تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الواحدي (٩)

وقوله:

هَلِ الخيرُ شَيءٌ لَيْسَ بالخَيْرِ غَائِبٌهَلِ الرُّشْدُ شَيءٌ غائبٌ ليس بالرُّشْدِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: يقول: لا ينبغي ان يعتقد في الخير والرشد الحاضرين انهما ليسا بخير ولا رشد، كذلك لا ينبغي أن يقال: ليس ابن العميد المهدي، والمهدي غيره وهذا استفهام معناه الإنكار.

وقال ابن جني: أيحسن أن يترك الخير والرشد الحاضران وأن يقال: هما الرشد والخير ويدعي أن هنا رشدا وخيرا غائبين هما في الحقيقة الخير والرشد، أي اعتقاد هذا فاسد فلذلك ينبغي أن يكون من ترك أن يقول: إن ابن العميد هو

المهدي في الحقيقة، وادعى أن المهدي غائب متوقع فاسد الاعتقاد.

فيقال له: بل الفاسد الاعتقاد، من يرى أن المهدي من غير ولد النبي وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: المهدي من فاطمة وذلك مروي عنه من طرق معروفة في أحاديث مشهورة. ولكن لا ينكر للمتنبي أن يدعي في ابن العميد إنه المهدي، ولو علم إنه يزيده في العطاء بزيادته على ذلك لقال إنه نبي بل قال إنه إله، وتهوره في هذا المديح، يدل على تهوره في الضلال ووقوعه في الوبال!!

وقوله:

وكلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بمَصْبَحيأرَى بَعْدَهُ من لا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: يقول: كلمن شاركني في السرور بمصبحي عنده إذا عدت إليه من أهلي وغيرهم ورأى ما أوتيته أرى بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه لأنه لا نظير لك في الدنيا.

وأقول: هذا قول ابن جني، وليس بشيء! والمعنى قد بينته في شرحه.

وقوله:

أوْهِ بَديلٌ من قَوْلتي وَاهَالِمَنْ نَأتْ والبديلُ ذِكْراهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

أقول: إن هذا من الابتداءات البشعة، والافتتاحات المظلمة التي يتطير منها ويرغب عنها وهل يحسن بشاعر في أول قدومه على ملك ولقائه له، أن يبتدئ ناطقا

بأوه مكررا لها ثلاث مرات؟! أفأمن أن يقال له: علة تقطع أمعاءك وأعضاءك؟! وما أعلم هل وقع هذا منه لتغفل، أو لسوء أدب وجفاء طبع؟!

ومثل ذلك ابتداؤه في مديح كافور أول وفوده عليه ووصوله إليه بقوله:

كَفَى بك داءً أنْ تَرَى الموت شَافِيَاًوحَسْبُ المنايا أنْ يَكُنَّ أمَانِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

وهذا إذا قيل مع كافور، وهو جاهل بالشعر وبما يقال فيه، فهل يقال ذلك في عضد الدولة وهو من الحذاق في العربية والنقاد للشعر؟ ولكنه أراد أن يتعرب

ويتغرب بلفظ أوه وواها فتبرص وتبغض!

وقوله:

شَامِيَّةٌ طالَماَ خَلَوْتُ بهاتُبْصِرُ في ناظِري مُحَيَّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: هذا يحتمل وجهين:

أحدهما: إنه يريد فرط قربها منه حتى إنها منه بحيث ترى وجهها في ناظره، وهذه عبارة عن غاية القرب.

والآخر: إنه أراد حبها إياه فهي تنظر إلى وجهه وتدنو منه لحبه، حتى ترى وجهها في ناظره

وأقول: الوجه الثاني وجه قبيح، وذلك إنه قال فيما يليه:

فَقَبَّلَتْ نَاظِري تُغًالطنيوإنما قَبَّلَتْ به فَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

فكيف تقرب منه لحبها اياه، وهي تغالطه وتخادعه بما تظهر له من تقبيل ناظره غير الذي تخفيه من تقبيل فيها، وهذا لأن يدل على البغضاء أولى من أن يدل على المحبة، ومع ذلك فإن هذه من الألفاظ الغثة، والمعاني الباردة.

وقوله:

في بَلدٍ تُضْرَبُ الحِجَالُ بهعلى حِسَانٍ ولَسْنَ أشْبَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: يقول: هي في بلد، الحسان المحبوسات في الحجال كثيرة بذلك البلد، ولسن أشباها لهذه؛ لأنها تفضلهن في الحسن والجمال. ويحوز أن يكون المعنى: إن كل واحدة منهن منفردة من الحسن بما لا يشاركها فيه غيرها، فلا يشبه بعضها بعضا.

وأقول: الوجه الحسن في هذا، قد ذكرته في شرح المعري.

وقوله:

لا تجدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِإذا انْتَشَى خَلَّةً تلافَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: يقول: هو قبل الشرب متكرم بالبذل والعطاء، فلا يزيد تكرمه شرب الخمر، وليست في مكارمه حلة تتلافاها. وأول هذا المعنى لعنترة:

وإذا صَحَوْتُ فما أقَصِّرُ عن نَدىًوكما عَلِمْتِ شمائلي وتَكَرُّمي
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فيقال له: بل أول هذا المعنى لامرئ القيس:

وتعرِفُ فيه من أبيهِ شَمائلاًومن خالِهِ ومن يَزِيدَ ومن حُجُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لَعَمْرُكَ ما قَلْبي إلى أهْلِهِ بِحُرْ»
سماحَةَ ذَا وبِرَّ ذَا ووَفَاَء ذَاونائِلَ ذَا إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر»

وقوله:

وصَارتِ الفَيْلقَانِ واحدةًتَعْثُرُ أحْيَاؤهَا بمَوْتَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: قال ابن جني: أي: شن الغارة في جميع الارض، فخلط الجيش بالجيش، حتى يصير اختلاطهما كالشيء الواحد.

وقال ابن فورجة: ليس أبو الطيب في ذكر الغارة وشنها، وإنما يقول قبله

بيتين: في قلبه همم إحداها أعظم من فؤاد الزمان، فهو لا يبديها لأنه لا يجد زمانا يسعها، فإن قضي لها وجاء حظها وبختها بأزمنة أوسع من هذا الزمان، حينئذ أظهر تلك الهمم، واجتمع أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة، وصارا شيئا واحدا، وضاقت الأرض بهم حتى يعثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس، ومثل هذا في الزحمة قوله أيضا:

سُبِقْنَا إلى الدُّنيا فلو عاشَ أهْلُهَامُنِعْنَا بها من جيئةٍ وذُهوبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأنث الفيلق على إرادة الكتيبة والجماعة.

وأقول: القول قول ابن جني.

وقول ابن فورجة قول الذي يتخبطه الشيطان من المس!! وهل يلبس على أحد قوله:

وصارتِ الفَيْلَقَانِ واحدةٍتَعْثُرُ أحياؤهَا بموتَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

إنه يريد اختلاط الجيشين في الحرب وكثرة القتال والقتل.

وأما تفسير البيتين اللذين قبل هذا فانه يقول: تجمعت في فؤاد عضد الدولة همم لا يسعها فؤاد الزمان لعظمها؛ بل إحداها ملؤه! كأنه يقول: هذا الزمان يصغر عن هممه بأن يملكه بالقتال؛ أي: كل من فيه من الملوك ليسوا بأكفاء له، ولا بأهل أن

يقصد حربهم لحقارتهم بالإضافة إلى عظمته! فإن اتفق لهممه أن تتضاعف الأزمنة وتكثر، فحينئذ يقصد تملكها وقتال ملوكها، ويقدم إقداما في الحرب إلى أن يخلط الجيش بالجيش، ويكثر القتل إلى أن يعثر الحي بالميت. وإيراد الواحدي كلام ابن فورجة ووقوفه عليه وسكوته عنه، يدل على الرضا به فهو مشارك له في الخطأ، وزائد عليه في إيراده بالتعب!

وقوله:

ودارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍتَسْجُدُ أقمارُهُ لأبْهَاهَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: لم يأت ابن جني ولا ابن فورجة في هذا البيت بشيء يفهم ويتحصل! والمعنى: يريد بالنيرات، والأقمار ملوك الدنيا إذا عادوا واجتمعوا في زمان واحد كما ذكرنا فيما قبل. وأراد بأبهاها عضد الدولة. ومعنى سجود الأقمار: خضوع الملوك، فحينئذ يبدي هممه.

وأقول: هذا البيت مرتب على ما ذكره عن ابن فورجة في تفسير البيت الذي قبله وهو خطأ نتيجة مقدمة خطأ، والصحيح ما ذكرته في شرح المعري.

وقوله:

ولكنَّ الفَتَى العربيَّ فيهاغَريبُ الوَجْهِ واليَدِ واللِّسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

ذكر في قوله غريب الوجه وجهين:

أحدهما: إنه لا يعرف.

والثاني: إنه اسمر اللون؛ لأنه عربي، وغالب ألوان العرب السمرة. وأهل الشعب

شقر الوجوه.

وذكر في غربة اليد أيضا وجهين:

أحدهما: أن سلاحه الرمح، وأسلحة ذلك المكان الزانات والمزاريق، وهذا قول ابن جني وليس بشيء!

والوجه الآخر، وهو الصحيح، أن كتابته العربية وكتابتهم الفارسية.

وهذا الوجه كنت كتبته، وظننت أني لم اسبق اليه، وما كنت - شهد الله - رأيته لأحد قبل ذلك، فاتفقت مواردي له فيه، وذلك إنه المعنى الذي أراده الشاعر فالذهن الصحيح لا يميل عنه!

وقوله:

غَدَوْنَا تَنْفُضُ الأغصانُ فيهاعلى أعْرافِهَا مِثْلَ الجُمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: الجمان خرز من فضة يشبه اللآلئ؛ يريد إنه إذا سار في شجر هذا المكان وقع من خلل الأغصان على أعراف خيله مثل الجمان من ضوء الشمس، فكأن الأغصان تنفضه على أعرافها.

وأقول: لم يرد ما ذكره من تشبيه ضوء الشمس الساقط من خلل الأشجار بالجمان، وإنما أراد قطر الندى الذي تنفضه الأغصان بتحركها؛ شبهه للونه وصفائه، بالجمان، ولهذا قال: غدونا لأن الندى يكون بالغداة.

وقوله:

ولو كانَتْ دِمَشْقَ ثَنى عِنَانيلَبِيقُ الثُّرِدْ صِينِيُّ الجِفَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: يقول: لو كانت هذه المغاني الطيبة دمشق لثنى عناني إليه رجل ثريده ملبق وجفانه صينية؛ يعني: لأضافني هناك رجل ذو مروءة يحسن إلى الضيفان؛ لأنها من بلاد العرب، وشعب بوان من بلاد العجم. وحمل ابن جني قوله: لبيق الثرد على الممدوح. وليس الأمر على ما قال، فإن البيت ليس بمخلص، ولم يذكر

الممدوح بعد. والمعنى إنه يبين فضل دمشق وأهلها وإحسانهم إلى الضيفان.

فيقال له: الصحيح ما قال ابن جني في أن المراد بذلك عضد الدولة الممدوح. والذي قلته من إنه لغيره، وان البيت ليس بمخلص، والممدوح لم يذكر بعد، قول من ليس له اطلاع على طرائق أشعار العرب وغيرهم من فحول الشعراء، فمن ذلك قول زياد بن منقذ:

لا حَبَّذَا أنت يا صَنْعَاءُ من بَلَدٍولا شَعوبُ هوىً منِّي ولا نُقُمُ

فابتدأ بذم صنعاء وبلادها، وبقاعها التي تحل بها عنس وقدم، ودعا عليها بسقيا النار إذا سقيت غيرها الأمطار، ثم خرج من ذلك إلى مدح وادي اشي ومن حاده من الجيران، ووصفهم بالكرم والإحسان في أبيات، ثم أخذ في الغزل فذكر منه شيئا، ثم عاد إلى ذكرهم والثناء على مواضعهم وديارهم، وأيامه التي تقضت له فيها، وتشوقه إليها وتأسفه عليها.

وإذا تفقدت أشعار العرب وجد فيها مثل ذلك كثير.

وإذا صح أن المراد بذلك الممدوح، كان البيتان اللذان بعد هذا البيت من صفاته أيضا، وبطلت المآخذ الفاسدة، والروايات الكاذبة، والاختلاف في القلبين اللذين في البيت الثالث هل هما للضيف أو للمضيف؛ اعني قوله:

تَحُلُّ به على قَلْبٍ شُجَاعٍوتَرْحَلُ منه عن قَلْبٍ جبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وقوله:

منازلُ لم يَزَلْ منها خَيَالٌيُشَيَّعُني إلى النَّوْبَنْدِجَانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: نوبندجان: بلد بفارس؛ يريد إنه يرى دمشق في النوم وهو بفارس، فخيال منازل دمشق يتبعه. والمعنى إنه يحبها، ويكثر ودها، ويحلم بها. ويجوز أن يريد خيال حبيب له بدمشق ونواحيها يأتيه في منامه.

وأقول: لم يرد دمشق، ولا خيال حبيب فيها، وإنما يريد الواضع التي استحسنها

ومغاني الشعب، ووصفها قبل، فعاد إلى ذكرها فقال: منازل لطيبها وحسنها لم يزل منها خيال يشيعني إلى مكان مثلها في الطيب والحسن أو أحسن منها وهو النوبندجان فإنه أنسانيها لزيادته في الطيب عليها.

وقوله:

رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّلكلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: جعل اللصوص كالافاعي، وجعل سيوفه رقى لتلك الأفاعي فكما أن الحية تدفع بالرقية، كذلك هو يدفع اللصوص بسيوفه.

فيقال له: هذا الموضع أغمض من أن تدركه وأعز من أن تملكه! ولم يرد باللصوص الأفاعي أيها الشيخ الواحدي، لما ذكرته في شرح الكندي!

وقد فسر قوله:

حَمَى أطرافَ فَارِسَ شَمَّرِيٌّيَحُضُّ على التَّبَاقي بالتَّفَاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

بشيء من هذا حاكيا قول العروضي: إنه حمى فارس من الخراب واللصوص رادا على ابن جني قوله: إن المعنى: يقول لأصحابه: افنوا أنفسكم ليبقى ذكركم. وهو القول الحق، وقول العروضي هو الباطل! لأن ذكر اللصوص انقطع من لدن قوله:

فباتَتْ فوقَهُنَّ بلا صِحَابٍ .........

وأخذ بعد ذلك في ذكر ما هو أعظم منهم متنقلا بذكر الحرب عنهم.

وقوله:

فلو طُرِحَتْ قلوبُ العِشْقِ فيهالما خافَتْ من الحَدَ قِ الحِسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: أراد قلوب أهل العشق. والمعنى: إن الأمن قد عم بلاد فارس حتى لو كانت قلوب العشاق فيها، لما خافت سهام أحداق الحسان.

وأقول: المعنى ما ذكره، إلا أن زيادة تخفى على مثله! وهي إن الأشياء المخوف

عليها، التي لا تحمى بالبأس من جميع الناس، لو حلت في بلاده لأمنت وحميت وهي قلوب العشاق المرمية بسهام الأحداق. وفي هذا البيت زيادة على قوله:

حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غيرهابَدْرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

وذلك إنه جعل بدر بن عمار لا يحمي من الحدق، وجعل عضد الدولة يحمي منها.

وقوله:

وأكثرَ في مَجَالسِهِ حَديثاًفُلانٌ دَقَّ رُمْحاً في فُلانِ

قال: لم أر ولدين أكثر منهما استماعا في مجالس الأدب دق رمحا فلان في فلان؛ يعني: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك.

وأقول: إنه قد نقص البيت بنقص العبارة، وذلك أن أبا الطيب إنما قال: أكثر استماع ولم يقل: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك فينفي أن يجري في مجلسه ذكر العلم والجود، وهما اشرف من البأس! وإنما يقول: إن هذا ملك صاحب جد وقتال لا لهو ولعب فاكثر ما يجري في مجلسه ذكر الطعان، وقد يجري فيه غير ذلك من الفضائل.

وقوله:

ناثِرُهُ ناثِرُ السُّيُوفِ دَماًوكلِّ قَوْلٍ يقولُهُ حِكَمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد صدق الورد في الذي زعما»

قال: يقول: الذي نثر هذا الورد ينثر السيوف؛ أي يفرقها وهي دم؛ أي: متلطخة فكأنها دم.

وأقول: الجيد البالغ، أن يقال: إنه ينثر السيوف بضرب يده؛ أي: يقطّعها به ولا يفرّقها

بأيدي غيره، ويدل على قولي، قوله بعده:

فَلْيُرِنَا الوَرْدُ إن شكا يَدَهُأحسن منه من جُودها سَلِما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد صدق الورد في الذي زعما»

والبيت الذي بعده.

وقوله:

والخيلُ قد فَصَّلَ الضِّياعَ بهاوالنِّعَمَ السَّبِغَاتِ والنِّقَمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد صدق الورد في الذي زعما»

قال: يقال: فصل العقد إذا نظم فيه أنواع الخرز فجعل كل نوع من نوع ثم فصّل بين الأنواع بذهب أو بشيء آخر. هذا هو الأصل في تفصيل العقود، ثم يسمى نظم العقد تفصيلا فيقال: عقد مفصل إذا كان منظوما، ومنه قول امرئ القيس:

...... ......... أثناءِ الوشَاحِ المُفَصَّلِ

والمعنى إنه جمع هذه الأشياء بالخيل؛ أي: تمكن من جمعها بالخيل، وجعل جمعها تفصيلا؛ لأنها أنواع فجعل ذلك كتفصيل العقد. والمعنى إنه ينثر الخيل؛ أي: يفرقها في الغارة، ثم ذكر إنه جمع بها هذه الأشياء التي ذكرها من النعم لأوليائه، والنقم لأعدائه.

وأقول: إن الواحدي قد خبّط وخلّط في مواضع من هذا التفسير ولا كتخبطه

وتخليطه هاهنا!! وسأذكر لك المعنى حتى يتبين فساد ما ذكره جملة، فلا احتاج إلى تتبع ألفاظه مفرقة، وهو إنه لمّا ذكر في البيت الذي قبله ان ناثر الورد ناثر السيوف دما، فذكر حماسته، عطف عليه بهذا البيت ما فيه ذكر سماحته فقال: والخيل؛ أي: وناثر الخيل بمعنى مفرقها بالعطاء قد فصّل الضياع؛ أي: جعل الضياع في مواهبه منظومة كالعقد مفصلا بالخيل؛ لأن الذي يفصل به العقد من الدر مثل الذهب وغيره يكون دون الدر فكذلك الخيل المفصل بها الضياع، وكذلك قوله:

......والنَّعَمَ السَّابغاتِ والنَّقَمَا

أي: فصّل النعم لأوليائه بالنقم على أعدائه.

وقوله:

وقُلْ له لسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْوإنما عَوَّذَتْ بكَ الكَرَمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد صدق الورد في الذي زعما»

قال: قل للورد: لست خير ما نثرت يده، وإنما جعلتك عوذة للكرم.

فيقال له: لم تزد بالنثر على ما ذكره في النظم! والمعنى أن كرمه بنفيس مواهبه وجزيل عطاياه ظاهر، فأراد أن يبقى ولا يزول؛ فنثر الورد على أصحابه وجلسائه، وهو حقير خسيس بالإضافة إليها، فكان ذلك له بمنزلة العوذة من عظام الذئب والضبع وكعاب الأرانب التي كانت العرب تعلقها عليها عند الاوباء ليتعذر بها الموت كقول امرئ القيس:

أيا هندُ لا تنكحي بُوهَةًعليهِ عَقِيقَتُهُ أحْسَبَا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أيا هند لا تنكحي بوهة»
مُرَسَّعَةٌ بين أرساغِهِبه عَسَمٌ يَبْتَغي أرْنَبا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أيا هند لا تنكحي بوهة»
ليَجْعَلَ في كَفِّهِ كَعْبَهَاحِذَارِ المَنِيَّةِ أنْ يَعْطَبا

وقوله:

يُشْتَاقُ من يَدِهِ إلى سَبَلٍشَوْقاً إليه يَنْبُتُ الأسَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

قال: السبل المطر؛ يريد به العطاء هاهنا. يقول: الناس يشتاقون إلى عطاء يده، والرماح تنبت شوقا إلى أن تباشر يده؛ أي: ليطعن بها ويستعملها في الحرب، وتقدير اللفظ: ينبت الأسل شوقا إليه؛ أي: إلى الممدوح.

وأقول: إن جعل الضمير في إليه راجعا إلى الممدوح، غير صحيح، بل هو راجع إلى سبل لأن تقدير الكلام: يشتاق الناس من يده إلى سبل تنبت الرماح شوقا إليه، فجعل السبل يشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس في يده من السبل، فما بعد سبل صفة له، فلا بد فيه من ضمير يرجع إليه.

وقوله:

لو دَرَتِ بما عنَدَهُلاسْتَحْيَتِ الأيامُ من عَتْبِهِ

أي: لو كانت الدنيا عالمة بما عنده من الفضل والنفاسة لأخذها الحياء من عتبه عليها، ولكفت من أذاها.

وأقول: هذا قول الجماعة وليس بشيء! والمعنى ما ذكرته أولا وآخرا.

وقوله:

أستغفِرُ اللَّهَ لِشَخْصٍ مَضَىكان نَدَاهُ مُنْتَهى ذَنْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

قال: يقول: كان غاية ذنبه إسرافه في العطاء، والإسراف اقتراف، وورد النهي في النص عن الإسراف فلهذا استغفر له.

وأقول: ليس في اللفظ ما يدل على الإسراف، وإنما اخرج الكلام على معنى قوله:

ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهُمْبهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكتَائبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وسؤال المغفرة له لا يدل علة وقوع ذنب منه، بل ذلك دعاء له كدعاء الأنبياء لأنفسهم، والاعتراف منهم بالاقتراف على وجه الخضوع لله والتذلل له والانقطاع اليه،

ومع ذلك فذكر الذنب لامرأة بوصف نداها والاستغفار لها قبيح، وان حُمل على أحسن محمل وتؤول على أجمل متأول. وقد كان أبو الطيب دخيلا في عشرة الملوك، حديث الصحبة لهم والاتصال لهم، فجفا لذلك في مدحهم طبعه، وجف زرعه، وهو مع ذلك شاعر عصره وواحد دهره.

وقوله:

عُدْ وأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌألْصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهَا النَّاهِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول للخيال: عد واعد الغشية التي لحقتني، وان كان فيها تلفي فحبذا تلف كان سببا لقربك ومعانقتك، وكان من حقه أن يقول للغشية: عودي وأعيدي الخيال لأن الغشية كانت سبب زيارة الخيال، لا الخيال سبب لحاق الغشية، ولكنه قلب الكلام في غير موضع القلب.

وأقول: لم يقلب الكلام، ولكنه لمّا رأى طيف الحبيب في تلك الغشية توهم إنها بسببه، وإنه قادر عليها لمّا رآه فيها، فقال: عد وأعدها، وإن كانت من مقدمات الموت، فإن وصال طيف الحبيب محبوب إلي ولو بالموت، ومؤثر لدي على الحياة.

وقوله:

حَكَيْتَ يا لَيْلُ فرعها الوَارِدْفاحْكِ نَواهَا لِجَفْنِيَ السَّاهِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال: الوارد: الشعر الطويل المسترسل؛ يقول لليل: أشبهت شعرها في السواد فأشبه بعدها عني؛ أي: أبعد مني بعدها.

وأقول: لم يرد بقوله: شعرها الوارد السواد وحده بل السواد والطول، وذلك إنه استطال الليل فقال: يا ليل أشبهت شعرها في السواد والطول، فأشبه نواها في البعد؛ أي: أبعد عني، بعدها عني.

وقوله:

إذا المَنَايا بَدَتْ فَدَعْوَتُهاأُبْدِلَ نُوناً بدالِهِ الحائدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال: أخبر عن المنايا، وهو يريد أهلها؛ لأن المنايا لا تقول شيئا. والمعنى أن أهل الحرب؛ يعني جيش عضد الدولة، يقولون عند الحرب: جعل الله الحائد منا حائنا؛ أي: من حاد منا صار هالكا.

وقال ابن جني: أي يصير الحائد، وهو الذي يهرب من الشيء، حائنا وهو الهالك. يقول: إذا جاءت المنية، صار بعدك عن الموت سببا للوقوع فيه، ولم يكن لك بد من لقائه. فضعف أولا رأي وهسوذان ثم رجع كأنه يعذره، إنه إذا أتت المنية لم يكن منها بد، ولم يتجه لأحد دفعها.

وقوله: فدعوتها أي: هذا قولها؛ استعار ذلك ولا قول لها.

وأقول: الصحيح؛ إنه أراد أن المنايا في الحرب إذا بدت واشتد الامر، فليس ينجي

الفار فراره، ولا ينجي هنالك إلا صبر الصابر وقتاله والحائد خائن وهذا مثل قوله:

وأورِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَديمَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ من لا يُجَاِلدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وقد ذكرت هنالك إنه من قول المهلب.

وقوله:

ليتَ ثَنَائي الذي أصُوغُ فِدَىمن صِيغَ فيه فإنه خَالِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
لويتُهُ دُمْلُجاً على عَضُدلدولةٍ رُكْنُهَا له وَالدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

وأقول: ينبغي أن يقال له على هذا النظم:

عَريتَ من حُلَّةِ حتَّىجئتَ في القَوْلِ هاهُنا بارِدْ!

ولاشك أن أبا الطيب استفرغ قوة ألفاظه وجودة معانيه، في مديح سيف الدولة فلم يبق لعضد الدولة غير الغث الغثاء والجف الجفاء!

وقوله:

لو جَذَبَ الزَّرَّادُ من أذْيالي

مُخَيِّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ

ما سُمْتُهُ سَرْدَ سوى سِرْوَال

قال: يقول: إذا اخبرني الزراد، فكنى بجذب الذيل عن الأخبار، لأنه ربما يجذب ثوب الإنسان إذا أريد إخباره بشيء. يخيرني بين صنعتي سربال - أي: درع من السابغة والبدن - لم اختر إحداهما. وإنما اختار السروال؛ يشير إلى أن سيفه درعه وهو يحمي به بدنه، وإنما حاجته أن يحصن عورته، وهذه طريقة المتنبي يترفع عن معاشرة النساء كبرا وتعففا.

وأقول: أن تفسيره الجذب بالإخبار، وما ذكره من إنه ربما جذب ثوب الإنسان، إذا أريد إخباره بشيء، ليس بشيء! وهذا الذي ذكره من مفهوم العوام وفعل

الجهال، وإنما يريد بجذب الزراد أذيال ثوبه عليه عند تقدير الطول والقصر في سرد السربال؛ يعني الدرع، يقول: لو جذب الزراد من ذيل ثوبي عليَّ مقدرا لي صنعتي سربال طويلة أو قصيرة لم اخترهما، ولا سمته إلا سرد سروال من حديد تحصن فرجي، وكنى بذلك عن عفته.

وقوله: تحصن عورته، وهو قول ابن جني، قول قبيح وهو مع ذلك صحيح!

وقوله:

مُعْتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجْذَالِ

وُلِدْنَ تحتَ أثقَلِ الأحْمَالِ

قال: قال ابن جني: يعني بأثقل الأحمال، الأجبال.

وقال ابن فورجة: ألا يكفي من الحمل الثقيل القرون ذوات الشعب التي تقطع فيحمل الواحد منها حمار أو رجل؟

فأثقل الأحمال على قول ابن فورجة القرون. وقول ابن جني أظهر، لأنها ولدت ولا قرون لها، ومن البعيد أن يراد قرون أبويها.

وأقول: يحتمل أن تكون الأحمال لها قرونها. وإن لم تكن موجودة في حال الولادة لأنه متيقنة أن ستوجد فكأنها موجودة. وليس من البعيد، كما ذكره، أن تكون لأبويها بل هذا هو القريب لوصفه إياها بقوله:

قَدْ مَنَعَتْهُنَّ من التَّفَالي

وذلك لا يليق بذكر الجبال. فإن قال: هذا راجع إلى قوله فيما قال:

مُعْتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجْذَالِ

فيقال له: بل هذا البيت أولى بها لقربه منها، ولحسن جواز معناه فيها.

وقوله:

أتَتْرُكني وعينُ الشَّمسِ نَعْليفتقطَعُ مِشْيَتي فيها الشِّراكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: يقول: إذا كنت بحضرتك كنت من الرفعة كمن انتعل عين الشمس، وإذا ارتحلت عنك قطع مشيتي شراك تلك النعل، فيزول عني سبب الرفعة.

وقوله: أتتركني معناه: أأتركك، وهو استفهام إنكار؛ أي: لا أتركك، ولكن من تركته فقد تركك فقلب الكلام كما قال الآخر:

......كأنَّما أسْلَمَتْ وَحْشِيَّةٌ وَهَقَا

والوهق يسلم الوحشية.

وأقول: لو اقتصر على التفسير الأول قبل تفسيره: أتتركني لكان قريبا من الصواب!

وأما قوله: أتتركني بمعنى أأتركك، وإن هذا من المقلوب فليس كما قال، لأن ذلك إنما يكون عند الضرورة لتصحيح المعنى. واللفظة إذا حملت على وجهها من غير قلب وصحَّ بها المعنى لم تحتج إلى القلب.

وقوله: أتتركني: أي: أتجعلني في منزلة عالية، عين الشمس فيها نعلي، ويقطع مشيتي فيها الشراكا؛ أي: لا أخسر رب هذه النعمة، ولا التمتع بها والمحافظة عليها بطلب فراقي لك ورحيلي عنك، فضرب ذلك مثلا لسوء رأيه وفعله!

وقوله:

أغرَّ له شَمَائلُ من أبيهِغَداً يَلْقَى بَنُوكَ بها أبَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: يقول: أنت ورثت شمائل أبيك، وكما ورثتها أباك تورثها بنيك فهم يلاقون أباك بمثل الخلائق التي ورثوها منك. وحقه أن يقول أباهم لكنه قال أباك إشارة إلى أنهم لم يبلغوا بعد رتبتك حتى يشبهوك بل يشبهون أباك.

وأقول: إنه جعل أبناء الممدوح، وهم صبيان أو غلمان، انهم سيشبهون أبا الممدوح، واجل الممدوح عن ذلك، وفيه احتقار لأبيه وإصغار له. ولاشك أن في احتقار الأب احتقار الابن وهذا كلام من لم يفهم المعنى!

وقوله:

......غَداً يَلْقَى بنوك بها أبَاكَا

أي: الشمائل والخلائق التي ورثتها من أبيك وأشبهته بها، سوف يشبهه بنوك بها إذا كبروا كما أشبهته لما كبرت، وقد قيل: من أشبه أباه فما ظلم فاللقاء هنا كناية عن المماثلة والمشاكلة؛ فهذا المعنى الذي يفهم من كلامه، لا ما ذكره!

وقوله:

أذَمَّتْ مَكْرُمَاتُ أبي شُجَاعٍلعَيْني من نَواي على أولاَكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: أذمت بمعنى منعت. يقول: مكرماته منعت عيني، وعقدت لها عقدا على أهلي من فراق عضد الدولة، ويكون على من صلة اذمت.

ويروى: ثواي مقصور من الثوى بمعنى المقام. والمعنى: مكرماته اذمت لعيني من المقام عليهم؛ أي: عقدت لعيني عقدا يؤمنها من النظر إلى أولئك؛ يريد: أنها قصرها على عضد الدولة فلا تنظر إلى غيره.

وأقول: وفسر هذا التفسير بعد أن حكى قولي ابن جني، وابن فورجة، وهما لا يساويان الحكاية!

وقوله هذا مثل قولهما، وهو ضد المعنى الذي أراد أبو الطيب، وذلك إنه يقول: أن مكرمات عضد الدولة اذمت لعيني؛ أي: أعطتها ذماما من النوى على الإبل؛ أي: على رؤية اولئك؛ يعني أحبابه الذين خلقهم وراءه، فالنوى لا تقدر على منعي، ولهذا قال فيما بعد:

فَزُل يا بُعْدُ...... .........

وقوله:

فَزُلْ يا بُعْدُ عن أيْدي ركابٍلها وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: يقول للبعد تنح عن أيدي هذه المطايا، فأنها تقطعك كما تقطع الأسنة الحشا.

فيقال له: هذا يضاد التفسير الذي فسرته قبل من أن مكرمات عضد الدولة اذمت لعيني؛ أي عقدت لها عقدا يؤمنها من النظر إلى أولئك؛ أي: قصرها على عضد الدولة فلا تنظر إلى غيره؛ لأن هذا العقد قد انفسخ، ويوافق التفسير الذي فسرته.

وكذلك قوله:

وأيًّا شئتِ يا طُرُقي فكونيأذاةً أو نَجَاةً أو هَلاكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: هذا كلام ضجر يقول لطريقه: كوني كيف شئت؛ فأني لا أبالي، وإن كان الهلاك في سلوكك.

وأقول: هذا كلام مناقض، كأنه لا يعلم قبل ما ذكره ففسره هذا بما فسره!

وكلام المتنبي هذا كلام معجب بنفسه، مدل بماله، متهور في مقالة، وأثق بما في يده، معتمد عليه غير معتمد على الله في الوقاية له، والمدافعة عنه، ولهذا قال فيما بعد:

فلو سِرْنَا وفي تِشْرِينَ خَمْسٌرَأوْني قَبْلَ أنْ يَرَوُا السِّمَاكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

لأنه لم يستثن مشيئة الله، فحل به ما كان يخشاه، وحال الهلاك دون الآل!

قال الواحدي في تفسير هذا البيت: هذا كلام فيه حذف وتقديم وتأخير، تقديره: فلو سرنا في تشرين وقد مضت منه خمس، وإذا أخل الحذف بالكلام ولم يظهر المعنى لم يجز، والسماك يطلع لخمس خلون من تشرين الأول، وهذا مبالغة في ذكر سرعة السير والرجوع إلى اهله؛ يقول: لو أخذن في السير واخذ السماك في الطلوع لسبقته

بالطلوع عليهم وهم بالكوفة؛ كأنه قال: أسبق النجم بسرعة السير.

فيقال له: ليس في الكلام حذف ولا تقديم ولا تأخير، بل الكلام مستقل لنفسه غير محتاج إلى غيره، والواو في قوله: وفي تشرين خمس واو الحال من الضمير في سرنا.

وقوله:

يُشَرِّدُ يُمْنُ فَنَّاخُسْرَ عنِّيقَنَا الأعداءِ والطَّعْنَ الدِّرَاكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
وألْبَسُ من رِضَاهُ في طريقيسْلاحاً يَذْعَرُ الأعداَء شَاكَا

أقول: لم يشرد عنه يمن فناخسر الطعن الدراك، ولا البس من رضاه سلاحا منع الأعداء شاك، وذلك إنه استعان بغير الله على دفاع الأعداء، فوكله الله إلى من استعان به ولم ينجي من الاسواء، فذهبت نفسه، وثل عرشه، وجذ غرسه.

انتهى

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.