تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار أبي تمام» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

فضله

حدثني محمد بن يزيد بن عبد الأكبر النحوي. قال: قدم عمارة بن عقيلٍ بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طراً، ويزعم غيرهم ضد ذلك، فقال: أنشدوني له، فأنشدوه:

غَدتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوىَ غدِوعادَ قتاداً عندَهَا كلُّ مَرْقَدِ
وأنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ الموتِ أَنَّهُصُدُودُ فِراقٍ لا صُدُودُ تَعَمُّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فأَجْرَى لها الإِشْفَاقُ دَمْعاً مُورَّداًمن الدَّمِ يَجْرِي فَوْقَ خَدٍّ مُوَرَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
هيَ البدْرُ يُغنِيهاَ تَوَدُّدُ وَجْهِهاَإلى كُلِّ من لاقَتْ وَإِنْ لم تَوَدَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

ثم قطع المنشد، فقال عمارة: زدنا من هذا، فوصل وقال:

ولكنني لم أحْوِ وَفْراً مُجَمَّعاًففُزْتُ بِه إلاَّ بشَمْلٍ مُبَدَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
ولم تُعطِني الأيَّامُ نوماً مُسَكَّناًأَلَذُّ به بنَوْمٍ مُشَرَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحبب الاغتراب، هيه! فأنشده:

وطولُ مُقامِ المرءِ في الحَيِّ مُخْلِقٌلديباجَتَيْهِ فاغْتَرِبْ تَتَجدَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فإنِّي رَأيتُ الشَّمسَ زيِدَتْ مَحَبَّةًإلَى النَّاسِ إذْ لَيْسَتْ عليهم بِسَرْمَدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

فقال عمارة: كَمُل والله، إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام، فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري!.

حدثني محمد بن موسى قال: سمعت علي بن الجهم ذكر دعبلاً فكفره ولعنه، وطعن على أشياء من شعره، وقال: كان يكذب على أبي تمام، ويضع عليه الأخبار، ووالله ما كان إليه ولا مقارباً له، وأخذ في وصف أبي تمام، فقال له رجل: والله لو كان أبو تمامٍ أخاك ما زاد على مدحك له، فقال: إلا يكن أخاً بالنسب، فإنه أخٌ بالأدب والدين والمودة، أما سمعت ما خاطبني به:

إن يُكْدِ مُطَّرَفُ الإخاءِ فإِنَّنَانَغْدُو وَنَسْرِي في إِخَاءٍ تَالِدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هي فرقة من صاحب لك ماجد»
أو يَخْتَلِفْ مَاءٌ الوِصَال فَمَاؤُناعَذْبٌ تَحدَّرَ مِنْ غَمَامٍ وَاحِدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هي فرقة من صاحب لك ماجد»
أو يَفْتَرِقْ نَسَبٌ يٌؤَلِّفْ بيْنَنَاأَدَبٌ أَقَمْنَاهُ مَقَامَ الوَالِدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هي فرقة من صاحب لك ماجد»

سمعت أبا إسحاق الحري ﵀ يذكر علي بن الجهم، وخبراً له مع أبي تمام، أظنه هذا أو ما يصححه، ولست أحفظه جيداً ولم أجده، لأني كتبته فيما أظن في كتب الحديثٍ وسمعته يقول: كان علي بن الجهم من كملة الرجال. وكان يقال: علمه بالشعر أكثر من شعره، فانظر إلى تفضيل هذا الرجل لأبي تمام، مع تقدمه في الشعر والعلم به، وتفضيل عمارة بن عقيلٍ له، والعلماء يقولون: جاء عمارة بن عقيلٍ على ساقة الشعراء.

ويصحح علم عليٍ بالشعر ما جاء به عبد الله بن الحسين قال، قال لي البحتري: دعاني علي ابن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يخلي، وأعادها مراتٍ ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيتٍ نادرٍ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشيءٍ قيل أخلى.

قال: وكان علي بن الجهم عالما بالشعر.

حدثني أبو بكر هرون بن عبد الله المهلبي قال: كنا في حلقة دعبل، فجرى ذكر أبي تمامٍ، فقال دعبل: كان يتتبع معاني فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: ما من ذاك أعزك الله؟ قال، قلت:

إِنَّ أمْرَأً أَسدَي إلىَّ بشافعٍإليه ويرجُو الشكرَ مِنِّي لأحْمَقُ
شفيعَكَ فاشكُرْ في الحوائجِ إنهيصُونُك عن مكروهِها وهو يُخْلِقُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن امرأ أسدى إلي بشافع»

فقال له الرجل: فكيف قال أبو تمام؟ قال، قال:

فلَقيِتُ بين يَديكَ حُلوَ عَطائِهِولَقيتَ بين يدَيَّ مُرَّ سُؤَالِه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحواله»
وإذا امرُؤٌ أَسْدَي إلىَّ صنيعةًمن جاهِهِ فكأنَّها من مالِه

فقال الرجل: أحسن والله، فقال: كذبت قبحك الله، فقال: والله لئن كان أخذ هذا المعنى وتبعته فما أحسنت، وإن كان أخذه منك. لقد أجاده فصار أولى به منك، فغضب دعبلٌ وقام.

قال أبو بكر: وشعر أبي تمام أجود، فهو مبتدئاً ومتبعاً أحق بالمعنى، ولدعبلٍ خبر في شعره هذا مشهور أذكره بسبب ما قبله.

حدثني محمد بن داود قال، حدثني يعقوب بن إسحاق الكندي قال: كانت على القاسم بن محمد الكندي وظيفة لدعبل في كل سنةٍ، فأبطأت عليه، فكلمني فأذكرته بها، فما برح حتى أخذها فقال دعبل:

إنَّ أمرأً أسْدَى إليَّ بشافعٍ

وذكر البيتين. وقد تبع البحتري أبا تمامٍ، فقال في هذا المعنى:

وعطاءٌ غيرِك إن بذْلتَ عنايةً فيِهِ عطاؤُكْ

حدثني أبو جعفر المهلبي قال، حدثني ابن مهرويه قال، حدثني عبد الله بن محمد بن جرير قال: سمعت محمد بن حازمٍ الباهلي الشاعر يصف أبا تمام، ويقدمه في الشعر والعلم والفصاحة، ويقول: ما سمعت لمتقدمٍ ولا محدثٍ بمثل ابتدائه في مرثيته:

أصمَّ بك النَّاعِي وإن كانَ أسمَعَا

ولا مثل قوله في الغزل:

ما إنْ رَأى الأقْوَامُ شَمْساً قَبْلَهاأَفَلَتْ فَلَمْ تُعْقِبْهُمُ بظَلاَم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما للدموع تروم كل مرام»
لو يَقْدِرُونَ مَشَوْا عَلَى وَجَنَاتِهمْوعُيُونِهمْ فَضْلاً عَنِ الأقْدَامِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما للدموع تروم كل مرام»

حدثني سوار بن أبي شراعة قال، حدثني البحتري قال: كان أول أمري في الشعر، ونباهتي فيه، أني صرت إلى أبي تمامٍ وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره، فلما سمع شعري أقبل علي وترك سائر الناس، فلما تفرقوا قال: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلةً، فكتب لي إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق، وقال: امتدحهم، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول ما أصبته.

حدثني أبو عبد الله العباس بن عبد الرحيم الألوسي قال، حدثني جماعة من أهل معرة النعمان قال: ورد علينا كتاب أبي تمامٍ للبحتري: يصل كتابي على يدي الوليد بن عبادة، وهو على بذاذته شاعر فأكرموه.

وسمعت أبا محمد عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري، وقد اجتمعا في داره بالخلد، وعنده محمد بن يزيد النحوي، وذكروا معنىً تعاوره البحتري وأبو تمام: أنت في هذا أشعر من أبي تمام، فقال: كلا والله ذاك الرئيس الأستاذ، والله ما أكلت الخبز إلا به، فقال له محمد ابن يزيد: يا أبا الحسن، تأبى إلا شرفاً من جميع جوانبك!.

حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي قال، قلت للبحتري: أيما أشعر، أنت أو أبو تمام؟ فقال: جيده خير من جيدي، ورديئي خير من ردئيه. قال أبو بكر: وقد صدق البحتري في هذا، جيد أبي تمام لا يتعلق به أحد في زمانه، وربما اختل لفظه قليلاً لا معناه، والبحتري لا يختل.

حدثني أبو الحسن الكاتب قال: كان إبراهيم بن الفرج البندنيجي الشاعر يجيئنا كثيراً، وكان أعلم الناس بالشعر، ويجيئنا البحتري وعلي بن العباس الرومي، وكانوا إذا ذكروا أبا تمام عظموه ورفعوا مقداره في الشعر حتى يقدموه على أكثر الشعراء، وكل يقر بأستاذيته، وأنه منه تعلم، وقال: هؤلاء أعلم أهل زمانهم بالشعر، وأشعر من بقي.

حدثني أبو الحسن علي بن محمد الأنباري قال، سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام لنفسه:

وَسَابحٍ هَطِلِ التَّعْدَاءِ هَتَّانِعَلَى الجِرَاءِ أَميِنٍ غيرِ خَوَّانِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وسابح هطل التعداء هتان»
أَظْمَى الفُصُوصِ ولم تَظْمأْ قوائمُهفَخَلِّ عَيْنَيَكَ فيِ ظَمْآنَ رَيَّانِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وسابح هطل التعداء هتان»
فَلَوْ تَرَاهُ مُشِيحاً والحَصىَ زِيَمٌبَيْنَ السَّنابِكِ مِن مَثْنَى وَوُحْدَانِ

أَيْقَنْتَ إنْ لَمْ تَثَبَّتْ أَنَّ حَافِرَهُمِنْ صَخْرِ تَدْمُرَ أَوْ مِنْ وَجْهِ عُثْمانِ

ثم قال لي: ما هذا من الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا المستطرد، أو قال الاستطراد، قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يرى أنه يريد وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان. فاحتذى هذا البحتري فقال في قصيدته التي مدح فيها محمد بن علي القمي ويصف الفرس أولها:

أهلاً بذلكُمِ الخيالِ المقْبلِفَعَلَ الذي نَهْوَاهُ أو لم يفَعلِ

ثم وصف الفرس فقال:

وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ محجَّلٍقد رُحتُ منه على أغرَّ مُحجَّلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»
كالهيكلِ المْبنِيِّ إلاَّ أَنَّهُفي الحُسْنِ جاءَ كصورةٍ في هيكلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»
يَهْوِي كما تَهْوِي العُقَابُ إذَا رأَتْصَيْداً وينتصبُ انتصابَ الأجْدَلِ
مُتوجِّسٌ برِقيقَتَينِ كأَنَّمايُرَيانِ مِن وَرَقٍ عليهِ مُوَصَّلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»
وكأنَّمَا نَفَضَتْ عَلَيْهِ صِبْغَهَاصَهْبَاءُ اللبرَدان أَوْ قُطْرُبُّلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»
مَلكَ العُيُونَ فإن بدَا أعطينَهنظرَ المحبِّ إلى الحبيبِ المقبلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»
مَا إن يَعَافُ قَذًى وَلَوْ أَوْرَدْتَهُيوماً خلائقَ حَمْدَوَيْهِ الأحْوَلِ

وكان هذا عدواً للذي مدحه. فحدثني عبد الله بن الحسين وقد اجتمعنا بقرقيسياء قال، قلت للبحتري: إنك احتذيت في شعرك - يعني الذي ذكرناه - أبا تمام، وعملت كما عمل من المعنى، وقد عاب هذا عليك قوم، فقال لي: أيعاب على أن أتبع أبا تمام، وما عملت بيتاً قط حتى أخطر شعره ببالي؟ ولكنني أسقط بيت الهجاء من شعري. قال: فكان بعد ذلك لا ينشده، وهو ثابت في أكثر النسخ.

حدثني محمد بن سعيد أبو بكر الأصم قال، حدثني أحمد بن أبي فنن قال: حضرت أبا تمام وقد وصل بمائتي دينارٍ، فدفع إلى رجلٍ عنده منها مائةً، وقال: خذها. ثم قيل لي إنه صديق له، واستبنت منه خلةً فعذلته على إعطائه ما أعطى، وقلت: لو كان شقيقك ما عذرتك مع اضطراب حالك، فقال:

ذُو الوُدِّ مِني وذو القُربي بمنزلةٍوإخوتي أُشوةٌ عنديِ وإخواني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن الأمير حمام الجارع الجاني»
عِصَابَةٌ جاوَرَتْ آدابُهم أَدبِيفَهُمْ وإنْ فُرِّقُوا في الأرض جيراني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن الأمير حمام الجارع الجاني»
أرواحُنَا في مكانٍ وَاحِدٍ وَغَدَتْأَجْسامُنَا لِشَآمٍ أو خُراسانِ

قال ابن أبي فنن: وكان أبو تمام أحضر الناس خاطراً. وقد أجاد هذا المعنى إبراهيم بن العباس الصولي فقال:

أَمِيلُ معَ الذِّمامِ على ابنِ عمِّيوأقضِي للصَّديقِ على الشَّقِيقِِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
افَرِّقُ بين مَعْروفِي ومَنَّيوأجمعُ بَيْن مالِي والحقوقِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإمَّا تلْقَنِي حُرّاً مُطاعاًفإنكَ وَاجِدِي عبدَ الصَّديقِ

حدثني أبو الحسن الأنصاري قال، حدثني ابن الأعرابي المنجم قال: كان أبو تمامٍ إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه، كأنه كان علم ما يقول فأعد جوابه، فقال له رجل: يا أبا تمام. ولم لا تقول من الشعر ما يعرف؟ فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟ فأفحمه. وحدثني أبو الحسين الجرجاني قال: الذي قال له هذا أبو سعيدٍ الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس، وكان متصلاً بالطاهرية. ولا أعرف أحداً بعد أبي تمام أشعر من البحتري، ولا أغض كلاماً، ولا أحسن ديباجةً، ولا أتم طبعاً وهو مستوى الشعر، حلو الألفاظ، مقبول الكلام، يقع على تقديمه الإجماع، وهو مع ذلك يلوذ بأبي تمامٍ في معانيه. فأي دليلٍ على فضل أبي تمامٍ ورياسته يكون أقوى من هذا؟.

قال أبو تمام:

يَسْتنْزِلُ الأملَ البعيدَ ببِشرِهِبُشْرَى المُخِيلَةِ بالربيِع المغدِقِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا برق طالع منزلا بالأبرق»
وكذَا السحائبُ قلَّما تدعُو إلىمَعْروُفِها الرُّوادَ ما لم تَبْرُقِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا برق طالع منزلا بالأبرق»

فحسن هذا المعنى وكمله، ثم أوضحه في مكانٍ آخر واختصره فقال:

إنما البِشْرُ رَوْضةٌ فإذَا أَعْقَبَ بَذْلاً فَروْضَةٌ وغَديرُ

فما زال البحتري يردد هذا المعنى في شعره، ويتبع أبا تمام فيه، ويقع في أكثره دونه، قال في قصيدةٍ يمدح بها رافعاً:

كانتْ بشاشتُك الأولَى التي ابتدَأَتْبالبِشْرِ ثم اقتبلْنَا بعدَها النِّعَما
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله أولي يمينا برة قسما»
كالمُزنِة استَوْبَقتْ أُولَى مَخيلتِهاثم استهلَّتْ بغُزْرٍ تَابَعَ الدِّيَمَا

فاحتذى معانيه واقتصها، فجذبته المعاني واضطرته إلى أن حكى لفظه في هذا، فصار يشبه لفظ أبي تمام، ولفظ البحتري في أكثر هذه أسهل؛ ثم ردد هذا المعنى البحتري فقال واستعاره للسيف:

مُشْرِقُ للنَّدَى ومِن حَسَبِ السَّيْفِ لِمُسْتَلِّه ضياءُ حَديِدِهْ
ضَحَكَاتٌ في إثْرِهِنَّ العَطَايَاوَبُرُوقُ السَّحَابِ قبلَ رُعُودِهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بات عهد الصبا وباقي جديده»

ثم ردد المعنى وأسقط البشر منه وصير مكانه الرعد فقال في أبي الصقر:

يُولِيكَ صَدْرَ الَيْومِ قاصِيَة الغِنَىبِفَوائدٍ قَدْ كُنَّ أَمْسِ مَوَاعِدَا
سَوْمَ السَّحَائِبِ ما بَدَأْنَ بَوَارِقاًفي عَارِضٍ إلاَّ ثَنَيْنَ رَوَاعِدَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «من رقبة أدع الزيارة عامدا»

ثم ردد المعنى الأول بحاله، فقال في المعتز بالله وأحسن:

متهلِّلٌ طَلْقٌ إذا وعدَ الغِنَىبالبِشْرِ أتْبَعَ بِشْرَهُ بالنَّائِلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لو كان يعتب هاجر في واصل»
كالمُزْنِ إنْ سَطَعتْ لوامعُ بَرْقِهِأَجْلَتْ لنَا عَنْ دِيَمةٍ أَوْ وَابِلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لو كان يعتب هاجر في واصل»

وهذا المعنى فإنما ابتدأه أبو نواس، فقال يمدح قوماً من قريش في أرجوزةٍ وصف فيها الحمام:

بِشْرُهُمُ قبلَ النَّوالِ اللاَّحِقِكالْبَرْقِ يبدوُ قبلَ جُودٍ دَافِقِ
والغيثُ يخْفَي وقْعُه للرَّامقِما لم تَجِدْهُ بِدَليلِ البارقِ

ومن تبحر شعر أبي تمام وجد كل محسنٍ بعده لائذاً به، كما أن كل محسنٍ بعد بشارٍ لائذ ببشار، ومنتسب إليه من أكثر إحسانه، قال أبو تمام:

فَسَواءٌ إِجَابَتِي غَيْرَ دَاعِوَدُعَائي بالقَاعِ غَيْرَ مُجيبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

فقال البحتري نسخاً له:

وسأَلْتَ مَنْ لا يستجيبُ فكنتَ في استِخْبارِهِ كمجيبِ مَنْ لا يَسْأَلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»

وقال أبو تمام:

إذا القصائدُ كانتْ مِن مدائِحِهِمْيوماً فأَنْتَ لَعَمْرِي من مدائِحها

فقال البحتري:

ومَنْ يَكنْ فاخِراً بِالشعرِ يُذكر فيأَصنافِهِ فَبِكَ الأشْعارُ تَفتِخر

وقال أبو تمام:

وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلةٍطُويتْ أَتاحَ لها لِسَانَ حَسُودِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

فقال البحتري:

ولنْ تَسْتبينَ الدهرَ مَوْضعَ نِعْمةٍإذا أنت لم تُدْلَلْ عليها بحَاسِدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

وقال أبو تمام:

بُخْلٌ تَديِنُ بِحُلْوِهِ وَبِمُرِّهِفكأَنَّهُ جُزْءٌ منَ التَّوحِيدِ

فقال البحتري:

وَتَدَيُّنٌ بِالبُخْلِ حَتَّى خِلْتُهُفَرْضاً يُدَانُ به الإلهُ ويُعْبدُ

وقال أبو تمام:

أوْ يَخْتَلِفْ مَاءُ الوِصَالِ فَماؤُنَاعَذْبٌ تَحَدَّرَ مِنْ غَمامٍ وَاحِدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هي فرقة من صاحب لك ماجد»

وإنما أخذه أبو تمام من قول الفرزدق:

يا بشْرُ أَنْتَ فَتَى قريشٍ كُلِّهاوِيِشِي وريشُكَ من جناحٍ واحِدِ

فقال البحتري:

وَأَقَلُّ ما بيْنِي وبينَكَ أَننانَرْمِي القبائلَ عَنْ قَبيلٍ واحدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للخيال إذا أردت فعاود»

وقال أبو تمام:

ثَوَى بالمشْرِقيْنِ لهم ضَجَاجٌأَطَارَ قُلوبَ أَهْلِ المغربيْنِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خشنت عليه أخت بني خشين»

وإنما أخذه أبو تمام من قول مسلم:

لما نَزَلْتَ على أَدْنَى بِلاَدِهِمِأَلْقَى إليكَ الأقاصِي بالمقاليدِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «لا تدع بي الشوق إني غير معمود»

فقال البحتري:

غَدا غَدْوَةً بَيْن المشارقِ إذ غَدَافَبَثَّ حَرِيقاً في أقاصِي المغارِبِ

وجاذبني يوماً بعض من يتعصب على أبي تمام بالتقليد لا بالفهم، ويقدم غيره بلا درايةٍ فقال: أيحسن أبو تمام أن يقول كما قال البحتري:

تَسَرَّعَ حتى قال مَنْ شَهِدَ الوَغَىلِقاءُ أَعَادٍ أمْ لقاءُ حبائبِ؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

فقلت له: وهل افتض هذا المعنى قبل أبي تمام أحد في قوله:

حَنَّ إلى المَوْتِ حَتَّى ظَنَّ جَاهِلُهُبأنه حَنَّ مُشْتَاقاً إلَى وَطَنِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «اليوم أدرج زيد الخيل في كفن»

ولولا أنَّ بعض أهل الأدب ألف في أخذ البحتري من أبي تمام كتابا، لكنت قد سقت كثيراً مثل ما ذكرنا، ولكنني أكره إعادة ما ألف، وأجتنب أن أجتذب من الأدب ما ملك قبلي، إلا أنني سآتي بأبياتٍ من جملة ذلك تدل على جميعه إن شاء الله: قال أبو تمام:

شَهِدْتُ جَسيماتِ العُلاَ وَهْوَ غَائِبٌوَلَوْ كانَ أيضاً شَاهِداُ كان غَائبَا

فقال البحتري:

نَصَحْتُكُمُ لَوْ كان للنُّصْحِ سامِعٌلَدَى شَاهِدٍ عَن مَوْضعِ الفهْمِ غائبِ

على أن محمد بن عبيد الله العتبي قد قال:

قَوْمٌ حُضُورٌ غائِبْو اْلأذْهانِ ليسَ لها قُفُولُ

وقال أبو تمام:

فإِنْ أنا لَمْ يَحْمَدْكَ عَنِّي صاغِراًعَدُوُّكَ فاعْلَمْ أَنَّني غَيْرُ حامِدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد»

فقال البحتري:

لَيُواصِلَنّكَ ذكُر شِعْرٍ سائرٍيَرْويه فيكَ لحسِنِه الأعْدَاءُ

وكأن هذا المعنى من قولهم: من فضل فلان أن أعداءه مجمعون على فضله، وقولهم: خير المدح ما رواه العدو والصديق.

وقال أبو تمام:

ونَغْمَةُ مُعْتَفِي جدْوَاهُ أَحْلَىعلى أذُنيْهِ مِنْ نَغَمِ السَّماعِ

فقال البحتري:

نَشْوانُ يطَربُ للسؤَالِ كأنماغَنَّاهُ مالكُ طيئٍ أوْ معبدُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»

وأول من أتى بفرح المسؤول، وطلاقة وجهه، ثم أخذه الناس فولدوه فقالوا: السؤال أحلى عنده من الغناء، وراجيه أحب إليه من معطيه، زهير، قال:

تراه إذا ما جئتَه متهلِّلاًكأنك تُعطيهِ الذي أنتَ سائلهُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقال أبو تمام:

ومُجَرَّبُونَ سَقَاهُمُ من بَأسِهِفَإذَا لَقُوا فكأَنَّهم أغْمَارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

فأخذه البحتري فقال:

مَلِكٌ لهُ في كل يومِ كريهةٍإِقدامُ غِرٍّ واعتزامُ مُجَرِّبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

فأما الذي نقله البحتري نقلاً، فأخذ اللفظ والمعنى، فقول أبي تمام يصف شعره:

مُنزَّهَةٌ عن السَّرَقِ الموَرَّيمكرَّمةٌ عن المعْنَى المُعادِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

فقال البحتري يصف بلاغةً:

لا يَعْملُ المْعنَى المكَرَّرَ فِيهِ واللفظَ المرّدَّدْ

وقال أبو تمام:

البيدُ والعِيسُ والليلُ التَّمام معاًثَلاثةٌ أَبداً يُقْرَنَّ فِي قَرَنِ

فقال البحتري:

اطلُبَا ثالثاً سِوَاىَ فإِنِّيرَابعُ العِيسِ والدُّجَى والبِيدِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أطلبا ثالثا سواي فإني»

وأخذه أبو تمام من قول ذي الرمة:

وَلَيلٍ كجِلْبَابِ العَروسِ ادَّرَعْتُهُبأربعةٍ والشخْصُ في العينِ واحدُ
أَحَمُّ عِلاَفِيٌّ، وأبيضُ صارِمٌوأعْيِسُ مَهْرِيٌّ، وأروعُ ماجدُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا أيها الربع الذي غير البلى»

وقال أبو تمام:

تَفيِضُ سماحةً والمُزْنُ مُكْدٍوتَقْطَعُ والحُسامُ العَضْبُ نَابِي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سلام الله عدة رمل خبت»

فقال البحتري:

يَتوَقَّدْنَ والكواكبُ مُطْفاَةٌ ويَقْطَعْنَ والسُّيُوفُ نوابِي
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

وقال الطائي:

لا تَدْعُوَنْ نُوحَ بنَ عمرو دَعوةًللخطْبِ إلاَّ أَنْ يكونَ جَليلاً
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»

فقال البحتري:

يا أبا جَعْفرٍ وما أنتَ بالمدْعُوِّ إلاَّ لِكلِّ أمرٍ كُبارِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبكاء في الدار بعد الدار»

وقال أبو تمام:

ولقد أَردتُمْ مجدَه وجهَدَتُمُفإذَا أَبانٌ قَدْ رسَا وَيلَمْلَمُ!

فقال البحتري ونقله لفظاً ومعنى:

وَلَنْ يَنْقُلَ الحُسَّادُ مَجْدَكَ بعدمَاتمكَّنَ رَضْوَى واطمأَنَّ مُتَالِعُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألَمّتْ، وَهَلْ إلمامُها لكَ نَافِعُ»

وقال أبو تمام:

وتُشَرِّفُ العُلْيا وهَلْ مِنْ مَذْهَبٍعَنْها وأنتَ عَلَى المعالِي قَيِّمُ

فقال البحتري:

متقلقلً الأحْشاءِ في طلبِ العُلاَحتَّى يكونَ عَلَى المعالِي قيمِّا

وقال أبو تمام:

ويلبَسُ أَخلاقاً كِراماً كأَنَّهاعَلَى العِرْضِ من فَرْطِ الحَصانَةِ أدْرُعُ

فقال البحتري، ولم يستوف، وكذلك هو في أكثر ما ذكرت يقع دوناً:

قومٌ إذا لبسُوا الدروعَ لموقفٍلبِسَتْهُمُ الأخلاقُ فيه دُروعا
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»

وقال أبو تمام:

وقد كانَ فَوْتُ الموتِ سَهلاً فردَّهُإليهِ الحِفَاظُ المرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

فقال البحتري:

ولَوَ أنَّهُ اسْتَامَ الحياةَ لِنَفسِهِوجَدَ الحياةَ رخيصَةَ الأسْبابِ

وهذا أيضاً من قول الآخر:

ولو أنهم فَرُّوا لكانُوا أعِزَّةًولكنْ رَأَوْا صَبْراً على الموتِ أكرمَا
للشاعر أم صريع الكندية، اقرأ القصيدة

وقال أبو تمام:

وما العُرْفُ بالتَّسْويفِ إلا كخُلةٍتَسَلَّيْتَ عنها حينَ شَطَّ مَزارُهَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رأيت العلا معمورة بك دارها»

فقال البحتري:

وكنتُ وَقد أَمَّلْتُ مُرّاً لِنَائِلٍكَطالبِ جَدْوَى خُلَّةٍ لا تُواصِلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «نوائب دهر أيهن أنازل»

ومما احتذى فيه البحتري أبا تمام، وقدر مثل كلامه فعمل معناه عليه، ما أخذه من قول أبي تمام:

هِمةٌ تنطِحُ النجومَ وَجَدٌّألِفٌ للحضيِضِ فهو حضيضُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وثناياك إنها إغريض»

فقال البحتري:

متحير بعزم قائمفي كل نازلة وجد قاعد

قال أبو تمام:

مُتَوَطِّئُو عَقِبَيْكَ فيِ طَلَبِ العُلاَوالمْجدِ ثُمَّتَ تَسْتوِي الأَقدامُ

فقال البحتري:

حُزْتَ العُلا سَبْقاً وصلَّى ثانياًثم اسْتَوَتْ من بَعْدِه الأَقْدَامُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنظر إلى العلياء كيف تضام»

وقال أبو تمام:

تَنْدَى عُفاتُكَ للعُفاةِ وتَغْتَدِىرُفَقاً إلى زُوَّارِكَ الزُّوَّارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

فقال البحتري على تقديره:

ضَيْفٌ لَهُم يَقْرِي الضيوفَ ونازلٌمُتَكَفِّلٌ فيِهمْ بِبِرِّ النُّزَّلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

وقال أبو تمام:

عَطَفُوا الخُدورَ عَلَى البُدُورِ وَوَكَّلواظُلَمَ السُّتُورِ بِنُورِ حُورٍ نهَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

فقال البحتري:

وَبِيضٍ أضَاءَتْ فِي الخُدُورِ كأنهابُدُورُ دُجىً جَلَّتْ سَوَادَ الحَنَادِس

حدثني عبد الله بن المعتز قال: حدثني أبو سعيد النحوي المعروف بصعودا عن أبي تمام الطائي قال: خرجت يوماً إلى سر من رأى، حين ولي الواثق، فلقيني أعرابي وقد قربت منها، فأردت أن أسأله عن شيءٍ من أخبار الناس بها، فخاطبته، فإذا أفصح الناس وأفطنهم، فقلت: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر، قلت: كيف علمك بأمير المؤمنين؟ قال: قتل أرضاً عالمها، قلت فما تقول فيه؟ قال: وثق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وقمع العادية، وعدل في الرعية، وأرعف كل ذي قلمٍ خيانته. قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: هضبة لا ترام، وجندلة لا تضام، تشحذ له المدى، وتحبل له الأشراك، وتبغي له الغوائل، حتى إذا قيل كأن قد، وثب وثبة الذئب، وختل ختل الضب. قلت: فما تقول في محمد بن عبد الملك؟ قال: وسع الدانى شره، وقتل البعيد ضره، له كل يومٍ صريع لا يرى فيه أثر نابٍ، ولا ندب مخلبٍ. قلت: فما تقول في عمرو بن فرج؟ قال: ضخم لهم، مستعذب للذم. قلت: فما تقول في الفضل بن مروان؟ واستعذبت خطابه، قال: ذاك رجل نشر بعد ما قبر، فعليه حياة الأحياء وخفته الموتى. قلت: فما تقول في أبي الوزير؟ قال: كبش الزنادقة الذي تعرف، ألا ترى أن الخليفة إذا أهمله. سنح ورتع، فإذا هزه أمطر فأمرع؟ قلت: فابن الخصيب؟ قال: أكل أكلة نهم، فذرق ذرقة بشم. قلت: فما تقول في إبراهيم أخيه؟ قال: " أموات غير أحياءٍ وما يشعرون أيان يبعثون ". قلت: فما تقول في أحمد بن إسرائيل؟ قال: لله دره، أي قلقلٍ هو؟ غرس في منابت الكرم، حتى إذا اهتز لهم حصدوه. قلت: فما تقول في إبراهيم بن رياح؟ قال: أوبقه كرمه، وأسلمه حسبه، وله معروف لا يسلمه، ورب لا يخذله، وخليفة لا يظلمه. قلت: فما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره، أي طالب وترٍ، ومدرك ثأرٍ! يتلهب كأنه شعلةُ نار، له من الخليفة جلسة تزيل نعماً، وتحل نقماً. قلت: يا أعرابي، أين منزلك؟ قال: اللهم غفراً، إذا اشتمل الظلام فحيثما أدركني الرقاد رقدت! قلت: فكيف رضاك عن أهل العسكر؟ قال: لا أخلق وجهي بمسألتهم، أوأما سمعت قول هذا الفتى الطائي، الذي قد ملأ الدنيا شعره:

ومَا أُبالِي وخَيْرُ القَوْلِ أَصْدَقُهُحَقَنتَ لي ماءَ وجهي أو حقَنْتَ دَمِي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبا سعيد وما وصفي بمتهم»

قلت: فأنا الطائي قائل هذا الشعر! فدنا مبادراً فعانقني وقال: لله أبوك، ألست الذي يقول:

ما جُودُ كفِّكَ إن جادت وإن بخِلَتْمن ماءِ وجهي إذَا أخلقتُه عِوَضُ

قلت: نعم، قال: أنت والله أشعر أهل الزمان. فرجعت بالأعرابي معي إلى ابن أبي دؤاد، وحدثته بحديثه، فأدخله إلى الواثق، فسأله عن خبره معي، فأخبره به، فأمر له بمالٍ، وأحسن إليه، ووهب له أحمد بن أبي دؤاد، فكان يقول لي: قد عظم الله بركتك علي.

حدثني محمد بن القاسم بن خلادٍ قال: انصرفت يوماً من عند ابن أبي دؤادٍ، فدخلت إلى محمد ابن

منصور فوجدت عنده عمارة بن عقيل، وكان خلا له، وهو ينشده قصيدةً له في الواثق أولها:

عرَفَ الديارَ رُسُومُها قَفْرُلَعِبَتْ بها الأرْوَاحُ والقَطْرُ
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

فلما فرغ منها قلنا له: ما سمعنا أحسن من هذه الرائية، أحسن الله إليك يا أبا عقيل! فقال: والله لقد عصفت رائية طائيكم هذا بكل شعرٍ في لحنها، قلنا له: وما هي؟ قال: كلمته التي هجا بها الأفشين، فقال محمد بن يحيى بن الجهم: أنا أحفظها، فقال: هاتها فأنشده:

الحقُّ أَبلجُ والسيوفُ عَوَارٍفَحَذَار من أَسَدِ العَرينِ حَذارِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

فقال له عمارة: أنشدنا ذكر النار، فأنشد:

ما زالَ سِرُّ الكُفْرِ بين ضُلوعِهحتى اصْطَلَى سِرَّ الزِّنادِ الواري
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
ناراً يُساورُ جسْمَهُ من حَرِّهالَهَبٌ كما عَصْفَرتَ نِصْفَ إزارِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
طارتْ لها شُعَلٌ يُهدّم لَفحُهاأَرْكانَهُ هَدْماً بغيرِ غُبارِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
ففصَلْنَ منه كُلَّ مَجْمَعِ مَفصِلٍوفَعلْنَ فاقرةً بكُلّ فَقَارِ

قال أبو بكر: إنما قال: وفعلن، فخص هذه اللفظة لقول الله جل وعز " تظنُّ أَنْ يُفعلَ بِها فَاقِرَةٌ "، ولقول الناس: فعل به الفواقر، أي الدواهي:

رَمَقُوا أَعَالَي جِذْعِه فكأنَّماوَجدْوا الهِلالَ عَشِيَّةَ الإفطار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

ثم ذكر المصلبين فقال:

سُودُ اللباسِ كأنما نَسَجَتْ لُهمْأَيْدِي الشُّمُوسِ مَدَارِعاً مِنْ قَارِ
بَكَرُوا وأسْرَوْا في مُتُونِ ضَوامرٍقِيدَتْ لهم من مَرْبَطِ النجَّارِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
لا يبْرَحُون ومَنْ رآهُم خَالَهْمأبداً على سَفَرٍ من الأسْفارِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
جهِلُوا فلم يستكثِروُا مِنْ طَاعَةٍمَعْروفَةٍ بِعمارَةِ الأعْمارِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

فقال عمارة: لله دره، لقد وجد ما أضلته الشعراء، حتى كأنه كان مخبوءاً له. قال محمد بن القاسم: فاعتقدت في أبي تمامٍ من ذلك اليوم أنه أشعر الناس، وما كان ذا رأيي من قبل.

حدثني أبو العباس عبد الله بن المعتز قال: جاءني محمد بن يزيد المبرد يوماً فأفضنا في ذكر أبي تمام، وسألته عنه وعن البحتري، فقال: لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعانٍ طريفةٌ، لا يقول مثلها البحتري، وهو صحيح الخاطر، حسن الانتزاع، وشعر البحتري أحسن استواءً، وأبو تمام يقول النادر والبارد، وهو المذهب الذي كان أعجب إلى الأصمعي، وما أشبه أبا تمام إلا بغائصٍ يخرج الدر والمخشلبة، ثم قال: والله إن لأبي تمامٍ والبحتري من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجد فيه مثله. قال أبو بكر: وقول أبي العباس المبرد " ما أشبهه إلا بغائص "، فإنما أخذه من قول الأصمعي في النابغة الجعدي: تجد في شعره مطرفاً بآلاف، وكساءً بواف.

حدثني عبد الله بن المعتز قال: كان إبراهيم بن المدبر يتعصب على أبي تمام ويحطه عن رتبته، فلاحاني فيه يوماً فقلت له: أتقول هذا لمن يقول:

غَدَا الشيبُ مُختطا بفَوْدَىَّ خُطَّةُسبيلُ الرَّدَى مِنها إلى الموتِ مَهْيَع
هو الزَّوْرُ يُجْفَى والمُعاشِرُ يُجتَوَىوذُو الإلْفِ يُقْلَى والجديدُ يُرَفَّعُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
له منظَرٌ في العينِ أَبْيضُ ناصِعٌولكنَّهُ في القلبِ أسْودُ أسْفَعُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

ولمن يقول:

فَإنْ تُرْمَ عن عُمرٍ تَدَانَى به المَدَىفَخَانَكَ حتَّى لم يَجِدْ فيكَ مَنْزَعَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصم بك الناعي وإن كان أسمعا»
فما كنْتَ إلاَّ السَّيْفَ لاَقَى ضرِيبةًفَقَطَّعَها ثمَّ انثْنَى فَتَقَطَّعَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصم بك الناعي وإن كان أسمعا»

ولمن يقول:

خَشَعُوا لصَوْلتِكَ التي هي عندهُمكالموتِ يأتِي ليسَ فيه عارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
فالمشيُ هَمْسٌ، والنداءُ إشارةٌخَوْفَ انتقامِكَ، والحديثُ سِرار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
أيامُنا مَصْقُولةٌ أطْرَافُهابِكَ واللياليِ كلُّها أَسْحارً
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
تنْدَى عُفَاتُكَ للعُفَاةِ وتغَتدِيرُفَقاً إلى زُوَّارِك الزُّوَّارُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

قال: وأنشدته أيضاً غير ذلك، فكأني - والله - ألقمته حجراًَ! قال أبو بكر: أما قوله " فقطعها ثم انثنى فتقطعا " فهو مأخوذ من قول البعيث:

وإنا لنُعِطي المشْرَفيَّةَ حقَّهَافتقْطَعُ في أَيْمَانِنَا وَتَقَطَّعُ
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

ومن قوله أيضاً:

أَوْفَى به الدهْرُ من أحداثِه شَرَفاًوالسَّيفُ يمِضي مِراراً ثمَّ يَنْقصِدُ

وأما قوله: " والليالي كلها أسحار " فهو من قول عبد الملك بن صالح، وسأله الرشيد: كيف ليل منبج؟ فقال: سحر كله، وقد أخذه ابن المعتز فقال:

يا رُبَّ ليلٍ سَحَرٍ كلُّهمُفْتَضِحِ البدْرِ عَليلِ النَّسيمْ
للشاعر ابن المعتز، اقرأ القصيدة

ولو جاز أن يصرف عن أحدٍ من الشعراء سرقة، لوجب أن يصرف عن أبي تمام لكثرة بديعه واختراعه واتكائه على نفسه، ولكن حكم النقاد للشعر، العلماء به، قد مضى بأن الشاعرين إذا تعاورا معنىً ولفظاً أو جمعاهما، أن يجعل السبق لأقدمهما سناً، وأولهما موتاً، وينسب الأخذ إلى المتأخر، لأن الأكثر كذا يقع، وإن كانا في عصرٍ الحق بأشبههما به كلاما، فإن أشكل ذلك تركوه لهما.

حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: جاءني فضل اليزيدي بشعر أبي تمام، فجعل يقرؤه علي، ويعجبني ممن جهل مقداره. فقلت له: الذين جهلوه كما قال:

لا يدهَمَنَّكَ من دهْمائِهِمْ عددٌفإنَّ أكثرَهُمْ أو كُلَّهُمْ بَقَرُ

فقال لي: قد عابه جماعةُ من الرواة للشعر، فقلت: الرواة يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه، وإنما يميز هذا منهم القليل، فقال: هذه العلة في أمرهم.

وكنا عند أبي علي الحسين بن فهم، فجري ذكر أبي تمام فقال رجل: أيما أشعر: البحتري أو أبو تمام؟ فقال: سمعت بعض العلماء بالشعر - ولم يسمه - قد سئل عن مثل هذا فقال: وكيف يقاس البحتري بأبي تمام، وهو به، وكلامه منه، وليس أبو تمام بالبحتري، ولا يلتفت إلى كلامه؟.

حدثني القاسم بن إسماعيل أو ذكوان قال: سمعت عمك إبراهيم بن العباس الصولي يقول: ما اتكلت في مكاتبتي إلا على ما يجيله خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم، وقولي في رسالةٍ أخرى: فأنزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالاً من آمال؛ فإني ألممت في قولي: " آجالاً من آمال " بقول مسلم بن الوليد:

مُوفٍ على مُهَجٍ في يومِ ذي رَهَجٍكأَنه أَجَلٌ يَسْعى إلى أملِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وفي " المعقل والعقال " بقول أبي تمام، ثم أنشد:

فإنْ باشَرَ الإِصْحَارَ فالبيضُ والقَنَاقِرَاهُ وأَحْوَاضُ المنَايا مَنَاهِلُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»
وإن يَبْنِ حِيطاَناً عَلَيْهِ فإِنَّمَاأُولئكَ عُقَّالاَتُهُ لاَ مَعَاقِلُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»
وإلاّ فأعْلِمْهُ بأنّكَ سَاخِطٌوَدَعْهُ فَإنّ الخَوْفَ لا شَكَّ قاتِلُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

بِيُمْنِ أبيِ إسْحاقَ طَالَتْ يدُ الهُدَىوَقَامَتْ قَنَاةُ الدِّينِ واشْتَدَّ كَاهِلُهْ

هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ النِّواحِي أَتَيْتَهُفَلُجَّتُهُ المعرُوفُ والجُودُ سَاحِلُهْ

تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حتَّى لو أنَّهُثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

ثم قال لي: أما تسمع يا قاسم؟ قلت: بلى والله يا سيدي، قال: إنه اخترم وما استمتع بخاطره، ولا نزح ركي فكره، حتى انقطع رشاء عمره.

حدثني أبو الحسين بن السخي قال، حدثني الحسن بن عبد الله قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام، وقد أنشده شعراً له في المعتصم: يا أبا تمام، أمراء الكلام رعية لإحسانك، فقال له أبو تمام: ذاك لأني أستضئ برأيك، وأرد شريعتك.

حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي قال، حدثني سليمان بن وهب قال: رآني أبو تمام وأنا أكتب كتابا، فاطلع فيه ثم قال لي: يا أبا أيوب، كلامك ذوب شعري.

حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال: سألت أبي عن أبي تمام فقال: سمعني أبي وأنا ألاحي إنساناً في أبي تمام فقال لي: ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهما واحداً في أيام أبي تمام، فلما مات أبو تمام اقتسم الشعراء ما كان يأخذه.

حدثني أبو الحسن علي بن إسماعيل قال، قال لي البحتري: أول ما رأيت أبا تمامٍ مرةً ما كنت عرفته قبلها، أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف وقد امتدحته بقصيدتي التي أولها:

أَأَفاقَ صَبٌّ من هَوىً فأُفيقَاأَوْ خَانَ عَهداً أو أطاعَ شفيقاَ؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صب من هوى فأفيقا»

فأنشدته إياها، فلما أتمتها سر أبو سعيد بها وقال: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل في المجلس: هذا - أعزك الله - شعر لي، علقه هذا فسبقني به إليك، فتغير وجه أبي سعيد وقال: يا فتى قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعر لي أعزك الله، فقال الرجل: سبحان الله يا فتى، لا تقل هذا، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتا، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغ ما تريد، ولا تحمل نفسك على هذا فخرجت متحيراً لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو؟ فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال: جنيت عليك فاحتمل، أتدري من هذا؟ قلت: لا، قال: هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام، فقم إليه، فقمت إليه فعانقته، ثم أقبل يقرظني ويصف شعري، وقال: إنما مزحت معك. فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه.

حدثني علي بن إسماعيل قال: كنت عند البحتري فأنشدته وهو كالمفكر:

أَحْلَى الرجالِ من النساءِ مَواقعاًمَنْ كان أَشْبههَمُ بهنَّ خُدُودَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
فاطلب هُدُوءاً في التقلقلِ واستثرْبالعيس من تحتِ السّهادِ هُجُودَا
من كل مُعْطِيةٍ على عَلَلِ السَّرَيوخْداً يَبيتُ النومُ فيهِ شريدَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
طلبتْ ربيعَ ربيعَةَ المُمْهَي لناووردْنَ ظِلَّ ربيعةَ الممدودَا
ذُهْلِيَّها مُرِّيَّهَا مَطَرِيَّهايُمْنَى يَدَيْها خالدَ بنَ يزيدَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
نسبٌ كأنَّ عليهِ من شمس الضُّحىنُوراً ومن فَلَقِ الصَّباح عَمُودَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
عُرْيانَ لا يَكْبُو دَليلٌ مِن عَمىًفيهِ ولا يَبْغِي عليه شُهودَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
شَرفٌ على أولَى الزمانِ وإنماخَلَقُ المَنَاسبِ أَنْ يكونَ جَديدَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
مَطَرٌ أبوك أبُو أَهِلَّةِ وَائِلٍملأَ البسيطةَ عُدَّة وعَديِدَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
وَرِثُوا الأُبُوَّةَ والحظوظَ فأصبَحُواجمعُوا جُدُوداً في العُلا وجُدودَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
إِنَّ القوافَيِ والمساعَيِ لم تَزَلْمِثلَ النظامِ إذا أصابَ فَريِدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
هي جوهَرٌ نَثْرٌ فإن ألَّفْتَهُبالنَّظمِ صار قلائِداً وعُقودا

فقال: ما هذا؟ وهو فزع، فقلت له: ألا تعرفه؟ هذا لأبي تمام، فقال: أذكرتني والله وسررتني، لا تحسن هذا الإحسان أحد غيره.

حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: كنت عند الحسن بن وهب، فدخل إليه أبو سليمان داود ابن الجراح كاتب أبي إسحاق إبراهيم بن العباس، فسأله عن خبره فأخبره بما أراده، ثم قال: ناظر اليوم أبو إسحاق رجلاً في دولة بني أمية ودولة بني العباس - مدها الله - فقال له الرجل: أين مثل شعراء بني أمية الذين كانوا في زمانهم؟ فقال له أبو إسحاق: إن كانت دولة بني أمية حلبة الشعراء فدولة بني هاشم حلبة الكتاب، فقال الحسن: ما يترك أبو إسحاق عصبيته للأوائل من الشعراء، والله ما كان في دولة بني أمية مثله، هلا قال: أنا أعد شعراء هذه الدولة، فعد كتاب تلك الدولة؟ ثم أقبل علينا الحسن فقال: أما البلاغة في الكتبة فما ينازع أهل هذه الدولة فيها، وأما الشعر فلا أعرف - مع كثرة مدحي له وشغفي به في قديمه ولا حديثه - أحسن من قول أبي تمام في المعتصم بالله، ولا أبدع معاني، ولا أكمل مدحاً، ولا أعذب لفظاً، ثم أنشد:

فتحُ الفُتوحِ تَعالَى أن يُحيطَ بهنظمٌ من الشِّعرِ أو نثرٌ من الخُطَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

قال أبو بكر: ما سمعت " تعالى " إلا في هذا الخبر، والناس يروونه " المعلى "

فتحٌ تَفَتَّحُ أبوابُ السماءِ لهوتَبُرزُ الأرضُ في أبرادِها القُشُبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
يا يومَ وقعةِ عَمُّورِيَّةَ انصرفتْعنكَ المُنَى حُفَّلا مَعْسُولةَ الحَلبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أبَقيْتَ جَدَّ بني الإسلامِ في صَعَدِوالمشركينَ ودَارَ الشِّركِ في صَبَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أُمٌّ لُهمْ لَوْ رَجَوْا أن تُفْتَدَى جَعلُوافداءَها كلَّ أَمٍّ منهمُ وأب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
وبَرْزَةُ الوجهِ قد أعْيتْ رياضَتُهاكِسْرَى وصدَّتْ صُدوداً عن أبي كرَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
من عهدِ إِسكندرٍ أو قبلَ ذلكَ قَدْشابتْ نواصِي الليالي وَهيْ لم تَشِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بِكْرٌ فما افتَرَعَتْها كفُّ حادثَةٍولا ترقَّتْ إليها هِمَّةُ النُّوَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
جَرَى لها الفالُ برْحاً يومَ أَنْقِرَةٍإذْ غُودِرَتْ وَحْشَةَ السَّاحات والرَّحَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
لما رأتْ أختَها بالأمسِ قد خَرِبتْكانَ الخرابُ لهَا أَعْدَي من الجربِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
لقد تَركْتَ أميرَ المؤمنينَ بهاللِنَّارِ يَوْماً ذليلَ الصَّخرِ والخشَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
غادرتَ فِيهَا بَهيمَ الليل وَهْو ضُحًىيَشُلُّهُ وَسْطَهَا صُبْحٌ من اللَّهَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
حتى كأَنَّ جَلاَبيبَ الدُّجَى رَغَبِتْعنْ لَوْنِها وكأنَّ الشّمسَ لم تَغبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ضوءٌ من النارِ والظَّلماء عاكفةٌوظُلمةٌ من دخانٍ في ضُحىً شَحِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

قال أبو بكر: كذا قال أبو مالك - ضوء -، والرواية - صبح -

فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أَفَلَتْوالشمسُ واجِبةٌ مِنْ ذا ولم تَجِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُوراً يُطيفُ بهغَيْلانُ أَبْهَى رُبىً من ربعها الخرِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ولا الخدودُ ولَوْ أُدْمِينَ من خجَلٍأَشْهَى إلى ناظرٍ من خَدِّها التَّرِبِ
سماجةٌ غَنَيِتْ منها العيونُ بهاعن كلِّ حُسنٍ بَدا أو منظَرِ عَجبِ
وحُسْنُ مُنقلَبٍ تبقَى عواقبُهُجاءتْ بشاشَتُه من سُوءِ مُنْقَلَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
تدبيرُ معتصمٍ باللهِ منتقمٍلله مُرْتقبٍ في الله مُرْتَغبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
لم يَرْمِ قَوماً ولم يَنْهَدْ إلى بلدٍإلا تقدَّمَهُ جيشٌ منَ الرُّعُبِ
لو لم يَقُدْ جَحْفَلاً يوْمَ الوَغَى لَغَدامن نَفْسِه وَحْدَها في جَحفلٍ لِجبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

لما رأى الحربَ رأىَ العينِتَوْفَلِسٌوالحرْبُ مشتقةُ المعنَى من الحَرَبِ

ولي وقد أَلْجمَ الخَطِّىُّ مَنْطقَهُبسَكْتَةٍ تحتَها الأحْشَاءُ في صخَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بَصُرْتَ بالراحةِ الكُبرى فلم تَرَهاتُنالُ إلا عَلَى جِسْرٍ من التّعَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
إن كانَ بينَ مرورِ الدهرِ من رحمٍمَوْصُولةٍ وذِمامٍ غيرِ مُنْقَضِبِ
فبينَ أيامِكَ اللائِي نُصِرْتَ بِهاوبين أيامِ بدرٍ أقربُ النَّسَبِ

ثم قال: هل وقع في لفظةٍ من هذا الشعر خلل؟ كان يمر للقدماء بيتان يستحسنان في قصيدة فيجلون بذلك، وهذا كله بديع جيد.

قال أبو أحمد: وما رأيت أحداً في نفس أحدٍ أجل من أبي تمام في نفس الحسن بن وهب. قال: وكان الحسن يحفظ أكثر شعر أبي تمام كأنه يختار من القصيدة ما يحفظه.

وقيل لأبي تمام: مدحت دينار بن يزيد! فقال: ما أردت بمدحه إلا أن أكشف شعر علي بن جبلة فيه، فقلت:

مَهاةَ النَّقَا لولاَ الشَّوَى والمآبِضُ

ولم يمدحه بغيرها.

حدثني به علي بن إسماعيل قال، حدثني علي ابن العباس الرومي قال، حدثني مثقال قال: دخلت على أبي تمام وقد عمل شعراً لم أسمع أحسن منه، وفي الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، وعلم أني قد وقفت على البيت، فقلت له: لو أسقطت هذا البيت! فضحك وقال لي: أتراك أعلم بهذا مني؟ إنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة، كلهم أديب جميل متقدم، فيهم واحد قبيح متخلف، فهو يعرف أمره ويرى مكانه، ولا يشتهي أن يموت، ولهذه العلة وقع مثل هذا في أشعار الناس.

حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما قدم أبو تمام إلى خراسان اجتمع الشعراء إليه فقالوا: نسمع شعر هذا العراقي، فسألوه أن ينشدهم، فقال: قد وعدني الأمير أن أنشده غداً وستسمعون، فلما دخل على عبد الله أنشده:

هُنَّ عوادِي يوسفٍ وصواحِبُهْفعَزْماً فقِدْماً أدركَ السؤلَ طالبُهْ

فلما بلغ إلى قوله:

وقلْقَل نَأيٌ من خراسانَ جأشَهافقلتُ اطمئِنِّي أنضرُ الرَّوْضِ عازبُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
ورَكبٍ كأَطْرافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسُواعلى مِثْلِها والَّليْلُ داجٍ غَياهُبهْ
لأمرٍ عليِهمْ أَنْ تَتِمَّ صُدُورُهوليْسَ عليِهمْ أن تَتمَّ عواقبُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
على كلِّ رَوَّادِ المِلاَطِ تَهَدَّمَتْعريكتُه العلياءُ وانضمَّ حالُبهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
رعتْهُ الفيافِِي بعد ما كان حقْبةًرعاهَا وماءُ الروضِ ينْهَلُّ ساكِبهْ

ويروى - رعته الصحارى -، ويروى - رعته الفيافي - جمع فيفاة، فصاح الشعراء بالأمير أبي العباس: ما يستحق مثل هذا الشعر إلا الأمير أعزه الله، وقال شاعر منهم يعرف بالرياحي: لي عند الأمير - أعزه الله - جائزة وعدني بها، وهي له جزاءً عن قوله، فقال الأمير: بل نضعفها لك، ونقوم بالواجب له. فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار، فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئاً، فوجد عليه الأمير وقال: يترفع عن بري، ويتهاون بما أكرمته به! قال فما بلغ بعد ذلك ما أراد منه.

قوله: " وركبٍ كأَطرافِ الأسِنَّةِ "، مأخوذ من قول البعيث:

أطافَتْ بشُعْثٍ كالأسِنَّةِ هُجَّدٍبخاشعِة الأصْوَاءِ غُبْرٍ صُحُونُها
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وهذان البيتان:

وركْبٍ كأَطْرافِ الأسِنَّةِ عَرَّسُواعَلَى مِثْلِها والّليْلُ داجٍ غَياهِبُهْ
لأَمْرٍ عَليْهِمْ أنْ تَتِمَّ صُدُورُهُولَيْسَ عليِهِمْ أنْ تَتِمَّ عَوَاقِبُهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

فهما منقولان من قول الشاعر:

غلامُ وَغىً تَقَحَّمها فأَبْلَىفخان بلاءَهُ دهرٌ خَؤُون
فكان على الفتى الإقدامُ فيهاوليس عليه ما جنَتِ المنُونُ

حدثنا محمد بن يزيد الأزدي قال، سمعت الحسن بن رجاءٍ يقول: ما رأيت أحداً قط أعلم بجيد الشعر قديمة وحديثة من أبي تمام.

حدثني الحسين بن إسحاق قال، سمعت ابن الدقاق يقول: حضرنا مع أبي تمام وهو ينتخب أشعار المحدثين، فمر به شعر محمد بن أبي عيينة المطبوع، الذي يهجو به خالداً، فنظر فيه ورمى به، وقال: هذا كله مختار. وهذا أدل دليل على علم أبي تمام بالشعر، لأن ابن عيينة أبعد الناس شبهاً به: وذلك أنه يتكلم بطبعه، ولا يكد فكره، ويخرج ألفاظه مخرج نفسه، وأبو تمام يتعب نفسه، ويكد طبعه، ويطيل فكره، ويعمل المعاني ويستنبطها؛ ولكنه قال هذا في ابن أبي عيينة، لعلمه بجيد الشعر أي نحوٍ كان.

حدثني محمد بن موسى قال سمعت الحسن بن وهب يقول: دخل أبو تمام على محمد بن عبد الملك فأنشده قصيدته التي أولها:

لهانَ علينا أن نقولَ وتفعلا

فلما بلغ إلى قوله:

وَجَدناكَ أنْدَى من رجالٍ أناملاًوأحسنَ في الحاجاتِ وجهاً وأجملاَ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لهان علينا أن نقول وتفعلا»
تُضئُ إذا اسودَّ الزمانُ وبعضُهُمْيرى الموتَ أن ينْهَلَّ أو يتهَلَّلاَ
وواللهِ ما آتيكَ إلا فريِضَةًوآتي جميعَ الناسِ إلا تنفُّلاَ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لهان علينا أن نقول وتفعلا»
وليس امرُؤٌ في الناسِ كنتَ سلاحَهُعَشٍيةَ يلَقى الحادثاتِ بأعزَلاَ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لهان علينا أن نقول وتفعلا»

فقال له محمد: والله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك وإبداعك، ولكنك تنغص مدحك ببذله لغير مستحقه، فقال: لسان العذر معقول وإن كان فصيحاً. ومر في القصيدة، فأمر له بخمسة آلاف درهم، وكتب إليه بعد ذلك:

رأيتُكَ سَمْحَ البيِع سَهْلاً وإنمايُغَالَي إذَا ما ضَنَّ بالبيِع بائعُهْ
فأما إذا هانتْ بَضَائعُ مالهِفيُوشِكُ أن تَبْقَى عليه بضَائِعُهْ
هو الماءُ إن أجْمَعْتَهُ طابَ وِرْدُهُويُفْسِدُ منه أَنْ تُبَاحَ شَرائعُهْ

حدثني أبو بكر أحمد بن سعيد الطائي قال: كان ابن عبد كان وإسماعيل بن القاسم - وهما علمان من أعلام الكتاب والأدب - يقولان: البحتري أشعر من أبي تمام، قال: فذكرت ذلك للبحتري، فقال لي: لا تفعل يا ابن عم، فو الله ما أكلت الخبز إلا به.

حدثنا عبد الله بن الحسين، قال حدثني البحتري قال: سمعت أبا تمام يقول: أول شعر قلته

تَقَيِ جَمَحَاتي لستُ طوعَ مؤنِّبي

ومدحت بها عياش بن لهيعة، فأعطاني خمسة آلاف درهم.

حدثني محمد بن عبد الله التميمي أبو عبد الله الحزنبل قال، حدثني سعيد بن جابر الكرخي قال، حدثني أبي قال: حضرت أبا تمام، وقد أنشد أبا دلف قصيدته البائية التي امتدحه بها، وعنده جماعة من أشراف العرب والعجم، التي أولها:

عَلَى مِثْلهِا من أَرْبُعٍ ومَلاعبِأُذيِلَتْ مَصُوناتُ الدُّموعِ السَّواكبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
أَمَيْدانَ لَهْوِى مَنْ أَتَاحَ لكَ الْبِلَىفأَصْبَحتَ مَيْدانَ الصَّبَا والجَنَائبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فلما بلغ إلى قوله:

إذَا العيِسُ لاقَتْ بي أبا دُلَفٍ فقدْتقَطّع ما بيْنِي وَبيْنَ الَّنوائِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
إذا ما غَدا أَغْدَى كَريَمةَ مَالِهِهَدِيّاً ولو زُفَّتْ لألأَمِ خَاطِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
وأَحْسَنُ مِنْ نَوْرٍ يُفتِّحُهُ الَّندَىبَيَاضُ العَطَايا في سَوَادِ المَطالبِ

إذا أَلْجَمَتْ يَوْماً لُجَيْمٌ وَحَوْلهَابنو الحِصْنِ نَجْلُ المُحصَنَاتِ النَّجائبِ

فإنَّ المنَايَا والصَّوَارمَ والقَناأَقارِبُهم في الرَّوْع دُونَ الأَقَارِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
إذا افْتَخَرتْ يَوْماً تَمِيمٌ بِقَوْسِهاوزَادَتْ على ما وَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فأَنْتُمْ بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُمْعُرُوشَ الذينَ اسْتَرهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ

مَحاسِنُ منْ مَجْدٍ مَتَى يَقْرِنُوا بِهَامَحَاسِنَ أَقْوَامٍ تَكُنْ كاَلْمعَائِبِ
مكارمُ لَجَّتْ في عُلُوّ كأَنَّماتُحَاوِلُ ثَأراً عِنْدَ بَعْضِ الكَوَاكِبِ

أخذ هذا علي بن الجهم فوصف الفوارة فقال:

وفَوَّارَةٍ ثَأْرُها في السَّمَاءِ فَلَيْسَتْ تُقَصِّرُ عَنْ ثَارِها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

قال، فقال أبو دلف: يا معشر ربيعة ما مدحتم بمثل هذا الشعر قط، فما عندكم لقائله؟ قال: فبادروه بمطارفهم وعمائمهم يرمون بها إليه، فقال أبو دلف: قد قبلها وأعاركم لبسها، وسأنوب في ثوابه عنكم، تمم يا أبا تمام، فلما بلغ إلى قوله:

ولو كان يَفْنَى الشعرُ أَفنْاهُ ما قَرَتْحياضُك منه في العُصورِ الذَّواهِبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
ولكنَّهُ صَوْبُ العقولِ إذا انْثَنَتْسحائبُ منها أُعقِبَتْ بسحائبِ

فقال أبو دلف: إدفعوا إلى أبي تمامٍ خمسين ألف درهمٍ، ووالله إنها لدون شعره، ثم قال له: ما مثل هذا القول إلا ما رثيت به محمد بن حميد، قال: وأي ذلك أراد الأمير؟ قال قولك:

وما ماتَ حتى ماتَ مَضْرِبُ سيفهمن الضَّربِ واعتلَّتْ عليه القَنا السُّمْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
وقد كان فَوْتُ الموْتِ سهلاً فردَّهإليه الحَفَاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
فأَثْبتَ في مُسْتَنُقِعِ الموْتِ رِجْلَهُوقال لها: من تحتِ أَخْمُصِكِ الحشْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
غَدَا غَدْوَةً والحمدُ حَشْوُ رِدائهفلمْ ينصرفْ إلاَ وَأَكْفانُه الأجْرُ
كأنَّ بني نَبْهانَ يومَ وفاتِهنُجومُ سماءٍ خَرَّ من بيْنِها البَدْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
يُعَزَّوْنَ عن ثَاوٍ تُعزَّى به العُلاَويَبْكِي عليه الجُودً والبأسُ والشِّعرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

وددت والله أنها لك فيَّ! فقال: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي، وأكون المقدم قبله، فقال له: لم يمت من رثي بمثل هذا الشعر.

قال أبو بكر: ومن أعجب العجب، وأفظع المنكر، أن قوماً عابوا قوله:

كأنَّ بَني نَبْهانَ يومَ وَفاتِهنُجومُ سماءٍ خرَّ مِنْ بَيْنِها البدرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

فقالوا: أراد أن يمدحه فهجاه، كأن أهله كانوا خاملين بحياته، فلما مات أضاءوا بموته، وقالوا: كان يجب أن يقول كما قال الخريمي:

إذا قمرٌ منه تَغَوَّرَ أوْ خَبَابَدا قمرٌ في جانبِ الأُفْقِ يَلْمَعُ

ولا أعرف لمن صح عقله، ونفذ في علمٍ من العلوم خاطره، عذراً في مثل هذا القول، ولا أعذر من يسمعه فلا يرده عليه، اللهم إلا أن يكون يريد عيبه، والطعن عليه. ولم يعرض من يذهب هذا عليه، لعلم الشعر والكلام في معانيه وتمييز ألفاظه؟ ولعله ظن أن هذا العلم مما يقع لأفطن الناس وأذكاهم من غير تعليمٍ وتعبٍ شديد، ولزومٍ لأهله طويلٍ، فكيف لأبلدهم وأغباهم؟ وليس من أجابه طبعه إلى فنٍ من العلوم أو فنين أجابه إلى غير ذلك؛ قد كان الخليل بن أحمد أذكى العرب والعجم في وقته بإجماع أكثر الناس، فنفذ طبعه في كل شيءٍ تعاطاه، ثم شرع في الكلام فتخلفت قريحته، ووقع منه بعيداً، فأصحابه يحتجون عن شيء لفظ به إلى الآن.

وليت شعري، متى جالس هؤلاء القوم من يحسن هذا، أو أخذوا عنه، وسمعوا قوله؟ أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدةٍ، أو أقام إعرابها، أحسن أن يختار جيدها، ويعرف الوسط والدون منها، ويميز ألفاظها؟ وأي أئمتهم كان يحسنه: الذي يقول وهو يهجو الأصمعي بزعمه:

إنَّي لأرفعُ نفسِي اليومَ عن رجُلٍما شكْلُهُ لِيَ شكْلُ بل هو النَّابِي
فيه المعائِبُ ما تَخْلُو وحُقَّ لهلأنه كاذبٌ يُدْعَى لكّذَّابِ
لما التقيْنَا وقد جَدَّ الجِراءُ بناجاءَ الجوادُ أمامَ الكَوْدنِ الكابِي

أو الذي يقول في مجلس بعض أجلاء الكتاب، وقد حلفه صاحب المجلس أن ينشده من شعره إن كان قال شعراً، فاستعفاه فلم يزل به إلى أن أنشده لنفسه:

مَنْ يشْتَرِي شَيْخاً بِدرْهَمَينِقد شاخَ ثم دَرَّ مَرَّتْينِ

ليسَ له سِوَى ثَنِيَّتَيْنِ

فهذه أشعار أئمتهم، وما ظننت أن أحداً يتعلق بقليل الأدب يجهل هذا الذي عابوه على أبي تمام، ولا أن الله ﷿ يحوجني إلى تفسير مثله أبداً. وقد قالت الحكماء: لو سكت من لا يدري استراح الناس. وقالوا: بكثرة - لا أدري - يقل الخطأ. وقال بعض الأوائل: لقد حسنت عندي - لا أدري - حتى أردت أقولها فيما أدري. وقال بعض الشعراء:

سأَقَضْيِ بحَقٍّ يَتْبَعُ الناسُ نَهْجَهُوينفَعُ أهلَ الجهلِ عند ذَوِي الخُبْرِ
إذا كنت لا تدري ولم تَسَلِ الذيتُرَى أنَّه يدْرِي، فكيف إِذَنْ تَدْرِي؟

وأنا مفسر ذلك إن شاء الله.

يروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " صلوات الله عليه " أن رجلاً ذكر له بعض أهل الفضل فقال له: صدقت، ولكن السراج لا يضئُ بالنهار، فلم يرد " رضوان الله عليه " أن ضوء السراج ليس حالاً فيه، ولا أنه زالت عنه ذاته، ولكنه بالإضافة إلى ضوء النهار لا يضئ، ولم يطعن على ضوء النهار ولا على السراج، ولكنه قال: فاضل وأفضل منه، وقال الشاعر وأحسن:

أصفراء كان الوُدُّ مِنكِ مُباحَاليالَي كان الهجْر منكِ مُزَاحَا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصفراء كان الود منك مباحا»
وكُنَّ جوارِي الحيِّ إذْ كنتِ فيهمِقِباحاً، فلما غِبْتِ صْرنَ مِلاَحاَ

وما أراد إلا تفضيلها، ولم يطعن على أحد، والقباح لا يصرن ملاحاً في لحظةٍ، ولكنه أراد أنهن ملاح، وهي أملح منهن، فإذا اجتمعن كن دونها. وقال إبراهيم بن العباس الصولي:

ما كُنْتِ فيهِنَّ إلاَّ كُنْتِ واسِطَةًوكُنَّ دُونَكِ يُمْنَاهَا ويُسْراهَا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن إبراهيم بن العباس، وأملي شعر إبراهيم إملاءً، وكان يستجيد هذا، ولم يرد إبراهيم أن يذمهن وهن معها في نظم ولكنه فضلها؛ فأراد أبو تمام تفضيله عليهم وإن كانوا أفاضل. وليس ضياء البدر يذهب بالكواكب جملةً، ولا ينقل طبعها ولكن المستضئ به أبصر من المستضئ بالكواكب، فإذا فقد البدر استضاء بهذه وهي دونه، فكأن أبا تمام قال: إن ذهب البدر منهم فقد بقيت فيهم كواكب.

وقد أحسن الذي يقول:

ولَسْتُ بشاتمٍ كَعْباً ولكنْعلى كعبٍ وشاعرها السلامُ
بنَانَا اللهُ فوق بِنا أَبيِنَاكما يُبْنَى على الثَّبِج السَّنَامُ
وكائنْ في المعاشِر مِن أُناسٍأخُوهُمْ مِنْهمُ وهُمُ كِرامُ

فهذا المعنى الذي غزاه أبو تمام، وقد نطق به النابغة بعينه؛ فلو لزم أبا تمامٍ خطأ في هذا للزم النابغة، لأنه اعتذر إلى النعمان من ذهابه إلى آل جفنة ولم يذمهم، ولكنه فضله عليهم وشكرهم فقال:

ولكنَّني كنتُ امرءاً لَي جانِبٌمن الأرضِ فيه مُسْتَرادٌ ومُطْلَبُ
مُلوكٌ وإخوانٌ إذا ما أَتيتُهُمْأُحَكَّمُ في أَموالِهِمْ وأُقَرَّبُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

أما ترى كيف مدحهم ثم قال:

كَفِعْلِكَ في قَوْمٍ أراكَ اصطنْعتَهمُفلم تَرهُمْ في شُكْرِ ذلكَ أَذْنَبُوا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

وهذا أحسن معارضةٍ وأوضح حجةٍ. يقول: لا تعب شكري لهؤلاء عندك، كما أنك إذا أحسنت إلى قومٍ فشكروك عند أعدائك، فليس ذلك بذنبٍ لهم، ثم فضله عليهم فقال:

ألم تَرَ أنّ اللهَ أَعْطاكَ سُورَةًتَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
بأنك شَمْسٌ والملوكُ كَواكِبٌإذا طَلَعتْ لم يَبْدُ منهُنَّ كوكَبُ

وهذا مفسر بأشياء تؤول إلى معنى واحدٍ وهو: فضلك عليهم كفضل الشمس على الكواكب. وقيل: أراد أنك ما صلحت لي لم أحتج إلى هؤلاء وإن كان فيهم فضل، كما أن من أضاءت له الشمس لم يحتج إلى انتظار ضوء الكواكب.

فحدثني القاسم بن إسماعيل قال، سمعت إبراهيم بن العباس يقول: لو أراد كاتب بليغ أن ينثر من هذه المعاني ما نظمه النابغة ما جاء به إلا في أضعاف كلامه، وكان يفضل هذا الشعر على جميع الأشعار. وقد سبق النابغة إلى هذا شعراء كندة فقال رجل يمدح عمرو بن هندٍ من كلمة:

تكادُ تَمِيدُ الأرضُ بالناسٍ أنْ رأَوْالَعمْرِو بن هندٍ عُصْبَةً وهُو عَاتبُ
هو الشمسُ وافتْ يومَ سعدٍ فأفضَلتْعلى كلِّ ضَوْءٍ والملوكُ كواكبُ

أنشدها أبو محلم. وقد أتى أبو تمام بمعنى قول النابغة الذي فسره إبراهيم بن العباس نقلاً إلا أنه في الغزل:

وقالتْ أَتْنسَى البدرَ قلتُ تجلُّداًإذا الشمسُ لم تَغْرُبْ فَلاَ طَلَعَ البَدْرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تصدت وحبل البين مستحصد شزر»

فهذا الذي أراده أبو تمام، وقال النجاشي:

نِعمَ الفتى أنتَ إلاّ أنّ بيْنَكُماكما تفاضَلَ ضوءُ الشمسِ والقمرُ

وأنشد أبو محلم لصفية الباهلية، وفيه غناء للغريض فيما أظن:

أَخْنَى عَلَى مالكٍ رَيبُ الزمانِ وهَلْيُبْقِى الزمانُ على شيءٍ ولا يَذَرُ
كُنَّا كأنجَمِ لَيلٍ بينَها قَمَرٌيَجْلُو الدُّجَى فَهَوَى من بيننا القَمَرُ

فهذا كلام أبي تمام ومعناه بعينه. وقال جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:

إنَّ الخليفةَ قد وَارتْ شَمائلَهُغبراءُ مَلحُودَةٌ في جُولِها زَوَرُ
أَمْسَى بَنْوه وقد جَلَّتْ مُصِيبتهُمْمِثلَ النجومِ هَوَى مِنْ بَيْنِها القمرُ

أفترى جريراً أراد أن يهجو الوليد، أو يقول إن بنيه زادوا بموته؟ وقال نصيب فأخذ معنى قول النابغة بعينه:

هُوَ البدرُ والناسُ الكواكبُ حَوْلَهُوهلْ تُشْبِهُ البدرَ المضئَ الكواكبُ؟
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

ثم قالوا: فهلا قال كما قال الخريمي:

إذا قمرٌ منهم تغوَّرَ أو خَبَابَدَا قَمَرٌ في جانبِ الأُفْقِ يلمعُ

فيجب على هذا أن يقال له: هلا قال الذي يقول:

عَفَتِ الديارُ محلُّها فمقامُها

ألا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصْبَحيِنا

وهلا قال امرؤ القيس مكان:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

لخوْلةَ أطلالٌ بُبرقَةٍ ثَهمَدِ

لأن المعنى الذي أراده أبو تمام ليس ما أراد الخريمي: لأن أبا تمام قصد التفضيل في السؤدد، والخريمي أراد التسوية فيه، وأبو تمام يقول: مات سيد وقام سيد دونه، والخريمي يريد: مات سيد وقام سيد مثله. فكيف يستحسن قوم ذهب هذا عليهم أن ينطقوا في الشعر بحرف بعدما فهموه؟ على أنهم أعذر عندي ممن يسمع منهم ويحكي قولهم. وإنما احتذى الخريمي قول أوس بن حجر:

إذا مُقْرَمٌ مِنَّا ذرا حَدُّنا بِهِتَخمَّطَ فينا نابُ آخرَ مُقْرَمِ

وهذا كما قال أبو الطمحان القيني:

وإني من القومِ الذين هُمُ هُمُإذا ماتَ منهم سيدٌ قامَ صاحبُهْ
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
كواكبُ دَجْنٍ كلَّما غابَ كوكبٌبدا كوكبٌ تأوِي إليه كواكبُهْ
أَضاءَتْ لهم أحْسابُهم ووجوهُهمْدُجَى الليلِ حتَّى نظمَّ الجَزْعَ ثاقِبُهْ
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

خِلافُة أهلِ الأرضِ فينا وراثةٌإذا مات منا سيِّد قام سيِّدُ

وقال طفيل الغنوي:

كواكبُ دَجْنٍ كُلَّما انقضَّ كوكبٌبدا وانجلتْ عنه الدُّجُنَّةُ كوكبُ

وقال آخر:

إذا سيِّدٌ منا مضَى لسبيلهِأَقامَ عَمودَ المجدِ آخَرُ سيِّدُ

فهذا الذي أراد الخريمي.

ولولا الثقة بأن أشباه هذا تمر بهم فلا يعرفونها، فإن تكلفوها تكلموا فيها بالجهل، لصعب على أن يفهم هذا غير أهله، ومن يستحق سماع مثله. وهذه كتب جماعتهم ممن مضى وغبر، هل نطقوا فيها بحرفٍ من هذا قط، أو ادعوه، أو ادعاه مدع لهم، أو تعرضوا له؟ وفي هذا كفاية لمن خلع ثوب العصبية وأنصف من نفسه، ونظر بعين عقله، وتأمل ما قلت بفكره؛ فإن القلب بذكره وتخيله أنظر من العين لما فقدته ورأته، وقد أحسن ابن قنبر في قوله:

إن كنتَ لستَ معي فالذكرُ منك معيِيراكَ قلبيِ وإنْ غُيِّبْتَ عنْ بصريِ
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والعينُ تُبصِرُ مَنْ تَهوَى وتفقِدُهوناظرُ القلبِ لا يخلو من النظرِ

وكأن هذا من قول بشار:

قالوا بسَلمَى تَهْذِي ولم تَرَهايا بُعْدَ ما غَاولَتْ بِكَ الفِكَرُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أضعت بين الألى مضوا حرقا»
فقُلتُ بعضُ الحديث يَشغَفُنِيوالقلب راءٍ مالا يرَى البصرُ

وشبيه بهذا في الشناعة عيبهم قوله:

لو خرَّ سيفٌ من العَيُّوقِ مُنصلتاًما كان إلاَّ على هاماتهم يقعُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي القلوب عليكم ليس ينصدع»

وقد رواهُ قوم: " ما كان إلا على إيمانهم يقع " ولكنا نبين صوابه وخطأ عائبه على الرواية الأولى. وهي عندي التي قال. إنما أراد أبو تمام: كل حربٍ عليهم ومعهم، وأن كل سيف يقاتلهم ليسلبهم عزهم؛ وفي مثل ذلك يقول رجل من بني أبي بكر بن كلاب، أنشدناه محمد بن يزيد النحوي:

تَرْضَى الملوكُ إذا نَالتْ مقاتِلنَاويأخُذُون بأعْلَى غَايةِ الحسَبِ
وكلُّ حَيٍّ من الأَحياءِ يَطلُبُناوكلُّ حيٍّ له في قتلِنا أَرَبُ
والقتْلُ مِيتَتُنا والصَّبْرُ شِيمتُناولا نُراعُ إذا ما احْمرَّتِ الشُّهُبُ

وأراد مع ذلك أنهم لا يموتون على الفرش - والعرب تعير بذلك - وأن السيوف تقع في وجوههم ورؤوسهم لإقبالهم، ولا تقع في أقفائهم وظهورهم لأنهم لا ينهزمون، ولذلك قال كعب ابن زهير في قصيدته التي امتدح بها النبي ﷺ فآمنه بها بعد أن كان نذر دمه، وأولها:

بانَتْ سُعادُ فقلْبِي اليومَ مَتْبولُمُتَيَّمٌ إِثرَهَا لم يُفْدَ مَكْبُولُ
للشاعر المدائح النبوية، من قصيدة «بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ»

فقال فيها يمدح قريشاً:

لا يقعُ الطَّعنُ إلا في نحورِهمِليسَ لهم عن حيِاضِ الموت تَهْليلُ
للشاعر معروف النودهي، من قصيدة «دمي ودمعي مدرارٌ ومطلول»

فلم لم يعيبوا هذا الشعر على كعبٍ، وقد سمعه النبي ﵇ وأثاب عليه؟ حدثني محمد بن العباس قال، حدثنا أبو حاتمٍ عن أبي عبيدة قال: فخر رجل من ولد حبيب بن عبد الله بن الزبير فقال: أنا أعرق الناس في القتل، قتل لي خمسة آباءٍ متصلين. وقال آخر:

قَومٌ إذا خَطَر القَناجَعلُوا الصُّدورَ لها مَسالِكْ
لبِسُوا القلوبَ على الدُّرُوعِ مُظاهِرينَ لدفْعِ ذلِكْ

حدثني أبو عمر بن الرياشي قال، حدثنا أبي عن الأصمعي عن أبي عمرو قال: لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل أخيه مصعبٍ وصبره في الحرب، قال: إنا والله لا نموت حبجاً كما تموت بنو أمية، إنما نموت قعصاً بالرماح، وتحت ظلال السيوف. فلو كان هذا عاراً ما فخر به. وممن عير بالموت على الفراش سهم ابن حنظلة قال يعير طفيل بن عوف:

بِحَمْدٍ من سِنانِكَ غَيْرِ ذّمٍأبا قُرَّانَ مُتَّ على مِثال

ومما يروى للسموؤل وهو للحارثي:

تَسيلُ على حَدِّ السُّيوفِ نُفوسُنَاوليسَتْ على غيرِ الحديدِ تَسيلُ
يُقَرِّبُ حُبُّ الموتِ آجالنَا لَناوتكْرَهُهُ آجالُهم فتطولُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»
وما ماتَ منا سَيدٌ في فراشِهِولا طُلَّ منا حَيْثُ كانَ قتيلُ

وجعل آخر نفوسهم غذاءً للمنايا فقال:

وإنَّا لَتَسْتَحْليِ المنايا نُفوسَناوتَتْرُكُ أُخرَى مُرّةً ما تَذُوقُها
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
لنا نَبْعَةٌ تَهْوَى المنيَّةُ رَعْيَهَافَقَدْ ذَهَبتْ إلا قليلاً عُرٌوقُها

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ما جاء في تفضيل أبي تمام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.