من «الرسالة الموضحة» لأبي علي الحاتمي (ت ٣٨٨هـ)
الرسالة الموضحة (٥)
فأخذه الراعي فقصر كل التقصير فيه بقوله:
وأعلَمُ أن الموتَ يا أم عامرٍقَرِينُ محيطُ حبَله من وَرائِيَا
فانظر إلى تفاوت ما بين الكلامين مع سبق المتقدم إلى المعنى. وقال طرفة
فإن كنتُ ماكولاً فكُنُ أنتَ آكليفبعضُ منَايا القومِ أشرفُ من بعض
فأخذه عبد الله بين الحجاج الثعلبي فقال:
فأن كُنتُ مأكولاً فكُنُ أنتَ آكليوإن كنتُ مَذبوحاً فكن أنتَ تذبحُ
فأساء كل الإساءة، وأبدلنا من ذلك المثل السائر واللفظ الفصيح بما برهن عن كلال حده وشح زنده وقال المرار يذكر الظليم:
ذو بُردةٍ خُلتُعلى جؤُشوُشهِسوداءَ جافيَةٍ منَ الغَزلِ
وشقَيقَةٍ بَيضاء غيرِ طَويلةٍعَن رُكبتَيهِ قَليلَةِ الفَضلِ
قوله: " جافية من الغزل " لانتقاش ريشه. وشبه سواد أعاليه وصدره ببردة سوداء قد خلت عليه. وشبه بياض أسافله إلى ركبتيه بشقيقةٍ بيضاء، هو ما شق باثنين، لأن إذا بل ركبتيه انقطع فأخذ هذا الطرماح فاختصر لفظه وأحسن العبارة عنه بقوله:
مجتابُ شَمُلَة بِرُجدٍ لسَراتِهوَزَراً وأسلَمَ ما سواه البُرجُدُ
يقول: ظهره مخطط. وقال النابغة يصف ثوراً وحشياً وهو من معانيه التي ما سبق إليها
مِن وَحشِ وجَرَةَ مَوشِيُ أكارِعُهُطاوي المصَيرِ كسيَفِ الصيقلِ الفَرِدِ
فأخذه الطرماح وزاد أحسن زيادة، وصار من أجلها أحق بالمعنى بقوله:
يَبدو وتُضمِرُهُ البِلادُ كأنهسَيفُ على شرَفٍ يسُلُ ويغُمَدُ
فشبهه في حالي ظهوره وخفائه بالسيف في حالي سله وإغماده، وقد قال بعض العرب:
تاهَتُ عَلُي بأنُ تَمتُ مَحاسِنُهاخَوُدُ تكلمُ في أعطافها الفِتَنُ
هَمُتُ بإتياننِا حتى إذا نَظَرَتُإلى المرِاةِ نهاها وَجههُا الحسنُ
فأشار أبو نؤاس إلى هذا المعنى إشارة خفية وزاد زيادة لطيفة فقال:
تَطَلعُ في المِرَاةِ فقالَ إيهاأنا الشمسُ الني لا شكُ فيها
أنا واللهِ أصُلُحُ للمعَاصيإذا أهلُ الذنُوبِ تقَارفوُها
فانظر إلى لطفه في الأخذ، وحسن تأتيه للاتباع والاحتذاء. ثم قلت ولم أجدهم يحمدون إكثار الشاعر من الأتباع، وإكثاره من الأخذ والرق، فإن ذلك منه يدلب على ضيق المجم، على الفقر والاختلال، وعلى قصور الخاطر وبلادة الفكر وجبن القريحة. فأعجب المهلبي بما أوردته، ووكد وصاة من كان نصبه من كتابه لإثبات ما جرى وضبطه وتحصيله واستيفائه. وقال: إنما نأتيكم الفينة بعد الفينة، فإذا أتيناكم فأحسنوا القرى. ونهض مغضباً، فأمر المهلبي برده فرد مكرها، ول يطل الجلوس ونهض. فلما انصرف أقبل علي المهلبي وقال: أريد أن تفاوضه الكلام في شعر أبي تمام والبحتري، وتلبو ما عنده فيهما.
ومضى أسبوع ولم يستدعه ولم يحضر مبتدئاً، ثم حضر واعتذر من تأخره، وقد كان أبو علي الأنباري جر له حبال الطمع، ووعده عن المهبلي بما كان بعيداً من الوصول إليه، لسوء رأي المهلبي فيه. فأومأ إلي أن جاره ما وسمت لك مجاراته. فسألته إنشاد كلمته التي أولها:
وَاحَرُ قَلباهُ ممِنُ قَلبُهُ شَبِمُومَن بحالي وجسِمي عندَهُ سَقَمُ
فتلكأ يسيراً، ثم ابتدأ فأنشدها إلى أن انتهى إلى قوله:
وَالحَيلُ والليلُ والبَيداء تعَرِفُنيوالحربُ والضربُ والقِرطُاسُ وُالقلمُ
فاستحسنت الجماعة هذا البيت استحساناً أفرطت فيه. فلت: إنما أخذه من إماميه. فقال: ومن إماماي اللذان استلحقت شعرهما، وهتكت حريمهما، وأنحيت عليهما، وتناكرت معرفتهما؟ قلت: أبو تمام والبحتري، فأما البحتري فقال:
يا خَليلي بالسواجيرِ من أدُبن معَنٍ وبحُترُِ بنِ عَتُودِ
اطُلبُاً ثالِثاً سوايِ فإنيُرابعُ العِيسِ والدجى والبِيدِ
وأما أبو تمام فقال، وعليه اعتمد البحتري:
العيِسُ والهَمُ والليلُ التُمامُ معَاًثَلاثَةُ أبَداً يُقُرنُ في قَرَنِ
وأبو تمام احتذى فيه قول الشنفرى:
ولَي دونَكم أهلونَ سيدُِ عملُسُوأرقَطُ زُهلوُلُ وعَرَفاءُ جَيألُ
ثَلاثةُ أصحابٍ فُؤادُ مُشَيُعُوأبيضَ إصُليتُ وصفَراءُ عَيطلُ
وإلى هذين البيتين نظر ذو الرمة في قوله:
ولَيُلٍ كجِلبابِ العَرُوسِ أدرَعتُهُبأربعةٍ والشخصُ في العينِ واحِدُ
أصمُ عِلافيُ وأبيضُ صارمُوأعيسُ مَهُرِيُ وأروَعُ ماجدُ
فقال بعض لحاضرين، وأحسبه الأنباري: ما يشبه الليل من جلباب العروي؛ فأمسكتُ. فقال المهلبي: ما تقول؟ فقلت له: لا يشبه الليل من جلباب العروس شيئاً إلا طوله وسبوغه. فقال المهلبي فما يريد بقوله:
بأرُبَعةٍ والشخصُ في العَينِ واحِدُ
فقلت: إنه يريد أنه نظر إلى هذه الجملة مجتمعة في ظلمة الليل، فتخيلها شخصاً واحداً. فقرع سمعه من كلامي ما أيقظ حميته وهز للشغب عزيمته وحرك سورته فتمثل بقول الشاعر:
وقد تذُكَرُ الأشياءُ بالشيء بعدَهاويرجِعُ للوُدُ العَدُوُ المبُايِنُ
وقال: أما أبو تمامكم هذا الذي يقول:
تجَرُعُ أسى قد أقفَر الجَرَعُ الفَردُودَعُ حِسيَ عينٍ يحَتلِبُ ماءه الوَجدُ
فأحال أقبح إحالة، واستعار أبع استعارة، بتصييره للعين حسيا، والأحساء توصف بقلة الماء، ومن شأن الدموع أن توصف بالغزارة من ذوي الوجد والصبابة، فكان الجماعة أصاخت إلى هذا القول. فقلت: ليس الأمر على ما تختليه، من أجل أن الحسي الرمل الذي يكون تحته حجر صلب يرد الماء، فشرب الرمل الماء إلى أن ينتهي إلى ذلك الحجر، فإذا احتاجوا إلى الماء احتفروا وأخرجوا شيئاً بعد شيء. هذا قول صاحب " العين " وجماعة من أهل العلم. فاستعار أبو تمام للعين حسياً، من أجل أن الدموع تخرج شيئاً بعد شيء، وهذه استعارة حقيقة لا استعارة مبالغة. فأمسك هنيهة ثم قال: أبو تمام القائل في هذه القافية:
رَقيقُ حوَاشي الحِلمِ لو أن حِلمَهُبكفَيكَ ما مارَيُتَ في أنهُ بُرُدُ
فهل امتدح أحد فبله أحداً برقة الحلم، ووصفه بالركانة والثخانة أولى، ألا ترى إلى قول عدي بن الرقاع:
أبَت لكُمُ مَواطنُ طَيباتُوأحلامُ لكُمُ تزِنُ الجبالا
قال: ثم أنه شبه الحلم في رقته بالبرد، ورقة البرد دال على هلهلة نسجه وليس ذلك من أوصافه ولا ممادحه. قال وفي هذه القصيدة يقول:
فلا تحَسبَا هِنداً لها الغدرُ وحَدَهاسجَيِةُ نَفُسٍ كُلُ غانيةٍ هندُ
وإنما أخذه من قول الأضبط بن قريع السعدي، وكان سيدهم، فرأى منهم حسداً، فرحل عنه ونزل في آخرين، فرآهم على مثل حالهم فقال: " أينما أذهب ألق سعداً "، أي الناس مثل قومي في حسدهم ساداتهم. فقلت له: لا دليل على فضل أبي تمام أوضح من أخذه هذا الكلام ونظمه إياه في تلك العبارة السهلة الجزالة البعيدة القرية. فقال: وأبو تمام القائل:
أقولُ لقُرحانٍ من البينِ لم يضُِفرَسيسَ الهضوَى بينَ الحَشا والتُرائبِ
ما قرحان البين، أخرس الله لسانه؟ فقلت له: يريد رجلاً لم يقطعه أحبابه ولم يبن عنه ألافه ولا اعتاده هوى ولا تعبد صبره وجد. والأصل في هذه الكلمة أن القرحان الذي لم يجدر وقال جرير:
وكُنتُ مِن زَفَراتِ الُحب قُرحانَا
وفي هذه الكلمة يقول أبو تمام:
ورَكُبُ يُساقُونَ الرُكابَ زُجاجَةًمنِ السُيرِ لم يقَصِد لها كَفُ قاطبِ
فقد أكلوا منها الغَوارِبَ بالسُرىفصارَت لها أشباحُهُمُ كالغَوارِبِ
فقال أبو الطيب: أما البيت الأول فمن قول أبي نؤاس إلى أن تتأمل البيت الثاني:
قَوُمُ تَساَقوا على الكوارِ بَينهُمُكأسَ السُرى فانتشَى المسَقِيُ والساقي
كأنُ أرؤسَهُمُ والسُكرُ يَخفضِهُاعلى المنَاكبِ لم تُغُمَدُ بأعناقِ
وأبو نؤاس أخذه من قول أبي دهبل:
أقولُ والرّكْبُ قد مالتْ عَمائمهمْوقد سقىَ القْوم كأسَ النعسةِ السهرُ
فقلت: وفي هذه القصيدة يقول أبو تمام:
يرَ أقبَحَ الأشْياءِ أوْبةَ آملٍكَسَتْهُ يدُ المأمولِ حُلةَ خائبِ
وأحسنُ من نورٍ يفتّحهُ النّدىَبياضُ العَطايا في سَوادِ المطالبِ
فقال: أما البيت الأول فمأخوذ غارة من قول الأخطل:
رَأينَ بياضاً في سودٍ كأنّهُبياضُ العَطايا في المطالبِ
فقلت له: هذا البيت من اختلافات أحمد بن أبي طاهر تحاملاً على أبي تمام. وإلاّ فمن هذا الذي رواة الشعر، وفي أي قصيدة هو، وفي أي نسخة من نسخ ديوان الأخطل يوجد؟ فقال: وما الذي بعث أحمد بن أبي طاهر على هذا، وأي سبب أوجبه منه؟ فقلت أليس هو القائل:
البْحتريّ إذا فَتَشْتَ نسَبتهُفي بحُترٍ في بني ثُعلَِ
كلاهُما يتَظنىّ عندَ نسَبْتهِوقَلبهُ منِ تظَنّيهِ على وَجلِ
ثم قلت: وفي هذه القصيدة يقول أبو تمام:
وقد عَلمِ الأفْشينُ وَهوَ الذي بهِيصانُ رداءُ المُلكِ من كل جاذبِ
بأنكَ لما اسْحنكَك الأمرُ واكتسىَأهابي تسسفى في وُجوهُ النوائبِ
وقلت: هذا المعوز المعجز المطمع الممتنع، القريب البعيد، اسهل الوعر، وأنشدته منها:
فلوْ كانَ يفنى الشعرُ أفنتهُ ما قرَتْحياضكَ منهُ في العصورِ الذّواهبِ
ولكنهُ صوبُ العُقولِ إذا انجَلتْسحائبُ منْهُ أعقبتْ بسحائبِ
فقال أبو الطيب: أما البيت الثاني فمن قول أوس بن حجر:
أقولُ بما صَبّتْ علَيهمْ غَمامتيوجهديَ في حَبلِ العشَيرةِ أحطبِ
فقلت: والله لئن كان أخذ كما تزعم، لقد طوى الأخذ، وزاد على المخترع بالمعنى زيارة لطيفة بقوله:) ولكنهّ فيْضُ العقولِ (فقال أبو الطيب: كيف يكون أبو تمام محسناً في الأخذ وهو القائل:
يقودُ نَواصيهاِ جذيلُ مشارِقٍإذا آبهُ هَمُ عُذَيْقُ مغَاربِ
وقد أخذه من اجزل لفظ وأفضحه لبعض المتقدمين:
وركْبٍ بأبصارِ الكَواكبِ أبصرواضلاَلَ المهاَرى فاهتدوْا بالكواكبِ
يكونونَ إشراقَ المشارِقِ مَرةًوأخرى إذا غابوُا غُرُوبَ المغارِبِ
ثم قال: وهو الذي يقول:
لعَمْري لقد حَرّرْتُ يْومَ لقيُتهُلوَ أنّ القَضاء وَحدهُ لم يُبردِ
فقلت له: وهو المبتدئ هذه القصيدة بقوله:
غدَتْ تَستجيرُ الدّمعَ خَوْفَ نوىَ غدِوصارِ قَتاداً عندهاَ كلُ مَرْقدِ
وأنقَدها منْ غَمرتِ المَوْتِ أنهُصُدودُ فراقٍ لا فراقُ تعَمدِ
فأجرىَ لها الإشفاقُ دمعاً موَرداًمن الدّمِ يجري فوْقَ خدّ موَرَدِ
هي البدرُ يدْنيها توَدّدُ وجْههاإلى كلّ من لاقتْ وإن لم توَدَدِ
وفيها يقول:
ولكنّني لم أحوِ وفرْاً مجمعاًوفُزتُ بهِ إلاّ بشملٍ مبّدد
ويم تعُطني الأيامُ نوْماً مسكناًألذُ بهِ إلاّ بنوْمٍ مشرًدِ
وطولُ مقُام المرْء في الحيّ مخلقُلديباجتَيْهَ فاغتَرِبْ تتَجَددِ
فإنّي رأيتُ الشمسَ زيدتْ محبةًإلى أن ليستْ عليهم بسْرمدِ
فقال أبو الطيب: أما قوله) فاغتربْ تتجددِ (فمن قول لقيطُ ابن زرارة:
ومَنْ أدْمَنَ المشْواةَ في الحيّ أخلقا
وقال: قوله) فإني رأيتُ الشمسَ (من قول كثيرَ: ولَوْ لم تغبْ شمسُ النهارِ لملّتِ وقلت له: ومن لك بمن يلفظ بمثل هذا ويستطيعه، أو يأخذ معنى فيكسوه معرضاً أنيقا، ويسبكه يعذب مشربه، ويستبهم على القرائح مراده. وقلت: وفيها يقول:
وقَد كانتِ الأرْماحُ أبصرْنَ قلبهُفأرْمَدهاَ سترُ القضاء الممًددِ
وإني لأرْجو أنْ تقلد جيدهُقلادَةَ مصْقولِ الذُبابِ مُهندِ
منُظمةً بالموتِْ يحظَى بحَليهامقُلدها في الناسِ دونَ المقلدِ
فقال أبو الطيب: وهو القائل:
فضَربْتَ الشَتاءَ في أخذَ عيهضَرْبةً غادَرَتْهُ عَوداً رَكُوباَ
فقلت له: وهو القائل مبتدئاً هذه الكلمة:
من سَجايا الطُولِ ألاّ تجُيباَفصَوابُ من مقلةٍ أنْ تصوباَ
وهذا من أحسن ابتداء، وفي تشبيبها يقول:
أكثرَ الأرضِ زائراً ومزُوراًوصَعوداً من الهَوىَ وصَبوباَ
وكَعاباً كأنمّا ألبْستهاْغَفَلاتُ الشّبابِ برْداً قشيباَ
بينَ البَينُ فقْدَها قلّما تعْرفُفقداً للشمسِ حتى تَغيباً
وفي مديحها يقول:
سَبقَ الدّهرَ بالتلادِ ولم ينْتظرالنّائباتِ حتى تنوباَ
وإذا ما الخطوبُ أعفتْهُ كانتْراحَتاهُ حَوادثاً وخُطُوباَ
فقال أليس هو القائل:
مُستسْلمُ لله سائسُ أمةٍلذوي تجَهضُمها لهُ استسلامُ
لو أنه قذف كبده كان أولى من قوله:) تضجَهْمها (فقلت له: الرواية في هذا البيت) لذَوي تكبّرها (والتجهضم أخذك الشيء ببَغي، ولذلك سمىّ الأسد جهضماً، وهذه القصيدة يقول:
أتحَدّرَتْ عَبَرَاتُ عَينكَ أن دعتْورْقاءُ حينَ تصَعصعَ الإظلاْمُ
لا تنْشجنّ لها فإن بكاءهاضَحكُ وإنّ بكاءكَ استغرامُ
هنّ الحَمامُ فإنْ كَسْرتَ عيافةًمنْ حائهِنّ فإنهنّ حمامُ
وهذا بكل شيء قاله محدث. وفيها يقول:
بالشدْقَمياتِ العتاقِ كأنّماأشباحهاُ بَينَ الإكام إكامُ
أوْريْتَ زَنْدَ عَزائمٍ تحتَ الدُجىأسرجنَ فكركَ والبلادُ ظلامُ
فنَهَضْتَ تَسحبُ ذَيلَ جيشِ ساقهحُسنُ اليقَينِ وقادهُ الإقْدامُ
مشْعنجرٍ لجبٍ تَرىَ سلافّهُولهمْ بمنخرقِ الفضاء زِحامُ
ملأ المَلا عُصباً وكادَ بأنْ يرَىلا خَلْفَ فيهِ ولا لهُ قُدامُ
بسواهمٍ لحقُ الأياطلِ شُزًبِتَعْليقها الإسراجُ والألجامُ
مُسْترسلينَ إلى الحتوفِ كأنّمابَينَ الحُتوفِ وبينهمْ أرحامُ
آسادُ غيلٍ مخدرِات ما لهاإلاّ الصوّارم والقناَ آجامُ
والضْربُ يعقدُ قَرمْ كتيبةٍشَرِسَ الضريبةِ والحتوفُ قيامُ
فقصمْتَ عرُوْةَ جمْعهم فيهِ وقدجَعلتْ تفصًمُ عن عراها الهامُ
ثم قال فيها:
متُوَطئو عقبيكَ في طلبِ العلىوالمَدِ ثمّتَ تستوي الأقدام
فأخذ البحتري هذا فقال:
حزْتَ المدى سبقاً وصلىّ ثانياًثمّ استوتْ من بعده الأقدامُ
ومن هاهنا أخذت يا أبا الطيب قولك:
رأيْتُ عليّاً وابنهُ قوْمهِوهمْ خيرُ قومٍ واستوىَ الحرُ والعبدُ
وقلت في موضع آخر:
) يشْتبهُالمَخدومُ والخدَمُ (
فقال أبو الطيب: قد أخطأ في قوله) كاد بانْ يرى (لأن المسموع من كلام العرب:) كاد يفعل (. فقلت: قد جاء لبعض الشعراء في وصف طريق:
قدَ منْ طولِ البلىَ أنْ يمصحا
وإذا جعلت) كاد (بمعنى) أراد (حسن دخول) أن (كما قال:
كَادتْ وكدتْ وتلْك خَيرُ إرادةٍلوْ عادَ منْ وصلْ الحبيبةِ ما مضى
فقال: قد أخذا قوله: تعَليقهاُ الإسراجُ والإلجامُ من قول الأول:
تُرادُ على دمنْ الحياض فإن تعَفْفإن المندىّ رِحلةُ فرَكُوبُ
فقلت له: هذا وإن كان آخذاً على ما ذكرت، احسن من المأخوذ منه وأكشف للمعنى. قال: فأن الأعشى قد قال:
وفلاةٍ كأنها ظهرْ ترسٍليسَ إلاّ الرّجيعَ فيها علاقُ
فقلت له: وهذا أيضاً غير مكشوف كل الكشف، والسراج والإلجام أفصح وأوضح. فقال: أبو تمام الذي يقول:
ولىّ ولم يَظلمْ وهل ظلمَ امرؤُحثّ النجاءَ وخلْفهُ التنينُ
أرأيت إنساناً شبه بتنين؟ وإنما أراد قول كثير:
يقُلًبُ عَيْنيْ حَيةٍ بمحاَرةٍ
أو قول الأخطل:
ضَفادعُ في ظلَماء ليلٍ تجَاوَبَتْفَدلُ عَليَها صوَتُها حَيُةَ البَحرِ
وهذا مذهب في المدح لم تزل ملوك بني أمية تتعلق به على شعرائها، وتنعاه في مداحها. فقلت له: يُتَسمح له بذلك لقوله:
جادَتُ عَليها من جَماجمِ أهلِهادِيمُ أمارتها طُلًى وشُؤونُ
بَحرُ من الهَيجاءِ يهفُو ما لهُإلا الجماجم والضُلوعَ سفَيِنُ
مَلِكُ تضِيء المَكرماتُ إذا بدالمُلكِ منُهُ غُرةُ وجَبِينُ
لانتُ مهَزتُهُ فَعزُ وإنمايشَتَد مَنُ متَنُ الرمحِ حينَ يلَينُ
فتركُتَ أرشَق وهَيَ يُدعى باسمهاصم الصفا فتَلينُ منهُ عَيُونُ
لاقاكَ بابَكُ وهوَ يزُأرُ فأثنىوزَئيِرُهُ قد عادً وهوَ أنيشنُ
ورَجا بلادَ الرومِ فاستَعصَى بهشأجلُ أصمُ عنِ النُجاء حَرُونُ
فقال: هو الذي يقول
كانُوا رِداء زَمانِهِمُ فتَصدَعوافكأنما لَبِسَ الزمانُ الصُوفَا
فقلت هو الذي يقول في هذه القصيدة:
يا منَزِلاً أعطى الحوادِثَ حُكمهَالا مَطْلَ في عدةٍ ولا تسْويفاَ
أرْسىَ بناديكَ الندى وتَنفسَتْنَفساً بعَقوتكَ الرّياحُ ضعَيفاَ
شُعفَ الغَمامُ بعرْصَتيكَ وربّمارَوّتْ رُباكَ الهائمَ المشعُوفاَ
وفيها يقول:
أيامَ لا تسطوُ بأهلْكَ نكبةُإلا تَراجعَ مصَرُوفاَ
وإذا رَمتَكَ الحادثاتُ بلحظةٍرَدّتْ ظُباتكْ طرْفهاَ مطرُوفاَ
وفيها يقول:
إن غاضَ ماءُ المزْنِ فضْتَكبدُ الزّمانِ علي كُنتَ رؤَوفا
فقال أبو الطيب: وهو الذي يقول:
تسعونَ ألفاً كآسادِ الشرىَ نضجَتْجلوُدُهم قَبل نضْجِ التّينِ والعنبِ
فقلت له: لهذا البيت نبأ أوجب قوله، ولو استقريته لما استجزت الطعن على قائله. ولو شاء قائل أن يقول: إنه لم تفتح قصيدة بأوجز ولا أخصر من قوله:
السّفُ أصدْقُ أنباءً منَ الكتُبِفي حَدهِ الحدُّ بَينَ الجدِّ واللعبِ
لما عنف. فقال أليس هذا من قول الأول:
فلا تُكْثروا فيهِ الضجاجَ فإنهُمحاَ السيفُ ما قال ابن دارةُ أجمعاَ
فقلت: الأمر على ما ذكرته، وقد احتذيتَ هذا المعنى من أبي تمام فقلت:
وهل تغُني الرّسائلُ في عدُوٍإذا ما لم يكُن ظبيّ رقافاَ
وقلت: في هذه القصيدة يقول أبو تمام:
بكْرٌ فَما افتَرعتها كفُ حادثةٍولا ترَقتْ إليهاَ همةُ النوَبِ
رَمىَ بكَ اللهُ بُرْجيْها فهدّمَهاولوْ رَمىَ بكَ غُيرُ الله لم يُصب
فقال: أما هذا في كتابكم؟ فكفر لعنه الله) وَماَ رَميْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ الله رَمىَ (قلتُ: وفيها يقول:
فَتحٌ تَفَتحُ أبوابُ السّماء لهُوتَبرزُ الأرضْ في أثوابها القُشبِ
لم يَغزُ يوْماً ولم ينهدْ إلى بلدٍإلاّ تقَدّمهُ جيشُ من الرُعُبِ
لمّا رأى الحُبَ رأيَ العينِ تُوفلسٌوالحرْبُ مشُتقةُ المعنى من الحرَبِ
فقال أليس هذا من قول النابغة الجعدي:
ونَستْلبُ الدُهْمَ كانَ ربهُاضَنيناً بها والحرْبُ فيها الحَائبُ
قلت: وفيها يقول:
بَصُرْتَ بالرّاحةِ الكُبَرى فلم تَرهاَتُنالُ إلاّ على جِسرٍ من التَّعبِ
وقد أخذت هذا البيت على رسمك فقلت:
وإذا كانَت النفُوسُ كباراًتعبْ في مُرادها الأجسام
فقال: وأبو القائل مبتدئاً:
ما لكَثيبِ الحِمى إلى عقِدِةْ
فقلت: أجل هذه القصيدة التي أخذت منها:
كالخُوطِ في القَدِّ والغَزالة في البهْجةِ وابن الغزالِ في غَيدَةْ
ثم تدارك هذا فقال:
وما حَكاهُ ولا نَعيمَ لهُفي جِيده بل حكاةُ في جَيدةْ
فقلت آخذاً للبيت الأول:
بَدَتْ قمَراً ومالتْ غُصْنَ بانٍوفاحتْ عنبراً ورنَتْ غَوالا
فما أنكرت من هذا الابتداء ونعيته عليه؟ ألا نعيت قوله: أصَمَ بكَ النّاعي وإنْ كانَ أسمعاَ ولم يقلَ في ابتداء مرْثيةٍ بعد قول أوس بن حجر أسير ولا أخصر من هذا. فإن العلماء بالشعر قاطبة تشير إلى قول أوس:
أيتها النفّسُ أجملي جَزَعاَ
وقول أبي تمام، إن لم تنكر، أوفى منه. فقال هو مأخوذ من الأول:
نَعىَ لي أبا المقدامِ فاسودّ منظريمن الأرْض واستكَّتْ عليّ المسامع
فقلت: هو منه، ولكن شتان ما هما قرباً ولطفاً واختصاراً. ولو لم تكن إلا فضيلة الإيجار لحكمت بالإحسان وأعطيته السبق. وقوله:
سعدَتْ غُرْبةٌ النّوى بسعادِ
وقوله:
أرامةَ كُنتِ مألف كل ريمِ
فقال هذا من قول زهير: وقوله في ابتداء أخرى:
لهانَ عَليناَ أنْ نقولَ ونَفْعلا
وابتداء أخرى:
أجلْ أيها الربْعُ الذي آهلُهْلقد أدركتْ فيك النّوى ما تُحاولهُ
وقوله:
ما عَهدناْ كذا نحيبَ المَشوقِ
وقوله:
أيّها البرقُ بتْ بأعلى البراقِواغْدُ فيها بوابلٍ غيداقِ
وتَعلَمْ بأنهُ ما لأنْوائكَ ما لم تروَها من خلاقِ
دمنَ طالماَ التقتْ أدمعُ المزْنعَليها وأدمعُ العشّاقِ
فهذا من أحسن ابتداء وكذلك قوله:
خذُي عَبَراتِ عَينكِ عن زماعيوصُوني ما أذلتْ منَ القناعِ
أآلفَةَ النّحيبِ كمِ افتراقٍأظل فكانَ داعيةَ اجتماعِ
وليسْت فَرْحَةٌ الأوباتِ إلاّلموْقُوفٍ على تَرحِ الوداعِ
ثم قلت: وهو الذي يقول في الدالية التي هتفت في ابتدائها يصف لواء:
نعْم لواءٌ الخميسِ أبْتَ بهِيوْمَ خميسٍ عالي الضّحى أفدِهِ
خلتْ عقاباً بيضاءَ في حجراًتالملْكِ طارتْ به وفي سدَدهْ
ومرّ تهْفوُ ذؤابتاةُ علىأسمرَ متنٍ بوْم الوغى جَسدِهْ
تَخْفقُ أثْناؤه على مَلكٍيرىَ طرادَ الأبطالِ من طَردَهْ
فقال أبو الطيب: عذّ عن هذا، أما أبو التمام القائل:
والمجدُ لا يرْضى بأنْ يرْضىَ بأنْيرْضىَ الذي يَرْجوكَ إلاّ بالرضاَ
هذا والله الهذيان الذي يشغل بطون المهارق ويطفئ نار القرائح.
قال: وأراه سمع بيت مسلم فاحبّ أن يركب الكلام ويعاظله تركيب مسلم ومعاظلته في قوله:
سلتْ وسلتْ ثمَ سلّ سليلُهافغداَ سليلُ سليلها مسلولا
فأضحكني هذا التخيل منه وقلت: إن مسلماً وإن كّرر اللفظ، فلبيته معنى لطيف أنا أورده، وقد أورده الباهلي في تاب) المعاني (، فزعم أنه يريد هذه الحمرة سلت من الكرم باقتطافه، ثم سلت من العنب باعتصاره، ثم سلّ العصير من الدن ببزله، وقوله:
فغداَ سَليلُ سَليلها مسَلولا
يريد بول شاربها. وقد قال بعد هذا البيت:
لطفَ المزاجُ لها فَزَيّنَ كأسهاَبقلادَةٍ جُعلتْ لهاَ إكْليلا
يريد أن المزاج رفعها فجعل القلادة وهي في العين إكليلاً. وقد نازعه أبو نؤاس هذا المعنى وأحسن العبارة عنه بقوله:
تدَورُ علينا الرّاحُ في عَسْجديةٍحَبَتهْا بأنواعِ التصّوير فارسُ
قَرارتَها كسرىَ وفي جنَباتهامهاً تدّريهِ بالقسيّ الفّوارِس
فللخَمرِ ما زرّتْ عليهِ جُيوبهاُوللماء ما دارتْ عليهِ القلانسُ
وأما قول أبي تمام:) والمسجدُ لا يرْضىَ بأنْ يرْضىَ (ينقصه مثلك وأنت القائل:
فقَلقَلتَ بالهمُ الذي قَلقَل الحشاَقلاَقلَ عَينٍ كُلهن قلاقلُ
والقائل:
ومن جاهلٍ بي وهوَ يجهلُ جَهلهويَجهلُ علمْي أنهُ بيَ جاهلُ
وأنت القائل:
وُقُوفَينَ في وقَفْين شكٍر ونائلٍفنائلهٌ وقْفُ وشكرُهمُ وَقفُ
وأنت القائل أيضاً:
ولا واحداً في ذا الَوَرَى بل جماعةًولا البعض من كلّ ولكنكّ الضَّعْفُ
ولا الضعْفْ حتى يبلغَ الضّعفَ ضعفهُولا ضعفَ ضعفِ الضعفِ بلِ مثلهَ ألفُ
أقاضيناَ هذا الذي أنتْ أهلهُغلطتُ ولا الثلثان هذا ولا النصفُ
وأقبلت عليه فقلت: أتراك تغتفر أبي تمام في أثناء هذيانك هذا أم لا تغتفره؟ وفي الضادية يقول أبو تمام:
عندي منَ الأيامِ ما لوْ أنّهبازاء شاربِ مرْقدٍ ما غمضاَ
لا تطُلبنَّ الرّزْق بعدَ شمِاسِهِفترومَه سَبُعاً إذا ما غَيُضا
يا أحمد بنَ أبي دُوادٍ دَعوةًذَلتُ بشكُرِكِ لي وكانت ريضَا
لما انتضَيَتُكَ للخطوبِ كُفيتهاوالسٌيفُ لا يكفيكَ حتى ينُتضَى
كن كيفَ شئتَ فيك خلائِقاًأضحَى إليهَِن الرجاءُ مفُوضَا
فقال: أليس أبو تمام القائل يصف خمراً
إذا هيَ دبت في الفتى خالَ جسِمهُلما دَب فيهِ قَريةً من قُرى النملِ
فقلت له: أما المعنى الفصيح، فما وجد الطعن عليهن وقد قال الأخطل:
تدبَ دبيباً في العِظامِ كأنهدبيبُ نمالٍ في نقاً يَتَهَيلُ
وقد قال الأول:
تدَبِ دَبيباً في العِظامِ كأنهُدبيبُ بناتِ النٌمل وهيَ سوَارِي
وقال حسان بن ثابت، وعدل إلى تشبيه آخر:
تدَبُّ في الجِسمِ دَبيباً كَمادب دبي وسَطَ رقَاقٍ هَيَام
ولدبيبها سميت " دَبابةَ "، وقال ذو الرمة يصف غزالاً قد أنحى في نومه:
كأنهُ في الحيّ تَرمي الصعيدَ بهدبابةٌ في عِظام الرأسِ خُرطومُ
قال أما أنا فيبعد عن وهمي ويند عن سمعي " قرية النمل "، وما سوى ذلك فله وجه. فقلت له: عد هذه التراهات، فمن أوضح البرهان على أنك قد تصفحت الشعر هذا الرجل، وتأدبت بمعانيه، وقفوت مذهبه، واقتريت طرقه فيه، وتتبع هذه المواضع عليه وتعيينك عليها، وإشارتك إليها وقدحك فيها. وه يسم أبا تمام بمسيم النقيصة تتبعك وتتبع أمثالك عبيه ما تتبعونه وهو القائل:
ما أن رأى الأقوامُ شَمساً قَبلهاأفَلَت فَلم تثعقبِهُمُ بظَلام
لَو يقَدِرونَ مَشوا على وجَناتِهمٌوجِبِاههِم فضلاً عنِ الأقدامِ
وهو القائل:
علا الشيبُ مختطاً بفَودي خُطةسبيلُ الرودى فيها إلى الموتِ مهَيعُ
هُو الزورُ يُجفى والمعاشرُ يُجتوىوذو الإلف يُقلى والجَديد يُرقعُ
لَه مَنظرٌ في العَينِ أبيضٌ ناصِعٌولكنه في القَلبِ أسودٌ اسفَعُ
وهو القائل:
فإن تَرمِ عن عُمرٍ تَمادَى به المدىفَخانَكَ حتى لم تجَد فيهِ منَزعا
فقال: أما هذا مأخوذ من قول البعيث:
وأنا لنُعطي المشَرفيةَ حقَهافَتقَطعُ في أيماننِا وتُقَطعُ
ومن قوله أيضاً:
أوْفى بهِ الدّهرُ من أحداثهِ شرفاًوالسيفُ يمضي مراراً ثمّ ينقصدُ
وأبو تمام القائل:
لآل وَهبٍ أكُفٌ كُلمّا أجتديتْفَعَلْنَ في المَحلِ ما لا تفعلُ الديَمُ
قَوْمُ تَراهمْ غيارَى دونَ مجْدهمِحتى كأن المَالي دونهمْ حَرَمُ
وهو القائل:
يقَولُ في قوُمَسٍ صَحبي وقد أخذتْمنّا السرى وخطى المهريةِ القُودِ
أمطْلعَ الشّمس تبغي أنْ تؤمّ بناِفقلتُ كَلاّ ولكنْ مطلعَ الجودِ
ومن البيت الثاني أخذت قولك:
وجرَينَ جرْىَ في أفلاكهافقطَعنَ مَغربهاَ وحزْنَ المطلعا
وهو الذي يقول:
راحتْ وفُودُ الأرضِ من قَبرهِفارغَةَ الأيدي ملاءَ القُوبْ
قد عَلمتْ ما رزئتْ إنمايعرفُ فقدَ الشمسِ عند الغُروبْ
وهو الذي يقول:
ولم أرَ العُلى ما لم يرَ الشعرُ بينهماَلكا لأرْضِ غُفلاً ليسَ فيها معالمُ
يرَى حكمةً ما فيه وهوَ فُكاهةُويقضى بما يقضي بهِ وهوَ ظالمُ
ولولاْ خلالُ سنهاّ الشًعرُ ما درَىبغاةُ النًدى من أين تؤتى المكارمُ
وهو الذي يقول:
مُجَردٌ سَيفَ رأيٍ من عزَيمتهللدّهرِ صيقلُهُ الإطراقُ والفكَرُ
عَضْباً إذا هزّهُ في وَجه نائبةٍجاءتْ إليهِ صروفُ الدّهرْ تعتذرُ
ومن البيت الأول أخذت:
تَحضيرَ في سيفٍ ربيعةُ أصلهُوطابعةُ الرّحمنُ والمدُ صاقلُ
وهو القائل أيضاً:
فلا تَحسبِ الأعداءُ عَزْلكَ مغنَماًفإنّ إلى الإصدار ما غايةُ الورْدِ
وما كُنتَ إلاّ السيفَ جردَ للوغىفأحْمدَ فيهِ ثنّ ردّ إلى العمدِ
وهو القائل أيضاً:
يا أيها الملكَ النّائي برؤيتهِوجودُه لمُرجيّ جودِهِ كَثبُ
ليس الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أملاًإنْ السّماء تُرجىّ حينَ تُحتجبُ
وهو القائل أيضاً:
لقد زدْتَ أو ضاحي امتداداً ولم أكنْبهيماً ولا أرْضِ مجْهلا
ولكنْ أيادٍ صادفتني جسامُهاأغرَّ فأوْفَتْ بي أغرَّ محجلا
فقال هو مأخوذ من قول أبي محلم:
أمسْلمُ فاسْلمَ يا ابن كل خليفةٍويا سائسَ الدنّيا ويا جبل الأرْضِ
شكَرْتكَ إن الشكرَ منّي سجيةُوما كلُ منْ أوليتهُ نعمةً يقضي
حييْتَ لي ذكري وما كنتُ خاملاًولكنً بعض الذّكر أنبهُ من بعضِ
فقلت وهو القائل:
وركْبٍ كأطرْافِ الأسنةِ عرَسواعلى مثْلها والليلُ تطو غياهبهْ
لأمرْ علَيهمْ أنْ تتمّ صدورهُوليس عليهمْ أنْ تتمّ عَواقبهْ
إليكَ جزَعْنا مغربَ الشمسِ كلماّقطعنا مَلاً صلتْ عليكَ سباسبهْ
إلى سالبٍ الجبارِ بيضةَ ملْكهِوآملهُ غادٍ عَليهَ فسالبهْ
إلى ملَلكٍ لم يلقْ كَلكَل بأسهِعلى مَلكٍ إلاّ وذللَ جانبهْ
ففيَ كُلّ نجدٍ في البلاد وغائرٍموَاهبُ ليستْ منهُ وهْي موَاهبهْ
فَنوَلَ حتى لم يجدْ منَ ينيلهُوحاربَ حتى لم يجدْ من يحاربهْ
فيا أيها السّاري آسرِ غَيرَ مُراقبٍجَنانَ ظلامٍ أوْ ردىً أنتَ هائبهْ
فقدْ بثّ عبدُ الله خوفَ انتقامهِِعلى اللّيل حتى ما تدَبُ عقاربهْ
فقال أما قوله:) وركبٍْ كأطرافِ الأسنةّ (فمن قول كثير:
أطافتْ بشعْثٍ كالأسنةّ هجدٍبخاشعةِ الأضواءِ غُبرٍ صحونهُا
وأما قوله:
لأمر عَليهْم أنْ تتمَ صدوره
فمن قول الأول:
غلامُ وغى تَقَحمها فأبلْىفخانَ بلاءهُ الزّمنُ الخؤونُ
وكانَ على الفتى الإقدام فيهاولَيسَ عَليهَ ما جنَتِ المنُونُ
وأما قوله:) صلتْ عليكَ سباسبهُ (فمن قول بشار:
إذا ما أعرْنا سيداً من قبيلةٍذرَى منبرٍ صلّى علينا وسّلما
وبشار أخذه من جرير:
منابرُ مْلكٍ كُلها مضريةيصلّي علينا من أعرناه منبرا
فقلت له: لئن كان تمام ناظراً إلى هذه المواضع فلقد تناول أخلاق أعبية فأعادها يرف وشيها، كما ترف خدود الرياض غب الحيا.
وهذا كان مذهبه في جميع ما يلاحظه ويشير إليه من المعاني. ألا تر إلى قول الأول:
سيُوفٌ لعَمري يا صدَيّ بن مالكٍحدادُ ولكن أين بالسيفِ ضاربُ
فاحتذى هذا أبو تمام:
وقد يَكهمُ السَيفُ المُسّمى منيةًوقد يرَجعُ المَرء المظفرُ خائباَ
فهذا البيت مخترع له: ثم قال محتذياً للبيت المتقدم ومفسراً لبيته هذا:
فآفةُ ذا ألاّ يصُادفَ مضرباًوآفةٌ ذا ألاّ يُصادفَ ضارباَ
وقال الفرزدق، وذكر امرأة له ماتت بجمعٍ، وهي التي تموت وولدها في جوفها:
وجفنِ سلاحٍ قد رزئتُ فلم أنحْعَليهِ ولم أبعثْ عليهِ البوَاكياَ
وفي ضمنْهِ من دارمٍ ذو حفيظةٍلو آن اللّيالي أخطأتْهُ لياَلياَ
فقال أبو تمام في اثنين صغيرين كانا لعبد الله بن طاهر، فماتا في يوم واحد، وأشار إلى بيتي الفرزدق إشارة عجيبةً، وزاد زيادات لطيفة من قصيدة:
نَجمانِ شاء الله ألاّ يطلعاَإلاّ ارتْداد الطرفْ حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرّياضِ نوَاضراًلأجلٌ منها بالرياضِ ذوابلاِ
لوْ ينْسبانِ لكانَ هذا غارباًللكرمات ِ وكانَ هذا كاهلا
لَهفي على تلكَ الشواهدِ منهمالوْ أمهلتْ حتى تكون شمائلا
إنّ الهلالَ إذا رأيتَ نمارهُأيقنْتَ أن سيكون بدْراً كاملا
فهذا ما احتذاه وولده وسبطه وزاد فيه.، وأحسن العبارة عنه. من الباب قول الآخر:
رَأيتُ المالَ يَكسبِهُ رِجالُمآفين إذا اختبُروا فُسُولُ
فلا ذو المالِ يكَسبُهُ بعقلٍولا بالمالِ تكُتَسَبُ العُقولُ
كَما تكُسَى سباغُ الأرضِ رِياًوتُصرفُ عن َ كَرائِمهِا السيولُ
فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأختصره في بيت واحد فقال، وأحسن كل الإحسان:
لا تنُكِري عَطَلَ الكريمِ من الغنِىفالسيلُ حَربُ للمكانِ العالي
وقال عمر ين أبي ربيعة:
وإذا جِئتهُا لأشكوُ إليهابَعضَ ما شَفني وما قد عراني
ضَل عَنها لشدةِ الوَجدِ عقليوتَعايا بذاتِ نفَسي لِساني
ونسيتُ الذي جمعَتُ من القَولِ لدَيَها وغابَ عني بَيَاني
فقال أبو حفص الشطرنجي سالكاً هذا المذهب:
بُني الحُب على الجَورِ فلَوأنصَفَ العاشِقُ فيهِ لَسَمُجْ
ليس يسُتحسن في وصفِ الهوىَعاشقُِ يُحسنُ تأليف الحُجَجْ
وقال أبو تمام موجزاً هذا المعنى:
لِمٌ تُنكرِينَ وقد هويتُ تبلدُيوبَراعَةُ المشُتاقِ أن يَتَبَلدَا
فتأمل ما بين الكلامين تجد تفاوت بعيداً. وسمع أبو تمام قول ابن الزبير عند قتل أخيه مصعب: " إنما التسلية والسلوة لحزماء الرجال، والهلع والجزع لربات الحجال " فنظم هذا فأحسن كل الإحسان في نسخه وتأليفه بقوله:
خُلِقنا رِجالاً للتجلُد والأسَىوتلِك الغَواني للُبكا والمآتِمِ
وسمع قول القائل " المحاب مقرونة بالمكاره " فقال، وبرز تبريز السابق المتمطر إذا تطلمه الفرسان في حلبة تعثرت الجياد في طلبه بها:
سَعَى فاستنَزَل الأمَلَ اقتِساراًولوَلا السعُي لك تكُنِ المسَعى
وأنظر إلى قول أبان اللاحقي:
ولنْ تعرِفَ النفٌسُ النعيمَ وعزِهُإذا جَهِلت حالَ المذَلةِ والضر
فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأحسن صوغه وسبكه فقال:
والحادِثاتُ وإن اصابَكَ بُؤسُهافهو الذي أنباكَ كَيفَ نعَيمهُا
فحاول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أخذ هذا المعنى، فقصر عنه بقوله:
لا ينُسيِنكَ حالُ نشلتَ رِفٌعَتَهاما في عواقبِهِا واذكر تصرفَها
أن الفتى يجهَلُ النعما إذا اتصلتحتى يلُذعَ بالبلِى فيعَرِفَها
ومن إحسان أبي تمام في الأخذ قوله:
إذا ما أغارُوا فاحٌتووا مالَ معَشَرٍأغارَتٌ عَلَيهم فاحتوَتهُ الصنائعُ
وهذه العبارة تطرب وتعجب، وتختدع وتخلب. وإنما احتذى في بيته هذا قول عروة بن الورد في بيتين:
كَريمُ رأى الإقتارَ عاراً فلم يزَليَجُوبُ بلادَ اللهِ حتى تَموِلا
فلما استَفادَ المالَ عادَ ببَذّلِهِلمَن جاءهُ يبَغي ندَاهُ مُؤملا
فتأمل اختصار أبي تمام لهذا المعنى وحسن عبارته عنه. فتعاطى ابن الرومي أخذه فلم يستطع استيفاءه إلا في أربعة أبيات، يقتضي بعضها بعضاً وهي:
وما في الأرض أجوَد من شجاعٍوإن أعطى القليلَ من النوالِ
وذلكَ أنٌه يعُطيك ممِاتُفيء عليَهِ أطرافُ العَوالي
وحسبُكَ جودُ مَن أعطاكَ مالاًحواهُ بالطٌرادِ وبالنٌزالِ
شرَى دَمَهُ ليحَويَهُ فلَماحواهُ هوَى به حمدُ الرجالِ
وأخبرني الصولي قال: سمعت أبا مالك يقول: من استطاع أن يأخذ المعنى فيصنع به صنع أبي تمام، وإلا فلا يتعرض له. قال: فقلت مثل هذا؟ فقال: مثل قول أبي نؤاس:
بشرهُمُ قَبلَ النوال اللاحِقِكالبرَقِ يبدو قبلَ جودٍ دافِقِ
والغَيثُ يخَفَى وقعُهُ للرامِقِما لم يجَدِهُ بدَليلِ البارِقِ
فنظر أبو تمام إلى هذا فقال:
يَستَنزِلُ الأمَلَ البَعيدَ ببِشرِهِبُشرَى المخُيلةِ بالربيعِ المغُدقِ
وكذَا السحائبُ قلما تدعو إلىمعَرُوفِها الروادَ ما لم تَبرُقِ
ثم اختصر المعنى في بيت واحد فقال:
إنما البِشرُ روَضَةُ فإذاأعقَبَ بذَلاً فَروضَةٌ وغدَيرُ
فاحتذى هذا المعنى البحتري فقال وأتى به في عدة مواضع قصر فيها إلى أن قال:
متُهلَلٌ طَلقٌ إذا وعَد الغِنىبالبِشرِ أتبَعَ بِشرهُ بالنائِلِ
كالُزن إن ضَحِكَتٌ لوامع برقِهِأجلَت بهِ عن ديمةٍ أو وابِلِ
فقال أبو الطيب: نكتب عن هذا، فهل تجد لبي تمامكم هذا أو بحتريكم معنى اخترعاه؟ فقلت: هل تستوفي اختراعاتهما مذاكرة، أو يأتي على جزء واحد منها البحث والمناقشة؟ فقال: هلم معنى واحداً ولك الحصل. فقلت له: من اختراعات أبي تمام التي وقع إجماع الرواة عليها قوله
تأبى على التصريدِ إلا نائلاًإلا يكُن مَحضاً قَراحاً يُمذَقِ
عَمداً كما استكرَهتَ عائرَ نَفحةٍمن فارِةِ المِسكِ التي لم تُفتَقِ
فقال هذا من قول الأعرابي:
ولما تَنازعنا سِقاطَ حدَيثهِاغِشاشاً فَلانَ الوُد منها فأطمَعَا
بحدِثانِ هِجرانٍ وساعَةِ غَفَلةٍمن الحي يخَشى أعيُناً أن تَطلعَا
فرَشٌت بِقيلٍ كادَ يشَفي من الهوَىتكادُ له أكبادنُا أن تَقُطعا
كما استَكرَهَ الصادي وقَائعَ مُزنَةٍرُكاماً توَلى مُزنُها حينَ نَقعَا
فقلت له: ما أبعد ما بين المعنيين، وما أجدك تجتلب ذاك إلا من أجل قول هذا " كما استكره " وقول أبي تمام " عمداً كما استكرهت ". والألفاظ مباحة، إلا استعارة لطيفة أو تجنيساً أو طباقاً، فإن هذه تختص بأربابها. وإذا أتى بها آخر بعد أول قضي عليه بالسرق، على أنه في المجاز أن يتورد آخر وأول في بعض ذلك. فقال المهلبي: يا أبا الطيب ظلمت أبا تمام في هذه الدعوى عليه ظلماً لا شبهة فيه. وأقبل علي وقال: تمم كلامك. قلت ومن مخترعه قوله:
وإذا أرادَ اللهُ نَشرَ فَضيلَةٍطُوِيتْ أتاحَ لها لسانَ حَسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاوَزَتٌما كانَ يعُرَفُ طِيبُ نَشرِ العودِ
فقال أبو الطيب: أما البيت الأول فمبتذل المعنى. فقال المهلبي: مثل ماذا؟ فقال قول زهير:
مُحَسدونَ على ما كانَ من كَرَمٍلا يَنزعُ الله عَنهُم ما له حُسِدوا
وقال الآخر
ولَيسَ يفترِقُ النعماءُ والحَسَدُ
وقول الآخر
مُحَسدُون وشَرُ الناسِ منزلةًمَن لم يبَت ذاتَ يومٍ وهو محسودُ
فقال المهلبي: هذا أيضاً تحامل، ما يتناسب المعيان، وإن كانا معاً في الحسد، ألا ترى أن قوله:
وإذا أراد الله نَشرَ فَضيلةٍطُوِيِت أتاحَ لها لسانَ حَسود
ليس من قول زهير: محسدون، لا ينزع الله عنهم ما حسدوا له، ولا من قول الآخر: شر الناس من لم يكن محسوداً، وقول الآخر:
ولَيسَ يفَترِقُ النعماءُ والحَسدُ
وأن كان كل ذلك في معنى واحد وطريقة واحدة؟ فقلت له: هذا باب من الأتساع في المعنى مما يشبه المأخوذ وليس بمأخوذ، وهذه منزلة لا يتوقلها إلا شثن القدمين. فقال أبو الطيب: فقد أخذ قوله: " لولا اشتعال النار " من قول بشار:
كحَاوي المِسكِ دَل علَيهِ نَفخُ
فقال علي بن عيسى النحوي: إن كان فعل ذاك فقد الله أحسن كل الإحسان. فقال المهلبي مقبلاً علي: هات ما حضرك من اختراعاته، فقلت: ومن اختراعاته قوله:
وضَل بكَ المُرتادُ من حيثُ يَهتدَيوضَرت بكَ الأيامُ من حيثُ تَنفَعُ
ومن بدائعه:
يَسُركَ أن تَلقاهُ في صَدرِ مَجلِسٍوفي نحرِ أعداءٍ وفي قلبِ مَوكبِ
لهُ خُلُقُ لو كانَ في الماء لم يَغِضوفي الغَيثِ ما شام امرُؤ بَرقَ خُلبِ
وقوله:
خَليليْ مِن بَعدِ الأسَى وَالجوَى قفِاولا تقَفِا فَيضَ الدموعِ السواجم
لَئنِ كانَ سيفُ الموتِ أسوَدَ صادئاًلقَد فُلَّ عنَهُ حَدُ أبيضَ صارِمِ
أصابَ امرأ كانَت كرائِمُ مالِهِعلَيهِ إذا ما سيِلَ غَيرَ كَرائِمِ
وما نَكْبةُ فاتَت بهِ بعَظيمَةٍولكنها مِن أمهاتِ العَظائِمِ
ومن اختراعاته قوله يصف الرماح:
مشقفاتٍ سلَبنَ الرومَ زُرقَتَهاوالعُربَ سُمرتها والعاشِق القَضفا
وقوله
والسيفُ ما لم يُلف فيه صَيقلُمن نَفسِهِ لم يَنتفِع بصقِالِ
فقال: هذا من قول امرئ القيس:
يُدعى صَقيلاً وهو لَيسَ لهُعَهدُ بتَمويهٍ ولا صَقيل
وقوله:
والحادِثاتُ وإن أصابَكَ بُؤسُهافهو الذي أنباكَ كيفَ نَعيمهُا
وقوله:
وما السيفُ إلا زُبرةُ لو تركتهُعلى الحِلقَة الأولى لما كانَ يقَطعُ
وقوله:
أحلى الرجالِ من النساءِ موَاقِعاًمنَ كانَ أشبهَهُم بهن خدُودا
فقال هذا من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يوُاصِلنَ امرأفقَدَ الشبابَ وقد يصًلِنَ الأمرَدَا
فقال أبو سعيد النحوي: بيت أبي تمام أن أنصفته أشعر، وأن كان بيت الأعشى أسير. ومن اختراعاته قوله:
طال إنكاري البياض وإن عمرت شيئاً أنكرت لون السواد
وقوله:
ما آبَ مَن آبَ لم يظفْر بحاجَتهِولم يغبْ طالبُ للنجح لم يخبِ
وقوله:
قالوا أتبكي على رسمٍْ فقلتُ لهمْمَن فاتهُ العَينُ هدىّ شوقَه الأثرُ
وقوله:
ومَنْ لم يُسَلًمْ للنْوائبِ أصبحتْخَلائقهُ طُراً عليهِ نَوائباَ
وقوله:
دمن طالماَ التقتْ أدمعُ المُزْنِعَليها وأدمُعُ العُشاقِ
ومن بدائعه قوله في صفات الإبل:
المُرْضياتكَ ما أرغمْتَ آنفهاوالهادياتُكَ وهيَ الشُردُ الضللُ
إذا تظلمتُ من أرْضِ فصلتُ بهاَكانتْ هيَ العزّ إلاّ أنها ذللُ
وقوله:
متى يأتكَ المقدارُ لا تُلفَ هالكاًولكنْ زمانُ غالَ مثلكَ هالكُ
فقال المهلبي: في بعض هذا كفاية، فهل يحضرك من اختراعات البحتري شيْ؟ فقلت، قوله:
إذا خَطرتْ تأرجَ جانباهاكما خطرتْ على الروْض القبول
ويحسُنُ دلهاُ والموتْ فيهِوقد يستحْسَنُ السيفُ الصّقيلُ
فقال أبو الطيب: البيت الأول من قول أبي نؤاس يصف خمراً:
كأناّ لَديهَا بينَ أكْنافِ رَوْضةِإذا ما سلبناها من الليلِ طيبهاَ
فقال أبو سعيد السيرافي: ما أبعد هذا المعنى. فقال: قل ما أقربه وأشد شبهه. فقال: هو بقول الشنفري الأزدي أشبه:
فبتنْا كأن البيتَ حُجًرَ حوْلناَبريحانةٍ ريحتْ عشاءً وطلّتِ
وبقول الآخر:
أنّ لي عندَ كلّ نفَحةِ بْستانٍمنَ الوَرْدِ أوْ منَ الياسميناَ
نظرةً والتفاتةً أتضرَىّأنْ تكوني حلْلت فيما يليناَ
ونحوه قول سلم الخاسر:
كأنّها روْضةُ منَوّرَةٌتَنَسمتْ في أواخرِ السِّحرِ
وسلم أخذه من بشار:
كأنّها رَوْضةٌ منَوَّرةٌتجمعُ طيباً ومنظراً حَسنَا
بانَتْ بقلبي صفراءَ رداعةًصَبّتْ عليناَ من حبّها فتَناَ
وأحسن حبيب بن عيسى الكاتب في قوله:
تذكُرني رياكِ ريحُ مَريضةُجرتْ بنسيم الروْض في غلسَ الفجرِ
ثم قال: وكذا قوله: وقَدْ يستَحْسنُ السيفُ الصقيلُ فمن قول أبي الشيص:
وكالّسيفِ إنْ لا ينْتهُ لانَ متنهُوحَداهُ إنْ خاشنتهُ خشنَانِ
فقلت: ما أبعد هذا الوادي من تلك الثنية، فإن يكن فهو نظر وملاحظة ولكن انظر إلى ألفاظ البحتري الرطبة العذبة، وإلى مذهبه فيما يحتذيه ويشير إليه. فإنه كان لا يستدعي من الكلام نافراً، ولا يستعطف معرضاً، ولا ينشد ضالاً، ولا يؤنس وحشياً. وكانت ألفاظه فوق معانيه، وأعجازه غير منفكة عن هواديه. ولكن أبا الشيص أخذ قوله من قول الآخر:
هوَ الّسيفُ إن ينته لان حدهُوبين غراريْهِ المنَايا اللّوائحُ
ثم قلت: ومن اختراعات البحتري أيضاً قوله:
ولمّا التَقينا والنقا موْعدُ لَناتَعَجبَ رائي الدُرّ حسناً ولا قطهْ
فمنْ لؤلؤٍ تُبديهِ عندَ ابتسامهاومنْ لؤلؤٍ عندَ الحديثِ تساقطُه
فقال أبو الطيب: أما هذا مأخوذ من قول الآخر:
هيَ الدّرّ منَثوراً إذا ما تكلمتْوكالدرّ منظوماً إذا لم تكلم
فقال المهلبي: ومن لك بمن يحسن إحسان البحتري في أخذه هذا، إن كان أخذه منه، وهل هو في ذلك إلاّ كمن اجتنى مر ثمرة، أو أخذ بعرة فأعادها جوهرة. قلت: ومن اختراعات البحتري قوله يصف الطيف:
أجدَّكَ ما يَنفكّ يَسري لزَيْنباخَيالُ إذا آبَ الظّلامُ تأوّباَ
سرَى من أعالي الشاّم يجلُبهُ الكرىَهبوبَ نَسيمِ الّريح تجلبهُ الصًبا
ومن مخترعه قوله:
متَعَودٌ لُيسَ الدّروعِ تَخالُهافي البرْدِ خزّاً والهَواجرِ رذا
وقوله:
شقَائقُ يحْملنَ النّدى فكأنهُدُموعُ التصابي في خدُودِ الخرائدِ
وقوله يصف:
كأنما غُدْرانهُ في الوَهْدِيَلعْبَن منْ حَبابها بالنَّرْدِ
فبهر أبا الطيب ما أوردته، واحتسبت عارضته، وعقل لسانه عن الجواب، وكاد لولا أن هيبة الوزير أبي محمد ملأت قلبه. وقد كان من قبل يلاوذ المناظر لياذ الغريم من التتبع. فحين انتهى في القول إلى هذا الموضع، نهض مغضباً، وكان آخر العهد به في تلك الدار. وخرج ماراً على وجهه، شارداً الظليم، ولم يقم إلاّ ريثما تأهب للسفر، فارتحل عن العراق متوجهاً إلى الكوفة. وقد استخف أحداث المتأدبين طمعاً فيه، حتى مزق أديمه، وفري فري الإرهاب عرضه. وأولع بهجائه سفيه من سفهاء البغداديين، صغير من أصاغر علمائهم يعرف بابن الحجاج، لا حظ له في الفضل ولا قدم في الأدب، وحسبه أن اضطره مع دناءة قيمته وسخف همته إلى الهرب، وترامي المطلب، وقلق الركاب في كل مذهب. وقد كنت اقتده بعنان الصغار قود الجنيب، فلم يستطيع مقاماً بمدينة السلام، فخرج عنها إلى الكوفة، ومنها إلى فارس، منتجعاً عضد الدولة، وملماً بابن العميد، ومؤملاً الإقامة في ذراهما، والاستظلال بظلمها أو بظل أحدهما. فأحسن في بعض ما مدحهما وأساء في بعض، وحصرت مادته وانقطع دون الغاية نفسه، فإنه كان استنفذ في سيف الدولة إحسانه، واستغرق في مدحه باعه، فاضطر إلى الارتحال والعود إلى العراق، فاخترم دون ذلك، وكان آخر العهد به.
وأنا أشفع هذه الرسالة بما تتبعه من عوراه، ووقفت عليه من سرقته، ومن سقط لفظه وسخيف معانيه، وأذكر أيضاً من محاسن شعره، ومن عيون مدائحه - فإن المدح كان طعمته وشوارد أبياته - ما أجري في جميعه مع الحق الذي لا يسع تعديه، منصفاً ومنتصفاً منه، لا ألته حقه، ولا أنحله ما ليس له. وأفراد بذلك كتاباً وأستقصيه، وأنتهي إلى الغاية التي تبلغها القدرة فيه، بحول الله وقوته وفضله ورأفته.
نجزت الرسالة ولله الحمد، والمنة ولله وحده، وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ووافق الفراغ من نسخه على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن عبد الملك بن عساكر الشافعي البعلبكي، غفر الله له، يوم الجمعة تاسع شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة حامداً ومصلياً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع