من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح الواحدي (٢)
قال: جعل ابنه، وهو قريب من المصباح، كالفرقدين وأراد بالصاحب الفرقد الأخر، وهما كوكبان معروفان.
وأقول: قد قيل في قوله:
الفَرْقَدُ ابنُكَ والمِصْبَاحُ والمِصْبَاحُ صَاحِبُهُ .........
يحتمل أن يكون صاحبه أخا له أو غيره، وأن يكون المصباح الشمس كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجا)، فلم يمكنه أن يقول السراج فقال: المصباح لأنه في معناه كقول بعضهم: أنشدنا أبو علي:
وقاَء عليه اللَّيْثُ أفلاذَ كِبْدِهِوكَهَّلَهُ قِلْدٌ من البَطْنِ مُرْدِمُ
يصف نبتا أصيب بنوء الأسد، فوضع الليث موضع الأسد لإقامة الوزن.
والوجه الصحيح هو الأول. وفي هذا البيت أربعة تشبيهات. وقد جاء مثل ذلك لبعض أهل العصر:
رُبَّ كَأسٍ قد شَرِبْنَاها علىوَجْهِ خَوْدٍ ذاتِ ثَدْيٍ قد فَلَكْ
إنْ تَقُلْ من دونها بدرُ الدُّجَىفي السَّنَا والحُسْنِ والظَّرْفِ فَلَكْ
وهي قُطْبٌ والنَّدامَى أبْرُجٌوالطِّلا شَمْسٌ وسَاقِينَا فَلَكْ
وقوله:
أظبَيْةَ الوَحْش لَوْلاَ ظَبْيَةُ الأنَسِلما غَدَوْتُ بِجَدٍّ في الهَوَى تَعِسِ
قال: يخاطب الظبية الوحشية، لأنها أليفة لكثرة ملازمته ومساءلته الأطلال كما قال ذو الرمة:
أخُطُّ وأمْحُو الخَطَّ ثم أعِيدُهُبِكَفِّيَ والغِزْلاَنُ حَوْليَ رُتَّعُ
وهو قول ابن جني.
وأقول: ليس بدؤه لظبية الوحش لما ذكره، ولكن لمشابهتها لها في عينيها وجيدها ونفارها، فخاطبها كانها نسيبة لها، كقول ذي الرمة أيضا:
أيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاجِلٍوبين النَّقَا آأنتِ أمْ أمُّ سَالمِ
فلا حاجة إلى ذكر ملازمة الفيافي وسؤال الأطلال.
وقوله:
هذي بَرَزتِ لَنَا فهِجْتِ رَسِيسَاثم انْصَرَفْتِ ومَا شَفَيْتِ نَسِيسَا
قال: يقول: برزت لنا فحركت ما كان في قلوبنا من هواك، ثم انصرفت عنا ولم تشفي بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا.
وأقول: الجيد أن يقال: إن هواك أفنى نفوسنا إلا بقية بقيت منها مريضة كنا نؤمل أن تشفيها بوصلك فانصرفت وما شفيتها.
وقوله:
حَاشَا لِمِثْلِكِ أنْ تكونَ بخيلَةًولِمِثْلِ وجْهِكِ أن يكونَ عَبُوسَا
ولمثلِ وَصْلِكِ أن يكون مُمَنَّعاًولمثلِ نَيْلِكِ أن يكونَ خَسيِسَا
أقول: إنه قد اعترض على أبي الطيب بقوله:
حَاشَا لمثِلكِ أن تكونَ بَخيلةً .........
وبقوله:
ولمثلِ وَصْلِكِ أن يكوَنَ مُمَنَّعاً .........
بأن قيل: البخل بالوصل في النساء محمود، وأطيب الوصل ما كان ممنعا، واستشهد على ذلك بأبيات للعرب وللمحدثين نحو قول أبي تمام:
عالي الهَوَى مما يُرَقِّصُ هامتيأرْوِيَّةُ الشَّعَفِ التي لم تُسْهِلِ
وقول كثير:
وإني لأسْمُو بالوِصَالِ إلى التييكونُ سَناءً وَصْلُهَا وازْدِيَارُهَا
وقيل: بل يحسن البذل منهن، وهو مذهب لبعضهم، وقد جاء عنهم:
أحِبُّ اللواتي هُنَّ من وَرَقِ الصِّبَاوفيهنَّ عن أزْوَاجِهنَّ طِماحُ
ومن ذلك قول بعض المحدثين:
قالُوا: فَفِيهِ تَبَذُّلٌيأباهُ مثلُكَ قلت: أدري
لو كانَ مَسْتُوراً لماهَتَكَ الغَرامُ عليهِ سِتْري!
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن صفة الجود لما كانت محمودة في الرجال، معروفة بين الناس ذكرها لها ليخدعها عن وصلها فتسمح له به، ويكون مثل قوله:
أخِفْتِ اللَّهَ في إِحْيَاءِ مَيْتٍمَتَى عُصِيَ الإلهُ بأنْ أُطِيعَا
وقوله:
لمَّا وَجَدْتُ دَوَاَء دَائي عندَهَاهانَتْ عليَّ صِفَاتُ جَالينُوسَا
قال: يريد بصفاته: ما وصفه من الأدوية في كتبه ومعالجاته.
وأقول: يقول: دائي عشقها، ودواؤه وصلها، وإذا كان كذلك فحقير لدي وهين علي ما وصفه جالينوس في كتبه من معالجة العشق، فقد ذكر فيها أشياء لا تُغني غناء الوصل ولا تقوم مقامه.
وقوله:
ولَحَظْتُ أنْمُلَهُ فَسِلْنَ مَوَاهِباًولمَسْتُ مُنْصُلَهُ فَسَالَ نُفُوسَا
قال: لحظ الأنامل كناية عن الاستمطار، ولمس المنصل كناية عن الاستنصار.
يقول: تعرضت لعطائه فسالت بالمواهب أنامله، وتعرضت لإعانته فسال سيفه بنفوس أعدائه وأرواحهم لأنه قتلهم.
وأقول: ما ينبغي أن يكون بنفوس أعدائه - وهكذا رايته في نسخ - بل بنفوس أعدائي لأني أنا المستنصر به، فنصره لي بقتل أعدائي لا أعدائه. والمعنى: أني لما سمعت به أردت أن أختبره جوده وبأسه وكنى عن اختبار الجود بلحظ الأنمل وعن اختبار البأس بلمس المنصل فوجدتهما يفعلان ويؤثران في غاية الكثرة؛ هذه تسيل مواهب وهذه تسيل نفوسا!
وقوله:
أيَّامَ فيك شُموسٌ ما انْبَعَثْنَ لنَاإلاَّ انْبَعَثْنَ دَماً باللَّحْظِ مَسْفُوكَا
قال: أي لم يظهرن لنا إلا أبكيننا دما مصبوبا بنظرنا إليهن.
وأقول: لم يُرد باللحظ لحظ العشاق ولكن أراد لحظ الشموس اللواتي هن النساء؛ أي: يسفكن دماءنا بسيوف لحاظهن، وهو ابلغ في المعنى وأصح في اللفظ وأكمل في الاستعارة.
قوله:
نَجَا امرؤٌ - يا ابنَ يَحْيَى - كنتَ بِغيَتَهُوخَابَ رَكْبُ رِكَابٍ لم يَؤُمُّوكَا
قال: تخلص من مكاره الزمان من كنت حاجته؛ أي من قصدك بسفره، وخاب من لم يقصدك كما قال:
......ولكل رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ
وأقول: ليس بينهما تماثل إلا بذكر ركب. ومعنى: ولكل ركب قد ذكرته قبل وبينت خطأه فيه، واستشهاده به خطأ على خطأ فلا يشبه هذا البيت.
وقوله:
أحْيَيْتَ للشُّعَراءِ الشِّعْرَ فامْتَدَحُواجَميعَ من مَدَحُوه بالذي فيكَا
قال: يقول: أحييت لهم الشعر بما أريتهم من دقائق الكرم، وعلمتهم من غوامض المعاني، حتى استغنوا عن استخراجها بالفكر، فسهل عليهم الشعر حتى كأنه صار حيا بعد أن كان ميتاً، ثم امتدحوا ممدوحهم بما فيك من خصال المجد ومعاني الشرف، وهي لك غير أنهم ينحلونها ممدوحيهم.
وأقول: إن موت الشعر إنما هو بموت الكرام وحياته بحياتهم، أي: كان الشعر قبل وجودك ميتاً؛ فلما وجدت ورأى الشعراء ما فيك من الخلال الحميدة، والأفعال الجميلة، فكأنك أحييته لهم وسهلته عليهم فاخذوا ما فيك فمدحوا به غيرك. وهذا
مثل قوله:
من يَهْتَدي في الفِعْلِ مالا تَهْتَديفي القَوْلِ حَتى يَفْعَل الشُّعَراءُ
والبيت الذي بعده يشهد بما قلته وهو قوله:
وعَلَّمُوا النَّاسَ منكَ المجدَ واقْتَدَرُواعلى دَقيقِ المعَاني من مَعَانيكا
ومثله قول أبي العتاهية:
شِيَمٌ فَتَّحَتْ من المَجْدِ ما قَدْكانَ مُسْتَغْلِقاً على المُدَّاحِ
وقول احمد بن أبي فنن:
يُعَلِّمُنَا الفتح المَدِيحَ بجُودِهِويُحسِنُ حتى يُحْسِنَ القَوْلَ قَائِلُهْ
وضده قول أبي تمام:
ولولا خِلاَلٌ سَنَّها الشِّعْرُ ما دَرَىبُغَاةُ العُلا من أين تُؤْتَى المَكارِمُ
وقوله:
وإنْ كانَ يُبِقي جُودهُ من تَلِيدهِشَبيهاً بما يُبْقي من العاشِقِ الهَجْرُ
قال: يقول: سارت ناقتي إليه وقصدته وإن لم أكن واثقاً بإبقاء نواله شيئاً من ماله، والمعنى أن جوده يبقي من ماله الشيء اليسير.
وأقول: إن قوله: وإن لم أكن واثقا بإبقاء نواله شيئاً من ماله ثم يقول: إن جوده يبقي من ماله الشيء اليسير تناقض. والصحيح في هذا أن قوله:
وإن كان يُبْقي جُودُهُ...... .........
متعلق بقوله:
......وبَحْرِ نَدىً
لا بقوله:
...... تَجَاوَزَتْبي البِيدَ عِيسٌ
والمعنى؛ إن هذا الممدوح يعطي عطاء كثيرا وإن كان يبقى جوده من ماله شيئا
يسيرا؛ لا يكاد ينتفع به بمنزلة إبقاء الهجر من العاشق بخلاف المعهود من عطاء غيره من الأجواد فإنه لا يكاد يعطي الكثير إلا وقد أبقى أكثر مما أعطى؛ كأنه يقول: يؤثر الطالب من ماله بعطاء كثير، يزيد على البحر ويغرقه ولا يبقى له شيء.
وقوله:
ولا الدِّيَارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهَاتَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ
قال: قال ابن جني: لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضا فضل لأن الزمان أبلاها.
قال ابن فورجة: ذهب أبو الفتح إلى إن تقدير الكلام: ولا الديار تشكو إلي، وقد عُلم أن الديار لما كانت أشد دثوراً وبلىً كانت أشكى لما تُلاقي من الوحشة بفراق الأحبة، فكيف جعل الديار لا فضل فيها للشكوى، وشكواها ليس بحقيقة وإنما هو مجاز؟ وإنما كان يكون على ما ذُكر لو أن شكواها حقيقة فكانت تُقصّر عنها لضعفها
وبلاها كما يصح ذلك في العاشق، كما قال الملقب بالببغاء:
لم يَبْقَ لي رَمَقٌ أشكُو إليك بهِوإنما يَتَشَكَّى من به رَمَقُ
وأيضا: فلو كان على ما ادعى ما كان لعطف هذه الجملة على قوله:
ما الشَّوق مُقْتَنِعاً مِنَّي .........
معنى، ولما عطفها عليها دل على إنها منها بسبيل، وإنما يعني: ما الشوق مُقتنعا مني بذا الكمد، ولا الديار تقنع مني وتم الكلام عند قوله:
...... كان الحَبيبُ بها .........
ثم ابتدأ فقال: هذه الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، وأنا لا أشكو إلى أحد: أما لجلدي، أو لأني كتوم لأسراري، ويكون قد نظر إلى قول القائل:
فإنِّي مثلُ ما تَجدِينَ وَجْديولكنِّي أُسِرُّ وتُعْلِنينَا
وأقول: الأولى ما قال ابن جني وليس بمخطئ؛ وذلك إن الديار توصف بالنحول والصمم والخرس؛ قال:
مَنْزِلةٌ صَمَّ صَدَاهَا وعَفَتْأرْسُمُهَا إنْ سُئِلَتْ لم تُجِبِ
وتوصف أيضا بالموت والقتل وكل ذلك مجاز واستعارة كقوله:
لا تَحْسِبُوا رَبْعَكُمْ ولا طَلَلَهْأوَّلَ حَيٍّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ
فإذا وصفها إنها لا تشكو إليه، ولا تكلمه لفرط نحولها، فقد سلك طريق من تقدمه، ويدل على ذلك قوله في البيت الذي يليه:
ما زالَ كلُّ هَزِيمِ الوَدْقِ يُنْحِلُهاوالسُّقْمُ يُنحِلُني حتى حَكَتْ جَسَدي
فقد جعل حالها كحاله. ولا يلزم أن تكون هذه الجملة معطوفة على ما قبلها في المعنى كما ذكر، فيكون التقدير: ما الشوق مقتنعا، ولا الديار مقتنعة؛ لأن ذلك يلزم في عطف المفرد وأما عطف الجملة على الجملة فلا.
وقوله:
فأينَ من زَفَراتي من كَلِفْتُ بِهَاوأينَ منكَ - ابنَ يَحْيَى - صَوْلَةُ الأسَدِ
قال: يقول: أين من عشقته من معرفة ما بي من الشوق إليه والحسرة على فراقه، وأين تقع منك - أيها الممدوح - صولة الأسد؛ أي: من صولتك! كأنه قال: صولتك فوق صولة الأسد فلا تقع صولة الأسد من صولتك إلا دونها! أنكر أن يعرف الحبيب حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح!
وأقول: لو قال: إن تكون زفرات الحبيب كزفراته وصولة الأسد كصولة الممدوح لأصاب. تقديره: فأين من زفراتي زفرات من كلفت به؟ فحذف المضاف وأقام المضاف
إليه مقامه لأن ما قبله وهو زفراتي تدل عليه. كما إنه حذف المضاف في قوله:
......وأين منكَ - ابنَ يَحْيَى - صولَةُ الأسَدِ
أي: من صولتك، لدلالة ما بعده عليه وهو صولة الأسد. فهذا هو التقدير الصحيح، واللفظ الفصيح، والمعنى المليح
وقوله:
لمَّا وَزَنْتُ بك الدُّنْيَا فَمِلْتَ بهَاوبالوَرَى قَلَّ عندي كَثرةُ العَدَدِ
قال: يقول: لما رجحت كفتك، وقد وضعت الدنيا وأهلها في الكفة الثانية علمت أن الرزانة للمعاني لا للاشخص؛ أي: إذا رجح الواحد على الكثير كان ذلك الكثير قليلا بالإضافة إلى ذلك الواحد الراجح.
وأقول: هذا كأنه مما حدث به ابن المغازلي عن رقبة بن مصقلة عن عبد الله عن أبيه عن جده قال: أتى عمر رجلان فسألاه عن طلاق العبد، فانتهى إلى حلقة فيها رجل أصلع، فقال: يا أصلع! كم طلاق العبد؟ فقال له بإصبعيه هكذا وحرك السبابة والتي تليها، فالتفت إليهما فقال: اثنتان، فقال أحدهما: سبحان الله! جئناك، وأنت أمير المؤمنين، فسألناك، فجئت إلى رجل - والله - ما كلمك! فقال: ويلك! أتدري من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله - صلى الله عليه - يقول: لو أن السموات والارضين وضعتا في كفة وإيمان علي لرجح إيمان علي.
وقوله:
ماذَا البَهَاءُ ولاذا النُّورُ في بَشَرٍولا السَّمَاحُ الذي فيه سَمَاحُ يَدِ
قال: يقول: أنت أجل من أن تكون بشرا، فإن ما نشاهده منك من الجمال والنور لا يكون في البشر، وليس سماحك سماح يد؛ لأن اليد لا تسمح بما تسمح به، بل هو سماح غيث وبحر.
وأقول: لو كان قال بعد قوله: ما نشاهده منك من الجمال والنور لا يكون في البشر بل في القمر، كما قال: لأن اليد لا تسمح به، بل هو سماح غيث وبحر. فيستدرك بالقمر كما استدرك بالغيث والبحر لكما المعنى وحسنه بتكميل اللفظ
وتحسينه.
وقوله:
نازَعْتُهُ قُلُصَ الرِّكَابِ وَرَكْبُهَاخَوْفَ الهَلاكِ حُدَاهُمُ التَّسْبيحُ
قال: قال ابن جني: نازعته: أخذت منه بقطعي إياه وأعطيته ما نال من الركاب. وليس المعنى على ما قال؛ لأن التقلص هي المتنازع فيها فالبلد يفنيها ويأخذ منها وهو يستبقيها، والمعنى: أني أحب إبقاءها والبلد يحب إفناءها بالمنازعة فيها.
وأقول: هذه عبارة ملجلجة، وألفاظ مجذجة، والمعنى ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله:
ومَتَى وَنَتْ وأبُو المُظَفَّرِ أَمُّهَافأتَاحَ لي ولَهَا الحِمَامَ مُتِيحُ
قال: ونت: ضعفت وفترت، وأمها: قصدها، والمعنى: مقصودها؛ أي: ان الموت خير لنا أن تخلفنا عنه.
وأقول: هذا الذي قاله ضعيف. والمعنى إنه أقسم، بلفظ الدعاء، على نفسه وإبله؛ يقول: أهلكني الله وأهلكها إن ونت في السير، والممدوح أمها كقول الشاعر:
أنْ كانَ ما بُلِّغْتِ عني فَلامَنيصَدِيقي وشَلَّتْ من يَدَيَّ الأنَامِلُ
وأمثاله كثير. وهذا فيه إخبار عن جده وجد ابله في السير وترك الفتور والتمكث والتلبث عن قصد الممدوح.
وقوله:
يَغْشَى الطِّعَانَ فلا يَرُدُّ قناتَهُمَكْسُورةً ومن الكُمَاةِ صَحِيحُ
قال: قوله: مكسورة: حشو، أراد أن يطابق بينها وبين الصحيح، لأنه لا فائدة في أن يرد القناة من الحرب مكسورة، ولو ردها صحيحة لم يلحقه نقص.
فيقال له: وعلام قلت: لا فائدة في قوله:
وهَوْلٍ كَشَفْتَ ونَصْلٍ قَصَفْتَورُمْحٍ تَرَكْتَ مُبَاداً مُبِيدَا
وفي قوله:
القَاتِلِ السَّيْفَ في جسْمِ القتيلِ به .........
أو قول أبي تمام:
فما كنْتَ إلاَّ السَّيفَ لاقى ضَرِيبَةًفقَطَّعَها ثم انْثَنَى فَتَقَطَّعَا
وهو من قول البعيث:
وإنَّا لَنُعْطي المشرفيةَ حَقَّهَافَتَقْطَعُ في أيمانِنَا وتَقَطَّعُ
لأنه لو ردهما صحيحين لم يلحقه بذلك نقص، وهذا لا يقوله من له أدنى تأمل، والفائدة في ذلك ظاهرة وهي كثرة الطعن بالرمح والضرب بالسيف.
وقوله:
يَخْطُو القتيلَ إلى القَتِيلِ أمَامَهُربُّ الجَوادِ وخَلْفَهُ المَبْطوحُ
قال: يقول: قد امتلأت المعركة من القتلى؛ فالفارس على الفرس الجواد يخطو من قتيل إلى قتيل، ويخلف وراءه فارسا مبطوحا، أي: مطروحا على وجهه. ويجوز ان يكون رب الجواد الممدوح؛ يصف إغراقه في القتل.
وأقول: هذا الذي قاله ليس بشيء، والضمير في يخطو راجع إلى الممدوح؛ يعني إنه يبارز فارسا فيقتله، ويتجاوزه إلى قتيل آخر؛ أي: إنه سيُقتل، كقوله تعالى: (أِنَّكَ مَيِتٌ) فقدامه رب الجواد الذي لم يُقتل، وخلفه المبطوح الذي قُتل، يصفه بشدة الإقدام في الحرب والإغراق في القتل.
وقوله:
جُهْدُ المُقِلِّ فكيفَ بابْنِ كَريمةٍتُوليهِ خَيْراً واللِّسَانُ فَصِيحُ
قال: يقول: ذاك من الرياض جهد المقل لأنها لا تملك النطق، ولا تقدر من شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة، فكيف ظنك بابن كريمة -
يعني نفسه - تُحسن اليه، وله لسان فصيح وقدرة على الثناء لا يترك شكرك والثناء عليك.
وأقول: لو قال موضع لا يترك شكرك والثناء عليك يبالغ فيه ويأتي منه بما لا تقدر عليه الرياض، لكان أحسن وأكمل.
وقوله:
فَغَدا أسِيراً قد بَلَلْتَ ثيابَهُبِدَمٍ، وبَلَّ بِبَوْلهِ الأفْخَاذَا
قال: يريد إنه تلطخ بالبول والدم جميعاً.
وأقول: لو أتم كلامه بان قال: فيه بلللان: أحدهما منك وهو الدم، والآخر منه وهو البول للخوف، والأول سبب للثاني لكان حسناً.
وقوله:
مُتَعَوِّدٌ لِبْسَ الدُّروع يَخَالُهافي البَرْدِ خَزّاً والهَوَاجرِ لاذَا
قال: عطف في هذا البيت على عاملين مختلفين؛ لأنه عطف الهواجر على البرد، واللاذ على الخز. وذلك لا يجوز إلا على قول الأخفش، على إنه قد حُكي عنه الرجوع عن هذا. وقال أبو بكر بن السراج: إجماع إنه لا يجوز: مر زيد بعمرو وبكر خال.
وأقول: إن مثال البيت لا يجوز، لا على قول الأخفش ولا غيره. وهو كما قال ابن السراج، وإنما الخلاف إذا جعلوا المخفوض يلي الواو كقول الأعور الشني:
هَوِّنْ عليكَ فإن الأمُورَبكَفِّ الإلهِ مَقَاديرُهَا
فلَيْسَ بآتيكَ مَنْهِيُّهَاولا قاصِرٍ عنك مَأمورهَا
على إنه يحتمل أن يكون أضمر حرف الجر الذي هو في، كأنه قال: وفي الهواجر وهو مذهبه لأنه كان كوفي النسب والأدب مثل قولهم: ما كل سوداء تمرة ولا
بيضاء شحمة. قال سيبويه: كأنك أظهرت كل فقلت: ولا كل بيضاء شحمة، وكذلك قول أبي دؤاد:
أكلَّ امرئٍ تَحْسَبين امرءاًونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نِارَا
فعلى هذا لا يكون عطف على عاملين.
وقوله:
بِمُزَوَّدٍ كَفَنَ البِلَى من مُلْكِهِمُغْفٍ وإثْمِدُ عَيْنِهِ الكَافُورُ
قال: يعني إنه لم يزود من مُلكه ومِلكه إلا كفناً يبلى، وجعله مُغفيا؛ لأن الميت كالنائم لإطباق جفنه. يقول: كُحل بالكافور بدل الاثمد.
وأقول: احسن من هذه العبارة؛ أن يقول: هذا المرثي مسافر، لا كالمسافرين؛ لأنه لم يُزود من مُلكه إلا كفناً يبلى، ونائم لا كالأحياء لأن من شأن الأحياء أن يكتحلوا بالاثمد؛ وهذا ميت كُحله الكافور.
وقوله:
وَقَفْنَا وممَّا زَادَ بثّاً وُقُوفُنَافَرِيقَيْ هَوىً مِنَّا مَشُوقٌ وشَائِقُ
قال: فريقي هوى: منصوب على الحال من النون والألف في وقوفنا وجعل هذه الحال تزيده بثا؛ لأن فراق الأحبة أشد على القلب من فراق المجاورين والمعارف الذين لا علاقة بينك وبينهم.
وأقول: إنه ظن أن زيادة البث إنما كانت بسبب وقوفهم فريقين: مشوق وشائق فحسب، ففسر هذا التفسير، وليس كذلك وإنما كان بسبب ما ذكره في آخر البيت
الأول، وما ذكره أبو الطيب في البيت الثاني وهو قوله:
وقد صَارَتِ الأجْفَانُ قُرْحاً من البُكاوصَارَ بَهَاراً في الخُدودِ الشَّقائقُ
وذلك إنه في موضع الحال معطوف على الأول، مقسم مرتب عليه، بصيرورة الأجفان قرحا من جانب المشوق، وهو العاشق، وصيرورة الشقائق بهاراً من
جانب الشائق وهو المعشوق، فزيادة البث إنما بزيادة البيت الثاني بما تضمنه وعطفه على الأول لا بانفراده. فتأمل إحكام هذه الصناعة، وإتقان هذه الصياغة!
وقوله:
طوالُ الرُّدَيْنِيَّاتِ يَقْصِفُهَا دَمِيوبِيضُ السُّرَيْجِيَّات يَقْطَعُهَا لحْمي
قال: يقول: الرماح تنقصف قبل الوصول إلى إراقة دمي، والسيوف تنقطع قبل قطع لحمي، فجعل دمه يقصفها لما كان السبب في قصفها وكذلك لحمه.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يريد أن الشيء الصُلب الذي من شأنه أن يؤثر في اللين، قد انعكس بالإضافة إليّ، فجعل دمه يؤثر في الرماح القصف، ولحمه يؤثر في السيوف القطع على طريق المبالغة كقول ذي الرمة:
ورَمْلٍ كأوْرَاكِ العَذَارَى قَطَعْتُهُ .........
إذ من شأن الأوراك، أن تُشبه بكثب الرمل، كما من شأن السيوف أن تقطع، ومثله:
أرِانبُ غير أنَّهُمُ مُلُوكٌ .........
ومثله قوله:
أثَّرَ فيها وفي الحَديدِ ومَاأثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
وقوله:
نلومُكَ يا عَليُّ لغيرِ ذَنْبٍلأنَّكَ قد زَرَيْتَ على العِبَادِ
قال: أي عبت أفعالهم وصغرت مناقبهم بزيادتك عليها.
وأقول: ويكون هذا مثل قوله:
شَادُوا مناقِبَهُمْ وشِدْتَ مَنَاقِباًوُجِدَتْ مُنَاقِبُهُمْ بِهِنَّ مَثَالِبَا
وكقول أبي تمام:
مَحَاسِنُ من مَجْدٍ مَتَى يَقْرِنوا بهَامَحَاسِنَ أقْوَامٍ تَكُنْ كالمعائبِ
وقوله:
كأنَّ سَخَاَءكَ الإسلامُ تَخْشَىإذا ما حُلْتَ عَاقِبَةَ ارْتِدَادِ
قال: يقول: أنت تعتقد سخاءك اعتقاد الدين، وتخاف لو تحولت عنه عاقبة الردة، وهو القتل ودخول النار.
وأقول: ليس للقتل هاهنا معنى صالح، والحد ما ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله:
وحامَ بها الهَلاكُ على أنَاسٍلهُمْ باللاَّذِقِيَّةِ بَغْيُ عَادِ
قال: يقول: دار الهلاك بخيلك على قوم لهم ببلدك ظلم عاد.
وأقول: اللاذقية: يحتمل أن يكون بلد عدو الممدوح، وهو الأشبه والأظهر ويدل عليه قوله قبله:
ويومَ جَلَبْتَهَا...... .........
والجلب إنما يكون من مكان إلى مكان، وقوله فيما بعد:
فكانَ الغَرْبُ بَحْراً من مِيَاهٍوكانَ الشَّرْقُ بَحْراً من جِيَادِ
لأنهم لو كانوا من بلده لكانوا رعيته ولم يُحتج في قتالهم إلى جيش يكون بهذه الصفة.
وقوله:
وقَدْ خَفَقَتْ لك الرَّاياتُ فيهفَظَلَّ يَمُوجُ بالبِيِض الصِّعَادِ
قال: أي: اضطربت الأعلام وتحركت لك لا عليك.
وأقول: قوله: لك لا عليك زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، وذلك إنها لو خفقت عليه من جيش العدو لم يكن في ذلك عيب له ولا عار عليه بل دل ذلك على عظم الأمر وعظم العدو وعظم من يلقاه.
وقوله:
وإنَّ المَاَء يَخْرُج من جَمادٍوإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ
قال: يريد أن يقول: إن العداوة تكمن في الوداد ككمون النار في الزناد، والماء في الجماد، كما قال نصر بن سيار:
وإنَّ النَّارَ بالزَّنْدَيْنِ تُورَىوإنَّ الفِعْلَ يَقْدُمُهُ الكَلامُ
وأقول: هذا ليس بطائل، والصحيح ما ذكرته قبل.
وقوله:
تُرَفِّعُ ثوبَهَا الأردافُ عَنْهَافَيَبْقَى من وِشَاحَيْهَا شَسُوعَا
قال: يريد بالوشاحين قلادتين تتوشح بهما المراة؛ ترسل إحداهما على جنبها الأيمن، والأخرى على الجانب الأيسر.
يقول: أردافهما سمينة، عظيمة، شاخصة عن بدنها، ترفع ثوبها، وتمنعه من أن يلاصق جسدها حتى يكون بعيدا عما توشحت به من القلائد.
وأقول: هذا ليس بشيء، والوشاح يكون على خصرها بمنزلة القلادة في عنقها، ويدل على ذلك قول أبي تمام:
من الهِيفِ لو أنَّ الخلاخِلَ صُيِّرَتْلهَا وُشُحاً جَالَتْ عليها الخلاخِلُ
وأحسن من قول أبي الطيب قول الآخر:
أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمْصِهَامَسَّ البُطونِ وأن تَمَسَّ ظُهُورَا
ومثل ذلك قول بعض الأعراب في صفة امرأة: ما يمس ثوبها منها إلا طرفا حلمتيها ورانفتا اليتيها، ومشاشا منكبيها!
وقوله:
ذراعَاهَا عَدُوَّا دُمْلَجَيْهَايَظُنُّ ضَجِيعُهَا الزَّنْدَ الضَّجِيعَا
قال: الدملج يضيق عن ذراعها فتفصمه وتكسره لامتلائه بها، وعظم ساعديها غليظ اللحم حتى يظن الضجيع زندها شخصا مضاجعا له!
وأقول: إن أبا الطيب يبالغ في مواضع حتى تخرجه المبالغة إلى الإحالة أو الثقالة!
وقوله:
فليسَ بَواهِبٍ إلا كَثيراًوليسَ بقَاتِلٍ إلاَّ قَرِيعَا
أقول: لو قال في موضع كثيرا نفيسا لكان أطيب في الذوق، وأفصح في اللفظ، وأبلغ في المعنى، لأن النفيس هو الشيء الذي ينفس به؛ أي: يظن، كقوله:
لا تَجْزَعي إنْ مُنْفِساً أهْلَكْتُهُوإذا هلكتَ فعنْدَ ذلك فاجْزَعِي
وقوله:
وليسَ مُؤَدِّباً إلاَّ بسَيْفٍكفَى الصَّمْصَامةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
قال: يقول: أقام سيفه في التأديب مقام سوطه فقد أغنى السيف السوط عن التعب؛ يصف شدته على المذنب المريب، وصعوبة سياسته للناس.
وأقول: المعنى على هذا التفسير في وقله:
......كَفَى الصَّمْصَامَةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
أي: إنه يضرب المذنب ضربة واحدة، عقابا له فليس على السيف فيها تعب، والسوط عقابه ضربات كثيرة بحركات كثيرة، فكأنه يتعب بذلك. ويحتمل البيت معنى غير ما قال الواحدي، وذلك إنه لما كان يؤدب الأعداء بالسيف، وذلك للذنب العظيم، تحومي الذنب اليسير الذي يؤدب فيه بالسوط، فترك السوط لأنه لم يحتج إليه فكأنه كفاه التعب بالترك، فهذا أولى من ذكر صعوبة سياسته للناس، وإنه يؤدب بالسيف من يستحق التأديب بالسوط، لأن ذلك وضع الشيء في غير موضعه فهو صفة ظلم، والظلم لا يمدح به.
وقوله:
فصَيَّرَ سيلُهُ بَلَدِي غَدِيراًوصَيَّر خَيْرُهُ سَنَتي رَبِيعَا
قال: أي: ملاني بالعطاء كما يملأ السيل الغدير، وأصلح دهري حتى صار
كالربيع؛ وهو فصل الخصب والأمطار.
وأقول: البلد: المكان القفر. قال رؤبة:
بل بلدٍ مِلءَ الفِجَاج قَتَمُهْ
والسنة: الجدب، قال الله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْنَ بِالسّنِيِنَ) أي: فصير مطره الذي سال - أي جوده - أرضي القفر غديرا، وزمني الجدب خصبا، فاصلح مكاني وزماني.
وقوله:
وجَاوَدَني بأنْ يُعْطٍي وأحْوِيفَغَرَّقَ نَيْلُهُ أخْذِي سَريعَا
قال: جعل العطاء من الممدوح، والأخذ منه، مجاودة على معنى: أن أخذي منه كالجود مني عليه؛ يقول: لم يلحق أخذي إعطاءه حتى اغترق أخذي؛ أي: كان هو في العطاء أسرع مني في الأخذ.
وأقول: إن الجود وهو كثرة العطاء، والمجاودة المفاعلة منه تكون من اثنين فصاعدا،
يقال: جاود فلان فلانا، إذا كاثره بالعطاء كقوله:
كأنك ما جاوَدْتَ من بَانَ جودُهُعليكَ ولا قابَلْتَ من لم تُقَاومِ
إلا أنها هاهنا من الممدوح بكثرة العطاء، ومن المتنبي بكثرة الأخذ لأن الممدوح يرى الأخذ منه جودا عليه كقوله:
قبولَكَ مَنَّهُ مَنٌّ عليه...... .........
فغلبت كثرة العطاء كثرة الأخذ مع سرعة، وذلك معنى قوله:
......فَغَرَّق نَيْلُهُ أخْذِي سَرِيعَا
وقول الواحدي: كان في العطاء، أسرع مني في الأخذ. ولم يذكر الكثرة التي تقتضيها المجاورة، فيه نقص، بل فضله وغلبه في الكثرة والسرعة جميعا.
وقوله:
قد اسْتَقْصَيْتَ في سَلَبِ الأعَاديفَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجوعَا
قال: يقول: بالغت في سلب الأعداء؛ تسلبهم كل شيء حتى النوم، فرد عليهم ذلك، فإنهم لا يجدون ذلك خوفا منك.
فيقال له: ولم يرد عليهم النوم، وهم أعداء، وهو أضر الأسلاب لهم، التي سلبها منهم؟ فهذه العبارة لا تؤدي هذا المعنى، وإنما يقول: استقصيت في أذى الأعداء، والاستقصاء بغي، والبغي مذموم، وهم ضعفاء عنك، والضعيف ينبغي أن تكف عنه. وما بعد هذا البيت من صفتهم يدل على ذلك، فسأله الكف عنهم والبقيا عليهم والأمن لهم برد سلب النوم، وهو كناية عن الخوف، ولأن رد السلب وتركه مما توصف العرب به، كفعل النبي ﷺ في يوم حنين وفعل علي ﵇ حين قتل عمرو بن عبد ود في قوله:
وعَفَفْتُ عن أثوابهِ وَلَوَ أننيكنتُ المُقَطَّرَ بَزَّني أثْوابي
وقوله:
تُشْرِقُ أعْراضُهُمْ وأوْجُهُمْكأنها في نُفُوسِهم شِيَمُ
قال: يصفهم بنقاء الأعراض والوجوه والشيم.
وأقول: إن هذا البيت فيه إحكام وإتقان للصناعة. وذلك إنما يشبه الشيء بالشيء الذي هو أظهر منه، المشهور المسلّم له، كقولنا: فلان كأنه البحر، أو كأنه الأسد؛ لأنهما معروفان بالجود والبأس مسلّم لهما ذلك، فشبه أبو الطيب بعض خلال الممدوح ببعض حتى كان المشبه به ظاهر للناس، معروف لهم مسلّم.
وقوله:
فهي كمَاوِيَّةٍ مُطَوَّقَةٍجُرِّدَ عنها غِشَاؤهَا الأدَمُ
قال: الماوية: المرآة وجعلها مطوقة، لما حولها من سواد الجنان.
وأقول: لم يُرد إنها مطوقة بالسواد؛ لان السواد لا يكون طوقاً بل غُلاً، ولكن
بذهب وفضة، وذلك إنه شبهها في صفاتها بالماوية، وهي المرآة، والروض الذي حولها بالطوق من الذهب والفضة لان الروض يشبه بذلك.
وقوله:
أبا الحُسَينِ اسْتَمِعْ فَمَدْحُكُمُفي الفِعْلِ قبل الكَلامِ مُنْتَظِمُ
قال: يقول: فعلكم يمدحكم، قبل ان ينظم في الشعر؛ أي: بحسنه يُثنى عليكم. وأقول: هذا مثل قوله:
من يَهْتَدي في الفِعْل......
البيت.
وقوله:
وقد تَوَالى العِهَادُ منه لكُمْوجَادَتِ المَطْرَةُ التي تَسِمُ
قال: العهاد: الأمطار، والمطرة التي تسم: هي الوسمي الذي يسم الأرض بالنبات. شبه مدائحه فيهم بأمطار تتابعت فانبتت له أنعامهم عليه، والتي؛ يعني بها هذه القصيدة.
وأقول: هذا التفسير على أن الضمير في (منه) راجع في البيت الذي قبله: إلى: (فَمَدْحُكُمُ......)، وليس كذلك بل راجع فيه إلى قوله: (في الفعل)؛ يقول: أول جودكم علي ظاهر بمنزلة المطرة التي تسم الأرض بالنبات، ولم تقنعوا بذلك حتى اتبعتم الجود الأول بجود ثان متوال وذلك بمنزلة العهاد، وهو الولي وما بعده من المطر الذي يتعاهد الأرض بالري.
وقوله:
هَامَ الفُؤادُ بأعْرابِيَّةٍ سَكَنَتْبيتاً من القَلْبِ لم تَمْدُدْ له طُنُبَا
قال: قال ابن جني: أي ملكت قلبي بلا كلفة ولا مشقة؛ فكانت كمن سكن بيتا
لم يتعب بإقامة أوتاده، ولا مد أطنابه. واحسن من هذا أن يقول: اتخذت بيتا من قلبي
فنزلته والقلب بيت بلا أطناب ولا أوتاد.
وأقول: وأحسن من ذلك أن يقول: سكنت بيتا من قلبي، بخلاف بيتها المعتاد، إذ بيوت الأعراب بأوتاد وأطناب، وهي أعرابية، وهو ليس كذلك.
وقوله:
وكُلَّمَا لقِيَ الدَّينارُ صاحِبَهُفي مِلكِهِ افْتَرَقَا من قَبْلِ يَصْطَحِبَا
قال: أراد إذا التقيا تفرقا قبل الاصطحاب؛ فهما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين.
وأقول: هذا المعنى قد بينته في شرح ابن جني.
وقوله:
مالٌ كأنَّ غُرابَ البَيْنِ يَرْقُبُهُفكُلَّما قيلَ: هذا مُجْتَدٍ نَعَبَا
ذكر في هذا البيت قول ابن جني، قال: هذا معنى حسن: يقول: كما ان غراب البين لا يهدأ من الصياح، فكذلك هذا الممدوح، لا يفتر من العطاء.
وقال: قال العروضي: لعمري إن الذي قاله المتنبي، لحسن لكن تفسيره غير حسن! ومن قال: إن الغراب لا يهدأ من الصياح؟! ولكن معناه: إن العرب تقول: إن غراب البين إذا صاح في ديار قوم تفرقوا فقال المتنبي: كأن المجتدي إذا ظهر صاح هذا الغراب في ماله فتفرق
وأقول: كأن في هذا البيت مناقضة لما قبله، وذلك أن غراب البين، إذا صاح تفرق الجمع. وهو في البيت الذي قبله قال: إن الدينار يفارق الدينار الآخر إذا لاقاه في ملكه قبل الاصطحاب فلا معنى لصياح الغراب، إذ لم يكن لماله اجتماع!!
وقوله:
قَبِيلٌ أنْتَ أنتَ، وأنْتَ منهموَجَدُّكَ بِشْرٌ المَلِكُ الهُمَامُ
قال: أراد: قبيل أنت منهم وأنت أنت في علو قدرك. يعني: إذا كنت منهم وجدك
بشر فكفاهم بذلك فخرا، وقد أخر حرف العطف وهو قبيح جداً.
وقال التبريزي: قوله: أنت أنت، أي: أنت الرجل المشهور المعروف، يقول: الرجل فلان هو هو، أي، قد عُرف وشُهر، ومن ذلك قول أبي خراش:
رَفَوْني وقالُوا يا خُوَيلدُ لا تُرَعْفقلتُ: وأنكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أي: هم الذين كنت أخافهم واتقيهم. ولما شهد له بالفضل قال: أنت من هؤلاء القوم الذين هم بنو عجل، وفيهم جدك المسمى ببشر.
وأقول: هذا الذي ذكره التبريزي هو في معنى الصفة لقبيل، وهو تفسير قول ابن جني الثاني؛ لأنه قال: وقد جوز ابن جني أن يجعل جميع ما بعد قبيل وصفا له، ولم ينو تقديم بعضه. قال: وفيه قبح، فعلى هذا يكون قبيل الثاني بدلا من قبيل الأول أعني قوله:
قَبِبلٌ يَحْمِلونَ من المَعَالي .........
والأول وما بعده إلى آخر البيت وصف له فكذلك الثاني.
وقوله:
وخّيَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّماتَثَنَّى لنَا غُصْنٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
قال: خيّل: من قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ......) أي: يرى ذلك كالخيال، والمرط: كساء من خز أو صوف. يقول: مرطها يرينا ويُمثّل لنا صورتها كغصن بأن تثنّى، وولد ظبي رنا.
وأقول: لا يجوز أن يكون وخيّل بالياء لوجود الفاء في (كأنما) وكان ينبغي أن يقول: وخيّل منها مرطها كأنما تثنّى، والصحيح ما رواه عن ابن جني إنه و (خبّل) بالباء ولكن لا كما فسره من ستر محاسنها وإنما خبّل من الخبل وهو الجنون.
يقول: لما نفرت خبّلها، أي أدهشها وحيرها، سقوط مرطها في تلك النفرة، فبدا لنا
قدُّها وكأنه غصن تثنّى، ولاحظتنا فكأنما لاحظنا خشف.
وقد روي: (وخُبّل) بضم الخاء وبالباء، أي: جن واضطرب مرطها من نفرتها ودقة خصرها ومجاذبته ردفها، فوصف مرطها بالخبل لاضطرابه، كقول ذي الرمة:
......على خَصْرِ مِقْلاتٍ سَفيهٍ جَدِيلُهَا
فوصف جديلها بالسفه لاضطرابه؛ لأنه دليل على نشاطها وحدة قلبها.
وقوله:
زِيَادةُ شَيْبٍ وَهْيَ نَقْصُ زِيَادَتيوقُوَّةُ عِشْقٍ وَهْيَ في قُوَّتي ضَعْفُ
هَرَاقَتْ دَمي مَنْ بي من الوَجْدِ ما بِهَامِنَ الوَجْدِ بي والشَّوْقُ لي ولها حِلْفُ
أقول: أن أبا الطيب أخبر في البيت الأول بزيادة الشيب فيه وقوة العشق، وأخبر في البيت الثاني أن وجده بالمعشوقة كوجدها به، وأن الشوق لها حلف كما هو له حلف، وفي هذا دليل على قوة عشقها له كقوة عشقه لها لأنهما متماثلان في الوجد، فإخباره عن هذه المحبوبة بشدة عشقها له ومحالفة الشوق لها مع ذكر زيادة شيبه وشعف قوته أقبح من زيادة شيبه وضعف قوته!
وقوله:
وقابَلَني رُمَّانَتَا غُصْنِ بانَةٍيَمِيلُ به بَدْرٌ ويُمْسِكُهُ حِقْفُ
قال: المعنى: إنها عند الوداع قامت بحذائي فقابلني من ثدييها رمانتان على قد كالغصن يميله وجه كالبدر، يعني إنها إذا قصدت مشياً بوجهها مالت إليه نحو الوجه فكان وجهها يميل قامتها، ثم يميل الردف بثقله قامتها فلا تقدر على سرعة الحركة.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير وما فيه من ضعف التقدير!
وأقول: إن قوله: عند الوداع قامت بحذائي ليس بشيء! لأن الوداع لم يجر له ذكر
وإنما وقابلني عطف على:
......كسَاهَا ثِياباً غَيْرَهَا الشَّعَرُ الوَحْفُ
وأما تفسيره أن وجهها يميل قدها فهو بالعكس وإنما غره قوله:
...... غُصْنُ بانةٍيَميلُ به بَدْرٌ
وإنما التقدير: يميل بميله، فحذف المضاف للعلم به، فالبدر في أعلى الغصن فإذا مال الغصن مال به البدر، أي لميله لأنه كالثمرة فيه.
وأما قوله: ثم يميل الردف بثقله قامتها الخفيفة فلا تقدر على سرعة الحركة فمن جنس تفسيره ما قبله. والظاهر المعلوم أن الردف بثقله لا يميل القامة بل يمسكها ويقيمها وذلك إنه حقف قد أنبت غصنا فهو يمسكه ويقيمه ولا يميله، وإنما تقدير البيت: وقابلني من المحبوبة لما جردتها من ثيابها نهدان كالرمانتين في قد كغصن بانة، وذلك عجب يميل بميل الغصن، الذي هو قدها، وجه كالبدر، ويمسك قدها الذي هو كالغصن في اللين والخفة ردف كالحقف في الثقل.
وقوله:
أكَيْداً لنا - يا بَيْنُ - واصَلْتَ وَصْلَنَافلا دَارُنَا تَدْنُو ولا عَيْشُنَا يَصْفُو
وأقول: ولم يُفسر هذا البيت وما فيه من حسن الترتيب.
يقول: إذا واصل البين الوصال بعد من العاشق، وإذا بعد الوصال بعدت الدار، وإذا بعُدت الدار لم يصف العيش.
وقوله:
ولمَّا فَقَدْنَا مِثْلَهُ دامَ كَشْفُنَاعليه فَدامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ
قال: يقول: لما فقدنا نظيره ومن يكون مثلا له دام كشفنا على حال الفقد عن مثل له، يعني: طلبنا ذلك فلم نجد، وهو قوله:
...... ......... فَدَامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ
أي: زال وبطل لأنا يئسنا عن وجود مثله.
قال: ولم يُفسر أحد هذا البيت تفسيرا شافيا كما فسرته وبينته، ولو حكيت تخبيط الناس فيه، وأقوالهم المرذولة، والروايات الفاسدة لطال الخطب!
وأقول: إنه قد خبّط في قوله: عليه؛ أي: على حال الفقد، وجعل الضمير في عليه لشيء غير مذكور وهو حال الفقد، وإنما الضمير في عليه راجع إلى مثله ويكون على بمعنى عن كقول القُحيف العُقيلي:
إذَا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍلعَمْرُ اللَّهِ أعْجَبَني رِضَاهَا
وقول الراجز:
أرْمي عليها وَهْيَ فَرْعٌ أجْمَعُ
يقول: لما فقدنا مثل الممدوح دام كشفنا عنه، هل نجده؟ فلما لم نجده دام الفقد لمثله بعد دوام الكشف عن مثله، وانكشف الكشف؛ أي: زال أن يكون له مثل.
وقوله:
ولم نَرَ شَيْئاً يَحْمِلُ العِبَْء حَمْلَهُوَيَسْتَصْغِرُ الدُّنْيَا ويَحْمِلُهُ طِرْفُ
لم يذكر ما في هذا البيت!
وأقول: العبء: الحمل الثقيل، فيجوز أن يكون الممدوح يحمل العبء، ويستصغر الدنيا بالإضافة إلى ما يحمله، ومع ذلك يحمله طرف وقد حمل ما تصغر الدنيا عنده فيكون التعجب من شيئين: من حمل العبء الذي تصغر الدنيا عنده، ومن حمل الطرف له ولما يحمله.
ويجوزان يكون قوله: ويستصغر الدنيا لأنه أعظم منها، ويحمله مع ذلك الطرف! فالتعجب هاهنا من شيء واحد؛ ممن هو أعظم من الدنيا كيف يحمله طرف، والطرف جزء من الدنيا صغير؟!
وقوله:
وَلَسْتَ بدونٍ يُرْتَجَى الغَيْثُ دُونَهُولا مُنْتَهَى الجُودِ الذي خَلْفَهُ خَلْفُ
قال: أي لست بقليل من الرجال ولا صغير المقدار، ولست بخسيس يرتجى الغيث ولا ترتجى، وليس وراءك للجود منتهى، والمعنى: أن الجود مقصور عليك لا يرتجى دونك ولا يتجاوز عنك كما قال أشجع:
فلا خَلْفَهُ لامرئٍ مَطْمَعٌولا دُونَهُ لامرئٍ مَقْنَعُ
وقال الطائي:
إليكَ تَنَاهَى الجُودُ من كلِّ وجْهَةٍيَصِيرُ فما يَعْدوكَ حيث تَصِيرُ
قال: وأراد أبو الطيب هذا المعنى وأساء العبارة.
وأقول: إن الذي يُثنى عليه ويُمدح لا يحسن أن يقال له: لست بخسيس ولست بقليل كما ذكر في تفسيره. وقوله
ولسْتَ بدُونٍ يُرْتَجَى الغيث دُونَهُ .........
فيه مبالغة وذلك إنه قدّر إذا رُجي الغيث دونه إنه بخيل، وليس يُبخّل الإنسان بإضافته إلى الغيث أو البحر، وإنما يُبخّل بإضافته إلى إنسان مثله فبقي عيبه أن يُرتجى الغيث دونه فيكون بخيلا فعبر (بدون) بدون (بخيل) لحسن الترديد وازدواج اللفظ.
وقوله:
المُنْهِبَاتُ قُلُوبَنَا وعُقُولَنَاوجَنَاتِهِنَّ النَّاهِبَاتِ النَّاهِبَا
قال: يقول: أنهبته الشيء إذا جعلته نُهبى له. يقول: انهبن وجوههن قلوبنا وعقولنا حتى نهبنها بحسنهن، ثم وصف تلك الوجنات بأنها تنهب الناهب؛ أي: الرجل الشجاع المغوار.
وأقول: لم يرد بالناهب الرجل الشجاع، كما ذكر، وإنما الناهب هاهنا القلوب والعقول، فجعل الوجنات التي نهبتها القلوب والعقول ناهبة لها بحسنها على طريق
القصاص، فكل من الوجنات والقلوب والعقول ناهب منهوب وهذا من قول أبي تمام:
سَلَبْنَ غِطاَء الحُسْنِ عن حُرِّ أوْجُهٍتَظَلُّ لِلُبِّ السَّالِبِيهَا سَوَالبَا
وقوله:
يا حَبَّذا المُتَحمِّلونَ وحَبَّذاوَادٍ لثمتُ به الغَزَالةَ كَاعِبَا
قال: الغزالة من أسماء الشمس، كنى بها عن الحبيبة وأخبر أنها كانت كاعبا حين لشمها.
وأقول: الأحسن، أن تكون الغزالة هاهنا الظبية لذكر الوادي وتقارب الاستعارة بينهما.
وقوله:
يَسْتَصْغِرُ الخَطَر العَظيمَ لوفدهِويَظُنُّ دِجْلَةَ ليس تَكْفي شَارِبَا
كَرَماً فَلَوْ حَدَّثْتَهُ عن نَفْسِهِبِعَظِيمِ ما صَنَعَتْ لظَنَّكَ كاذِبَا
قال: يعني كرما يفعل ما ذكرت. ثم قال: فلو حدثته بعظيم ما صنعه لكذبك استعظاما له. وقد أساء في هذا، لأنه جعله يستعظم فعله، وبضده يُمدح، وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام:
تجاوزَ غاياتِ القلوبِ رَغَائِبٌتكادُ بهَا لولاَ العَيَانُ تُكَذِّبُ
وقال البحتري:
وحديثِ مجدٍ عنكَ أفرَطَ حُسْنُهُحَتَّى ظَنَنَّا إنه مَصْنُوعُ
وأقول: أن قوله: لو حدثته بعظيم ما صنعت لكذبك استعظاما له خطأ بل لكذبك استصغارا له وذلك إنه إذا أخبره بأنه قد فعل عظيما من الجود، ظن إنه يكذب لأنه:
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع