنَّى:
كملت فلو قسم الإله ضياءهافي الخلق كانوا كلهم أنوارا
تعنو لها أبصارُنا فكأنمابالحسن منها تملك الأبصارا
لو دُرِّع الليل البهيم ضوئهالغدا دجاه مع النهار نهارا
ما جال طرف في محاسن وجههاإلاّ تحيّر دونها أو حارا
قال: يا غلام خمسمائة دينار، فوضعت بين يديه، ثم قال: أي بني عمنا أنت فلم يكن ليقدم عليّ إلاّ هاشمي، قال: لست من بني عمك، أنا أبو نواس غضب عليّ أمير المؤمنين فأمرني بالخروج عن بغداد وأنا عائد إليها في غد إن شاء الله.
وأقول: إنه يتغلب عندي أن هذه القصة موضوعة إذ كان أبو نواس معروفاً مشهوراً عند جميع أصحاب السلطان ولو خفيت حاله على كل واحد لما خفيت عن هذا الأمير والله أعلم.
وقال آخر:
من كفّ جاريةٍ كأنّ بنانَهامن فضةٍ قد طرّفت عنابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بهاألقتْ عليّ يد الشمال حسابا
وقال حسان بن ثابت:
ولقد شربتُ الكأسَ في حانوتهاصهباءَ صافيةً كطعمِ الفلفلِ
يسعى أليّ بكأسِها منتطفٌفيعلُّني منها وإنْ لم أنهلِ
المنتطف: الذي في آذانه القرطة، وهي الحلق، واحدتها نطفة، بالتحريك، والعلّ: شرب ثان، يقال: علل بعد نهل، والنهل: الشرب الأول.
إنَّ التي ناولتني فرددتهاقُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ
كلتاهُما حلبُ العصيرِ فعاطنيبزجاجةٍ أرخاهُما للمفصلِ
بزجاجةٍ رقصت بما في قعرِهارقصَ القلوصِ براكبٍ مستعجلِ
وقال الأخطل:
يدبّ دبيباً في العظام كأنَّهدبيبُ رمالٍ في نقا يتهيّلُ
يتهيّل: يتصبب.
فقلتُ اقتلوها عنكمُ بمزاجِهاوحِبّ بها مقتولةً حينَ تُقتلُ
ومن التشبيه الجيد قوله فيها يصف زقاق الخمر:
أناخوا فجرُّوا شاصياتٍ كأنَّهارجالٌ من السودانِ لم يتسربلوا
يقال للزقاق والقرب إذا ملئت أو نفخت فارتفعت قوائمها: شاصية، والجمع شواص. وقال آخر وزاد في التشبيه:
فحطّوا إلينا شاصيات كأنَّهامن المزج مسلوب القميص وراعفُ
وقال أبو الهندي:
أتلفَ المالَ وما جمعتهُطلبُ اللذاتِ من ماءِ العنب
واستباء الزقّ من حانوتهِشائلَ الرجلينِ معصوبَ الذنبْ
وأخذ مسلم بن الوليد قول حسان:
فهاتها لم تقتل
فقال:
خلطْنا دماً من كومةٍ بدمائِنافأظهرَ في الألوان منا الدمَ الدمُ
إذا شئتما أنْ تسقياني مدامةًفلا تقتُلاها كلُّ ميتٍ محرَّمُ
فقوله:
كلّ ميتٍ محرمُ
زيادة حسنة.
قال الملتمس:
صبا من بعدِ صبوتهِ فؤاديوسمّحَ للقرينةِ بانقيادِ
كأنّي شاربٌ يومَ استقلّواوحث بهم وراءَ البيدِ حادِ
عقاراً عتِّقتْ بالدنِّ حتىكأنَّ حبابها حدقُ الجرادِ
وقال أبو نواس:
ألا دارِها بالماءِ حتّى تُلينَهافلنْ تُكرمَ الصهباءَ حتّى تهينَها
أُغالي بها حتّى إذا ما ملكتُهاأذلتُ لإكرامِ النديمِ مصونَها
وصفراءَ قبلَ المزجِ بيضاءَ بعدهُكأنَّ شعاعَ الشمسِ يلقاكَ دونَها
ترى العينَ تستعفيكَ من لمعانِهاوتحسرُ حتّى ما تُقلُّ جفونَها
وقال أبو نواس أيضاً:
وذي حلفٍ بالراحِ قلتُ له اصطبحْفليسَ على أمثالِ تلكَ يمينُ
شمولاً تخطّاها الزمانُ فقد مضتْسنونٌ لها في دنّها وسنونُ
تراثُ أُناسٍ عن أُناسٍ تُخرَّمواتوارثها بعدَ البنينِ بنونُ
فأدركَ منها الغابرونَ حشاشةًلها هيجانٌ مرةً وسكونُ
لذي نرجسٍ غضِّ القطافِ كأنَّهإذا ما منحناهُ العيون عيونُ
مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌمكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ
فلما رأى وصفي ارعوى واستزادنيفقلتُ لجوجٌ عزَّ ثمَّ يهونُ
وصدَّق ظنِّي صدقَ اللهُ ظنَّهإذا ظنَّ خيراً والظنونُ فنونُ
وقال:
غنِّنا بالطلولِ كيفَ بكيناواسقِنا نُعطكَ الثناءَ الثمينا
من كميت كأنَّها كلُّ طيبٍيتمنى مخيّرٌ أنْ يكونا
فإذا ما اجتليتَها فهباءٌيمنعُ الكفَّ ما يبيحُ العيونا
ثمَّ شُجَّت فاستضحكت عن جمانٍلو تجمعنَ في يدٍ لاقتُنينا
في زجاجٍ كأنَّهنّ نجومٌجارياتٌ بروجُها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاةِ علينافإذا ما غربْنَ يغرُبنَ فينا
لو ترى الشربَ حولَها من بعيدٍقلتَ قومٌ من قرةٍ يصطلونا
وغزالٍ يديرُها ببنانٍناعماتٍ يزيدُها الغمزُ لِينا
كلما شئتُ علّني برضابٍيتركُ القلبَ للسرورِ قرينا
ذاكَ عيشٌ لو دامَ لي غيرَ أنِّيعفتهُ طائعاً وخفتُ الأمينا
وقال:
عتّقتْ في الدنّ حتّىهي في رقةِ ديني
ثمَّ شجّت فأدارتحولها مثلَ العيونِ
حدقاً ترنو إلينالمْ تحجَّرْ بجفونِ
حدقٌ تثمر درّاًكلّ إبّانٍ وحينِ
السريّ الرَّفَّاء:
قمْ فانفِ بالكاساتِ سلطانَ الكرىواجعلْ مطايا الراحِ منَّا الراحا
لا تأسفنَّ على الصباحِ فحسبُناضوءُ السوالفِ والسلافُ صباحا
فضَّ النديمُ ختامَها فكأنَّمافضَّ الختامَ عن العبيرِ ففاحا
لم ندرِ إذ حثَّ السقاةُ كؤوسَهاأكواكباً يحملنَ أمْ أقداحا
وقال عبد الله بن المعتز:
سقى المطيرةَ ذاتَ الظلِّ والشجرِوديرَ عبدونَ هطّالٌ من المطرِ
فطالما نبّهتْني للصبوح بهفي عزَّةِ الفجرِ والعصفورُ لم يطر
أصوات رهبانِ دير في صلاتِهمسودِ المدارعِ نعّارينَ في السحرِ
مُزنَّرين على الأوساطِ قد جعلواعلى الرؤوسِ أكاليلاً من الزهرِ
كم فيهم من مليحِ الوجهِ مُكتحلٍبالسحرِ يكسرُ جفنيهِ على حورِ
لاحظتهُ بالهوى حتّى استقادَ لهطوعاً وأسلفني الميعاد بالنظرِ
هذا شعر يحير الألباب، ويعرّف كيف تؤتى البيوت من الأبواب، فإنه بديع في المعنى المراد، وما أطيب ما قد أسلفه هذا الميعاد.
وجاءني في قميصِ الليلِ مستتراًيستعجلُ الخطوَ من خوفٍ ومنْ حذرِ
ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحهُمثل القلامةِ إذْ قُصتْ من الظفرِ
فقمتُ أفرشُ خدِّي في الطريقِ لهذلاًّ وأسحبُ أكمامي على الأثرِ
وكانَ ما كانَ مما لستُ أذكرهُفظنَّ خيراً ولا تسألْ عن الخبرِ
ومغرمٍ باصطباحِ الراحِ نادمَنيلم تُبقِ لذَّته وفراً ولم تذرِ
ما زلتُ أسقيهِ من حمراءَ صافيةٍعجوزِ دسكرةٍ شابتْ من الكبرِ
راحَ الفراتُ على أغصانِ كرمتِهابجدولٍ من زلالِ الماءِ منفجرِ
حتّى إذا نارُها جاشتْ بمرجلِهابفائرٍ من هجيرِ الشمسِ مستعرِ
ظلَّت عناقيدُها يبرزنَ من ورقٍكأنَّها الزنجُ في خضرٍ من الأرزِ
وطافَ قاطفُها فيها فسلَّمهاإلى خوابيَ قد عُممنَ بالمدرِ
وقال أبو دلف القاسم بن عيسى:
وقهوةٍ كشعاع الشمس رونقهاليست من الخمر إلاّ في معانيها
تخال منها حواشي الكأس خاليةًلولا أكاليل درٍّ في أعاليها
ابن المعتز:
وكرخيّةِ الأنسابِ أو بابليّةٍثوتْ حقباً في ظلمةِ القار لا تسري
أرقتُ صفاءَ الماءِ فوقَ صفائِهافخلتُها سُلاّ من الماءِ والبدرِ
وقال أبو عبد الله بن الحجاج:
يا صاحبيّ استيقظا من رقدةٍتزري على عقلِ اللبيبِ الأكيسِ
هذي المجرَّةُ والنجومُ كأنَّهانهرٌ تدفَّقَ في حديقةِ نرجسِ
وأرى الصبا قد غلّستْ بنسيمِهافعلامَ شربي الراحَ غيرَ مغلسِ
قوما اسقياني قهوةً روميةًمذ عهدِ قيصرَ دنُّها لم يُمسسِ
بكرٌ تضيفُ إذا تسلطَ حكمُهاموتَ العقولِ إلى حياةِ الأنفسِ
وقال أبو عبادة البحتري:
فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُزهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباءِ
من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث الشوقَ الذي قد ظلَّ في الأحشاءِ
تخفي الزجاجةَ لونُها فكأنَّهافي الكفِّ قائمةٌ بغيرِ إناءِ
وقال أبو نواس:
ويعجبني حثيث الكأسِ بين الناي والوترِ
ترى جثمانها معناوريَّاها على سفرِ
وقال آخر:
كميت إذا شجَّت وفي الكأس وردةٌلها في عظام الشاربين دبيبُ
تريك القذى من دونها وهي دونهلوجه أخيها في الإناء قطوبُ
البحتري:
وليسَ للهمِّ إلاّ كلُّ صافيةٍكأنَّها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
أبو نواس:
نور تحدّر من فمِ الإبريقِفي ريح كافورٍ ولونِ خلوقِ
فكأنَّها وشرارُها متطايرٌوالماءُ يُطفئها ضرامُ حريقِ
وقال آخر:
صفراءُ ضمّخ لونها في خدرهابالزعفران تقادمُ الأزمانِ
وكأنَّ للذهب المذاب بكاسهابحراً يجيش بأعين الحيتانِ
في مجلسٍ جعل السرور جناحهستراً لنا من ناظرِ الحدثانِ
وقال علي بن جبلة:
دعِ الدنيا فللدنيا أناسٌألذُّ العيش إبريقٌ وطاسُ
وصافيةٍ لها في الكفّ لينٌولكنْ في العقولِ لها شماسُ
معتقةٍ إذا مُزجتْ أضاءتْوأمكنَ قابساً منها اقتباسُ
كأنَّ يدَ النديمِ يُديرُ منهاشعاعاً ما يحيطُ عليهِ كاسُ
وقال آخر:
وصافيةٍ كعينِ الديكِ صرفٍتنسّي الشاربينَ لها العقولا
إذا شربَ الفتى منها ثلاثاًبغيرِ الماءِ حاولَ أنْ يطولا
أبو تمام:
بمدامةٍ تغدو المُنى لكؤوسِهاخولاً على السرَّاء والضرَّاءِ
صعُبتْ فراضَ الماءُ سيِّئَ خلقِهافتعلَّمتْ من حسنِ خلقِ الماءِ
وكأنَّ زهرتها وبهجةَ كأسِهانارٌ ونورٌ قُيِّدا بوعاءِ
آخر:
ومدامةٍ حمراءَ في قارورةٍزرقاءَ تحملها يدٌ بيضاءُ
فالراحُ شمسٌ والحبابُ كواكبٌوالكف قطبٌ والإناءُ سماءُ
وقال أبو الهندي:
رضيعُ مدام فارقَ الراحَ روحهُفظلّ عليها مستهلّ المدامعِ
أديرا عليَّ الكأسَ إنِّي فقدتُهاكما فقدَ المفطومُ درَّ المراضعِ
الوليد بن يزيد، ويحكى أنه لما ولي الخلافة جمع جماعة من أهل بيته وخاصته، فقالوا: ما تريد يا أمير المؤمنين، فقال: أنشدكم أبياتاً قلتها وهي:
أُشهدُ اللهَ والملائكةَ الأبرار والعابدينَ أهلَ الصلاحِ
أنَّني اشتهي السماعَ وشرب الراح والعضّ في الخدودِ الملاحِ
واستماعَ الحديثِ والكاعبَ الحسناءَ ترتجُّ في سموط الوشاحِ
السموط: القلائد، والوشاح: سيور تُضقر وترصع وتكون في العنق.
والنديمَ الكريمَ والخادمَ الفارهَ يسعى عليَّ بالأقداحِ
ثم قال: انصرفوا إذا شئتم.
وقال آخر:
العيش عندي في ثلاث أكملتلفتًى يريد لذاذة الأيامِ
مال يجود به على ذي حاجةٍووصال غانيةٍ وشرب مدامِ
فإذا الفتى فقد الثلاثة كلّهاكان الفتى كبهيمةِ الأنعامِ
وأذكرتني هذه الأبيات أبياتاً أنشدنيها محيي الدين ولم يسم قائلاً، وإن كان لا ذكر للخمر:
فالمنى صحةٌ وأمنٌ ويسرٌوحبيبٌ يرضى ودهرٌ يسرُّ
فإذا ساعد الزمان بهذاثمَّ ضيّعته فما لكَ عذرُ
ومثل هذا التقسيم لأهل العصر:
ما العيش إلاّ خمسة لا سادسلهم وإن قصرت بها الأعمارُ
زمن الربيع وشرخ أيام الصباوالكأس والمعشوق والدينارُ
لعبد الله بن جدعان ولا يعرف له غيرها:
شربتُ الخمر حتّى قال صحبيألستَ عن السقاةِ بمستفيقِ
وحتّى ما أوسد في مبيتٍأبيتُ به سوى الترب السحيقِ
وحتّى أغلق الحانوت دونيوآنستُ الهوانَ من الصديقِ
وقال سليمان بن علي الهاشمي:
فما زلتُ أسقيه وأشربُ فضلَهويشربُ والأوتارُ ذاتُ حنينِ
إلى أنْ رأيتُ السكرَ ميّلَ رأسهُعلى الكأسِ حتّى ذاقَها بجبينِ
وقال السريّ:
ومستطيلٍ على الصهباءِ باكرَهافي فتيةٍ باصطباحِ الراحِ حذّاقِ
فكلُّ شيءٍ رآهُ ظنّهُ قدحاًوكلُّ شخصٍ رآه ظنَّه الساقي
وقال آخر:
أقبلتْ قرّة عينِفي يدي قرة عينِ
قمرٌ يحمل شمساًمرحباً بالزائرينِ
مرحباً بالراح والريحان والرائحتينِ
وقال ابن الفارض، أحد شعراء العصر من الزهاد العارفين وأصحاب القلوب المكاشفين:
شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامةًسكرنا بها من قبلِ أن يخلق الكرْمُ
لها البدرُ كأسٌ وهي شمس يديرهاهلالٌ وكم يبدو إذا مزجتْ نجمُ
ولولا شذاها ما اهتديتُ لحانهاولولا سناها ما تصوَّرها الوهمُ
ومنها:
ولو عبقتْ بالشرقِ أنفاسُ طيبهاوفي الغربِ مزكومٌ لعادلهُ الشمُّ
تهذِّبُ أخلاقَ الندامى فيهتديبها لطريقِ العزمِ من لا له عزمُ
يقولون لي صفها فأنتَ بوصفهاعليمٌ أجل عندي بأوصافها علمُ
صفاءٌ ولا ماءٌ ولا لطفٌ ولا هوًىونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسمُ
وقال محيي الدين، ﵀:
اقض حقّ الصبوحِ قبلَ الصباحِواكسُ راحاتنا بكاسات راحِ
واجلُ جنح الدّجى بجذوةِ نارٍقدحتها السقاةُ بالأقداحِ
كلّما حلّها أرتنا كيفَ مسرى السرورِ في الأرواحِ
من يدي مخطف المعاطف مشوقالتثني مجدول مجرى الوشاحِ
وقال أحد الخالديين، وكان محيي الدين نظر إليه:
غادني بالصبوح قبل الصباحِواجرِ في حلبةِ الصبا والمراحِ
عاطنيها كالجلّنار إذا ماكللت من حبابها بالأقاحِ
في اختصاص التفّاح بالطيب والحمرةِ لا في كنافة التفاحِ
غير نكران تستمدّ شعاع الشمس منها كواكب الأقداحِ
ألفتها الأجسام بالطبع لمَّاعرفت قربها من الأرواحِ
فتدارك بها حشاشة أفراحي وحرّك بها سكون ارتياحي
بين وردين من نبات وخدٍّوشرابينِ من رضابٍ وراحِ
فألذّ الحياة ما خلط العاقلُ فيها فسادهُ بصلاحِ
وقال محيي الدين أيضاً:
ما وجه عذرك والكؤوس تدارُضاقتْ بمن جهل الصبا الأعذارُ
سفرتْ لك اللذات واتّسعت بهاالأوقات واجتمعتْ بها الأوطارُ
ساقٍ يسوقُ لك السرورَ ومطربٌحسنُ الغناء وروضةٌ وعقارُ
أوَ ما ترى وجه الربيعِ وقد بدايختالُ في حبراتهِ آذارُ
وقال الخالديان:
قامرَ بالنفسِ في هوى قمرِفباعَ وصلَ البدورِ بالبدرِ
وافتضَّ أبكارَ لهوهِ طرباًإلى عشايا المدامِ والبكرِ
قد ضُربتْ خيمةُ الغمام لناورشَّ جيشُ النسيمِ بالمطرِ
وعندنا عاتقانِ حمراءَ كالشمسِ وأخرى بيضاءَ كالقمرِ
بكرانِ هذي تُزانُ بالكبرِ البادي وهذي تزانُ بالصغرِ
وقال المجد بن الظهير الحنفي الإربلي:
ومدامةٍ مثل العقيق شربتهاوالنجم في كبد السماء معلقُ
عاطيتها بدر الدجى والليل منوجه المدير ومن سناها يُشرقُ
في روضةٍ حسنتْ وطابَ نسيمهافكأنَّ مسكاً في ثراها يعبقُ
وقال أيضاً:
فاشربْ على وجه الربيع مدامةًقد قلِّدتْ في كأسها بجواهرِ
جُليتْ فنقَّطها المزاجُ بلؤلؤمتساقط من كأسهِ متناثرِ
يُغنيكَ عن ضوء النهار شعاعُهاكالشمس في فلك السرور الدائرِ
وقال أيضاً:
لله كم من ليلةٍ عاطيتهكأساً لها من وجنتيه لهيبُ
حمراء قابلها بوردةِ خدِّهِفتشابه المشمومُ والمشروبُ
ومثل هذا رباعي:
قد طاف بها مزاجها تنسيموسنان شعار طرفه التهويمُ
ما قابلها بالورد من وجنتهإلاّ اشتبه المشروب والمشمومُ
وقال المجد أيضاً:
يا مضيّعاً زمانه بالأمانيقم بحقّ الربيع حقّ القيامِ
واغتنمْ غفلةَ الحوادث واشربْغير مستكبر لكوبٍ وجامِ
من كميت راقت ورقَّت فماتدرك لطفاً بالفكر والأوهام
أودعتها الدنان أيدي أناسٍعتَّقوها من قبل سام وحامِ
ثم أبقت منها السنون كما أبقى الهوى من حشاشةِ المستهامِ
تورث الشرب نشطةً وفتوراًوافراً في نفوسهم والعظامِ
ذات خدٍّ مصونة العرض خفّتفي هواها رواجح الأحلامِ
وقال أيضاً:
طاف بدر الدجى بشمس النهارفي رياض أنيقة الأزهارِ
مشرقاتٍ يضمُّ شمل الأمانيفي رباها مفتّح النوّارِ
وأتانا بها يقدّ أديم الليل منها صوارمُ الأنوارِ
بنت كرمٍ حفّت بكاس زجاجٍثمَّ زفت بنعمة الأوتارِ
سلكت مسلك الضمير صفاءًفغدونا نبوحُ بالأسرارِ
جاء يسعى بها إلينا وقد خاطت يدُ النوم أعينَ السمّارِ
وكأنَّ النجومَ نورُ رياضوكأنَّ المريخَ شعلةُ نارِ
وغزال راضته لي سورة الكأس وقد كان آنساً بالنفارِ
مسكر باللحاظ تحسبُ في أجفانِ عينيه حانةَ الخمّارِ
وقال أيضاً:
مشمولةٌ خطأ المواصلشربها عين الصواب
تبدو لنا في كأسهاكالشمس في خلل السحاب
فترى النهار بنورهاوالليل مسدول الحجاب
كالماء تلمسها ولكن فعلها فعل الحباب
يضحي بها المقرور وهوكأنَّه في شهر آبِ
البدر الدمشقي:
حمراءُ صافيةٌ كأنَّ حبابَهاطلٌّ ترقرقَ في شقيق أحمرا
راقت ورقت منظراً ولطافةًوشفَت وشفّت في الكؤوس فلن ترى
خافت سيوف الماء فاتّخذت لهافي الكأس من زرد الفواقع مِغفرا
وقال أيضاً:
فعاطني صهباء مشمولةًعذراء فالواشون نوّامُ
واكتم أحاديث الهوى بينناففي خلال الرّوض نمّامُ
وقلت من قصيدة في الصاحب الأعظم شمس الدين، عز نصره:
ومدامٍ جلوتها بعد وهنٍفأعادتْ جنحَ الظلام نهارا
رقصت للدجى فكان حباب الكأس من أنجم عليها نثارا
وأشارت إلى الكؤوس فمالتوإلى ساقي المدامِ فجارا
وأدار الكبير منها ونادىإنما يشرب الصغير الصغارا
ونديم حلو الفكاهة معشوقالمعاني يرضيك أنَّى أشارا
ليس يعصيك ما أمرت ولاتلقاه يوماً في حالةٍ أمَّارا
وصريع المدام ما دارتِ الكأسُ عليه إلاّ تصابي ودارا
جعل الشربَ والغناء شعاراومديحي شمس الأنام شعارا
وقلت من أخرى في الصاحب الأعظم:
طاف بدر الدجى بشمس المدامِبنت دنّ يفتضها ابن الغمامِ
قهوة تجلب السرور وتجلوبسناها المنير صبغَ الظلامِ
كلَّما شجّها المزاجُ أرتناكيفَ مجرى الأرواحِ في الأجسامِ
من يدي فاتن اللواحظ معشوق التثني رشيق معنى القوامِ
مثل بدر السماء لو كان للبدرِ عذارٌ يقيم عذر الغرامِ
ثغره لا عدمتُ رشف ثناياهـ وشعري كالدرّ عند النظامِ
في رياض يبوح فيها نسيم الريحِ أنَّى سرى بسرِّ الخزامِ
وكأنَّ الشقيقَ فيها خدودضرّجتها قساوةُ اللوامِ
وتخالُ الأغصانَ هيفَ قدودٍراقصاتٍ على غناءِ الحمامِ
ونديم مهذب الرأي مأمونالسجايا يُصيبُ حرَّ لكلامِ
همّه والهوى هوانٌ كما قال الأولى في غلامةٍ أو غلامِ
ويحث المدام فهو صريعبين كأسٍ ملأى وطاسٍ وجامِ
وقال البهاء زهير المصري:
خذ فارغاً وهاتهِ ملآنامن قهوةٍ قد عُتِّقت أزمانا
أقلّ ما عدّ لها مالكُهاأنْ لحقتْ ملكَ أنوشروانا
ذخيرة الراهب كي يجعلهاإذا أتتْ أعيادهُ قربانا
مدامةٌ ما ذُكرت أوصافهاإلاّ انثنى سامعُها سكرانا
تكاد من لألائها إذا بدتْتُهدي إلى مكانها العميانا
كالنار إلاّ أنَّها ما وقدتْفي الكأس إلاّ أطفأت نيرانا
ما الملك الأعظم في سلطانهإلاّ الذي أضحى بها نشوانا
كم رفعت متّضعاً وكرمتمبخّلاً وشجَّعت جبانا
بتُّ أعاطيها فتاة جمعتلعاشقيها الحسن والإحسانا
مخضوبة البنان في يمينهاكأس مدام تخضب البنانا
ولي نديم ماجد لا أرتضيعنه بديلاً كائناً من كانا
أخو فكاهات متى حاضرتهفي مجلس وجدته بستانا
حلو الأحاديث وإن غنَّاك لمتجدهُ في ألحانهِ لحَّانا
لا يعرف الهمّ فتًى يعرفهولا يرى ندمانهُ ندمانا
ومن شعر الفلاسفة:
شربنا على الصوتِ القديمِ مدامةلكلّ قديمٍ أوّل هي أولُ
فلو لم تكن في حيّزٍ قلتُ إنَّهاهي العلَّة الأولى التي لا تعللُ
آخر وأحسن:
وربَّ ليلٍ شربت فيهوما استفزَّني العقارُ
أجهل فيها مع الغوانيوالجهل في مثلها وقارُ
وقال آخر:
ما العيش إلاّ في زمان الصبافإن تولَّى فزمان المدام
كأس إذا ما الشيخ والى بهاخمساً تردى برداء الغلام
وقد رأيت أن أقتصر على هذا المقدار من وصف الشراب وما قيل فيه فقد ذكرت ما يقتضيه الحال، ويستحقه هذا المختصر. وها أنا أذكر ما قيل في تركه ومراعاة العقل وحراسته من عادتيه حسبما يوصيه شرطي الاختصار وبالله أستعين وعليه أتوكل.
قال الحيص بيص وهذا معنى ما أظنه سُبق إليه:
لا تضع من شريف قوم وإنْ كنت مشاراً إليه بالتعظيمِ
فالشريفُ العظيمُ يصغرُ قدراًبالتعدي على الشريفِ العظيمِ
ولعُ الخمرِ بالعقولِ رمى الخمرَ بتنجيسها وبالتحريمِ
وقال مقيس بن صبابة الكناني:
تركتُ الراحَ إذ أبصرتُ رشديفلستُ بعائدٍ أبداً لراحِ
أأشربُ شربةً تُزري بعقليوأصبحُ ضحكةً لذوي الفلاحِ
معاذ الله أن أزري بنفسيولا أشري الخسارة بالرّباحِ
قيس بن عاصم:
وجدتُ الخمر معصية وحوباتفيد الجهل والشين العظيما
فلا والله أشربها صحيحاًولا أشفى بها أبداً سقيما
ولا أعطي بها ثمناً حياتيولا أدعو لها أبداً نديما
إذا دارت حميّاها تبدَّتطوالع تسفه الرجل الحليما
وقال آخر:
تركتُ الشرابَ وشُرَّابهوصرتُ خديناً لمن عابَه
شراباً يضلُّ سبيلَ الرشادِويفتحُ للشرِّ أبوابهُ
وقال آخر:
لعمرك أنّ الخمر ما دمت شارباًلمذهبة مالي وسالبتي عقلي
وتاركتي مثل الضعاف قواهمومجشمتي حربَ الصديقِ بلا ذحلِ
آخر:
لم أترك الراحَ من زهدٍ تجدّد ليفيها ولا أنّ قلبي ليس يهواها
لكن رأيت نداماها ذوي سفهٍفنهنهتْ شُربي عنها نداماها
أبو نواس:
أنت يا ابن الربيع علمتني الخيرَ وعودتنيه والخيرُ عادهْ
فارعوى باطلي وراجعني الحلم وأحدثتُ رهبةً وزهادهْ
لو تراني ذكرت بي الحسن البصري في حال نسكه أو قتادهْ
المسابيح في يميني والمصحف في لبّتي مكان القلادهْ
فإذا شئتَ أن ترى طرفةً تعجبُ منها طريفةً مستفادهْ
فادعُ بي لا عدمتَ تقويم مثليوتأمَّل بعينك السجَّادهْ
ترى أثراً من الشحوب بجسميتوقن النفس أنه من عبادهْ
من صلاةٍ أديمها بخشوعٍواصفرار مثل اصفرار الجرادهْ
ولقد طالما شقيتُ ولكنأدركتني على يديك السعادهْ
وقال آخر وقد تاب وعاد إلى الشرب:
قد كنتُ تبتُ عن الشراب فلم أجدأحداً من الأخوان إلاّ يشربُ
فحلفتُ لا أدع الشرابَ ولا أُرىإلاّ إلى أصحابه أتقرّبُ
ما من صديقٍ منذ كانت توبتيإلاّ تجنبني كأنِّي أجربُ
ويقولُ بعضهم لبعضٍ تائبٌإنْ كنتُ تبتُ فقد رجعتُ فجرّبوا
وقال آخر:
تركتُ الشراب سوى شربةٍإذا ما أكلتُ تحطّ الطعاما
فتلك وأخرى بها شربتيوقد كنتُ أشرب زقّاً تماما
وقال ابن المقفع:
سأشرب ما شربت على طعاميثلاثاً ثمَّ أتركه صحيحا
فلست بقارف منه آثاماًولستُ براكب فيه قبيحا
وقد أحسن ابن وهيب في وصف ساقٍ:
وساقيةٍ من الأشباهِمضروب بها المثلُ
إذا مالت إلى الإبريق جاذب خصرها الكفلُ
تلاحظني مخالسةًإذا سنحت لها العللُ
وتجرحني وأجرحهاويفصل بيننا الخجلُ
آخر:
وأحلى العالمين مذاق ريحأصار إليّ عذباً مستطابا
أصاب شبيهه في كلّ فنٍّصفاءً ثمَّ نشراً والتهابا
ولم يكن الشراب كذا لذيذاًولكن طابَ حاملهُ فطابا
وقال أبو الشيص:
كأنَّ اطّرادَ الماءِ في جنباتهاترددُ ماءِ الدرِّ في شبكِ الذهبْ
سقاني بها والليلُ قد شابَ رأسهُغزالٌ بحنّاءِ الزجاجةِ مختضبْ
العطوي في تخيّر النديم:
يقولون قبلَ الدارِ جارٌ مجاورٌوقبلَ الطريقِ النهجِ أُنسُ رفيقِ
فقلت وندمانُ الفتى قبل كأسهِوما حثَّ كأسَ المرِ مثلُ صديقِ
آخر:
وما أنا للندمان في الشرب مكرهٌعلى الكأس يأباها ولا قائل هُجرا
ولكنني مما أقول له اشربَنْهواك ودع ما خفت من شربهِ الضرا
وأفديه تارات بنفسي ووالديوأجعل ما أهوى لما فاته سترا
وإن ردّ فضلاً في الإناء شربتهولم أسقه كرهاً لأصرعه سُكرا
وإن نام لم يوقظ وإن قام لم يُرموإن قال لي يا صاح لبيته عشرا
أرى ذاك حقّاً للنديم وإننيلأحفظه سرّاً وأحفظه جهرا
وقال أبو نواس:
ولست بقائل لنديم صدقٍوقد أخذ الشراب بوجنتيه
تناولها وإلا لم أذقهافيشربها وقد ثقلت عليه
ولكنِّي أصدّ الكأس عنهوأصرفها بغمزة حاجبيه
وإن مُدّ الوساد لنوم سكرٍمددت وسادتي أيضاً إليه
العطوي يحث على الشرب بكرةً:
لعنَ اللهُ أول الناس سنّ الشربَ ظهراً وما أتى من خسارِ
إنَّ شربَ الشراب سير إلى اللهووخير المسير صدرُ النهارِ
آخر:
نبهت ندماني فهبُّواقبل الصباح لما استحبوا
هذا أجاب وذا أثابَ إلى الصبوح وذاك يحبو
أنشدتهم شعراً يعلّمُ ذا التصابي كيف يصبو
ما العيش إلاّ أن تحبّ وأن يحبّك من تحبُّ
فتطربوا والأريحية شأنها طربٌ وشربُ
ولقد شربت مدامةًوكأنَّها قبس تشبُّ
ولقد جريت مع الزمانِ فما كبوتُ وكان يكبو
وممن ذكر الغبوق بعضهم:
قد تولَّى النهار واستقبل الليلُخليليّ فاشربا واسقياني
قهوةً تترك الفقير غنيّاًحسن الظنّ واثقاً بالزمانِ
وقال آخر في إقامة عذر نديمه:
ولستُ بلاحٍ لي نديمي بزلّةٍولا هفوةٍ كانت ونحن على الخمرِ
عركتُ بجنبي قول خدني وصاحبيونحن على صهباءَ طيبةِ النشرِ
فلما تمادى قلتُ خذها عريقةًفإنّك من قوم جحاجحة زهرِ
وما زلتُ أسقيه وأشربُ مثلماسقيتُ أخي حتّى بدا وضح الفجرِ
وأيقنتُ أنّ السكر طار بلبِّهفأغرق في شتمي وقال وما يدري
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع