تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

خاتمة: فى السّرقات الشّعريّة

، وما يتّصل بها، وغير ذلك:

اتفاق القائلين إن كان فى الغرض على العموم - كالوصف بالشجاعة، والسخاء، ونحو ذلك - فلا يعدّ سرقة؛ لتقرّره فى العقول والعادات. وإن كان فى وجه الدّلالة؛ كالتشبيه، والمجاز، والكناية، وكذكر هيئات تدلّ على الصفة؛ لاختصاصها بمن هى له - كوصف الجواد بالتهلّل عند ورود العفاة، والبخيل بالعبوس مع سعة ذات اليد -:

فإن اشترك الناس فى معرفته لاستقراره فيهما؛ كتشبيه الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر، فهو كالأول؛ وإلّا جاز أن يدّعى فيه السبق والزيادة.

وهو ضربان؛ خاصّىّ فى نفسه غريب، وعامى تصرّف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة؛ كما مر.

ــ

خاتمة فى السرقات الشعرية وما يتصل بها وغير ذلك

أما ما يتعلق بالسرقات الشعرية وأنواعها، فلا شك أن القائلين إذا اتفقا، فإما أن يكون اتفاقهما فيما يشترك الناس فيه، وهو المراد بقوله:" فى الغرض على العموم" كالوصف بالشجاعة والسخاء والبلادة والذكاء، فذلك لا يسمى سرقة. قوله: (فلا يعد) فيه نظر، لإدخال" الفاء" على" لا" يعد سرقة، وهو جواب شرط لا يدخل على مثله" الفاء". ثم يصير معناه اتفاق القائلين لا يعد سرقة، وهو فاسد، فإن الاتفاق لا يمكن أن يكون سرقة، بل السرقة أخذ أحدهما من الآخر (لتقرره) أى مثل ذلك (فى العقول والعادات) يشترك فيها الفصيح والأعجم (وإن كان) أى الاتفاق (فى وجه الدلالة) فذلك أقسام: منها التشبيه بما توجد الصفة فيه، على الوجه البليغ، على ما سبق فى البيان، ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة، لاختصاصها بمن هى له، هذه عبارة المصنف، وصوابه العكس، وهو أن يقال: لاختصاص من هى له (كوصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة)

عليه (والبخيل بالعبوس، مع سعة ذات اليد، فإن اشترك الناس فى معرفته لاستقراره فيها) أى فى العقول (كتشبيه الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر) والبليد بالحمار (فهو كالأول) وإن كان مما لا ينال إلا بفكر، ولا يصل إليه كل أحد، فهذا هو الذى يجوز أن يدعى فيه سبق المتقدم المتأخر، وزيادة المتأخر على المتقدم، وهو ضربان: أحدهما - ما كان خاصيا غريبا فى أصله - والثانى - عامى تصرف فيه بما أخرجه من الابتداء والظهور والسذاجة، إلى خلاف ذلك من الغرابة، كما مرت أمثلة القسمين فى التشبيه والاستعارة، إذا عرف ذلك.

فالسرقة والأخذ نوعان: ظاهر، وغير ظاهر.

أما الظاهر: فهو أن يؤخذ المعنى كلّه، إمّا مع اللفظ كلّه، أو بعضه، أو وحده:

فإن أخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه: فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا؛ كما حكى عن عبد الله بن الزبير أنه فعل ذلك بقول معن بن أوس:

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران إن كان يعقل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
ويركب حدّ السّيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السّيف مزحل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

ــ

فالأخذ والسرقة نوعان: ظاهر، وغير ظاهر الأخذ الظاهر.

الأخذ الظاهر: أما الظاهر، فأن يؤخذ المعنى كله إما مع اللفظ كله أو بعضه، أو وحده. (فإن أخذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه، فهو مذموم، لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا) ومغالبة، كما حكى أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية، فأنشد قول أبى نواس:

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران إن كان يعقل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
ويركب حدّ السيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

فقال له معاوية: لقد شعرت بعدى، ولم يفارق عبد الله المجلس، حتى دخل معن ابن أوس، فأنشده كلمته التى أولها:

لعمرك ما أدرى وإنى لأوجلعلى أينا تعدو المنية أول
للشاعر محمد عثمان جلال، اقرأ القصيدة

وفى معناه: أن يبدل بالكلمات كلّها أو بعضها ما يرادفها.

وإن كان مع تغيير لنظمه أو أخذ بعض اللفظ، سمّى: إغارة ومسخا.

فإن كان الثانى أبلغ؛ لاختصاصه بفضيلة: فممدوح؛ كقول بشّار:

من راقب النّاس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

ــ

حتى أنشده ما أنشده عبد الله، فأقبل معاوية على عبد الله، وقال: ألم تخبرنى أنهما لك؟ فقال: المعنى لى واللفظ له، وبعد فهو أخى من الرضاعة وأنا أحق بشعره. قلت: والذى يتفق له ذلك إن ادعى أن هذا النظم له كان كاذبا، وإن لم يدع، فهذا ليس بسرقة بالكلية (وفى معناه) أى معنى ما أخذ اللفظ كله مع المعنى وكان مذموما (أن يبدل بالكلمات، أو بعضها ما يرادفها) لأن المترادفين كاللفظ الواحد، كقول امرئ القيس:

وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهميقولون: لا تهلك أسى وتجمّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقول طرفة:

وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهميقولون: لا تهلك أسى وتجلّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

قلت: وفى تسميته سرقة نظر، فإن الظاهر أن هذا من تطابق الخواطر والتوارد، إلا أن ابن السكيت عده فى السرقات. قوله: (وإن كان) أى ذلك الأخذ (مع تغيير لنظمه أو أخذ) المعنى مع (بعض اللفظ سمى) ذلك اللفظ (إغارة ومسخا)، ومنهم من جعل المسخ إعارة الصورة الحسنة قبيحة، والمشهور الأول وإذا قلنا به (ف) ذلك قسمان:

(إن كان الثانى) أى كلام السارق (أبلغ) من الأول، أى المسروق منه (لاختصاصه) أى اختصاص الثانى (بفضيلة) كالإيضاح، أو الاختصار، أو حسن السبك أو زيادة معنى، (ف) هو (ممدوح) أى مقبول (كقول بشار) أولا:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

وقول سلم:

من راقب النّاس مات غمّاوفاز باللذة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

وإن كان دونه: فمذموم، كقول أبى تمّام:

هيهات لا يأتى الزّمان بمثلهإنّ الزّمان بمثله لبخيل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بأبي وغير أبي وذاك قليل»

وقول أبى الطيب:

أعدى الزّمان سخاؤه فسخا بهولقد يكون به الزّمان بخيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

ــ

(وقول سلم) ثانيا:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذّة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

فإن الثانى أجود سبكا، وأوجز (وإن كان) الثانى (دونه) أى دون الأول (فهو مذموم) مردود، كقول أبى تمام:

هيهات لا يأتى الزمان بمثلهإنّ الزّمان بمثله لبخيل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بأبي وغير أبي وذاك قليل»

وقول أبى الطيب بعده:

أعدى الزّمان سخاءه فسخا بهولقد يكون به الزّمان بخيلا

أى تعلم الزمان منه السخاء، فجاد بأن أخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذى استفاد منه لبخل به الزمان على أهل الدنيا، واستبقاء لنفسه، فبيت أبى تمام أجود سبكا، لأن بيت أبى الطيب احتاج فيه إلى أن وضع" يكون" موضع" كان"، وأجيب بجواز أن يريد أن الزمان قد يكون بخيلا به، فلا يوافق على هلاكه، ورد عليه بأن الزمان بعد

أن سمح به لم يبق له فيه تصرف. وفيه نظر؛ لجواز أن يكون جاد بإبرازه

وإن كان مثله: فأبعد عن الذّم، والفضل للأوّل؛ كقول أبى تمام:

لو حار مرتاد المنيّة لم يجدإلّا الفراق على النّفوس دليلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»

وقول أبى الطيب:

لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «يا راحلين بقلبي والنهى أفلا»

ــ

ولم يسمح بعد ذلك بهلاكه. (وإن كان مثله) أى إن كان الثانى مثل الأول فى البلاغة والفضل (فأبعد من الذم) مما قبله، ولكن الفضل للسابق، كقول أبى تمام:

لو حار مرتاد المنيّة لم يجدإلا الفراق على النفوس دليلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»

فإنه مثل قول أبى الطيب بعده:

لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «يا راحلين بقلبي والنهى أفلا»

كذا قالوه، والذى يظهر أن بيت أبى الطيب أحسن، لأنه أصرح فى المراد. قال فى الإيضاح: ومن هذا الضرب ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن والقافية، كقول أبى تمام:

مقيم الظن عندك والأمانىوإن قلقت ركابى فى البلاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»
ولا سافرت فى الآفاق إلّاومن جدواك راحلتى وزادى

وقول أبى الطيب:

وإنى عنك بعد غد لغادوقلبى عن فنائك غير غاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»
محبّك حيثما اتّجهت ركابىوضيفك حيث كنت من البلاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وإن أخذ المعنى وحده سمى: إلماما وسلخا، وهو ثلاثة أقسام كذلك:

أولها: كقول أبى تمام:

هو الصّنع إن يعجل فخير وإن يرثفللرّيث فى بعض المواضع أنفع

وقول أبى الطيب:

ومن الخير بطء سيبك عنّىأسرع السّحب فى المسير الجهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

وثانيها: كقول البحترى:

وإذا تألّق فى النّدىّ كلامه المصقول خلت لسانه من عضبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «من سائل لمعذر عن خطبه»

ــ

قوله: (وإن أخذ المعنى وحده) أى، ولم يؤخذ شئ من اللفظ (سمى إلماما وسلخا) من الإلمام، وهو اقتراف الصغائر أو مقاربة المعصية من غير وقوعها (وهو ثلاثة أقسام كذلك: أولها) أن يكون الثانى أبلغ بالفضل (كقول أبى تمام):

هو الصنع إن يعجل فخير وإن يرثفللريث فى بعض المواضع أنفع

فخير منه (قول أبى الطيب:

ومن الخير بطء سيبك عنىأسرع السّحب فى المسير الجهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

فإنه اشتمل على زيادة التشبيه بالسحب، وأن السحب أسرعها جهام لا ماء فيه، (وثانيها) وهو ما كان الأول فيه أحسن (كقول البحترى:

وإذا تألق فى الندى كلامه المصقول خلت لسانه من عضبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «من سائل لمعذر عن خطبه»

وقول أبى الطيب:

كأنّ ألسنهم فى النّطق قد جعلتعلى رماحهم فى الطّعن خرصانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

وثالثها: كقول الأعرابي:

ولم يك أكثر الفتيان مالاولكن كان أرحبهم ذراعا
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

وقول أشجع:

وليس بأوسعهم فى الغنىولكن معروفه أوسع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

وأما غير الظاهر: فمنه أن يتشابه المعنيان؛

ــ

فإنه خير من قول أبى الطيب:

كأنّ ألسنهم فى النّطق قد جعلتعلى رماحهم فى الطّعن خرصانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

فإن أبا الطيب فاته ما أفاده البحترى بقوله:" تألق" وقوله:" المصقول" من الترشيح (وثالثها) وهو ما كان الثانى فيه مثل الأول (كقول الأعرابى:

ولم يك أكثر الفتيان مالاولكن كان أرحبهم ذراعا
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

فإنه مثل (قول أشجع:

وليس بأوسعهم فى الغنىولكن معروفه أوسع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

كذا قال المصنف، وقد يقال: الأول أحسن لسلامته من حذف المفضل عليه، والاستعارة للأرحب فيه، هذه أنواع الأخذ الظاهر.

الأخذ غير الظاهر: ص: (وأما غير الظاهر إلخ).

(ش): الأخذ غير الظاهر أنواع (فمنه أن يتشابه المعنيان) أى المعنى الأول، والمعنى الثانى (كقول جرير:

كقول جرير:

فلا يمنعك من أرب لحاهمسواء ذو العمامة والخمار

وقول أبى الطيب:

ومن فى كفّه منهم قناةكمن فى كفّه منهم خضاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ومنه: النقل؛ وهو: أن ينقل المعنى إلى معنى آخر؛ كقول البحترى

سلبوا وأشرقت الدّماء عليهممحمرّة فكأنّهم لم يسلبوا
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

وقول أبى الطيب:

يبس النّجيع عليه وهو مجرّدمن غمده فكأنّما هو مغمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

ــ

فلا يمنعك من أرب لحاهمسواء ذو العمامة والخمار

وقول أبى الطيب:

ومن فى كفّه منهم قناةكمن فى كفّه منهم خضاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

فكل من البيتين يدل على عدم المبالاة بالرجال، إلا أنهما مختلفان، لأن الأول دل على مساواة النساء للرجال، والثانى دل على تشبيه الرجال بالنساء، فهو معنى غير الأول والأول أبلغ منه، لما تقدم من أن التشابه وهو التساوى أبلغ من التشبيه، الذى هو إلحاق الناقص بالزائد. (ومنه أن ينقل المعنى إلى محل آخر) كقول البحترى:

سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

وقول أبى الطيب:

يبس النجيع عليه وهو مجردمن غمده فكأنما هو مغمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

ومنه: أن يكون الثانى أشمل؛ كقول جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميموجدت النّاس كلّهم غضابا

وقول أبى نواس:

وليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم فى واحد

ومنه: القلب؛ وهو أن يكون معنى الثانى نقيض معنى الأوّل؛ كقول أبى الشّيص:

أجد الملامة فى هواك لذيذةحبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»

ــ

فإنه أخذ معنى بيت البحترى ونقله إلى السيف (ومنه) أى من غير الظاهر (أن يكون معنى الثانى أشمل) من الأول (كقول جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميموجدت النّاس كلّهم غضابا

وقول أبى نواس:

وليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم فى واحد

فالثانى أشمل، لأن الأول دل على الاختصاص بحالة الغضب كذا قيل، وفيه نظر لأنهم إذا كانوا هم جميع الناس فى حال الغضب، كانوا جميع الناس فى كل حال.

وقيل: لأن الأول خاص ببنى تميم، والثانى شامل لهم ولغيرهم، وهو فاسد، لأن المراد بالواحد فى الثانى واحد معين خاص، والأحسن أن يقال: الثانى شامل، لأن العالم أشمل من الناس، لأنه كل موجود حادث، والذى يظهر أن يقال: الثانى أبلغ، باعتبار أنه صريح فى أن الناس كلهم ذلك الواحد، بخلاف الأول، فإنه لا يلزم من غضب الناس كلهم لغضب بنى تميم، أن يكونوا هم جميع الناس؛ لجواز أن يريد أن الناس تبع لهم، يغضبون لغضبهم، لكن التعبير عن هذا بأنه أشمل فيه تعسف.

ومنه - أيضا - القلب، هو أن يكون المعنى الثانى نقيض المعنى الأول، لقلب المعنى إلى نقيضه، فهو مأخوذ من

نقيضه، كقول أبى الشيص:

أجد الملامة فى هواك لذيذةحبا لذكرك فليلمنى اللّوّم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»

وقول أبى الطيب:

أأحبّه وأحبّ فيه ملامةإنّ الملامة فيه من أعدائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

ومنه: أن يؤخذ بعض المعنى، ويضاف إليه ما يحسّنه؛ كقول الأفوه:

وترى الطّير على آثارنارأى عين ثقة أن ستمار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

وقول أبى تمام:

وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحىبعقبان طير فى الدّماء نواهل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّهامن الجيش إلّا أنّها لم تقاتل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

ــ

وقول أبى الطيب:

أأحبّه وأحبّ فيه ملامةإنّ الملامة فيه من أعدائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

فبيت المتنبى وأبى الشيص متناقضان، لأن أبا الشيص صرح بحب الملامة، والمتنبى نفى حبها بهمزة الإنكار بقوله:" أأحبه وأحب فيه ملامة" وقد يقال: المنكر بهمزة الإنكار ما وليها، والذى وليها حبه وهو غير منكر، وجوابه أن المعنى: أأجمع بين الأمرين مثل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أو يقال: التقدير:" وأنا أحب" ويكون جملة حالية، وإنما قدرنا" أنا" لأن المضارع المثبت لا يقع حالا بالواو.

(ومنه أن يؤخذ بعض المعنى السابق، ويضاف إليه (ما) يحسنه، كقول الأفوه:

وترى الطّير على آثارنارأى عين ثقة أن ستمار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

وقول أبى تمام:

وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحىبعقبان طير فى الدماء نواهل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّهامن الجيش إلا أنّها لم تقاتل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

فإنّ أبا تمّام لم يلمّ بشئ من معنى قول الأفوه: رأى عين خ خ، وقوله: ثقة أن ستمار خ خ، ولكن زاد عليه بقوله: إلا أنها لم تقاتل خ خ، وبقوله: فى الدماء نواهل خ خ، وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، وبها يتمّ حسن الأول.

وأكثر هذه الأنواع ونحوها مقبولة، بل منها ما يخرجه حسن التصرّف من قبيل الاتّباع إلى حيّز الابتداع، وكلّما كان أشدّ خفاء كان أقرب إلى القبول.

هذا كلّه إذا علم أن الثانى أخذ من الأوّل؛ لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر، أى: مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد للأخذ.

فإذا لم يعلم، قيل: قال فلان كذا، وسبقه إليه فلان، فقال كذا.

وما يتصل بهذا: القول فى الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحلّ، والتلميح:

ــ

فإن أبا تمام) أسقط بعض معنى بيت الأفوه ف (لم يلم بشئ من معنى قوله: رأى عين) الدال على قربها (ولا من) معنى (قوله: ثقة أن ستمار) الدال على التأكيد (لكن زاد عليه بقوله: إلا أنها لم تقاتل) الدال على أن لها قدرة على القتال (وبقوله: فى الدماء نواهل وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش وبها) أى بهذه الزيادات (يتم حسن) المعنى (الأول) المأخوذ أو بها يتم حسن قوله: إلا أنها لم تقاتل، ثم قال المصنف:

(وأكثر هذه الأنواع) وهى خمسة (ونحوها) مما فيه نكتة غير ما ذكره (مقبولة) أنثه باعتبار المعنى، أو بإضافة الأكثر للجمع، ومن نحوها الاحتذاء، وهو أن يبتدئ المتكلم أسلوبا، فيعمد غيره إلى ذلك الأسلوب، من غير أن يأخذ لفظا ولا معنى، كمن يقطع من الأديم نعلا على قياس نعل صاحبه. (بل منها ما يخرجه حسن التصرف من قبيل الاتباع) أى الأخذ (إلى حيز الابتداع) أى الاختراع (وكل ما كان أشد خفاء) من واحد من هذه الأنواع، ونحوها، (كان أقرب إلى القبول هذا كله) من أقسام الأخذ والسرقة بجميع أنواعها، إنما هو (إذا علم أن الثانى أخذ من الأول)،

ولا يعلم ذلك إلا بإقراره. وقوله: (لجواز) يتعلق بمحذوف، أى ولا يجوز الحكم بذلك ابتداء لجواز، (أن يكون الاتفاق) أى اتفاق القائلين فى اللفظ أو فى المعنى (من) قبيل (توارد الخواطر) أى مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ، فإذا لم يعلم الأخذ قيل: قال فلان: كذا، وقد سبقه إليه فلان، فقال كذا.

ما يتصل بالسرقات: ص: (ومما يتصل بهذا إلخ).

(ش): أى مما يتصل بالكلام فى السرقات بمناسبة له (الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحل، والتلميح.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.