تجاوز إلى المحتوى

من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)

المنصف للسارق والمسروق منه (١٠)

وقال المتنبي:

ونصبنني غرضَ الرُّماةِ تُصيبُنيمِحنٌ أشدُّ من السَّيُوفَ مَضَارِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

ما أحوجه أن تكون القصيدة على قافية اللام، فكان يقول: محن أشد من السهام نِصَالا لأنه لا يقدم ذكر العرض فكان قد وفى الصنعة حقها كما قال الحصني:

في كل يوم لها نُبل معوقهكأنّني غرض تنجوه أو هَدفُ

وكقول أبي نواس:

تعاورتهم سِهامُ الدهرِ فانقرضواكما تيمم نُبْل قَصْد أغْراضِ

وقال المتنبي:

أظمتني الدُّنيا فلما جِئْتُهامُسْتسقياً مَطَرتْ عَليَّ مَصَائِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

وقال ابن الرومي:

وكنت كمستسق سماء مخيلةحيا فأصابته بإِحدى الصَواعق

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

وحبيتُ من خوصِ الرّكابِ بأسْوَدٍمن دراشٍ فغدوْتُ أمشي رَاكِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

هذا معنى أقل من فتحه أبو نواس ولكنه مع افتتاحه إيا جوّده حتى يزيد عليه من احتذاه بعده، وقال:

إِليك أبا العبّاس من بين من مشىعليها امتطينا الحضرميّ المُلَسَّنا
قلائص لم تُسقط جنيناً من الوَجَىولم تَدْرِ ما قَرع الفنيقُ ولا الهَنا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طرحتم من الترحال ذكرا فغمنا»

وقال المتنبي:

حالاً متى علم ابن منصور بهاجاء الزَّمانُ إِليّ منها تائِبَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا من قول أبي تمام المكفور النعمة المجحود المعرفة وهو:

كثرت خطايا الدَّهْر فيّ وقد يُرَىلنداك وهو إِليّ منها تَائِبُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إني أتتني من لدنك صحيفة»

وقد يدخل هذا في اللفظ المدعى هو ومعناه، وقد ألم الحصني بمعنى أبي تمام فقال:

وقد تَحْسِن الأَيام بَعْد إساءةٍويذيبُ صرف الدهرِ ثمَّ يتوبُ

ويقرب منه قول ابن الرومي:

أساءت لي الأيامُ يا بن محمدٍووهنَّ إِليّ اليوم مُعْتذراتُ
أين مطافي حول حقوبك عائذاًفهنَّ لمن أبصرته حذراتُ

وقال ابن المعتز:

وعرفني الدهر عن قربةزماناً فقد تابَ من ظلمِهِ

وقال المتنبي:

مَلكُ سِنانُ قناتِهِ وبنانُهُيتباريان دماً وعرفاً سَاكِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

هذا من قول البحتري:

تلقاهُ يقطرُ سيفهُ وسنانُهُوبنانُ راحِتهِ ندىً ونَجِيعَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»

وهو المعنى بعينه، وللبحتري السبق، فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

يستصغر الخطرَ الكبيرَ لِوفْدهِويظنُّ دجلة ليس تكفي شارِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

أصح معنى منه معنى مسلم حيث يقول:

ليس الجوادُ بمالهِ إلا الذييُعطي الجزيل ولا يراهُ جَزيلا

معناه معنى أبي الطيب فإن أحتسب له محتسب إن قال ويظن دجلة ليس تكفي شارباً معنى آخر عورض بأن يقال له فقد قال ابن الرومي:

فسقاني امرؤ يرى لجةُ البحرِلديه حوضاً من الأَحواضِ

فلجة البحر أكبر من دجلة، والحوض أكثر ما يشرب الشارب إلى بلوغ ريّه فالناقص بازاء الناقص والزائد بازاء الزائد وابن الرومي أحق بقوله.

وقال المتنبي:

كرماً فلو حدّثتهُ عن نَفْسِهِبعظيمِ ما صنعْتَ لظّنكَ كَاذِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال البحتري:

تجاوز غايات العُقولِ مواهبٌتكادُ بها لولا العِياتُ تكذّبُ

وقال أيضاً:

وحديثُ مجدٍ عنك أفْرط حُسْنُهحَتّى ظنّنا أنّهُ موضُوعُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أغدا يشت المجد وهو جميع»

وقال البصير:

يحدث عنه كلَّ بادٍ وحاضرٍأحاديث كالأحلامِ فيها عَجائبُ
أحاديث لولا حقٌ لبسنهلظنّ أناس إِنهنّ كَواذبُ

وقال البحتري:

أغرُّ إِذا عدّتْ مناقِبُ فعلِهِتوهّمتَ أنَّ الحقَّ مِنْهُنّ باطِلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأي أسى تثنى الدموع الهوامل»

فكل من أتى بهذا المعنى يخبر أن غير الممدوح يظن ما سمعه كذباً في إفراطه غير أبي الطيب فإنه جعل أن يكون الكريم متناسياً لصنائعه فأما أن ينساها جملة حتى يظن حديثك بما فعل كذباً فهو بلادة وركود فطنة وقلة معرفة بما أسداه وهو بالذم أشبه منه بالمدح وألفاظ السابقين أرجح وأمدح فهم بما قالوه أحق.

وقال المتنبي:

وعجاجةً تركَ الحديدُ قذالهازنْجاً تبسّمَ أو قذالاً شائِبا

الأحسن في صنعة الشعر لو أمكنه أن يقول: زنجياً تبسم أو قذالاً شَائِبا أو: زنجاً تبسم أو قذالة شَائبا فأتى بالجمع مع الجمع والمفرد مع المفرد

وتخصيصه القذال دون اللحية لا يفيد إلا ما يفيد المفرق، وقد أتى تبسم الزنجي ابن المعتز فقال:

قدْ أغتدي والصبح في مآبِهكالحبشي أفتر عن أنْيابِهِ

كأنّما يُضحك من ذهابِه فهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه جعل العجاج بازاء الليل وجعل الحديد بازاء الصبح، وجاء بالمعنى بعينه والأول أحق به.

وقال المتنبي:

فكأنَّما كُسي النَّهارُ بها دُجَىليلٍ وأطلعتِ الرّماحُ كَواكِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قد أكثر الشعراء في هذا المعنى فمن ذلك قول العتابي:

يبني حَوافرها من فَوق رأسِهاسقفاً كواكبه البيض المآثير

وقال ابن أبي فنن:

تَرى للنّقع فوقهم سماءًكواكبها الأسِنّةُ والنُّصولُ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وكل ما قيل في هذا المعنى يسقط دون قول بشار:

كأنَّ مثار النقع فوق رؤوسهموأسْيافنا ليل تَهاوى كَواكِبُه

هذا شعر يجمع حسن اللفظ والمعنى لأن فيه تشبيهين في تشبيهين

لا يحتاج البيت فيهما إلى غيره، وبيت أبي الطيب يفسّره ما قبله فيكون اللفظ الطويل الذي جاء به الشعراء قبله في الموجز القليل والسابق أحق بقوله.

وقال المتنبي:

أسدٌ فرائسُها الأسود يقودهاأسدٌ تَصيرُ له الأسودُ ثعالبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

صدره من قول ابن المعتز:

أسدٌ فرائسها الأسود ولا تطأإِلاَّ على الآساد يوم حُروبها

وعجزه من قول المريمي:

كم من عدوٍ كان قبلك ضيغماًحتى إِذا ما خيف عاود تعلبا
للشاعر المريمي، اقرأ القصيدة

وقد ألم المريمي ببيت ابن الرومي في قوله:

ليث إذا زأر الليث الهزبر لهلم يحسب الليث إِلا ثعلباً ضبحا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أما الزمان إلى سلمى فقد جنحا»

وكأن بيت أبي الطيب يجمعه معنى بيت ابن المعتز وابن الرومي والمريمي في قوله فقد استوفى الطويل في الموجز القليل فصار أحق بما أخذ وكل

ما أخذه أبو الطيب من هذا المعنى وقلت إنه أولى بما أخذ فقد بقي فضل السبق عليه.

وقال المتنبي:

في رُتْبةٍ حجب الورى عن نَيْلهاوعلا فسموه عليّ الحاجِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

المعاني يتولد بعضها من بعض ويفتحها نظائرها والذي فتح له هذا المعنى ابن الرومي بقوله:

كأنَّ أباهُ سماه صاعداًدرى كيف يرقى في المعالي ويصعد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

ولم يصرف علياً للضرورة فحذف التنوين لسكونه وسكون اللام بعده قال عبد الله بن قيس الرقيات:

تذهل الشيخ عن بنيه وتبديعن حذام العقيلةُ العذراءُ

فقال عن حذام ولن ينون أراد عن حذام.

وقال المتنبي:

كالبدر من حيث ألتفتَّ رأيتهيهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

هذا من قول البحتري:

أشرق للناظرين بدرٌلم يخلُ من نُورِهِ مَكَانُ

وقال المتنبي:

كالبحر يَقْذِفُ للقريب جواهراًجوداً ويقذف للبعيد سحائبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

هذا من قول المريمي:

بحره يغمر القريب وإنْكان بعيداً روّوا تراه السحابُ
للشاعر المريمي، اقرأ القصيدة

وكلام أبي الطيب موفى الأقسام مليح النظام جعله يقذف للقريب أنفس ما فيه وللبعيد أنفع ما فيه وأصل هذا المعنى وفاتحه مسلم في قوله:

هو البحر يغشى سُرّة الأرضويُدرك أطرافَ البلاد سَوِاحلُهْ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «تداعت خطوب الدهر عن جار جعفر»

وقال المتنبي:

كالشمس في كبد السماء وضوؤهايغشى البلادَ مشارقاً ومغاربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال ابن الرومي:

كالشمس في كبد السماء محلُّهاوشعاعُها في سائر الآفاقِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا تكثرن ملامة العشاق»

وهذا يدخل في اللفظ المدعى ومعناه معاً ولم يزد أبو الطيب زيادة يستحقه بها فصاحبه أولى به.

وقال المتنبي:

أمهجِّن الكُرماء والمُزري بهموَتَرُوكَ كُل كريمِ قومٍ عاتبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

ألمّ بقول البحتري في ذكر العتب:

كم آمر ألا تجود، وعاتبٍفي أن تجود، أَبتّه في عتبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «من سائل لمعذر عن خطبه»

وللبحتري أيضاً:

رَدّ معروفُكَ الكثير قليلاًوأرى جودك الجَوادَ بخيلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا»

وقال المتنبي:

شادوا مناقبهم وشدت مناقباًوجدتْ مناقبهم بهنَّ مثالبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

هذا من قول أبي تمام:

مساع لأقوامٍ متى يقرنوا بهامحاسن أقوامٍ تكن كالمعايبِ

أخذه أبو المعتصم فقال:

إِذا نحن عددنا محاسِنَهُ أُعيدتْمحاسن أهل الأرض فيها مساويا

وهذه أبيات تدخل في قسم التساوي.

وقال المتنبي:

تدبيرُ ذي حُنَكٍ يفكّر في غدٍوهجوم غِرٍّ لا يخاف عواقبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال البحتري:

مَلِكٌ له في كل يومٍ كريهةٍإِقدام غرٍ واعتزام مُجَرِّبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

وهذا يساوي قول أبي الطيب مبنى ومعنى فالسابق أولى به.

وقال المتنبي:

وعطاءُ مالٍ لو عداهُ طالبُأنفقتهُ غي أن تُلاقي طَالبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

وإذا أنفق ماله في طلب طالب فوجده لم يبق معه ما يدفع إليه فبالغ وأقلّ التأمل، وقال أبو تمام في هذا:

وكأنَّما ظفرت يداهُ بالمُنىأسراً إِذا ظفرت يداه بمُجْتدِي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

فخبر بفرح من ظفر بمناه إذا ظفر بمجتد يلقاه، فجاد مبناه ورجح معناه بالسلامة من طعن طاعن.

وقال المتنبي:

خذ من ثناي عليك ما أَسْطِيعُهُلا تلزمنِّي في الثَّناء الواجبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قصر الممدود وذلك جائز في الشعر للضرورة ولو قال.

) خذ من ثناي فيك (استراح من الضرورة، فأما معناه فمأخوذ من قول أشجع:

جهدتُ فلم أبلغ نِدَاكَ بمدحةٍوليس على من كان مجتهداً عَْبُ

وقال أبو تمام:

كم أبلغ الواجبفي المدح ولم أترك

وقال ابن الحاجب:

جهدتُ فلم أبلغ صفاتك كلهافقلت على مقدار ما أجتهد الوسعُ

وهي أبيات تدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

ولقد دهِشتُ لما فعلتِ ودونَهُما يدهش الملك الحفيظ الكاتِبا

فقال: دهشت لما فعلت فصيره ثلاثياً وقال: يدهش فصيره رباعياً وهذا تحكم على لسان العرب، وقد أحتج له بعض المحققين به فقال هذا يدل على انفراد ما لم يسمّ فاعله بفعل يختص به كما يختص بعض الفاعلين بفاعل لا يذكر معه المفعول نحو: قام زيد وقعد عمرو، ومثله: حمّ واحمه الله ويرجحه وأبره الله فجعل هذا الرجل ما هو مسموع قياساً يطرد عليه حتى كأنّه في شعر الهذليين وكأنّه ورد عليه من رؤبة والعجاج ما يجعله أهلاً له فأما معنى البيت فموجود في قول ابن الرومي:

أملت على كاتبها حتى أرتبكثُمَّ عدت مهملة بلا ملك

وقد يدهش وهو يكتب فابن الرومي قال: ارتبك حتى صارت مهملة بلا ملك

يليها قصيدة أولها:

نرى عِظَمَاً بالصّدّ والبينُ أعظمُونتّهِمُ الواشين والدمعُ منهمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

صدره من قول القائل:

نشكو بالصدود فجاء الفراقفأنسى الجوارح نار الصدود

وعجزه من قول القائل:

فإِن يك سر قلبك أعجميافإِنَّ الدمع نمّام فصيحُ
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

ذكر أبو الطيب أن الدمع من الوشاة به، والواشي والنمام معنى واحد ولكنه قد اختصر من الكلام الطويل ما جاء به في الموجز القليل واكتفى ببيت من بيتين فهو أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

ومَنْ لبّه مَعْ غيره كيف حالُهُ؟ومَنْ سِرُّهُ في جَفْنِهِ كيف يكتم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

إسكانه) مع (من ضروراته التي يكثر استعماله إياها.

قال مسلم:

يقولون لي: أخف الهوى لا تُبحْ بهوكيف وطرفي بالهوى يتكلَّمُ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أأعلن ما بي أم أسر فأكتم»

فجاء بيت أبي الطيب في نصفه بمعنى بيت مسلم في جميعه وزاد في صدره معنى آخر واستوفى الطويل في الموجز القليل.

وقال المتنبي:

فلم أر بدراً ضاحكاً قبل وجههاولم تر قبلي ميِّتاً يتكلَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال مسلم:

شكوتُ إليها حبها فتبسمتولم أر بدراً قبلها يتبسم

فأتى مسلم بصدر بيت أبي الطيب في معنى بيته فرجح كلام أبي الطيب لأنه زاد في كلامه ما هو من تمامه فصار أحق بما أخذ.

وقال المتنبي:

بفرع يعيدُ الليل والصبح نَيّرٌووجهٍ يعيد الصبح والليل مظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

ألمَّ بمعنى أبي تمام:

بيضاءُ تسري في الظَّلامِ فيكتسينوراً وتبدو في الصباح فيُظلِمُ

وما ملح فيه الخليع الصغير قوله:

بوجه يُعيدُ الليلَ صبحاً كأنّمامشارقه من فَرعها في مغارب

فهو يستولي على معنى بيت أبي الطيب وعبارته أرجح فهو أولى بما قال.

وقال المتنبي:

أَثَافٍ بها ما بالفؤّادِ من الصَّلىورسمٌ كجسمي ناحل متهدِّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال مخلد الموصلي:

يا منزلاً ضنَّ بالسلامسُقيت رَيَّاً من الغمام
لم تترك المزن فيك إِلاما ترك الشوقُ من عظامي

خبر أبو الطيب أنّ نحول الربع وتهدمه كنحول جسمه وتهدمه ولم يشرح العلتين الموجبتين لذلك ومخلد جاء بهما فهو أرجح فإن قيل لأبي الطيب معنى في ذكر حال فؤاده قلنا لمخلد زيادة في الإخبار لعلتين ليستا في بيت أبي الطيب فقد صار أسوأ.

وقال المتنبي:

بَلَلْتُ بها رُدْنيَّ والغيم مُسْعِدِيوعَبْرتُهُ صرفٌ وفي عَبْرتي دمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

هذا من قول الخليع الصغير أعني الحراني:

سقيتُ مياه الغيث إِنّ خُدودناسقين مياه الدمع يمزجها الدمُ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

ولوْ لمْ يكن ما أنهلَّ في الخدِّ من دميلَمَا كان محمرّاً يسيل فَأَسْقَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

أحسن ما قيل في هذا قول بشار:

وليس الذي يجري من العين ماؤهاولكنه نفس تذوب فتقطر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سلبت عظامي لحمها فتركتها»

والدمع ماء فإذا صار محمراً قامت الدلالة على أنه دم واستغنى عن إخبارنا بذلك.

وقال المتنبي:

مُحِبّ النَّدى الصابي إلى بذل مالهصُبّوا كما يصبو المحِبُّ المتيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

) صبوا (حشو لأن الفعل دال على مصدره وقد يرد مثل هذا لنفي الشك وتأكيد الخبر، وهذا من قول البحتري:

يحنُّ إِلى المعروف حتى يُنيلهُكما حنَّ إِلفٌ مُسْتهامٌ إِلى إِلْفِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ومهتزة الأعطاف نازحة العطف»

وقال قبلها أبو تمام:

قد تيّمتْ منه المعالي بامرئٍما زال بالمعروف وهو متيَّمُ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

وأُقْسِمُ لولا أنّ في كل شَعرةٍله ضَيْغماً قُلنا له أنت ضَيْغَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

هذه مبالغة تشبه مبالغة ابن الرومي وهي أشد استحالة منها وهي قوله:

أسدٌ له في كلِ جارحة وعضو مُخلبِ

وقال المتنبي:

أَننقصُهُ من حظهِ وهو زائدٌونَبْخَسُهُ والبخس شيء مُحَرَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

وقال بعد هذا:

يجل عن التَشْبيه، لا الكفُّ لجّةولا هو ضرغامُ، ولا الرأي مخذمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

فإن كان قول أبي الطيب مفهوماً أنه إذا قال: يجل على التشبيه فكلما أورده معلوم أنه دونه ولكن لم يشرح شرحاً شافياً ووكلنا إلى معرفة قصده بالتأمل وقال ابن الجهم:

إِذا نحن شبهناك بالبدرِ طالعاًبخسناك حظّاً أنت أبهى وأجملُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ويظلمُ إن قسناك بالليث تجدهلأنك أحمى للحريم وأبسلُ
ولستَ ببحرٍ أنت أعذبُ مورداًوأنفعُ للرّاجي نِدَاك وأشملُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

فشرح وأغنى عن التأمل فإن قال قائل: فأبو الطيب أدرك مراده في بيت وابن الجهم جاء به في ثلاثة أبيات قلنا لم يشرح الأسباب التي زادها على اللجة والضرغام والسيف ولا يحتسب بهذا الاختصار كقول الحكماء:) البلاغة حذف الفضول وليست طيّ المعاني (وهذا من استيفاء طويل في موجز قليل، ونحن نجعل بازاء الاختصار طول القول في الشرح، فإنّ البيت الواحد لا يغني عن الأبيات الثلاثة لإحواجه إلى التأمل فهذا بهذا.

وقال المتنبي:

ولا يبرمُ الأمر الذي هو حاللٌولا يُحللُ الأمر الذي هو مُبرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

أظهر التضعيف وأخذ المعنى من قول الحصني:

ويحل ما عقد الرجال بكيدهعفواً ويسجل كيده ما أبرما

وقال إبراهيم بن المهدي:

إلى يقظان ذي عرفٍعن الدينار والدرهم
إِذا ما أبرموا أَوْهَىولا يوهون ما أبرم

وقال المتنبي:

ألذُّ من الصّهْبَاءِ بالماء ذِكرُهُوأَحْسَنُ مِنْ يسر تلقَاهُ مُعْدِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

أخذه من قول ابن بسام:

يا نظيراً للبرء بعد السقاميا يساراً أتى على إعدامِ
بأهلا لأعداء وقد نقصالشهر على غفلةٍ من الصوامِ
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

وقال المتنبي:

ولو قال: هاتُوا درهماً لم أجد بهِعلى سائلٍ أعيا على النَّاس درهمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

فتح له بكر بن نطاح هذا المعنى بقوله:

لو لم يكن في الناس إِلا درهمومدحته وافاك ذاك الدرهم

وقال المتنبي:

صفوفاً لليثٍ في ليوثٍ حُصُونهامُتون المذاكي والوشيحُ المُقَّومُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

هذا من قول القائل:

ونحن أناس لا حصون بأرضنانلوذ بها إِلا القنا والقواضبُ

وقال المتنبي:

تغيب المنايا عنهم وهو غائبٌوتَقدْمُ في ساحاتهم حين يَقْدِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال البحتري:

يشهد الأنس حين يحضر فيهمويغيب السرور حين يغيبُ

وهذا من المعكوس، قال ابن أبي فنن:

قدم الندى لما قدمتوغاب عنهم حين غبنا

وقال المتنبي:

مَحلُّك مقصودٌ، وشانيك مُفْحَمٌومثلك مفقودٌ، ونيلُكَ خِضْرمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

أسقط همزة) شانيك (وباب الهمز يسقط في شعره وعمل له مسلم من قوله:

فُعالك محمودٌ ومجدُكَ شامخٌوجودُك موجودٌ ونيلك خِضرمُ

لبيته مثالاً أحتذي عليه.

وقال المتنبي:

وزارك بي دُونَ الملوك تَخرجإِذا عنَّ بحرٌ لم يَجزْ لي التَّيممُ

هذا بيت فقهي يدل على ورع وتحير لا تطلب مع مثله النبوة، وقد أشار إليه أبو تمام بقوله:

لبستُ سواهُ أقواماً فكانُواكما أغنى التيمُّمُ بالصَّعيدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أظن دموعها سنن الفريد»

وقد ألمَّ بهذا المعنى أبو الطيب ومن هذا المعنى قول ابن الجهم:

فلا تكن مستخلفاً منه جاءنافقد من فيوض البحر يجري التيمم

وقال المتنبي:

فَعِشْ لو فَدَى المملوكُ رَبَّاً بنفسهمن الموتِ لم تُفْقَدْ وفي الأرض مسلمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

لا أدري لِمْ قال:) تفقد وفي الأرض مسلم (ولو كان:) لم تفقد وفي الأرض بشر (كان أمدح، وإذا كان المسلمون لا يكبرون عن فديته فليس ينبغي أن يصان المخالفون عن ذلك، فتخصيصه أهل الإسلام بالفدية لا وجه له، والجيد قول ابن دريد:

نَفْسي الفداء لأميريَّ ومَنْتحت السماء لأميريَّ الفَدَا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

وقد أوقفنا أبو الطيب في هذا الاختيار بقوله:

فدىً لك مَنْ يقصِّرُ عن فداكافلا مَلْكٌ إذاً إلاَّ فَدَاكا

فعم ولم يخصص.

ويتلوها قصيدة أولها:

أركائبَ الأحباب إنّ الأدمعاتطيسُ الخُدودَ كما تَطِسْنَ اليَرْمَعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال فيها:

قد كان يمنعني الحياء من البُكافاليوم يمنعُهُ البكا أن يمنعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذا يشبه من الشعر قول ابن الرومي:

فأطلب القلب والذين سَبَوْهُعائقاً كل عائق أن يعوقا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لم يزل قلبه إليهم مشوقا»

ويشبه من الأخبار حكاية حكيت لي: عن علي بن محمد بن بسام: أنّه دعاه صديق له مع نحوي متشرق فثقل على علي بن بسام ثم دعي معه في يوم آخر فتخلف فلقيه النحوي معاتباً على تخلفه، فقال له: ما يمنعك من زيارتنا فقال: يمنعني يمنعك، يريد أنه ثقل الإعراب في يمنعك بمنع الزيارة.

وقال المتنبي:

حتى كأنَّ لِكلِّ عظمٍ رنَّةًفي جلدِهِ ولكلِ عِرْقٍ مَدْمَعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذه مبالغة يشبهها قول ابن المعتز:

ومُتيّم جرح الفراقُ فُؤَادهفالدمع مِنْ أجفانه يَترقرقُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ومتيم جرح الفراق فؤاده»
هزّتهُ ساعة فرقة فكأنّمافي كلّ عضوٍ منه قلبٌ يخفِقُ

ورنين العظام أبعد في المبالغة من خفقان القلوب، وقد قال البحتري:

وكأنَّ لي في كل عُضوٍ واحدٍقلباً يحنُ وناظراً ما يَطْرِفُ
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «بيني وبينك يا ظلوم الموقف»

فقد أتى بمعناه والزيادة في كلامه ما هو من تمامه.

وقال المتنبي:

سَفرتْ وبَرْقَعَها الحياءُ بصفرةٍسترت محاجرها ولم تكُ بُرْقعا

هذا بيت فيه روايتان يروى:) وبرقعها الفراق (ويروى) وبرقعها الحياء (فمن روى الحياء فهو مذهب لأبي الطيب أختص به ومثل هذا قوله:

فمضت وقد صبغ الحياء بياضهالوني كما صنع اللجين العسجدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

ومن روى الفراق، أكذبه مذهبه في الحياء ومن جعل ذلك للفراق فكان ينبغي هذا للفراق أيضاً على مذهبه في تغير الوجه بالخوف أو جعل ذلك للحياء وجعل هذا مثله ليكون المذهب مطرداً، وقد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب قول جالينوس) الحمرة من الخجل، والصفرة من الوجل (ولو جعل مكان الصفرة الحمرة لصح الوزن والمعنى. ومعناه في الصفرة:) سترت محاجرها (فقامت في تخللها إياها مقام البرقع ويقال: برقع وبرقوع.

وقال المتنبي:

فكأنَّها والدَّمُعُ يقطر فوقهاذهبٌ بِيِمْطَيْ لؤلؤ قد رُصِّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

الهاء تعود على كأنّها على الصفرة وتشبيهه الذهب بصفرتها واللؤلؤ بدموعها كثير، وقد قال أبو نواس في صفة الخمر وحبابها:

ذهباً يُثْمرُ دُرّاكلّ إِبّانٍ وحين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «اسقني يا ابن أذين»

وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

كشفت ثلاث ذوائب من شَعرهافي ليلةٍ فأرت ليالي أربَعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

فجعل كل ذؤابة ليلة، وقد قال ابن المعتز:

سقتني في ليلٍ شبيه بشعرهاشبيهة خَدّيها بغير رقيبِ
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «سقتني في ليل شبيه بشعرها»
فما زِلتُ في ليلين بالشعر والدّجىوشمسين من كأسٍ ووجهٍ حبيبِ

فشبه جملة الشعر بالليل واستغنى عن عدد الذوائب وكذلك قال ابن المعتز أيضاً:

نشرت غدائر شعرها لتظلنيخوفاً عليّ من الرقيب المحنقِ
فكأنني وكأنها صبحانباتا تحت ليلٍ مُطبق

وقد رواه ابن قتيبة لغيره ويكون لمن فقد جاء بالغدائر ولم يرد على تشبيهها بليل واحد ولم يفرقها ليالي بعددها، وقد زاد القوم بتشبيه الوجه والشعر في كلامهم ما هو من تمامه فهم أرجح.

وقال المتنبي:

واستقبلت قمر السَّماء بوجههافأرتني القمرين في وقتٍ معا
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «يا بدر تم بالجمال تبرقعا»

هذا يقارب قول القائل:

وإذا الغزالة في السَّماء تعرضتوبدا النهارُ لوقِتهِ يترحَّلُ
أبدتْ لوجه الشمس عيناً مثلهايلقى السَّماء بمثل ما تستقبلُ

ومن ذلك قول أبي دلف:

طلعت والشّمس طالعةًمن رأى شمسين في بلدِ

ومن قول البحتري:

بتْنا ولي قمران: وجه مُساعديوالبدر إذ وافى التمام وأكْملاَ
للشاعر البحتري، من قصيدة «عهد لعلوة باللوى قد أشكلا»

وأحسن من هذا كله قول مسلم:

فبتُّ أسرّ البدر طوراً حديثهاوطوراً أناجي البدر أحسبُها البدرا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «وساحرة العينين ما تحسن السحرا»

فكل الأبيات منه ومنهم تدخل في قسم المساواة، وأما بيت مسلم فيخبر أنه قد أشكل عليه وجهها من البدر قمرة يسر البدر حديثها وطوراً يناجي البدر

لإشكال الخال بينه وبينها فهي زيادة مليحة يحصل له بها فضل السبق والحذق وقال ابن المعتز في كلام مسلم:

موسومةٌ بالحسن معشوقةٌتميت من شاءت وتحييه
بات يرينيها هلالُ الدّجىحتى إذا غاب أرتنيه

فهذا يذكر عند مغيب الواحد أنْ الآخر يريه الغائب بحضوره وقد يستحسن الناس قول البحتري:

أضرّتْ بضوءِ البدر والبدرُ طالعُوقامت مقام البدرِ لما تغيَّبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»

وقوله:) أصرّت (يدل على أن ضوءها فوق ضوئه فينبغي أن يزيد عليه وكيف تكون قائمة مقامه.

وقال المتنبي:

رُدّى الوصال سَقى طُلُولَكِ عارِضٌلو كان وصلُكِ مِثْلَهُ ما أَقْشَعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

يقال: أقشع السحاب وأقلع وخبر بالإقشاع عن الوصل وكان الأحسن في الصنعة أن يقول: لو كان وصلك مثله لم تهجري له وكأن يقول:) لو كان مثل هجرك ما أقشع (وقد ألمّ بهذا المعنى من قول أبي تمام:

ذكرتكُمُ الأنواءُ ذكري بعضكُمْفبكت عليكم بكرةً وأصيلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»

دعا لهم أن تذكرهم الأنواء كذكره بعضهم ليكون بكاؤها متصلاً وهذا من استخراج معنى من معنى لفظهما مفترق ومعناهما متفق وفي بيت أبي الطيب مطعن وكلام أبي تمام لا مطعن فيه فهو أحق بقوله.

وقال المتنبي:

زجلٌ يريك الجوّ ناراً والملاكالبحر والتلّعات روضاً مُمْرِعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال أبو تمام: آضٍ لنا ماء وكان بارقاً يريد يقدم البرق المطر، وقال ابن دريد:

كأنَّما البيداءُ غبّ صوبهبحرٌ طما تَيّارُهُ ثم سَجَا
للشاعر الحسن الصغاني، اقرأ القصيدة

فقد جمع ما فرق غيره وزاد من ذكر الروض في كلامه ما هو من تمامه، وأنشدني أبو الطيب الحريري قال أنشدني أبو عبد الله:

سحابةُ مذاقةُ الأنواءِبحر يُثنيها على البطحاءِ
يعقب بين الضحكِ والبكاءبدت بنارٍ وبنت بماءِ

وهذا مثل قول أبي تمام.

وقال المتنبي:

كبنانِ عبد الواحد الغدقَ الذيأروى وآمن مَنْ يشاءُ وأجزعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

وقد سلك في هذا طريق الخروج المليح إلى ما راده من المديح ولكنه من قول أبي تمام:

بنانُ موسى إِذا استهلّتْللناسِ أغنت عن الغيوثِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «صرف النوى ليس بالمكيث»

ومثله للبحتري في بركة:

كأنها حين لَجّتْ في تدفُّقهايدُ الخليفة لما سال وَاديها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

وأما قول أبي الطيب:) وآمن من يشاء وأجزعا (ليس الأمن الجزع من جنس الري ولا من العبارات عن السحاب، فأما المعاني فمتساوية وكان ينبغي أن

يقول:) أروى به جدب البلاد وأمرعا (والأمن ضد الخوف والصبر ضد الجزع فقد أساء المطابقة ووصف الغيث بما ليس من صفاته.

وقال المتنبي:

تركَ الصنائعَ كالقواطعِ بارقاتٍ والمعالي كالعوالي شُرَّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

ذكر بعض أهل الأدب أن معناه في هذا أنه ترك الصنائع مشرقة مرتفعة وذكر آخر أنه يحارب أعداءه بالصنائع كما يحاربهم بالسيوف والرماح والثاني أشبه بمراده.

وقال المتنبي:

متبسّما لعفاتهِ عن واضحٍتَعْشى لوامعُهُ البروقَ اللُمَّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

شبه ابتسامه بالبرق ولكن في قوله:) تعشى (مبالغة مليحة يريد بشره لعفاته، وقال أبو تمام:

أنسى ابتسامك والألوانُ كاسِفةٌتبسم البرق في جُنحٍ من الظلم

شبه ابتسامه في عجاج الحرب بالبرق في جنح الظلم يريد شجاعة الممدوح.

وقال ابن أبي فنن:

إِذا الغيث خلنا وميض غمامهُيَشقُ الدُجى عنا وعنه بوارقه

وقال المتنبي:

نفسٌ لها خُلُقُ الزمانِ لأنَّهُمُفْنِي النفوس مُفرِّقٌ ما جمّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

نبهه عليه قول أبي نواس:

فما هو إِلاّ يأتي بصرفهعلى كل من يشقى به ويُعادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

وقال المتنبي:

ويدٌ لها كَرَمُ الغمامِ لأنَّهُيسقي العمارةَ والمكانَ البَلْقَعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال ابن الرومي:

خرقٌ يعم ولا يخص بجودهلكنه كالغيث في الأطباقِ

وقال ابن المعتز:

ونصيب بالجود الفقير وذا الغنىكالغيث يسقي مُجْدباً ومرُبعا

وقال آخر يخاطب الغيث:

وأنت تخص أرضاً دون أرضٍوكفَّاه تعمّانِ البلادا

وهذه الأبيات تدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

أبداً يصدَّعُ شعبَ وِفْرٍ وافرٍويلمُّ شعب مكارمٍ مُتَصدِّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذا من قول أبي تمام:

لهُ كلّ يومٍ شملُ مجدٍِ مؤلفٍوشملُ ندىً بين العُفَاةِ مُشَتَّتِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسائلها أي المواطن حلت»

وقال البحتري:

ومعالٍ أصارها لاجتماعٍشملُ مالٍ أصاره لافتراقِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «دع دموعي في ذلك الاشتياق»

فكل هذه المباني والمعاني متقاربة وكذلك هذه المطابقات فالسابق أولى بها.

وقال المتنبي:

يهتزُّ للجدوى اهتزاز مهنّدٍيوم الرّجاء هززتهُ يوم الوَغى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذا مستعمل قال الحطيئة:

كسوبُ ومتلافٌ إِذا ما سألتَهُتهلّلَ، وأهتزّ أهتزاز المهنّد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «آثرت إدلاجي على ليل حرة»

وقال متمم بن نويرة:

تراه كنصل السّيف يهتزّ للنَّدىإِذا لم تجد عند امرئ السّوء مطمعا

وقال ابن أبي فنن:

تراه على العلات تهتز للندىكما أهتز مصقول مضاربه عِضْبُ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

أقصرْ ولستَ بمقصرٍ جزتَ المدىوبلغتَ حيثُ النجمُ تَحْتَكَ فَأرْبَعَا

قال أبو تمام:

يا ليت شِعْري لمن هذي مآثِرُهُماذا الذي بِبُلوغ النجم ينتظرُ

وهذا من قسم التساوي.

وقال المتنبي:

نفذ القضاء بما أردت كأنّهُلك كُلّما أزمعت شيئاً أزمعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذا يشبه قول الأول:

وأقضيةُ الله محتومةوأنت منفذ أقدارها

فأبو الطيب يقول إن نفوذ القضاء بإرادته، وهذا قد صيره منفذاً للقضاء.

وقال المتنبي:

وأطاعكَ الدَّهرُ العصيُّ كأنَّهُعبدٌ إِذا ناديتَ لَبّى مُسْرِعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

يشبه قول أبي تمام في الحرب:

فالحربُ تلزم نفسها لك طاعةفيما أردت بطاعة المتعبدِ

فهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه ويشبه قول القائل:

تصرّفت الدنيا له بقضائِهِفأيّامُها أنّى يشاءُ صوارِفُ

فهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

أكلت مفاخرك المفاخر وانْثَنَتْعن شأوهنّ مكيُّ وصفي ظُلَّعَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

) أكلت (استعارة غير مليحة، ولو قال) فضحت (كان أحسن.

وقال الخريمي:

كم يدٍ أوليتها ويدتدع المتنبي بها وهو حسيرُ

فظالع وحسير متقارب والأول أحق بقوله.

وقال المتنبي:

وجرْينَ مجرى الشَّمس في أفلاكهافقطعن مغربها وجزن المطلعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال ابن الجهم:

فسار مسير الشمس في كل بلدةٍوهبَّ هبوب الريح في البرّ والبحرِ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وجرى الشمس في أفلاكها فمعلوم أنّه يقطع مغربها ويجاوز مطلعها، وقد زاد ابن الجهم ما هو من تمامه، وقد قال ابن المعتز:

فسار مسير الشمس في كل بلدةمن الأرض إلاّ نحو أرض تريدها

وقال ابن أبي فنن:

تذل إِذا ما رضتها لي صعابهاوتأتي على غيري إِذا ما تريدُها
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
تسيرُ مسير الشمس شرقاً ومغرباويحلُو بأفواه الرجال نشيدُها
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

فقول ابن أبي فنن) شرقاً ومغرباً (أجود من قوله لأنها إذا قطعت المغرب فمعلوم أنها قد جازت المطلع.

وقال المتنبي:

لو نيطت الدُّنيا بأخرى مِثْلهاوعممتها خَشيت أنْ لا تَقْنعا

فقال: خشيت لأنه أراد جملة الدنيين وجميع ما فيها فذهب إلى الجمع كما قال ﷿:) قالتا أتينا طائعين (ومعناه لعممتها وخشيت مفاخرك أن لا يقنع لك بالدنيتين وهذا احتجاج ضعيف وذلك أن السماء سبع والأرض سبع على معنى هذا الجمع، فأما الدنيا فلم يقل فيها شيء من هذا ولو قال:) وخشيت (لصح الوزن وكان أوضح بمراده.

وقال المتنبي:

ومتى يُودّي شرح حالك ناطقٌحفِظَ القليل النَّزر ممّا ضيَّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذا من محال الكلام أن المحفوظ ليس من المضيع في شيء والتأمل له ضعيف وهو أن يريد حفظ القليل من جنس الكثير المضيع، وأجود من هذا قول أبي نواس:

فقل لمن يدَّعي في العلم فلسفةًجهلتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

فهذا صحيح يستغني عن التأويل.

وقال المتنبي:

إِن كان لا يدعي الفتى إلاّ كذارجلاً فسمّ النَّاس طرّاً إِصبعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

نصب رجلاً على خبر ما لم يسم فاعله كأنه قال:) لا يدعي الفتى رجلاً إلا كذا (وإصبع غير مليح وقد ذكر بعض النحويين أنه مأخوذ من قول العجاج:

لو كان خلْقُ الله جنباً واحداًوكنتَ في جنبٍ لكنت زائدا

وكان ينبغي أن يقول ينظر إلى قول العجاج وأظنه توهم في مقصد العجاج جنب الإنسان فقال جنبه وإصبعه جزء منه وما أحسب أنه مقصده إنما مقصده: لو كان خلق الله في جنب واحد في الأرض وكنت في جنب آخر لكنت زائداً عليهم كما قال عمر بن أبي ربيعة:

ولو سلك الناسُ في جانبٍمن الأرض واعتزلتَ جانبا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وما ظبية من ظباء الأراك»
ليمّمتُ طيّتها إنّنيأرى حُبها العجب العاجبا

قال المتنبي:

إنْ كان لا يسعى لجودٍ ماجدٌإِلاَّ كذا فالغيثُ أبخلُ من سَعَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

هذا البيت عليل الكلام ضعيف النظام لأنه كأن نحبا فالغيث بخيل فأما أن يجعله أبخل الساعين فليس كل الساعين كالممدوح في سعيه والممدوحون من السعاة لا يبلغون إلى أن يسبقوا الغيث في سعيهم فهذا فاسد، وقد قال أبو تمام:

هو الغيثُ لو أفرطْتُ في الوصف عامداًلأفرطت في وصفيه لم أكُ كاذبا

فأما قول البحتري:

سقيتَ وكان الغيثُ أدنى مسافةًوأضيقَ باعاً من نِداك وأقصرا

فهذه مبالغة حسنة لأنه قال: من نداك المفرط وفاصل بين مفرطين ولم يقل أضيق باعاً من كل ندى وأنجل من كل باذل ندى.

وبعدها أبيات أولها:

أجارُك يا أسْدَ الفراريسِ مكرمٌفتسكُنَ نفسي أم مهاب فمُسلم؟

وهي أبيات فارغة لا يطلب لها استخراج سرقة.

ويتلوها قصيدة أولها:

صلةُ الهجرِ لي وهجرُ الوصالِنَكَسَانِي في السُّقّم نَكْسَ الهِلالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال أبو تمام ما يقرب منه:

أمسى بنو الإِسلام بدراً بعدمامُحِقَتْ بشاشتُه مَحَاقَ هِلالِ

وقال المتنبي:

فغدا الجسمُ ناقصاً والذي يَنْقُصُ منه يزيد في بلبالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال عبد الملك بن عبد الرحيم:

الشوقُ يزداد كلَّ يومٍإِليك والجسم في انتقاصِ

فذكر أن نقصان جسمه لزيادة بلباله، وذكر الأول أن الشوق لزيادته سبب لنقصان جسمه وكان الأجود أن يقول أن زيادة بلباله سبب لنقصان جسمه فقلب الكلام من عبد الملك بن عبد الرحيم فهو صححه وهو أولى بمعناه.

وقال المتنبي:

بطلُولٍ كأنَّهنَّ نجومٌفي عراصٍ كأنَّهنَّ ليالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

أخذه من قول الديك:

ألقى على عَرْصاتها صَرْفُ البلىليلاً يرى الزوار فيه نُجوما
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «ألقى على عرصاتها صرف البلى»

جعل الطلول مكان الزوار في هذا البيت وهذا يساوي ما قال فصاحبه أولى به.

وقال المتنبي:

ونُؤِيَّ كأنَّهنَّ عليهن خِدامٌ خُرْسٌ بسوق خِدَالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حشو لا ينتفع به إنما المعنى أن انعطافه كانعطاف الخلخال سواء كان الخلخال ناطقاً أو أخرس أو على ساق خدل أم خمش، والمليح قول أبي تمام:

أثافٍ كالخُدودِ لطمن خُرْساًونُؤي مثل ما أنفصم السِّوَارُ

فهذان تشبيهان في بيت جميع ألفاظه مفيدة ولا حشو فيها وذكر انفصام السوار تحقيقاً للتشبيه ولم يذكر أبو الطيب انفصامه ومن جاء بزيادة تشبيه وحذف الحشو وخفق التشبيه فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

لا تلمني فإِنني أعشق العشَّاق يا أعذل العذَّالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يساوي قول ابن الرومي:

قافلاً في علوة اللوم أنيمطيب في الغرامِ إنْ لم يقلا

وكذلك قال ابن الحاجب:

ما أزداد عاذله في عذله شرفاًإلا يزيد عياء في تصابيهِ

وقال المتنبي:

ما تريدُ النّوى من الحيّة الذَّوَّاق حرَّ الفلا وبَرْدَ الظّلالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا كلام رديء الصنعة أما قال:) حرّ الفلا وبردها أو حر الهواجر وبرد الظلال (وجملة البيت أنه شبه نفسه بالحية، وهذا مأخوذ من قول أبي تمام:

والفتى من تعرقتْه اللَّياليوالفيافي كالحيَّةِ النّضناضِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بدلت عبرة من الإيماض»

وإذا ورد تشبيه في صحة لفظ فصاحبه السابق أولى به.

وقال المتنبي:

ولحتفٍ في العزِّ يدنو محبّولعمرٍ يطول في الذلّ قالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

هذا يشبه قول بعض الأعراب:

سأعمل نصّ العيس حتى يكفّنيغنى المال يوماً أو غنى الحدثانِ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فللموت خيرٌ من حياةٍ يُرى لهاعلى المرء بالإِقلالِ وسمُ هَوانِ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

ولأبي الطيب زيادة في بيته بالتطبيق بين محب وقال: والعز والذل وقال ابن الرومي:

أبت لي قبول الخسف نفس أبيّةٌتبيع بعزّ الموت ذلّ حياتها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أزر صلة قدمتها أخواتها»

وهو يقرب منه في المطابقة والمعنى لأن الإباء ضد القبول والعز ضد الذل فهو يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

نحن ركبٌ مِلْجن في زيّ ناسٍفوقَ طير لها شُخُوصُ الجمالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

أخذه من أبي تمام:

في فتنةٍ إن سَروا فَجِنٌأو يمّمُوا شُقةً فطيرُ

وقال ابن الرومي:

فلو لاقيتهم في يوم حربٍلقيت الجن في أشباح إِنس

فبيت أبي تمام قد جمع المعنيين واستولى على التشبيهين، وابن الرومي أتى ببيت كامل في معنى واحد، وأتى أبو الطيب في صدر بيته فزاد في كلامه معنى هو من تمامه فأبو تمام أولى بما سبق إليه، وابن الرومي قصر عنهما.

وقال المتنبي:

من نبات الجديل تمشي بها في البيد مشي الأيَّام في الآجال

ينظر إلى قول مسلم:

موفٍ على مهجٍ في يوم ذي رهجٍكأنَّه أَجَلّ يسعى إِلى أَمَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وقال المتنبي:

كلُّ هوجاء للدّياميم فيهاأثرُ النَّار في سليط الذُّبالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

ينظر إلى قول ابن الأحنف:

أحرم منها بما أقول وقدْنال به العاشقون من عَشِقوا
صوت كأني ذُبالةٌ نُصبتتُضيء للنّاس وهي تحترقُ

وقال المتنبي:

من يزرهُ يزُرْ سليمان في المُلْك جلالاً ويوسفاً في الجمالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

هذا معنى متداول فأمّا صدره فمن قول أبي العتاهية:

فكرتُ في ملك هارون فذكرنيفي الأرض ملك سليمان بن داود

وعجزه من قول أبي تمام:

لم يجتمعْ فرق الحُسْن التي افترقَتْمن عهد يوسف حتَّى استُجْمِعَتْ فيه

ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل.

وقال المتنبي:

وربيعاً يضاحُكُ الغيثُ فيهزهرَ الشكرِ من رياضِ المَعَالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

هذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام قد ألمّ فيه بقول ابن الرومي:

أمْطِر جنابي نوالاً يكسه زهراًأنت المُحيّا بريّاه إِذا نفحا

وقال المتنبي:

نفحتنا منه الصّبا بِنَسيمٍرَدَّ روحاً في ميّتِ الآمالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

بينما جاء بيت كله استعارة حتى توهم أن لها حقيقة) نفحت منه الصبا بنسيم (ولا معنى لتخصيصه الصبا بذلك فهو يتعلق برياض المعالي ورد الروح في بيت الآمال: فأما إحياؤه الآمال فمن قول أبي تمام:

أحيا الرجاء لنا برغم نوائبٍكثرت بهنّ مصارعُ الآمالِ

جعل إحياء الرجاء بجود الممدوح، وذكر مصارع الآمال بالنوائب فكلامه أصح استعارة وأولى بالمعنى فأبو تمام بهذا أرجح.

وقال المتنبي:

همُّ عبد الرحمن نفع المواليوبوارُ الأعداء والأموالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يشبه قول مسلم:

تظلّم المالُ والأعداءُ من يَدِهِلا زال للمالِ والأعداء ظُلاَّما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»

وقال المتنبي:

أكبرُ العيب عنده البخل والطّعن عليه التَّشبيه بالرّئْبالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

يقرب من قول ابن الجهم:

وتظلم أن قسنا بك الليث مرةًلأنّكَ أحمى للحريمِ وأبسلْ

وقال المتنبي:

فَخُذَا ماء رجله وأنضحا في المدنِ تأمنْ بواثق الزَّلزالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

هذا مدح غير مستعمل يصلح أن يكون من أوصاف الأنبياء والصالحين، وهو ينظر إلى قول ابن الرومي:

هُمْ حبل الله الذي لو أزالهوحاشاهم ما زال) في (الأرض زلزالُ

وقال المتنبي:

قابضاً كفّه اليمين على الدُّنيا ولو شاء حازها بالشمالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

يقرب من قول جرير:

يا ضبّ قد أمست يميني فاعلمواخُلواً وما شغل القُيون شِمالي

وقال المتنبي:

نفسُهُ جيشه وتدبيرهُ النَّصرُ وألحاظُه الظّبا والعَوَالي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن الجهم:

فهّمتُه جيش وعزمتُه سُرىوفكرته حرب وآراؤُه جُنْدُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وهذا البيت كثير الأوصاف صحيح الأصناف، فأما قوله:) وألحاظه الظبّا والعوالي (فمن قول القائل:

لحظاتُ طرفك في الوغىتُغْنيكَ عن سَلّ السيوفِ

وقال المتنبي:

رجُلٌ طينه من العنبر الوَرْد وطينُ العِباد منْ صَلْصالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال ابن مناذر:

إنا نظرنا ما كان جوهرهفكان مسكاً وكان غيره طِيبا

هذا يدخل في قسم المساواة، ومثله قول أبي العتاهية:

ما أنت يا عتبَ إلاّ بدعةٌ خلقتْمن غير طين وخلق النّاس من طين

لم يذكر ما ذكره مما خلقت منه فقد زاد عليه، وقال ابن الرومي:

حظهم وافرٌ من الروح روحالله لا وافرٌ من الصلصالِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «طل دمع هريق في الأطلال»

وهذه مبالغة يزيد بها على جميعها، وللرومي أيضاً:

جعل الله طينة الناس صِلْصالاوأجراكَ سائغاً سِلسالا

وقال المتنبي:

وبقايا وقارهِ عافت النَّاس فصارت وقارة في الجبالِ

لا شيء أفضل من الحيوان الناطق المميز. وقوله: عافتْ الناس إزراءهم ويشبه ما قاله قول الوائلي:

وبنو المعمر إنّما أحلامهمخلقت جبالاً ما خلقن حُلوما

فنفى عنهم أن تكون حلومهم بل جبالاً وأشبه قوله قول أبي الطيب وإنما قالا هذا على المبالغة لأن الأجسام التي منها الحلوم أخف وزناً من الجبالكما قال ابن دريد:

فلو وزنت أحلامنا في بدننالكانت من الشم الشوامخ أرجحا

فذكر الوزن على المبالغة لأنه شيء أثقل وزناً منها.

وقال المتنبي:

واغتفارٌ لو غيّر السخط منهجُعلتْ هامهُم نعال النِّعالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

فإن كان أراد أن يكون هامهم تحت النعال فكأنّها نعال للبغال على المجاز فهو جائز وأراد نعال الطراقات فيمكن ذلك ومما أستعمل من هذا قول كثير:

وسعى إلى تغيب عِزة نِسوةجعل المليك خُدودهن نِعالها

وقال ابن الرومي:

فأغن في نعمةٍ برغم عدوجعل الله خده لك نَعْلا

ولكن الحصني بالغ فقال:

لا زال شانيك تحت نَعْلِكَلا أكرمه الله بالدنو من قَدمك

فهذا نبهه على أن جعل للنعال نعالاً لأنه جعل هامهم تحت نعال الممدوح كالبغال.

وقال المتنبي:

لجيادٍ يدخلن في الحربِ أعراء ويخرجن من دمٍ في جلالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

زعم أنه يركب أعراء فيخرجن من دم في جلال فدل على فروسته لا يركب خيله غير مسرجة وكذلك قال في قصيدة أخرى:

أو ركبوا الخيل غير مُسْرجةٍفإِنَّ أفخاذهُمْ لها حَزَمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فدل على فروسيتهم بثبوتهم على ظهورها وهذا البيت الثاني بقوله: أو ركبوا الخيل أجود من الأول لأنه يدل على أنهم إن اضطروا ثبتوا عليها، والبيت الأول إخبار أنها تدخل على هذه الهيبة في الحروب وجميع حروب العرب يدخلها خيلها وفرسانها المشهورون يركبونها مسرجة وليس الخلاف لعادتهم من الفضيلة للممدوح وكأنه ينظر إلى قول البحتري:

سُلبوا، وأشرقَتِ الدماء عليهممُحمّرةً، فكأنهم لم يُسْلُبوا
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

وقال المتنبي:

واستعارَ الجديدُ لوناً وألقىلونَهُ في ذوائبِ الأطفالِ

ينظر إلى قول أبي تمام:

أيّ وليدٍ رأى سيوفهُمُفي الحربِ مشهورةً فلم يشبِ؟
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شعري أنى هربت في الطلب»

وقال المتنبي:

أنت طوراً أمرُّ من نافع السَّموطوراً أحلى من السَّلْسالِ

السم يوصف بالتوجيه والإهلال فأما بالمرارة فلا، والجيد قول ابن الرومي:

أسوغُ لخلاّني مساغَ شرابِهمْويلقاني الأعداءُ كالحنظلِ الغضِّ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أسوغ لخلاني مساغ شرابهم»

وقال أبو المعتصم في مثله:

أمرُ على الأعداء من جزع الرّدىَوأحلى إذا شاهقتُه من جني الشهدِ

فجاء) بمر وحلو (ولكنه أتى بشيء يستعمل على المجاز.

وقال المتنبي:

إِنَّما النَّاس حيث كنتَ وما النَّاسُ بناسٍ في موضعٍ منك خالي

يقرب من قول العكوك:

إِنَّما الدنيا أبو دُلفٍبين مبداه ومحتضرهِ
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإِذا ولّى أبو دُلُفٍولّتْ الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

غير أن أبا الطيب أتى بالطويل في الموجز القليل.

يتلوها قصيدة أولها:

أمن ازديارك في الدّجى الرُّقباءإِذْ حيثُ كنت من الظلام ضِياءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال فيها:

قلقُ المليحة، وهي مِسْكٌ، هَتْكُهاومسيرُها في الليل وهي ذُكَاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

أمن هاهنا) كنم (في قول جحظة:

زائرٌ نمّ عليه نورهكيف يُخفي الليل بدراً طَلَعا

وهي في معنى:) إذ حيث كنت من الظلام ضياء (ونظيره قول البحتري:

غاب دجاها، وأيُّ ليلٍيدجو علينا وأنت بدرُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مني وصل ومنك هجر»

ومن إبانته أعني المتنبي عن معناه قوله:) قلق المليحة (يوجب حركتها فيفوح عطرها ومسيرها وهي ذكاء يفضحها والذكاء الشمس، وهذا من قول إبراهيم بن علي الأنباري:

همت بنا حتى إذا أقبلتْنَمَّ عليها المسك والعنبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا موعدا منها ترقبته»

النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المنصف للسارق والمسروق منه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.