من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (١١)
وقال البحتري:
وحاولْنَ كتمانَ التّرحّل في الدُّجىفنم بهنَّ المسك لما تضوَّعا
وملح أيضاً في قوله:
فكأنَّ العبير بها واشياًوجرس الحُلّي عليها رَقِيبا
فزاد معنى آخر في: وشي العبير وجرس الحلّي.
وقال المتنبي:
أسفي على أسفي الذي دلهتنيعن علمه فَبِهِ عليّ خفاءُ
هذا كلام فيه صعود وحدود، وهو يقرب من قول أبي تمام:
أظله البينُ حتَّى إِنه رجلٌلو مات من شغله بالبين ما علما
وكلاهما طلب مبالغة فصارت استحالة لأنه يأسف على الأسف فصار الآن غير مدلة عن الأسف الثاني، وأبو تمام يذكر أنّه لو مات بالبين ما علم، وأي علم له بعد الموت.
وقال المتنبي:
وشكيَّتي فقد السَّقام لأنهقد كانَ لَمَّا كان لي أعضاءُ
أصح من هذا قول القائل:
قدْ صِحتُ واكَبِدِي إذ كان لي كبدٌفالآن قدْ قطعت مِنْ بعدكم قَطَعَا
وقال المتنبي:
مثلث عينك في حَشاي جراحةٌفتشابها كلتاهما نَجْلاءُ
كان يجب أن يقول: فتشابهتا ولكن العين تأنيثها غير حقيقي ولو أستعمل القياس على قوله لقال: فكلاهما أنجل أو فشابهتا وكلتاهما نجلاء.
وقال المتنبي:
نفذت عليَّ السابريّ ورُبماتندقُ الصّعدةُ السَّمراءُ
فأخبر أن عينها نفذت عليه السّابريّ يريد الدرع إعلاماً بشدة الطعنة وأبان مراده باندقاق الصّعدة السمراء وليس هذا من صفات العيون التي توصف بخرق الدروع حتى توصل إلى حشاه جراحه، هذا من صفات السيوف والرماح وخرق الدروع واندقاق الرمح إنما يكون بالتقاء الأجسام وتصادم الأجرام وإنما النظر عرض له تأثير يؤثر في قلبه كما قال ابن المعتز:
عَيني أشاطت بدمي في الهوىفأبكوا قتيلاً بعضه قاتِلهُ
وقال آخر:
وسائلي عن يدي حبيفقلتُ قول الشجيّ المحب
سوادُ عيني كما أراهأسكنه فيَّ سوادُ قلبي
فخبر أن نظر عينه إلى محبوبه أوجب تأثيراً شكاه، هذا هو المعروف من أفعال العيون في القلوب فأما انحراق الدروع على لابسيها فيصلح أن يكون في لقاء الكماة كما قال عنترة:
ومشكٍّ سابغةٍ هتكتُ فروجهابالسيف عن حامي الحقيقةِ مُعلَمِ
قال البحتري في صفة سيف:
يلقى الوغى، والدرع ليس بجنةٍمن حدّه، والدّرعُ ليس بمعقلِ
وقال المتنبي:
أنا صخرةُ الوادي إذا ما زُوحِمَتْوإذا نطقتُ فإِنني الجوزاءُ
لو قال:
أنا صخرة إن زُوحِمَتْونجم إذا نظق
قيل إن الصخرة لا يضرها ما زاحمها وأنه قصر بكلامه في محل النجم، فلما خصص صخرة الوادي
) والجوزاء احتجنا في هذا التخصيص إلى فائدة ولا فرق بين (صخرة الوادي وغيرها ولا بين الجوزاء وغيرها في العلو، وقال: فإذا نطقت فإنني عطارد كان قد دل على ما دلت عليه الجوزاء وخبر عن جلالة النجم وتأثيره في البلغاء والشعراء.
وقال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبّي فعاذرٌألا تراني مُقلةٌ عمياءُ
يساويه قول ابن الرومي:
من لا يرى شمس نكهتهافقد استفاد عماه لي نيلى
وقال المتنبي:
شيمُ الليالي أن تشككَ ناقتيصدري بها أفضى أم البيداء
فقال: أفضى وهو رباعي من أفضى يفضي وكان ينبغي أن يقول: أشد إفضاء فلحن ومعناه أن الليالي تشكك ناقته أصدره أوسع أم البيداء وأسهل من هذا وأقرب وأوضح وأعذب قول ابن الرومي:
يممته بنا المطايا فأفضتْمن فضاء إلى فضاء رحيبِ
وقد قال البحتري:
ليسَ الذي حَلتْ) تميم (وسطها) الدّهناء (لكن صدرك الدَّهناءُ
فنقض باللحن عن مساواتهما، وأتبع هذا بقوله:
فتبيتُ تُسئدُ مُسئداً في نَيِّهاإسآدها في المهمةِ الإِنضاءُ
فالإسآد إعداد الليل ومثله الآساد، وقيل الإسآد سير الليل خاصة، والإنضاء المصدر من أنضاه ينضيه: إذا هزله فإذا به وفائدة هذا الكلام، تبيت هذه الناقة كما يسرع تعبها في شحيمها، والمسئد منصوب على الحال منها والإنضاء مرفوع بمسئد والعائد عليه من هذه الحال الهاء في نيها والإسآد منصوب على المصدر والناصب له مسئد لا تسئد وتقديره فتبيت هذه الناقة تسئد مسئد الإنضاء فإسآدها في المهمة، مثاله:
تبيت هند يصلي مصلياً عمرفي دارها كصلاتها في المسجد
أي تبيت على هذه الحال تصلى فمسئد
فعل الإنضاء وجرى حالاً على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيّها كما يقول: مررت بهند واقفاً عندها عمرو، وقد جاء بمعنى غير لطيف ولفظ غير شريف وفيه من التعسف والتعجرف ما لو ورد عن الأنوه الأودي: ما أشتغل الناس بإخراج وجهه فكيف بمحدث جاء على ساقة الشعراء.
ولا يخلو أن يكون قال هذا لا يعرف وجه الخلاص فأتعب المحتج له لو عرف ذلك وهو قاصد أن يسأل فيجيب حرصاً منه على أن يحسن به الظن في علم العربية ونحن نعلم ضعفه فيها وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فأحسن بأحسن الكلام وأوضح نظام فقال:
رعتهُ الفيافي بَعدَما كان حقبةًرَعاها وماء الروض ينهلُّ ساكِبُهُ
فهذا يرجح لفظه ويفهم معناه وليس فيه من الصعود والحدود ما أوقعنا فيه المتنبي لتعجرفه.
وقال المتنبي:
أنساعُها ممغوطةٌ، وخِفَافُهامنكوحةٌ وطريقُها عَذراءُ
فسر هذا بعض الأدباء فقال معناه أنساعها ممغوطة أي ممدودة وقال: خفافها منكوحة قد أدمتها مقارعة الحصى لما تكلفها من ذلك والعذراء البكر ذكر أنه فصل شدة من سيرها وهذا تفسير نحوي غير عالم بالشعر والمعنى أن أبا الطيب أراد أن خفافها من عادتها معاودة قطع هذه الطريق لم يطأها
خف يؤلم بسفكها أحد لبعدها أو مخافتها فهي كالعذراء التي ما افتضت فطابق بين المنكوحة والعذراء على وجه الاستعارة، كقول أبي تمام:
يسر بذلك مهر مطل إنهينوي افتضاضَ صنيعةٍ عَذراءُ
وقال المتنبي:
بيني وبين أبي علي مِثلُهُشُمُّ الجبال ومثلهنَّ رَجاءُ
نصب مثلهنّ على الحال لأنه نعت نكرة تقدم عليها يريد رجاء مثلهنّ فلما قدم نعتها عليها كما يقول: فيها قائماً رجل.
وقال المتنبي:
وعقابُ لبنات وكيفَ يقطعهاوهوَ الشتاءُ وصيفهنَّ شِتاءُ
أخذ المعنى من البحتري في صفة دمشق:
وكيفَ لا يَحصيها بالهوىوَصيفُها مثلُ شتاء العِراقْ؟
وقال المتنبي:
لبس الثّلوجُ بها على مسالكيفكأنَّها ببياضها سَوداءُ
نبهه على هذا المعنى الديك في قوله:
مشيبٌ في العيون لهُ بياضٌولكن في القلوب له سَوادُ
فهذا استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه نقل المشيب إلى الثلج وكلاهما أبيض وذكر أن بياضها في عيونهما أسود وهذا من فطنة الشاعر الحاذق ولا يفطن له إلا كل جيد النقد للشعر.
وقال المتنبي:
في خطهِ من كلّ قلبٍ شهوةٌحتى كأنَّ مدادهُ الأهواءُ
اختصر من مديحه على حسن الخط، وقال ابن الرومي:
بهِ أمستْ الأهواءُ يجمعها هوىكأنَّ نفوس الناسِ في حُبّه نَفْسُ
وقال البحتري في الخمر:
أفرغتْ في الزّجاج من كلّ قلبٍفهي محبوبة إلى كُلّ نَفْسِ
فهذه أبيات متساوية وهي من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق
ما قصد به إليه.
قال أبو محمد: وقلت أنا في معناها:
عشقتُ من لا ألام فيه ومايَخلُو من اللَّوم كلُّ من عَشِقا
رأى الورى في سواهُ مختلفوأنت تلقاه فيه متفقا
فكلُّ قلبٍ إليه منصرفكأنّهُ من جميعها خُلقا
وقال المتنبي:
ولكل عينٍ قرةٌ في قُربِهِحتّى كأن مغيبه الأقذاءُ
هذا بيت رديء الصنعة لأن القرة ضدها السخنة وكان ينبغي أن يقول:) لكل عين حلا في قربه (ليكون ضد الأقذاء، كما قال أبو تمام:
فأحِلو القذى عَنْ ناظري بأسطُرٍيَكشِفنَ عن كُرباتِ بالٍ بَالي
وقال المتنبي:
من يهتدي في الفعل ما لا يهتديفي القولِ حتّى يَفعل الشُّعراءُ
معناه: من يهتدي ما لا يهتدي الشعراء في القول حتى
يفعل كأنه إذا رأت الشعراء محاسن قوله اهتدت به فكأنه مأخوذ من قول ابن الرومي:
على أنه مِنْ أحْسَنِ القولِ منهممثال ومِنْ أفعالك أمتارها حسنه
ومن قول ابن المعتز:
إذا ما مدحناهُ استعنا بفعلهلنأخذَ معنى مَدْحِنا من فعاله
وكلام أبي الطيب أخفى وأصعب وكلاهما أرق وأعذب أحق بقولهما.
وقال المتنبي:
وإِغَارَةٌ فيما احتواه كأنَّمافي كُلّ بيتٍ فَيْلَقٌ شَهْبَاءُ
فجعل القوافي تغير على ماله حتى كأن في كل بيت فيلقاً شهباء أي تغير كما تغير العساكر، وقد قال البحتري:
بكلُ مُعلاّة القوافي كأنهاإذا أنشِدَتْ في فَيْلَقِ القوم فَيْلَقُ
وقال المتنبي:
من يظلم اللؤماء في تكليفهمأن يصبحوا وهُمُ لهُ أكفاءُ
إن كان الممدوح فقد قصر في مدحه لأنه كان ينبغي أن يقول: من يظلم الكرماء في تكليفهم ليدل أن الكرماء دونه وأن شأوه في الكرام لا يلحق ومداه لا يدرك كما قال هو:
أمهجِّنَ الكرماء والمُزري بِهِموتروك كُلّ كريمٍ قَومٍ عاتبا
فأما اللئام إن كلفهم أن يكونوا مثله فما كلفهم إلا وهو مقتصد في الكرام إن كلفهم غايته فيه فليس إعجازها إياهم بمدح طائل ولا أدراكم إياه بفخر معجز، والجيد قول البحتري:
أما للعُلى من طالبٍ فتمهلاولو طُلبنْا ما كان مِثلك يلحَقُ
فمنع من لحاقه، وقال البحتري:
أيّها المُبتغي مساجلة) الفتحِ (تمنيت نيل ما لا يُنالُ
وقال آخر:
إنّ للناسِ غاية للمعاليوقفوا عِندها وأنت تَزيدُ
وقال المتنبي:
ونديمهم وبهم عرفنا فَضلهُوبِضدها تتبين الأشياءُ
هذا من قول القائل:
ضِدّان لما استجمعا حَسُناوالضدُّ يظهر حسنه الضدُّ
ويشبه قوله قول الحصني:
ولم يك لولا الشر للخير حامداًكذلك لولا النَقص لم يُعرف الفَضلُ
ومنه قول ابن المعتز:
وبخيلٍ ذو سخاءٍ ولولابُخلُ هذا ما قيل هذا كَريمُ
وهي معانٍ متساوية فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
فالسلمُ يُكسرُ من جناحَيْ مالِهبنواله ما تجبرُ الهَيجاءُ
يريد أن السلم يذهب بما غنمه في الحرب من أعدائه وهو غير موضح المعنى، وقد أوضح المعنى أبو تمام في قوله:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍأغارت عليهم فاحتوتهُ الصَّنائعُ
وكرره فقال:
إلى سالبِ الجبّار بيضَة ملكهوسائله غادٍ عليه فَسالُبُهْ
وأعاد ذلك في قوله:
تَغدو مع الحرب للأرواح مغتنماًفإِنْ سُئِلْتَ نوالاً رُحتَ مغتنماً
فلفظ أبي تمام أوضح وأرجح فهو أولى بقوله مع التقدم.
وقال المتنبي:
يُعطي فتعطي مِنْ لُهى يدهِ اللُّهَىوتُرى برؤيةِ رأيه الآراء
يريد تعطي العطايا من عطاياه ويروى بحزم رأيه الآراء حازمة، وقد جود البحتري في هذا المعنى وملح فقال:
ملأتْ يداهُ يدي، وشرَّد جودُهُبُخلي فأفقرني كما أغناني
حتّى لقد أفضلت مِن أفضالِهِورأيتُ نهجَ الجودِ حين أراني
ووثقتُ بالخلف الجميل مُعجّلاًمِنهُ فأعطيتُ الذي أعطاني
فأتى البحتري من الزيادة في هذا المعنى بما ينوب بعض بيت منه عن بيت
أبي الطيب فصار أحق به لزيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
وكأنهُ ما لا تشاءُ عداتُهُمُتمثلاً لوفوده ما شاءُوا
هذا في قول النابغة:
فتىً تم فيه ما يسرُّ صديقَهُعلى أنَّ فيه ما يسوء الأعاديا
وقال أبو تمام:
آبو بُنى السبل العافين لأبرمإذا توافوا ولاقط إذا سألوا
كأنّما خلقوا أخلاقهم لهمفجاء لا حبس بها ولا بخلُ
فبيت النابغة مساو بيت أبي الطيب بغير فرق، وقول أبي تمام) كأنما خلقوا أخلاقهم لهم (يشبه:) متمثلاً لعفاته ما شاءوا (وزاد أبو الطيب في كلامه ما هو من تمامه فهو أحق بقوله من الذي أخذه.
وقال المتنبي:
يا أَيُّها المُجدي عليه رُوحُهإذ ليس يأتيه لَها استجداء
ينظر إلى قول أبي تمام:
ولو لم يكن في كفهِ غير نَفسِهِلَجاد بها، فليتق الله سَائِلُهْ
معناه: لو استجديت روحك لجدت بها، فقد أجدى عليك بها من لم يستجد منك نفسك، وأبو تمام: لو سئلت روحك لجدت بها ثم حذر السائل من طلبها منه. فهما مبنى ومعنى يتناسبان ولأبي تمام زيادة من تحذير السائل الإثم.
وقال المتنبي:
لا تكثرُ الأموات كثرةَ قلّةٍإلا إذا شَقِيَتْ بك الأحياءُ
لأبي الطيب أبيات المثاني ضئيلة المعاني إذا وقع التفتيش منها على اللفظ الهائل لم يظفر منه بطائل كأنها ثياب خلقان لها روعة وليس لها مفتش ومعناه: إذا ذكرت الأموات قلت الأحياء فشفيت بفقدك فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو ينظر إلى قول الخنساء:
أمن بعد عمر ومن آل الشريدحَلّتْ به الأرضُ أثقالها
أي كأنّما كانت مشدودة بحياته فملت بموته أثقالها، وقد روي أن جلت من الجلية أي زينت الأرض أثقالها.
وقال المتنبي:
لم تُسم يا هارونُ إلا بعدما أفترعت ونازعت أسمك الأسماءُ
فغدوتَ وأسمك فيك غير مشاركهوالناسُ فيما في يديك سواء
هارون اسم أعجمي لا أعلم له أشتقاقاً، وهو أسم مستعمل وقد يسمى به الناس قديماً وحديثاً وليس له بمعنى ينفرد به ولا هو أول من سمى به فكيف صار غير مشارك فيه، ما أعرف ما انفرد به منه ألفظه أم معناه؟ وذكر أن الناس شركاؤه في ماله دون أسمه، والمفهوم قول ابن الرومي:
يا من غدا ماله في الناس مشتركاًومن توحَّد بالمعروفِ وانفردا
وقال ابن الرومي:
مُشترك المال لا يحصلهمحصلُ الفضل غيرُ مُشترك
فجعله مشتركاً) في المال (غير مشترك الفضل فأتى بتحسين في المشترك والمحصل.
وقال المتنبي:
وامدحت فلا لتكسب رفعةًللشاكرين على الإِله ثَناءُ
هذا من قول القائل:
فلو كانَ يستغني عن الشكر ماجدٌلرفعه قدراً أو علّو مكانِ
لما ندب الله العباد بشكرهفقال اشكروني أيها الثَقلان
ولكنه قد جاء بمراده في بيتين وأتى به المتنبي في بيت واحد فاستوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
لمْ تلق هذا الوجه شمسُ نهارناإلاّ بوجهٍ ليس فيه حَياءُ
قال نصر الخبزأرزي:
ولو لم يكن بدرُ الدُّجى ذا وقاحةٍلما كان في أرضٍ بها أنت تطلع
قول نصر أعذب ولا زيادة لأبي الطيب بفضله فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
فبأيِّما قدمٍ سَعَيْتَ إلى العلاأدمُ الهلال لأخمصيك حِذاءُ
أدم استعارة ليست عذبه وهي من قول كثير:
وسعى إلى تُعيب عزة نِسوةجَعل الإِله خُدودهن نِعالها
فأدم الهلال استعارة وخدود النسوة استعارة وهو مما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولك الزّمانُ من الزّمانِ وقايةولك الحمام من الحِمامِ فِدَاءُ
يشبه قول أبي تمام:
وأنا الفداءُ إذا الرّماحُ تشاجرتلك والرِّماحُ مِن الرِّماح لك الفِدا
فهذا البيت وإن اختلفت ألفاظه فهو يشبه الأول في التأليف.
وقال المتنبي:
لو لم تكن من ذا الورى اللذّ منك هوعَقِمَتْ بمولدِ نَسلِها حَواءُ
) اللّذ (بمعنى الذي لغة مستعملة. قال كثير:
فلمْ أرَ بيتاً كان أكثر بهجةًمن اللّذ لهُ من آل عزة زائرُ
وبيت أبي الطيب فيه تجاوز فائق به عن الأنبياء والأشراف والصالحين. وقال ابن الرومي:
ولأن يهيّأ للزمان أُولاكمإنَّ الزمان بمثلكم لعقيمُ
وليس هذا مثل ذاك لأن ابن الرومي قال: هذا في زمانه الذي قد ختمت فيه رسالة النبيين ومضى فيه من سلف الصالحين وأبو الطيب ضيق التأول له بذكر) حواء (فلم يدع للمتأول مساغاً.
ويتلوها قصيدة أولها: ومنزلٍ ليس لنا بمنزلٍ يقول فيها: أغناهُ حسنُ الجيد عن لبس الحُلي
هذا ينظر إلى قول أبي تمام:
كأنَّ عليها كلّ عقدٍ ملاحةًوحُسناً وإن أمست وأضحت بلا عقدِ
وأشار له إلى هذا المعنى ابن الرومي في قوله:
لم يكتحل مقلتَها إلا الكحلولا يحلّي جِيدها إلا العطل
وقال المتنبي: لهُ إذا أدبَرَ لحظ المقبلِ قال ابن الرومي:
والفؤادُ الذكي للمطرق المُعْرض عينٌ يرى بها ما وراء
وقال المتنبي: إذا تلا جاء المدى وقد تُلِي ينظر إلى قول أبي النجم: فوافت الخيل ونحن بَشْكَلَهْ وقال المتنبي: آثارُها أمثالها في الجندلِ
كل أثر يشبه ما أثر فيه ولكن المبالغة في تأثيرها في الجندل شديد ونهاية، وقد أتى بتأثير حافر الفرس في الصخر بعض العرب. فقال: أنشده علي بن سليمان الأخفش:
حوافُر كالعنبر المفّلقينقشن في الصَّخر صدور الزُّرق
وقال المتنبي: مُوثِق على رماحٍ ذُبَّلِ من قول أبي دؤاد:
سلهبٌ شرجبٌ كأنَّ رماحاًحملتهُ وفي السَّراة دُمُوجُ
فجاء بمعناه وزيادة.
وقال المتنبي:
ذي ذنبٍ أجرد غير أعزلِيخطُّ في الأرض حساب الجُمَّلِ
وحساب الجمل بأشكال مقصودة لا يرد مثلها بسحب الكلب ذنبه اتفاقاً وأيضاً فليس توصف الكلاب بسحب الأذناب وربما أستعمل ذلك في الخيل أن أذنابها سائلة فما قيل في ذلك:
جموم الشدِّ شائلُة الذُّنابيتَخال بياض غُرتِها سِراجا
فأما الكلاب فما ذكر فيها سحب الذنب، وقال أبو نواس: شائلة الأذنابِ كالسياط.
وقد نحا أبو الطيب تشبيه أبي نواس فقال: لو كانَ يُبلى السّوط تحريك بلى وقال المتنبي: وعقلةُ الظبي، وحتفُ التَّتْفُلِ استعارته في) عقلة (يبعد عن استعارة سيد الشعراء في قوله:
وقد أغتدي والطير في وكناتهابمنجردِ قَيد الأوابدِ هَيكل
) فقيد الأوابد (هي نهاية حسن الاستعارة.
وقال المتنبي: أفتر عن مذروبةٍ كالأنصُلِ هذا من قول خلف الأحمر
وحيةٌ مسكنها الرمالُكأنّها إذا انثنت خلخالُ
لطرفها في الظلم اشتعالٌكأنما أنيابها نِصالُ
وقال المتنبي: مركباتٍ في العذابِ المنزلِ أنيابها مركبات في أحناكها وهي لا تضر ولا تنفع في الطرد وكان ينبغي أن يقول مركب فيها العذاب المنزل.
وقال المتنبي: كأنّه مِنْ علمه بالمقتل علم بقراطٍ فصاد الأكحل جعل الكلب مميزاً عارفاً بالمقاتل وإذا كان معلماً لبقراط لم يؤثر له قتل ما يصد بل سلامته وإمساكه على أصحابه حياً لأنّ مقصد أبقراط في الفصاد سلامة الأجسام وأملح من قوله قول ابن المعتز:
فلمّا غدتْ خيلنا للطرادِجَعلنا إلى الدّير ميعادها
فقادَ مكلّبنا ضُمَّراًسلوقيةً طالما قادها
مُعَلّمةً من نبات الرياحِ إذا سألت عَدوها زادها
هذا الكلام في عدوها والعبارة عنها أنها إذا سألت عدوها زادها في نهاية الملاحة:
وتخرجُ أفواهها ألسناًكشقِ الخناجرِ أغمادَها
فأمسكنَ صيداً ولم تدمِهِكضمِّ الكواعب أولادَها
فأخبر أنها لا تدمي الصيد وكلب أبي الطيب تعمد مقاتل الصيد، وقد خبرت عن الكلب بمثل ما خبر عنه ابن المعتز فقلت:
لئيمٌ لا يزال يلم وفراًلوارثه فيدفع عن حِمَاهُ
ككلب الصَّيد يُمسك وهو طاوٍفريسته ليأكلها سِواهُ
وقد خص أبو الطيب أسلم العروق والباسليق والقيفال أعظم خطراً وأخرى أن يكون في فصد المقتل أبلغ، فأما قول أبي العباس الناشئ:
يقصد أخذ مفصل من مفصلٍكأنّها عالمةٌ بالمقتل
فإن كان أراد معنى أبي الطيب فمنه سرق وإن كان أراد أنها تتجنب مفاصل المقاتل، وتنشب أظفارها فما يسلم منه الصيد فهو ضده وقد ينساغ فيه التأويل لأنه ما أبان مقصده.
وقال المتنبي:
إذا بقيت سالماً أبا عليفالملكُ لله العزيز ثُمَّ لي
هذا لفظ فيه تجاوز وهو يشبه قول يحيى بن هلال العبدي:
ملكٌ ليس فوقه عزُ ملكما خلا ذا الجلالِ والإعظامِ
ويتلوها قصيدة أوّلها:
أحلماً نَرى أمْ زماناً جديداًأمِ الخلقُ في شخص حي أُعيدا
عجزه في قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكرٍأنْ يجمع العالم في واحِدِ
وصدره من معنى آخر يزيد على بيت أبي نواس.
وقال المتنبي:
تجلّى لنا فأضاءنا بِهِكأنّا نُجومٌ لقينا سُعودَا
قال ابن الرومي:
طلعت فيه طلوع البدر وافقهطلوع سعدٍ فوافاهُ لميعادِ
وقال البحتري:
وكالبدرِ وافاه لوقتٍ سعودهفتمّ سناهُ واستهلت منازلُه
وقال المتنبي:
أميرٌ أمير عليه النَّدىجوادٌ بخيلٌ بأن لا يجُودا
هذا البيت الملفق من بيتين أما أحدهما فقول أبي تمام:
ألا إنّ الندى أضحى أميراًعلى مالِ الأمير أبي الحُسين
وباقيه من قول البحتري:
وبخيلٌ بالعرضِ تصدُرُ مِنهجمل النيلِ عن جوادٍ بخيلِ
ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
يحدث عنْ فضلِهِ مكرهاًكأنّ لَهُ منه قَلباً حسودَا
ينظر إلى قول أبي تمام:
وكأنّما نافستَ قدرك حظَّهُوحسدتَ نفسك حينَ إذ لم تُحسدِ
وقال ابن الرومي:
إن كانَ يحسد نفسه أحدٌفلا زعمتك ذلك الأحدا
يومٌ يثار به ندى غدهلا زالَ دأبُك هكذا أبدا
وقال المتنبي:
كأنَّ نوالكَ بعضُ القَضَاءِفما تُعطِ منهُ نجدْهُ جُدُودا
معنى هذا البيت وذلك أنه يريد كأن نوالك بعض القضاء فإذا وصلت أحداً ببرٍّ سعد به وشرف فصار جداً له ثم جمع جداً، وهذا كلام ضعيف قد قصر به دون إرادته فكأن كل القضاء للناس جدوداً فإِذا صار نواله بعضه صار جداً لمن ناله والقضاء جار على الخلق ومنهم المجدود والمحروم. وقد أخذ هذا المعنى من أبي تمام ومسخه وماسخه وذلك قوله:
تُدعى عطاياه وفراً وهي إن شهرتكانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلتُ منتظراً أعجوبة عنناحتّى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
وقال أبو خالد المهلبي:
شَرف للشريف منك نوالكم نوالٍ تعافه الأحرارُ
والشعر إن أحسن من شعره ولأصحابها فضل التقدم.
وقال المتنبي:
وربّتما حملة في الوغىرددت لهُ الذّبل السّمر سُودا
الذي جرت به العادة أن يوصف الدم بالحمرة، كما قال عمرو بن كلثوم:
بأنّا نورد الرايات بيضاًونصدرهن حمراً قد روينا
فأمّا إقامة الشاهد على صفة الدم بالحمرة فلا معنى له لأنّ المشاهدة فيه تنوب عن الخبر، فأما صفته بالسواد فسمعته في شعر منصور النمري:
يُروى بكفيه صُدور القنامِنْ علق الرايةِ مِسودّ
وأظنه يكون من كسل الطاعن لا يمسح قناته حتى يجمد عليها الدم فيعبر عن حمرته إلى السواد وذلك يثنى حدّ شبائها.
وقال المتنبي:
وهولٍ كشفتَ ونصلٍ قصفتَورمحٍ تركتَ مباداً مُبيدا
ولو أمكنه مبيداً مبادا كان أجود لأنه إنّما يندق في المطعون بعد الطعن
فبيده ويبيد بالاندقاق وذكر الهول حشو وكان ينبغي أن لا يخرج عن ذكر السلاح وأن يقول:
وَدرع هتكت ونصلٍ قللتورمح تركت مُباداً مُبيدا
وقوله: مباداً مبيداً بمعنى قول أبي تمام:
وما كنت إلاّ السيف لاقى ضريبةًفقطعّها ثم انثنى، فتقطّعا
والعبارة عن السيف بالتقطع وعن الرمح بالتقصف أشبه، وأظن أبا تمام أخذ المعنى والبعيث في قوله:
وإنا لنُعطي المشرفية حقهافتقطعُ في أيمانِنا وتقطَّعُ
وقال المتنبي:
ومالٍ وهبت بلا موعدٍوقرنٍ سبقت إليه الوَعيدا
يشبه قول البحتري:
يُمضي المنايا دراكاً ثم يُتبعهابيضُ العطايا، ولم يُوعد ولم يَعِدِ
وقد خالفهما ابن الرومي فقال:
تُعطي الجزيل بلا وعدٍ تقدّمهولا تعاقب إلا بعد إبعاد
وكلام ابن الرومي أصح وأرجح وهو يوافق أدب الله ﷿ في أنه لا يعد إرسال الرسل والنبيين كما قال:) وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يُبين لهم ما يتقون (.
وقال المتنبي:
بهجرِ سيُوفِكَ أغمادَهْاتَمنَّى الطُّلى أن تكونَ الغُمودَا
تفسير هذا الكلام أن سيوفك لا ترجع إلى أغمادها بل تضرب بها أعناق أعدائك دائماً فتتمنى الأعناق أن تكون غمود سيوفك حتى لا تجتمع معها أبداً وأتبعه بقوله:
إلى الهام تصدر عن مِثلِهِترى صدراً عن وُرودٍ وُرودا
معناه: أبداً سيوفك تصدر عن هام إلى هام أخرى فهي إذاً صادرة عن هام واردة هاماً فينبغي أن يكون هذا الممدوح لا يفتر ساعة عن لقاء أعدائه ولا تستقر سيوفه في أغمادها. وهذه معان فخمة المسموع ضئيلة المنفوع ولأنه من ذكرها لنفي لضماننا في الكتاب إنا نخلط السرقات غيرها من ذكر الغث والمحالات واللجون الواردات.
وقال المتنبي:
قتلتَ نفوس العدا بالحديد حتى قتلت بهنّ الحَديدا
العبارة بالقتل عن الحديد غير مليحة ولكنه يريد التقطع، وما أراد إلاّ معنى أبي تمام في قوله:
وما كنتَ إلاّ السّيفَ لاقى ضريبةًفقطعها ثُمّ انثنى فتقطَّعا
فتقطع الحديد أحسن عبارة من قتله.
وقال المتنبي:
فأنفذتَ من عيشهنَّ البقاءَفأفنيتَ مما مَلكتَ النّفوذا
يشبه كلام أهل التصوف ومعناه والله أعلم: أنّك أنفدت بقاء نفوس العدى وأبقيت نفاد ما تملكه) من (النقود والنافد عدم لا يعبر عنه بناف، هذا كلام غير محصل ولفظ لا يعقل.
وقال المتنبي:
كأنّكَ بالفقر تَبْغي الغِنىوبالموت في الحرب تَبْغي الخُلودا
قال الوائلي:
تأتي الوغا عجلاً كأنّك تبتغي طول البقاء من الفناء الأعجلِ
وقد زاد أبو الطيب عليه بمعنى آخر فهو بالزيادة أحق، وقال أبو تمام:
يستعذبونَ مناياهُمْ كأنّهمُلا ييأسون من الدّنيا إذا قُتلوا
ويتلوها قصيدة أوّلها:
أبعد نأي المليحةِ البخَلُفي البُعْدِ ما لا تكلَّفُ الإِبلُ
معنى البيت: أن بخلها أبعد من نأيها عني لأن بعد الديار تكلّفه الإبل فيقربه وبعد القلوب لا يقدر على تقريبه الإبل وأول من أشار إلى هذا المعنى المثقب في قوله:
أفاطمُ قبل بينك مَتِّعينيومَنْعُك ما سألتُ كأنْ تَبيني
وقال أبو تمام:
فعلامَ الصّدودُ في غير جُرمٍوالصّدودُ الفِراقُ قبل الفِراقِ؟
وقال الآخر:
تدنو الديار وأنتَ تبعد جاهراًوإذا القريب جفاك وأنت بعيدُ
ومما يدل على إرادته فيه واختصار الإشارة في لفظ شريف ومعنى لطيف القائل وأظنه أبا ذؤيب في قوله:
فما ساكناتٌ عند منقطع اللوىبأبعدَ مِنْ ليلى وهاتيك دَارها
وجميع هذا البيت إذا قيست إلى بيته كان من نقل العذب من القوافي إلى المستضعف الجافي والسابقون مع التقدم أولى به.
وقال المتنبي:
ملولةٌ ما يدومُ ليس لَهامن مللٍ دائم بها ملَلُ
أطلق مللها ما يدوم، وأنه لا ملل لها من ملل دائم فقد صار كلامه يشبه قول ابن الرومي:
ليكفك من رجعاتٍ الملولفإن الملول يمِلُ المَلالا
ويشبه قول القائل:
لا تأمنن الدهر ذا ملةأحدثَ بعد الوصلِ هِجرانا
يملّ هذا مثل ما ملّ ذافيرجعُ الوصل الذي كانا
وقال المتنبي:
كأنّما قدّها إذا انفتلتْسكرانُ من خمر طرفها ثَملُ
قد ملح بأن جعل قدها سكران من خمر طرفها فزاد في المعنى ما هو من تمامه وإلا فقد سبقه الشعراء إلى تشبيه القدود بانفتالها وتثنيها بقدود السكارى فأولهم عمرو بن كلثوم:
إذا ما رحنَ يمشين الهُوينىكما اضطربت مُتونُ الشَاربينا
وآخرهم من المحدثين البحتري:
توهمتُها ألوى بأجفانها الكرىكرى النوم، أو مالتْ بأعطافِها الخمرُ
ذكر) كرى النوم (حشو وليس فيه إخبار بأن حشوها سكر من خمر طرفها، فصار لأبي الطيب زيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
بي حَرّ شوقٍ إلى ترشُّفهاينفصل الصّبرُ حينَ يتصَّلُ
فيشبه لفظ هذا البيت في الملاحة لفظ القائل:
وليست بذكرى تارة بعد تارةٍولكنّها موصولة مالها فَصْلُ
وأغرب أبو الطيب بقوله:
ومهمه جُبْتُهُ على قدمِيتعجزُ عنه العرامسُ الذُّللُ
لأن قطع المهامه على الأرض من صفات الفتوح فأما قطعها على الإبل فمن عادة العرب، كما قال مسلم:
وبولدةٍ لمطايا الرّكبِ منضيةٍأنضيتُها بوحيف الأَنْيُقِ الذُّلُلِ
وقال المتنبي:
بصارمي مُرتدٍ، بمخبرتيمجتزئ، بالظلامِ مُشتمِلُ
ولو قال:
بصارمي مرتدٍ وملتحفٍوبعزمتي بالظلامِ مُشتمِلُ
كان أجود في الصنعة لتكون الثلاثة الألفاظ من جنس واحد ارتداء والتحاف واشتمال.
وقال المتنبي:
إذا صديقٌ نكرتُ جانبهُلم تُعيني في فراقِهِ الحِيلُ
يقرب من قول أبي نواس:
كذاك إنّي إذا رزئتُ أخاًفَليس بيني وبيني شيبُ
وقال البحتري:
وإذا الفتى لزم التَّباعُدَ واكتسىكبراً عليّ فلستُ من أَصحابِهِ
وقال أيضاً:
وإذا ما تنكرتْ لي بلادٌأو صديقٌ فإِنَّني بالخيارِ
وقال المتنبي:
في سعةِ الخافقين مُضطربُوفي بلاد مِنْ أختها بَدَلُ
قال ابن حازم:
الله قد عوّدَ الحسنى، فما برحتْعِندي لهُ نعم تترى وتتصلُ
إن ضاق بي بلدٌ هيّا لهُ عوضاًوإن جفاني صديق كانَ لي بدلُ
وقال أبو دلف:
عن كل أرضٍ نَبَتْ بالحر مضطربٌفي غيرها وله من أهلها بَدلُ
وقال الحصني:
وإن منزلٌ ضاقت عليك عُراصهفلمْ تضق الدنيا ولا سدت السُبلُ
وهذه تدخل في قسم المساواة. ومن الخروج المليح إلى ما أراد من المديح قوله:
وفي اعتمادِ الأمير بَدْر بن عمّارٍ عن الشَّغلِ بالورى شُغلُ
وقال المتنبي:
هانَ على قلبه الزّمانُ فمايبينُ فيه غَمُّ ولا جَذَلُ
هو من قول هرمة:
ولستُ بمفراحٍ إذا الدهور سَرنيولا جازعٍ من صَرفه المتقلبِ
وقال البحتري:
قليل السّرور بالكثير ينالُهفتحسبُهُ وهو المظفَّرُ، مُخفِقَا
وهذه أبيات متساوية فالسابق أولى بها من السارق.
وقال المتنبي:
يكادُ من طاعة الحمام لهُيقتلُ مَنْ مَا دَنَا لهُ أجَلُ
قال ابن أبي عيينه:
متى أغضبُ على قومٍ يموتواولم يترك لهم أجلاً كِتابُ
وهو يساويه في مبناه ومعناه والسابق أحق به.
وقال المتنبي:
أُشفقُ عند أتقادِ فكرتهِعليه مِنها أخافُ يشتعِلُ
وقال البحتري:
وكأنَّ الذّكاء يبعثُ مِنهُفي سواد الأمورِ شُعلةَ نارِ
وقال ابن الرومي:
وإن عنتْ بذهاب الرأي معضلةٌأذكى فطناً أذكى من اللهبِ
وقال المتنبي:
أغرّ أعداؤهُ إذا سلمُوابالهرب استكثروا الذي فَعَلوُا
قوله:) أغرّ (لا يشبه ما تبعه من الكلام إنما ينبغي أن يقول:) يقطان أعداؤه إذا سلموا (أو كان أشبه هذا اللفظ في معنى الشجاعة وهو من قول إبراهيم السواق:
سماؤك تُمطر الذَهباوحربكَ يلتظي اللهبا
وأي كتيبةٍ لاقتك إلا تحسن الهَربا
واستكثارهم ما فعلوا في الهرب مساو لاستحسانهم.
وقال المتنبي:
يقبلهُم وجهَ كلِّ سابحةٍأربعُها قبل طرفها تَصِلُ
لأبي الخير الثعلبي عند سماع هذا البيت مجون مضحك وهو أن قال هذه كانت عينها في إستها،
وأنا أقول هذه مبالغة وإن كانت مفرطة مستحسنة للأدباء دون بعضهم وهو من قول أبي نواس:
يسودُ ويبق لا تذم صحبتهلا تسبقُ الوثبة مِنهُ نظرته
مثل هذا لابن المعتز:
فخطو عدوته كخطو نظرتهوخطو نظرته من قصده دانِ
وهذان جعلا نظره وعدوه سواء وذلك ذكر أن أربعه تصل قبل طرفه، فهو أشد مبالغة وكذلك قول ابن الحاجب:
يكون خطو يديها مدّ نظرتها القصوى إذا خلطت وخذا بِتهويد
وقال ابن المعتز:
وإني لتندى لسلمى يديبنيلٍ وتندى لحربي بدمْ
سبقت عدوي إلى مفخريلسبقك باللحظ خطو القدمْ
وقال المتنبي:
إن أدبرت قلتُ لا تليلَ لهاأو أقبلت قلتُ مالها كَفلُ
من صفات التليل أن يرتفع حتى يغطي الراكب والكفل فأما الكفل
فلا يوصف بالارتفاع حتى يغطي التليل إلاّ أن يكون موقوصه قد غاب عنقها في صدرها، والمعتاد في هذا قول الوائلي:
إذا أتى مقبلاً أبصرت هاديهكأنهُ راكب قِدام راكبه
وقال البحتري:
وكأنَّ فارسهُ وراء قذالِهِردفٌ، فلستَ تراه من قُدَّامِهِ
فلا يظن أبو الطيب أنه قد زاد في المعنى بل قصد وذكر كثرة الرجال، وتضايقهم فقال:
بمنعها أن يُصيبها مطرٌشدّةُ ما قد تضايق الأسَلُ
تضايق الأسل لا يمنع من وقوع المطر إذ الرماح ليس لاشتباكها من الأجرام ما يستر مطراً عن حامليها وبين الرمح والرمح من جسم الفرس والفارس ما يبعد بين الرمحين وقول ابن الرومي أبين:
فَلو حصبتهم بالفضاء سَحابةٌلظلَّ عليهم حصبُها يتدحرجُ
وهذا أشد إمكانا لأن الرجال إذا تضايقوا وعليهم البيض وقع عليها البرد
وتدحرج وليس المانع كالجامد ولا رؤوس الناس كرؤوس الرماح.
وقال المتنبي:
يا بدرُ يا بحر يا غمامةُ ياليث الثّرى يا حمامُ يا رجُلُ
هذه كلها أوصافه يجمعها رجل أي قد اجتمعت فيك فهو يشبه قول مسلم:
كأنه قمر أو ضيغم هصرأو حية ذكر أو عارض هطل
وأنشد ابن قتيبة لبعض الخوارج:
يلقاك تحتَ عجاجِ الموتِ مبتسماًكالغيث والليث إلا أنّه رجَلُ
إذا بدا قلت مخلوقاً بغير قفاًوتحتهُ سابق ما أن له كفلُ
وقال ابن دريد:
عزمٌ هو السيف إلا لأنَّهُ عَرَضٌيَمضي به الليث إلا أنّه رَجلُ
وكل هذه الألفاظ متقاربات المعاني والسابق أولى بها وإن لم يكن مقصده ما فسرنا وأراد به أنّه رجل بعد هذه الصفات أي فيه شهامة ورجولة وهو بارد.
وقال المتنبي:
إن البنانَ الذي تُقَلُبهعندك في كل موضعٍ مثلُ
) عندك (حشو فارغ ولم يشرح فيما هو مثل ولو قال:
إن البنان الّذي تُقلبهفي جوده بالذي حَوى مثلُ
استراح من الحشو وأبان المثل الذي أتى به لأنه قد يمكن أن يكون مثلاً في الجود أو في غيره ولم يتبع ذلك بما يشرح مقصده كما قال إبراهيم بن العباس:
لفضل بن سهل يَدتقاصر عَنها المثل
فباطنها للندىوظاهرُها للقُبل
وقال المتنبي:
قلوبهم في مضاء ما امتشقواقاماتهم في تمام ما اعتقلُوا
قال الوائلي:
أخذوا مضاء البيض لكن أسرفوافي الأخد من طول الرماح الذُّبل
وهذان البيتان يتساويان مبنى ومعنى فالسابق أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
أنت نقيضُ اسمه إِذا اختلفتْقواضبُ الهند والقنا الذّبل
وأتبعه:
أنت لعمري البدرُ المنير ولكّنك في حومة الوغى زُحَلُ
إن كان البدر من السعود المشهورة بالسعادة دون غيره ما صح معناه وإلاّ لم يكن رجلاً والمعنى الصحيح قول ابن الرومي:
عطارده ما أخبت الحربُ نارَهَاومرِّيخها ما دامت الحربُ تُوقِدُ
وهذا قصد فقصر وابن الرومي أحق بما سبق إليه. وقال المتنبي:
كتيبةٌ لستَ ربّها نَفَلُوبلدةٌ لستَ حلْيها عُطُلُ
وقال البحتري:
وكأنّ سراج الأرضِ، والأرضُ مظلمٌقُراها، وحلى الدهر فالدهر عاطِلُ
وهو يساويه، والبيتان يجمعان تشبيهين بتشبيهين والأول أحق بقوله.
وقال ابن المعتز:
وعلى الزمان مصابهما للزمان به بدلُ
قد كنت حليته فألقاها فبان به العطلُ
وقال المتنبي:
قصدت من شرقها ومغربهاتي اشتكتك الرّكاب والسّبل
يشبه قول أبي العتاهية:
إنّ المطايا تشكيك لأنهاقطعت إِليك سَبَاسِبَاً ورمالا
فإِذا وصلن بنا وصلن خفائفاًوإذا صدرت بنا صدرنَ ثقالا
وقال المتنبي:
مددت في راحة الطّيب يداًوما درى كيف يقطع الأمل
ليس قطع عرق الفاصد مما يقطع الأمل منه إلا أن يكون سبباً لموته لا لنفعه وقد قال ابن المعتز:
إنما غَرّق الطبيبُ شبا المبضَع في نفس مُهجةِ الإِسلام
وقال غيره:
يدُ الندى هي فأحذر لا ترق دمهافإِنَّ أرزاق طلاب الغنى فيها
وهذا أسوغ من قول أبي الطيب أعني قول ابن المعتز لأنه خبر بتغريق المبضع الذي يجوز أن يكون سبباً لمضرة أمام أهل الإسلام، فأما البيت الثاني فقد ألمّ أبو الطيب بمعناه لأنه أمر أن يحذر على دم يده أن يراق لأنها سبب الأرزاق وهي مبالغة بغير حقيقة أثرى أرزاقهم من دم مفاصل الممدوح فإن كان ذلك من الخوف من ضرر يلحق النفس جاز أن يضر ذلك بأرزاق من هو سبب لرزقه.
وقال المتنبي:
إنْ يكن النّفعُ ضر باطنهافربَّما ضَرّ ظهرها القُبَلُ
النفع لا يضر إنما يجب أن يقول: طلب النفع وما ضر القبل لظاهرها لو دامت عليها ليلاً ونهاراً ولو قال: إن يكن القصد ضر باطنها كان أحسن وقال ابن الرومي:
أصبحتْ بين خصاصةٍ وتحملوالمرء بينهما يموت هزيلا
فأمدُدْ إليَّ يداً تعوّد بطنُهابذل النَّوال وظهرُها التَّقبيلا
فقال: تعود ولم يقل ضر وأتى بملاحة تقسيم ومثله ما قدمناه من قول إبراهيم بن العباس وكل من يعبر عن القبل بمضرة.
وقال المتنبي:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطّبْع وعند التعمق الزّلَلُ
وقال صالح بن جناح:
فدع التعمق في الأمور فإِنَّماقرن الظلام بكل من يتعمقُ
جاء صالح بما نكر فيه التعمق في بيت كامل وجاء أبو الطيب بمراده في عجز بيت وفي بقيته بمعنى هو من تمامه فهو أحق بما قال.
وبعدها قصيدة أولها:
بقائي شاء ليس هُمُ ارتحالاوحُسْنُ الصبر زمّوا لا الجمالا
أما صدره فبين التكلف ظاهر التعجرف وأخذه من أبي تمام:
قالوا الرحيلُ فما شككتْ بأنهارُوحي عن الدنيا تريدُ رحيلا
وهذا من نقل اللفظ العذب إلى المستكره الصعب وما يقي أختصاره بيت أبي تمام في نصف بيت بما جنى من مسخ معناه لا نسخه فأبو تمام أحق بمعناه،
وباقي البيت من قول الديك:
ظلّ حاديهم يسوق بروحيورأى أنَّهم يسوق الرِّكابا
وقال غيره:
هَلاّ سألت حِداتهم يوم النوىأحدوا ببينك أم حدوا بفُؤادي
هذا النصف البيت يجري مجرى الأول وكلام غيره أعذب وكلام غيره أخفى وأصعب والسابق أولى منه ولا يحتسب له باختصار الكلام مع خفاء النظام.
وقال المتنبي:
فكان مسيرُ غيرهم ذَميلاًوسيرُ الدمع إِثرهم انهمالا
وهو في معنى قول البحتري:
إِنّ سَيْرَ الخليط لما استقلاَّكان عوناً للدمع حتى استهلا
وقد ألمّ بمعنى هذا الكلام، فأما قول ابن الرومي:
لهم على العيسِ إمعانٌ يشط بهمْوللدّموع على خديّ إمعان
فهو يساويه.
وقال المتنبي:
كأنَّ العيس كانت فوق جفنيمناخاتٍ فلمّا ثُرن سالا
ليس بروك العيس على الأجفان مما يتوهم ولكنّه أراد أن تثوير العيس كان قرين انحدار دمعه كأنّها كانت تحبسه كما قال ابن المعتز:
ما بالُ ليلي لا يرى فَجْرُهُوما لدمعي دائماً قطرُهُ
أستودع الله حبيباً نأىميعادُ دمعي أبداً ذكرُهُ
وقد أنشدني بعض المتعصبين على أبي الطيب بيتاً زعم أنه لمتقدمي الزمان لم يذكره لي قال:
إِن الجمالَ على جفوني بركفإِذا أثرن أقامت المحبوسا
ولست على ثقة من روايته لظهور عصبيته فإن كان صادقاً فقول أبي الطيب أحسن لأن مبناه أعذب ومعناه أصوب وقال هذا) إنّ (فحقق كما يحقق التشبيه فيه فكيف التحقيق له.
وقال المتنبي:
لبسن الوشي لا مُتَجمّلاتٍولكن كي يصنّ له الجَمَالا
قال أبو تمام:
وتنوا على وشي الخدود صيانةًوشي البُرودِ بمسجفٍ وممهَّدِ
وقال ابن الرومي:
يُكسي الثياب صيانةً وحجابةًوهو الحقيق بأن يصان ويحجبا
وكلاهما أشار إلى مراد أبي الطيب ولكنه في المعنى أوضح وعبارته أحلى وأرجح على أنّ اللباس لمن أراده صيانة وخبر هو أنهنّ غير متجملات ولكن صين باللباس جمالهن فكشف ما كان مستوراً فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
وضفّرن الغدائِرَ لا لحُسنٍولكن خفن في الشعر الضَّلالا
أراد أنهنّ خفن الضلال في شعورهن لكثرتها ولو كانت شعورهن من الآجام ما خيف عليهن الضلال فيها والممكن الذي فيه قصد وتنبيه قول القائل:
تقول يا غمنا نفي جوانبهويلي بليتُ وأبلى جِلْدي الشِعْرُ
مثل الأساودِ قَد أعيا بواسطهُيضل فيه مداريه وينكسرُ
فضلال المداري أسوغ من ضلال الشخص.
وقال المتنبي:
بجسمي من بَرَتْهُ فلو أصارتْوشاحي ثقب لؤلؤة لجالا
نبهه على هذا أبو تمام في قوله:
مِنْ الهيفِ لو أنَّ الخلاخِلَ صُيِّرتْلها وُشحاً جالت عليها الخلاخلُ
جعل أبو تمام الخلخال إذا كان وشاحاً لها كان جائلاً، وصير أبو الطيب ثقب اللؤلؤة لو كان وشاحاً لها لجال وهذا من توليد كلام من كلام معناهما متفق ولفظهما مفترق وقد ولد كلام ابن الرومي فقال:
من الهيف لو شاءت لقامت بكأسهاوخاتمها في خُصرِها متختّمُ
والمعنى يفتح المعنى وقد بالغ الخبزأرزي في قوله:
كلُّ الهوى صعب ولكننيبليت بالأصعبِ من أصعبهْ
قد كان لي قبل الهوى خاتمُوالآن لو شئت بمنطقهْ
وذبتُ حتى صرتُ لي وزج بيفي ناظر الوسنانِ لم يَنْتبِهْ
يا مَنْ إِذا أقبل قال الورىهذا أميرُ الجيش في موكِبِهْ
فشارك ابن الرومي في معناه ولكنه أفسد قوله بزج بي لأنها هجينة يستعملها المولدون.
وقال المتنبي:
ولولا أنّني في غير نومٍلبتّ أظنني منِّي خيالا
قوله:) أظنني مني (يشبه كلام أهل التصوف خذني مني وغيبني عني، وأما تشبيهه شخصه بالخيال فقد قال الراضي بالله أنا أذكرها بكمالها:
قلبي لا يقبلُ المحالاوأنتَ لا تبذلُ الوصالا
ضللتُ في حبّكم فحسبيحتَّى متى أتبعُ الضَّلالا
قد زارني منكم رسولفزار إِذْ زارني خيالا
رأى خيالاً على فراشيوما أراهُ رأى خيالا
خبر أن الرسول رأى منه خيالاً على الفراش ثم شك في رؤيته ودفع بالظن صحة ما أخبر به فصار أرجح كلاماً.
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع