من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)
المآخذ على شرح الكندي الموسوم بالصفوة
﷽
هذه مآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي في أبيات أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي.
وأقول: إن الشيخ ﵀ ذكر هذه الألفاظ في الحواشي، وذلك أن القاضي الفاضل سأله فيها فأجابه إليها وكتبها بخطه وأهداها له، فلم يزد فيها من عنده على من قبله من الشراح إلا الشيء اليسير، وقد ذكرت ما وقع لي في ذلك فمنه قوله:
يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتِيحَ لهاكما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا
قال: تمنى أن يفديه من شربة أصابته في وجهه في بعض حروبه، وأضاف اسم الممدوح إلى الضربة لما كسب بها من الحمد.
وأقول: كيف تمنّى أن يفدي الممدوح من ضربة لم تؤثر فيه؛ بل هو أثر فيها واكتسب بها شرفا وحمدا؟! إنما يتمنى المحب أن يفدي من يحبه من شيء تألم به وضره وآذاه؛ فهذا، على ما قال، دعاء عليه لا دعاء له!
وقوله:
أثَّرَ فيها وفي الحَديدِ وَمَاأثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
قال: ادعى التأثير في العرض مجازا شعريا. ويمكن أن يحمل على أن تأثيره في الضربة ردها عن إزهاق نفسه وفي الحديد تغليل السيف المضروب به. وقوله:
...... وماأثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
أي: لم تشنه بل حسنته بالفخر، فان العرب تفتخر بالضرب في الوجوه، وتسب بالضرب في الظهور.
وأقول: أن أبا الطيب بالغ في القول فعكس القضية، وذلك أن من عادة الحديد والضرب أن يؤثر في المضروب ويكسبه بتأثيره فيه، فخرا وشرفا فجعل أبو الطيب أن الممدوح أثر في السيف، وفي الضربة، وكسبها زينة وشرفا وجعل الجراح تحسدها في قوله:
فاغْتَبَطَتْ إذْ رأتْ تزيُّنَهَابمثلهِ والجراحُ تَحْسُدُهَا
وهذه طريقة له مشهورة في المبالغة، من ذلك قوله:
طِوالُ الرُّدَينياتِ يَقْصِفُها دَمِيوبِيضُ السُّرَيْجِيَّاتِ يَقْطَعُهَا لَحْمِي
وقوله:
ولعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ ما أبْلُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ
قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه. ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا أمن الإلباس، فإذا خيف اللبس لزم الأصل، وهاهنا يقع اللبس لأنه يجوز أن يريد: أن الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي.
وقد روي عن المتنبي إنه سئل عنه فقال: لم أقل الا:
ولعلِّي مُبَلَّغٌ بعض ما آمُلُ
أي: أملي فوق ذلك.
وأقول: لا يحسن أن يكون إلا:
ولعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ ما أبْلُغُ
وذلك أن قرنه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي: بلطف الله وتيسيره أبلغ فوق ما آمل. ولا يحسن أن يقال: بلطف الله أمل فوق ما ابلغ أو ابلغ بعض ما آمل، هذا لا يقوله محصل، فالرواية عن أبي الطيب غير صحيحة، والبيت مستو غير مقلوب، والمقلوب فهم الرواي!
وقوله:
كَيْفَ أُكَافِي عَلَى أجَلِّ يَدٍمَنْ لا يَرَى أنَّهَا يَدٌ قِبَلِي
قال: أكافي: محذوف الهمزة، والمعنى: لا يعتد أجل نعمة له عندي نعمة، احتقارا لها في جنب منزلتي عنده.
وأقول: لم يحذف الهمزة وإنما قلبها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وقوله: لا يعتد اجل نعمة له عندي نعمة احتقارا لها إلى هاهنا تم الكلام والمعنى.
وقوله: في جنب منزلتي نقض للمعنى! والجيد إطلاق النعمة من غير اشتراط منزلة أحد من الناس.
وقوله:
أحْبَبْتُ بِرَّكَ إذْ أرَدْتُ رَحِيلافوجَدْتُ أكْثَرَ ما وَجَدتُ قَلِيلاَ
وتمام القطعة وهي أربعة أبيات.
قال: هذه القطعة تحتمل تأويلين:
أحدهما: أن المتنبي أهدى لصديقه شيئا كان الصديق أهداه له.
والآخر: أن يكون جعل ما من عادة صديقه أن يزوده به عند فراقه، ويهديه إليه هدية منه له؛ أي: سأله أن لا يتكلف له.
وأقول: إن أبا الطيب مستحيل أن يهدي لأحد شيئا، أو يسأله ترك التكلف له، وهو يرى إنه مع بذل الجهد مقصر عما يستحقه. والمعنى قد ذكرته فيما قبل.
وقوله:
بما بَيْنَ جَنْبَيَّ التي خَاضَ طَيْفُهَاإليَّ الدَّيَاجي والخَلِيُّونَ هُجَّعُ
قال: لا معنى لتخصيصه إياهم بالنوم دون نفسه؛ لأن الخيال إنما يزوره وهو نائم، وما أعلم أحدا أخذ عليه هذا المعنى غيري!
وأقول: إن قوله: ما أعلم أحدا أخذ عليه هذا المعنى غيري عجيب!!
وهذا الواحدي تفسيره أيسر وأشهر من الشمس، وهو ينقل منه دائما، قد ذكره وقال: إن هذا كالمضادة، لأن الخليون وإن كانوا نياما فهو أيضا نائم حين رأى خيالها، ولكن يجوز أن يكون نومه نعسة خفيفة وغيره نام جميع ليله.
ولعل الشيخ لم يقف على هذا الموضع، والجيد أن لا يكون أخذ عليه لأن هذا
الأخذ غير صحيح، وبيانه: إنه لم يرد تخصصهم بالنوم دونه، ولا إدخالهم في شيء خرج منه، وإنما قال: أفدي بقلبي التي خاض طيفها إلي الدياجي، واللوام، أو العذال الخليون من الهوى، هجع؛ أي: غافلون عنه بنومهم، وهذا من قول بعضهم: الرمل
رَاقَبَ الفُرْصَةَ حتى أمْكَنَتْورَعَى السَّامِرَ حتى هَجَعَا
ويحتمل وجها آخر وهو إخباره إنه نام ونام الخليون فخضه بالزيارة دونهم وقد اشتركا في سبب الزيارة فهو يفديه لذلك الاختصاص.
وقوله:
رَمَاني خِسَاسُ النَّاسِ من صائبِ أسْتِهِوآخَرُ قُطْنٌ من يَدَيْهِ الجَنَادِلُ
قال: قال ابن جني والربعي جميعا: أي: من ضعفه لا يتعدى رميه أسته.
وقال شيخنا الشريف ابن الشجري: إنما هذا مثل؛ أي: رماني بعيب هو فيه لأنه
ذو ابنة فكأنه أراد إصابتي فأصاب أسته!
وأقول: إن هذه الأقوال ضعيفة وأضعفها قول ابن الشجري: رماني بعيب هو فيه؛ أي: رماني بالابنة.
والمعنى إنه رماني بسهم من عيب فرد عليه أقبح رد؛ كأنه يقول: أنا ليس في عيب
فغلبني عائب نفسه أقبح عيب.
وقوله:
أبْدَيْتِ مثلَ الذي أبديتُ من جزعٍولم تُجِنِّي الذي أجنَنْتُ من ألمِ
قال: ناقض في هذا البيت بما أخبر به عنها في قوله:
تَنَفَّسَتْ عن وفاءٍ غَيرِ مُنْصَدعٍيَوْمَ الوَدَاعِ وشَعْبٍ غير مُلْتَئِمِ
وأقول: لم يناقض! وقد بينته فيما قبل.
وقوله:
ورَبَّ مَالٍ فَقِيراً من مُرُوَءتِهِلم يُثْرِ منهَا كما أثْرَى من العَدَمِ
قال: ورب مال منصوب بأرى؛ يعني عطفا على ما قبله وهو:
أرَى أُنَاساً ومَحْصُولي على غَنَمٍ .........
وفقيرا حال؛ أي: إذا كان رب المال لا مروءة له، فإثراؤه من العدم لا من الوجود.
وأقول: إن قوله: فقيرا: حال وهم، لأنه بعد نكرة، والصحيح إنه صفة لرب مال، وإنما أوقعه في ذلك إنه رأى: أرى من رؤية العين لا تتعدى إلى مفعولين، ورأى فقيرا منصوبا فظن إنه حال، وذلك جائز في الضرورة، وأما مع الاختيار فلا.
والمعنى إن رب المال إذا كان فقيرا من المروءة بخل بماله، فلا ينتفع به ولا ينفع، فيكون وجوده كعدمه، والعدم اصلح!
وقوله:
وَجَدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُولا الصَّبَابةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ
قال: أي: امتلأت القلوب بالفرح، فلا غم يغلبه، ولا صبابة شوق تجاوره.
وأقول: إنه كرر الألفاظ المنظومة منثورة، وكلاهما محتاج إلى شرح، وقد ذكرته قبل.
وقوله:
في فَيْلَقٍ من حَديدٍ لو قَذَفْتَ بهصَرْفَ الزَّمَانِ لما دارَتْ دَوَائِرُهُ
قال: أي: لبهت الزمان وتحير ولم تتغير على أحد به حال.
وأقول: إنه بالغ في القول! وذلك إن أوفى ما يوصف عندهم بالإقدام والإهلاك صرف الزمان، ولهذا قال سبحانه حكاية قولهم: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)، فقال: إن فيلق الممدوح، وهو جيشه العظيم، لو رمي به صرف الزمان، الذي هو أعظم الأشياء، لما دارت على أحد دوائره؛ أي: أحداثه ونكباته، ولشغله ما يلقاه منه عن التعرض لغيره.
وقوله:
رأيْتَ ابنَ أمِّ المَوْتِ لو أنَّ بأسَهُفَشَا بينَ أهلِ الأرْض لانْقَطَعَ النَّسْلُ
قال: جعله أخا الموت لكثرة قتله أعداءه، ولو فشا باسه لفنوا بقتل بعضهم بعضا.
وأقول: إن قوله: لفنوا بقتل بعضهم بعضا ليس بشيء! والصحيح ما ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله:
ولولا تَوَلِّي نَفْسِهِ حَمْلَ حِلْمِهِعَنِ الأرْضِ لانْهَدَّتْ وناَء بها الثُّقْلُ
قال: بالغ في وصف حلمه بالرزانة.
قال: والمعنى: إنه لو كان جسما لهد الأرض ثقله.
وأقول: إنه قصر في العبارة عن المعنى، وقد ذكرته قبل.
وقوله:
اليَوْمَ عَهْدُكُمُ فأيْنَ المَوْعِدُهَيْهَاتَ لَيْسَ ليَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ
قال: يعني بالعهد الوداع، ونعى نفسه إلى نفسه يأسا من حياته بعدهم فلا غد له.
وقوله: فأين الموعد؟ استبعاد، ولو قال: متى مكان أين لكان أحسن.
وهذا الذي ذكره الجماعة قبل، وجاء الكندي بعد فتبعهم فيه.
وأقول: إن كثيرا من الناس يتبع بعضهم بعضا في الخطأ استرسالا من غير تأمل
ولا تدبر، فلا أشبههم بالعميان المتتابعين المتصلين حبلا؛ يعثر الأول منهم بحجر صغير، أو يقع في حفر قصير، فلا يتكلم خبثا ولعنة ويتتابعون كذلك، وذلك انهم علموا بالوقوع ولم يتكلموا، ولكن أشبههم بالذباب الذي يقع في اللبن، أو الفراش الذي يلقي نفسه في النار ولا يعلم!
ومعنى هذا البيت وتقديره إنه سال قبل ذلك أحبته: متى الوصال؟ فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ أي: في أي مكان. فلا يجوز هاهنا متى كما ذكر، لأنهم قد عينوا له الزمان بقولهم: في غد، فلما حضر سال بأين عن المكان الذي يكون فيه الوصل فلما تبين له خلف موعدهم قال:
......هيهات! ليسَ ليومِ عَهْدِكُمُ غَدُ
وهذا مثل قول بعضهم:
في كُلِّ يومٍ قائِلٌ ليَ في غَدٍيَفْنَى الزَّمَانُ ومَا تَرَى عَيْني غَدا
وقوله:
الموتُ أقْرَبُ مِخْلباً من بَيْنَكُمْوالعَيْشُ أبعَدُ منكُمُ لا تَبْعُدُوا
قال: أي أموت قبل فراقكم خوفا منه، فإذا بعدتم كان العيش أبعد منكم لأن بكم الحياة.
وأقول: هذه عبارة قاصرة، وألفاظ عن بيان المعنى ناقصة، وهو ما ذكرته في
شرح ابن جني.
وقوله:
نَظَرَ العُلُوجُ فَلَمْ يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْلمَّا رَأوْكَ وقيل هَذَا السَّيَّدُ
قال: نظروا إليه نظر مبهوت للعظمة والجمال، فلبرق أبصارهم لم يروا أحدا.
وأقول: بل لاحتقار من دونك لم يروه بالإضافة إليك لاشتغالهم بعظمتك لم ينظروا إلى من سواك، ولا حاجة إلى ذكر البرق.
وقوله:
أيامَ فِيكَ شُموسٌ ما انْبَعَثْنَ لناإلاَّ ابْتَعَثْن دماً باللَّحْظِ مَسْفُوكا
قال: أي ما تحركن في ذهاب ولا مجيء إلا أبكيننا دما صبيبا بلحظنا إياهن.
وأقول: بل بلحظهن إيانا! وذلك إن اللحظ مصدر أن جعل من العشاق فهو على ما قال، وإن جعل من الشموس، وهن النساء، فهو على ما قلت، وهو الأحسن؛ أي: يسفكن دماءنا بسيوف لحاظهن.
وقوله:
أحْيَيْتَ للشُّعراءِ الشِّعْرَ فامتَدَحُواجَمِيعَ من مَدَحُوه بالذي فيكَا
ذكر في شرحه ما هو غير مرضي، والمرضي، ما ذكرته في شرح الواحد.
وقوله:
ولا الدِّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهَاتَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ
قال: قوله: ولا الديار عطف على الشوق، أي: ولا تقنع الديار مني به أيضا وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال:
......تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ
أي: الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، وأنا لا أشكو، لأني كتوم لأسراري، أو لجلدي، أو لأن الشكوى لا تجدي، وشكوى الدار إليه بلسان الحال.
وأقول: هذا الذي ذكره قول ابن فورجة، ورد قول ابن جني وهو صحيح؛ قال: لم يبق فيّ فضل للشكوى، ولا في الديار، لأن الزمان أبلاها. وهذا القول عطف جملة على جملة، والقول الأول عطف مفرد على مفرد، وقد ذكرت ما في ذلك في شرح الواحدي.
وقوله:
وأينَ زَفَراتي من كَلِفْتُ بهوأيْنَ منك ابنَ يَحْيَى صولةُ الأسَدِ
قال: أنكر أن يكون الحبيب يعرف حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح.
وأقول: التقدير الصحيح: فأين من زفراتي زفرات من كلفت به، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله في المصراع الثاني:
......وأيْنَ مِنْكَ ابنَ يحْيَى صَوْلةُ الأسَدِ
أي: أين من صولتك صولة الأسد.
وقوله:
وفَشَتْ سَرَائِرُنَا إليْكَ وشَفَّنَاتَعْرِيضُنَا فَبَدَا لكَ التَّصْريحُ
قال: اختار ابن جني، بعد أقوال ذكرها، أن يكون المعنى: لمّا جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح فانهتك الستر.
قال: والصحيح إن الكتمان هزاه فصار الهزال صريح المقال؛ لأنه استدل بالهزال على ما في القلب من الهوى، فناب عن التصريح.
وأقول: المعنى محتمل أن يقال: كنا نسر حبك منك ففشا اليك، وقد شفنا التعريض لك، أي: جهدنا وشق علينا، فاضطرنا إلى التصريح لك بالهوى. فإن كان ابن جني أراد انهتاك الستر للمحبوب فقد أصاب، وإن كان أراد للناس فقد أخطأ، ولكن الجيد ما ذكره الشيخ وهو قول الواحدي.
وقوله:
وكُنْ كالمَوْتِ لا يَرثي لِبَاكٍبَكَى منه وَيَرْوَى وَهْوَ صَادي
قال: جعل الموت ريان صاديا على المجاز؛ أي: يشرب من دمائهم ما يروي مثله من مثله وهو من حرصه كالصادي.
وأقول: لا معنى هاهنا لشرب الموت الدماء، وإنما جعل كثرة الإهلاك للموت بمنزلة كثرة الماء للصادي، لكن الصادي يرويه كثرة الماء، والموت لا يرويه كثرة الإهلاك لأنه أخذ في الشرب لم ينقطع.
وقوله:
فإنَّ الماَء يَخْرُجُ من جَمَادٍوإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ
قال: أي: إن العدو يخفي فتكمن في الوداد كمون الماء في الجماد، والنار في الزناد.
وأقول: هذا البيت مرتب على ما قبله؛ يقول: لا تغتر بلين القول من العدو، فإنه يخرج من قلب قاس، كما إن الماء يخرج من الصخر، ولا تحقر منه خاملا ضئيلا فربما كبر أذاه وازداد حتى يلحقك ضرره، كالنار تخرج من عود، وقد ذكرته قبل.
وقوله:
ذِرَاعاهَا عَدُوَّا دُمْلَجَيْهَايَظُنُّ ضَجِيعُهَا الزَّنْدَ الضَّجِيعَا
قال: أفرط حتى لو دخل ذلك في الإمكان لخرج إلى الذم، والذراع ليس بمحل للدملج.
وأقول: إن أبا الطيب لم يجهل أن الذراع ليس بمحل للدملج، وإنما قوله:
ذِرَاعَاها عَدُوَّا دُمْلَجَهَا .........
إخبار عن عظم معصمها، وإن دملجها لو وضع موضع السوار من معصمها
لانفصم من غلظه!
وقوله:
وقد تَوَالى العِهَادُ منهُ لَكُمْوجَادَتِ المَطْرةُ التي تَسِمُ
قال: ويروى وجازت بالزاي، ويكون البيت، حينئذ، تقاضيا لطيفا؛ أي: المطرة التي تسم، وهي القصيدة التي القصيدة الأولى قبلها، كنت استمطر العطاء بها وقد تأخر.
ومن روى جادت بالدال فقد أراد هذه القصيدة.
وأقول: هذا التفسير على أن الضمير في منه راجع إلى قوله قبل: فمدحكم، وليس كذلك بل الضمير راجع إلى قوله: في الفعل أي: فعلكم منه جود أول فهو كالوسمي وما بعده، متواليا، كالعهاد، وهي الولي وما بعده من المطر، يتعهد الأرض بالري. وعلى هذا التفسير يتساوى المعنى في: جادت وجازت وقد ذكرته قبل.
وقوله:
إلى اليَوْمِ ما حَطَّ الفِداءُ سُرُوجَهُمُذُ الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ
قال: سار خبر مبتدأ محذوف والغزو مبتدأ خبر محذوف.
وأقول هذا التفسير كأنه ذكره الأول ثم تتابعوا في أثره من غير تأمل كما ذكرت لك!
وأقول: ما المانع أن يكون سار خبر الغزو ولا يحتاج إلى تقدير محذوفين في مكان واحد، ويكون مثل قولهم: ليل نائم ونهار صائم؛ أي ينام فيه ويصام، وكذلك الغزو يسرى فيه ويسرج ويلجم.
وقوله:
أسَفي على أسَفِي الذي دَلَّهْتنيعَنْ عِلْمِهِ فَبهِ عَلَيَّ خَفَاءُ
والبيت الذي بعده. نقل شرحهما من قبل غيره وهو خطأ وقد ذكرت ما فيهما في شرح الواحدي.
وقوله:
أنْسَاعُهَا مَمْغُوطة وخِفَافُهَامَنْكُوحَةٌ وطَرِيقُهَا عَذْرَاءُ
إن قيل: إن جعله الطريق إلى الممدوح عذراء، لم تفتتح بالسير إليه، غير حسن، والجيد في هذا قول زهير:
قَدْ جَعَلَ المبتَغُونَ الخَيْرَ في هَرمٍوالسَّائلونَ إلى أبْوَابهِ طُرُقَا
وقد قال في موضع آخر موافق زهيرا:
قُصِدْتَ من شَرْقِهَا ومَغْرِبِهَاحَتَّى اشْتَكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ
قيل: لم يرد الطريق إلى الممدوح، وإنما وصف أحواله في سفره، وما يقاسي من خطره، وإن الليالي قد ألجأته إلى سلوك الفيافي المقفرة، والطرق الموحشة.
وقوله:
من يَظْلِمُ اللؤمَاَء في تَكْلِيفِهمْأنْ يُصْبِحُوا وَهُمُ له أكْفَاءُ
قال: ليس عندي في هذا البيت مدح له بل لو قال: الكرماء لكان مدحا.
وأقول: إن هذا البيت موطئ لما بعده وهو قوله:
وَنَدِيمُهُمْ وبه عَرَفْنَا فَضْلَهُوبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ
فلو قال: الكرماء لفسد المعنى.
وقوله:
ولك الزَّمَانُ من الزَّمَانِ وقَايةٌولك الحِمَامُ مِن الحِمَامِ فِداءُ
قال: دعا له أن يهلك الزمان قبله وأن يموت الموت.
وأقول: إنه دعا له أن يقيه الزمان من نفسه بنفسه، وان يفديه الحمام من نفسه بنفسه، فهذه العبارة أحسن وأسلم وأشبه بلفظ البيت من غير ان يتعرض لذكر لفظ
الهلاك قبل الزمان أو بعده.
وقوله:
وقالُوا: هَلْ يُبَلِّغُكَ الثُّرَيَّافقلتُ: نَعَمْ إذا شِئتُ اسْتِفَالاَ
قال: درجته عند الممدوح أعلى من الثريا فلو بلّغه، على قولهم، الثريا لكان ذلك انحطاطا عن منزلته عنده.
وأقول: الجيد في هذا إنه مثل قوله:
فَوْقَ السَّماءِ وفَوْقَ ما طَلَبُوافإذا أرادوا حَاجَةً نَزَلُوا
أي: أنا بخدمته فوق الثريا، فإذا أراد أن يبلغني إياها نزلت إليها.
وقوله:
أجِدُ الجَفَاَء على سِوَاكِ مُرُوءةًوالصَّبْرَ إلاَّ في نَوَاكِ جَمِيلاَ
قال: يعني تجافيه النساء لعفته عنهن ومروءته.
فيقال له: فمن تمام العفة والمروءة أن يتجافى، أيضا، عن هذه التي استثناها! وهذا الذي ذكره لم يرده، وإنما أراد: أني أرى الجفاء على سوى الحبيب مروءة لأن الغدر
مواصلة غيره، والوفاء هجر من سواه.
وكذلك قوله: والصبر؛ يقول: إن الصبر في كل شيء إلا في فراق الحبيب فإنه قبيح كقول عتي بن مالك العدوي:
أعَدَّاءُ ما وَجدي عليكِ بِهَيِّنٍولا الصَّبْرُ إنْ أعْطِيْتُهُ بِجَميلِ
وكقول ديك الجن، وبالغ:
ومَا الإثمُ إلاَّ الصَّبْرُ عنك وإنماعَوَاقِبُ حَمْدٍ أنْ تُذَمَّ العَواقِبُ
وقوله:
ما قُوبِلَتْ عَيْنَاهُ إلاَّ ظُنَّتَاتَحْتَ الدُّجَى نَارَ الفَرِيقِ حُلولاَ
قال: لو قدر أن يقول نارين، بالتثنية، كان أحسن.
وأقول: إنما شبه عينيه في الدجى بالنار للإضاءة، فكل واحدة منهما تشبه النار في النور، فجعلهما كنار الفريق، وهو القطعة من الناس يكون لهم نار واحدة فهي أقوى من غيرها.
وقوله:
سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبِحَالِهِفَنَجا يُهَرْوِلُ منك أمْسِ مَهُولا
قال: ليس في ابن عمته تحقيق نسب، لا ولو قال (أخوه)، وإنما أراد واحدا من جنسه.
فيقال له: لا بد أن يكون الاختصاص بالذكر لأمر أما معنوي أو لفظي، فتخصيص ابن العمة دون ابن الخالة وغيره، بالمعنى، مستحيل فلم يبق إلا اللفظ وهو استعمال العرب له؛ قال أبو زبيد:
أفَزَّ عَنْهُ بَنِي العَمَّاتِ جُرْأتُهُفكلُّها خاشِعٌ منه ومُكْتَنِعُ
وقوله:
وتَوَقَّدَتْ أنفاسُنَا حتى لقدأشْفَقْتُ تَحْتَرِقُ العَواذِلُ بَيْنَنَا
قال: وعذر الإشفاق هاهنا، والعواذل لا يشفق عليهن، خوفه أن ينم عليهما الاحتراق فيطلع على حالهما.
فيقال له: ولم لا يشفق على العواذل وهن إنما يعذلن على وجه الشفقة والمحبة؟ أما في إتلاف المال كقوله:
وعَاذلةٍ هَبَّتْ عليَّ تَلُومُنِيكأنِّي إذا أتْلَفْتُ مالي أضِيمُهَا
أو على الغي في ارتكاب اللهو والباطل كقوله:
بكَرَ العوَاذِلُ في الصَّبُوحِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ
فإن قال: العواذل لا يشفق عليهن لأجل عذلهن له على الهوى فيقال: لم يبلغ ذنبهن بالعذل إلى إحراقهن، ويكفي في ذلك، الإعراض عنهن واطراح قولهن.
وقوله:
أضْحَى فراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقُوبةًلَيْسَ الذي قَاسَيْتُ منه هَيِّنَا
قال: الذي في (عليه) يرجع إلى ما فعلته مما أنت كارهه، والضمير في (منه) يرجع إلى الفراق.
وأقول: أن الضمير في (عليه) و (منه) راجع إلى الفراق؛ أي: عوقبت بفراقك على فراقك، لكوني لم أمض في صحبتك، فليس الذي قاسيت منه؛ أي من فراقك، هينا بل صعبا، فهذا ذنبه إليه ليس له ذنب سواه.
وقوله:
سَأشْرَبُ الكَأسَ من إشَارَتِهاودَمْعُ عَيْني في الخَدِّ مَسْفُوحُ
قال: إنما ذكر بكاءه عند شربه الكأس لأنه كره الشرب ولم يقدر على مخالفة الإشارة ولا الخروج عن موافقة الممدوح.
وأقول: لم يذكر البكاء لذلك، وإنما ذكره لحبه اللعبة إذ هي بمنزلة الإنسان، وقد قال:
......في القَلْبِ من حُبِّهَا تَبَارِيحُ
فما هذا التغفل والتكلف؟!
وقوله:
ألاَ لاَ أُرِي الأحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّافما بَطشُهَا جَهْلاً ولا كَفُّهَا حِلْمَا
قال: لا تحمد الأحداث ولا تذم لأنها لا توصف بحلم ولا بجهل، وإنما الله تعالى هو المصرف لها.
وقوال الواحدي: يعني إن الفعل في جميع ذلك لله لا لها، وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا.
وأقول: إن الأحداث هي حوادث الزمان وما يتجدد فيه من الأحوال. يقول: لا
أحمدها على كفها عن أذى، لأن ذلك ليس عن حلم، ولا أذمها على سرعة إيقاع فعل؛ لأن ذلك ليس عن جهل؛ يعني إن الحمد والذم إنما يتوجه إلى العاقل، وحوادث الزمان ليست كذلك، وهذا الكلام فيه ذم لأحداث الزمان على ما أحدثته من هلاك جدته، وإن زعم إنه لا يحمدها ولا يذمها، وهذا كما يقال: فلان لا أحمده لأنه لا يكف عن حلم، ولا أذمه عن غضب، وفي هذا بيان نقصه، ووصفه بوضعه الشي في غير موضعه.
وقوله:
منافِعُهَا مَا ضَرَّ في نَفْعِ غَيْرِهاتَغَدَّى وتَرْوَى أنْ تجوعَ وأنْ تَظْمَا
قال: يقول: أنها ترى منفعة نفسها أن تنفع غيرها وإن عاد ذلك بالضرر عليها، فهي تطعم وتجوع، وتروي وتظمأ، وفسر النصف الآخر النصف الأول.
وأقول: إن هذا التفسير على أن الضمير عائد على الجدة، وهو قول ابن فورجة، وقد ضعفه الواحدي وقال: الوجه رد الكناية إلى الأحداث أو الليالي لا إلى الجدة،
والمعنى منافع الليالي في مضرة غيرها من الناس. وجعل الضمير في أن تجوع وأن تظمأ للمخاطب، وجوّز عوده إلى الليالي، وروى:
...... ......... أن نَجُوعَ وأنْ نَظْمَا
بالنون.
وقوله:
مَنْ لي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعيأنْ يَحْسُبَ الهِنْديَّ فِيهِمْ بَاقِلُ
قال: قال ابن جني ردا على المتنبي: أن باقلا لم يؤت من سوء حسابه، وإنما أتي من سوء عبارته، والعذر للمتنبي ظاهر، وهو إنه لولا سوء حسابه، وجهله به كان عقد ببنانه ثمن الظبي فلم يفلت منه فصح جهله بالحساب، وهذا الرد لي على رد ابن جني.
وأقول: إن هذا الرد على ابن جني قد سبقه إليه الواحدي فقال: - ويعني ابن جني - ليس كما قال، فأن باقلا كما أتى من سوء البيان أتى من سوء الحساب بالبنان فإنه لو ثنى من سبابته وإبهامه دائرة وثنى من خنصره عقدة لم يفلت منه الظبي فصح قوله في نسبته إلى الجهل بالحساب.
ولعل الشيخ لم يقف عليه مع كثرة وقوفه على شرحه ونقله منه.
وقوله:
قَدْ كنتُ أشْفِقُ من دَمْعي على بَصَريفاليومَ كلُّ عَزِيزٍ بعدَكُمْ هَانَا
قال: هان عليه فقد بصره بعد عزته، وإنما كان عزيزا عنده زمان وصالهم وأما بعد الفراق فهو هين.
وأقول: إنه لم يحسن العبارة، والجيد أن لو قال: معنى قوله:
قد كنتُ أشْفِقُ من دمعي على بَصَري .........
لأني كنت أراكم به، فأما وقد غبتم عنه فلا أشفق عليه أن يضر به الدمع، وأن يذهب نوره البكاء، وهان عندي بعد عزته، ومن هذا قول بعضهم وإن كان قد عكسه:
وأخْشَى على عَيْنَيَّ من كَثْرَةِ البُكَاإذا الدَّمْعُ أفْنَتْهُ وأسْبَلَتِ الدَّمَا
وما بِيَ إلاَّ خَوْفُ أنْ لا تَراكُمُوإلاَّ فَما بالعَيْنِ شَرٌّ من العَمَى
ومثله قول ابن جني:
صُدودكَ عَنِّي ولا ذَنْبَ لييَدُلُّ على نِيَّةٍ فَاسِدَهْ
فَقَدْ - وحَيَاتِكَ - ممَّا بَكَيْتُخَشِيتُ على عَيْنِيَ الوَاحِدهْ
ولولا مَخَافَةُ أنْ لا تَراكَلما كانَ في تَرْكِهَا فائِدَهْ
وقوله:
ليسَ التَّعَجُّبُ من مَوَاهِبِ مَالِهِبَلْ من سَلامَتِهَا إلى أوْقَاتِهَا
قال: العجب من سلامة المواهب إلى أوقات بذلها.
وأقول: إنه بتر قول الواحدي فلم يتبين المعنى، وذلك إنه قال: لسنا نعجب من كثرة مواهبه وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأن ليس من عادته الإمساك.
وقوله:
شَدِيدُ الخُنْزُوَانَةِ لا يُبَاليأصَابَ إذا تَنَمَّرَ أمْ أُصِيبَا
قال: حذف همزة الاستفهام لدلالة (أم) عليها.
وأقول: إن الهمزة لم تحذف على لغة من قال: (صاب)، وقد قال هو:
...... فَصَابنيسَهْمٌ يُعذِّبُ
وقوله:
كأنَّ نُجومَهُ حَلْيٌ عَلَيْهِوقَدْ حُذِيَتْ قَوائِمُهُ الجَبُوبَا
قال: الجبوب: الأرض؛ جعلها قوائم لليل اتساعا.
وأقول: لم يجعلها قوائم، وإنما جعلها حذاء لقوائم الليل استعارة وإشارة إلى طول الليل وبطئه، وذلك حذاء ثقيل لا يستطيع لابسه المشي به.
وقوله:
كأنَّ دُجَاهُ يَجْذِبُهَا سُهَادِيفَليسَ تَغِيبُ إلاَّ أنْ يَغِيبَا
قال: سهاده وظلمة الليل يتجاذبان، فلا يخلي أحدهما الآخر، ولا يغيب هذا حتى يغيب هذا.
وأقول: المعنى؛ ان سهادي ثابت لا يزول فكأنه متصل بالليل يجذبه فلا يغيب؛ أي: فلا يزول حتى يزول؛ فهما كالسبب والمسبب لا ينفصل أحدهما من صاحبه.
وقوله:
وطَعْنٍ كأنَّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَهُوضَرْبٍ كأنَّ النَّارَ من حَرِّهِ بَرْدُ
قال: وطعن مجرور بالعطف على ومشائخ وكان يجب أن يكون اسم كأن مضمرا، ولكنه أوقع الظاهر موقع المضمر.
وأقول: إنه أنشدني، وقت القراءة عليه، استشهادا على هذا التفسير:
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئاًنَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا
وغير هذا التقدير أولى منه للضرورة التي فيه، وهو أن يقول: كأن طعن الناس عنده؛ أي: بالإضافة إليه، ولا طعن؛ لشدته وضعف غيره عنه، أو لسرعته فكأنه لا يدرك.
وقوله:
تَلَجُّ جُفُوني بالبُكاءِ كأنَّماجُفُوني لِعَيْنَي كُلِّ باكِيَةٍ خَدُّ
قال: أي: لا تخلو جفونه من بكاء ودمع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.
وأقول: هذا قول ابن جني، نقله وليس بشيء!
والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع، يقول: كأنما يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية من دمعها.
وقوله:
فلا زِلْتُ ألْقَى الحاسِدينَ بِمِثلِهَاوفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ
قال: الضمير في مثلها يعود على العطايا، ودخل البيت الآخر في الدعاء له بالأخذ وعليهم بالجحد.
وأقول: إن قوله:
......وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرِّفْدُ
والبيت الآخر... إلى آخره...، في موضع الحال من الضمير في (ألقى). ولا أقول أن ذلك دعاء بل خبر.
وقوله:
فَشِمْ في القُبَّةِ المَلِكَ المُرَجَّىفأمسَكَ بَعْدَما عَزَمَ انسِكَابَا
قال: عزم: يتعدى بحرف الخفض وهو الأصل، وقد يحذف الحرف فيتعدى بنفسه.
وأقول: إن كان أراد بأن عزم تعدى هاهنا إلى انسكابا تعدي المفعول به فليس كذلك، لأن انسكابا هاهنا مصدر في موضع الحال.
وإن أراد غير ذلك فلا فرق بينه وبين غيره من الأفعال في حذف الجار وإيصال الفعل إلى ما بعده اتساعا.
وقوله:
أعْلَى قَنَاةِ الحُسَين أوْسَطُهَافيه وأعلْى الكَمِيِّ رِجْلاهُ
قال فيه: يعني المأزق؛ يريد أن الرمح ينفذ في الكمي ثم يروم حمله به فينأطر للينه حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس، وإلى هذا أشار امرؤ القيس:
......أرْجُلُهمْ كالخَشَبِ الشَّائِلِ
وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أقرب إلى الحقيقة، وذلك أن ينكسر الرمح في المأزق بالطعن أعلاه أوسطه، وإن ينكس الكمي بالطعن فيصير أعلاه رجلاه.
وقوله:
إذا مَرَرْنَا عَلَى الأصَمِّ بهاأغْنَتْهُ عن مِسْمَعَيْهِ عَيْنَاهُ
قال: يعني إنها خلعة تقعقع لجدتها.
وأقول: وهو قول ابن جني؛ وأعجب كيف رضي الشيخ بهذا التفسير مع ضعفه ووقوفه على غيره مع قوته، وهو مذكور في المآخذ على ابن جني.
وقوله:
وفاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْبأنْ تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ
ذكر فيه قول ابن جني: كنت أبكي الربع وحده فصرت وفاءكما معه؛ أي: كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء.
وأقول: وليس هذا بشيء! وقد ذكرت معناه وما فيه من مشكل التقدير قبل، وهو أن صاحبيه عاهداه على أن يفيا له بالإسعاد بالبكاء على الربع، فقصرا في ذلك، فقال: وفاؤكما بالإسعاد بالدمع كالربع، أي: ينبغي أن يكون إسعادا كثيرا كالربع فإنه دارس دروسا كثيرا، وبين ذلك بقوله:
...... أشْجَاهُ طاسِمُهْ .........
والتقدير: الربع أشجاه طاسمه، فحذف الربع، وهو المبتدأ لدلالة الأول عليه:
...... ......... والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمهُ
أي: الربع، أحزنه للمحب، طاسمه. والدمع ينبغي أن يكون على وفقه في المبالغة، أشفاه للمحب ساجمه. وقد بيّن ذلك فيما بعد، فان الشيخ ذكر في تفسير البيت الثالث - ولم أر أحدا ذكره مثله - بأنه عرّض بصاحبيه انهما ليسا من أهل الهوى، ولا ممن استصحب فوافق؛ كأنهما لم يفيا له بما عاهداه من الإسعاد؛ يقول: إن لم تسعداني على هواي وما أقاسيه فكفا عن لومي، أو: فتجملا بأن تصحباني على علاتي، فقد يصحب الإنسان من لا يلائمه ولا يشبهه، وهذا التقدير الآخر يدل على الأول.
وقوله:
إذا ظَفِرَتْ مِنْكِ العيونُ بِنَظْرَةٍأثابَ بها مُعْيِي المَطِيِّ ورَازِمُهْ
قال: معناه: إذا نظرت إليك الإبل الرزح المعيية جعلت ثواب ذلك أن تنهض وتسير لما نالها من قوة الأنفس والنشاط فكيف بنا نحن، ونحن نعقل من أمرك ما لا تفعله الإبل.
وهذا ليس بشيء!
وأقول: إنه يحتمل أن يكون: أثاب بها من الثواب، وهو الجزاء، أي: جازى برؤياك معيي المطي ورازمه، ما كنا نصنع إليه قبل المسير إليك من العلف والخفض والدعة.
ويحتمل أن يكون أثاب بمعنى عدا ونهض معيي المطي ورازمه برؤياك وما يعقبه فيما بعد من الراحة، لأن الإعياء والرزوم إنما كان بسبب السير إليك لرؤياك، فإذا قد حصلت رؤياك، وعدم السير، حصلت الراحة، ويكون هذا من قول أبي نواس:
وإذَا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّداًفَظُهورُهُنَّ على الرِّجالِ حَرَامُ
وقوله:
ليتَ أنَّا إذا ارتْحَلْتَ لك الخَيْلُ وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
قال: تمنى أن يقيه المشقة في رحيله والأذى في نزوله. وعاب عليه قوم هذا البيت، تعنتا، فاعتذر عنه بقوله:
لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ .........
وأقول: إن الذي أخذ عليه من أن الخيام تعلوه ليس بشيء! لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون من كل وجه حتى إذا تمنى أن يكون من الخيام، ليقيه، لزم أن يكون فوقه، وأن يكون في ظله، وأن يكون سماء له. على أني قد ذكرت فيه وجها يزيل هذا الاعتراض من غير هذا الاحتجاج، فليتأمل فيما تقدم.
وقوله:
يَحِيدُ الرُّمْحُ عنكَ وفيه قَصْدٌويَقْصُرُ أنْ يَنَالَ وفيه طُولُ
قال: أي: من شرفك، ومن سعادتك، يميل الرمح عنك إلى غيرك، ويقصر مع طوله أن ينال.
وأقول: لو قال: من شجاعتك، وباسك، يحيد الرمح عنك وفيه قصد؛ أي: استقامة لا لأنه معوج، وكذلك يقصر وفيه طول. ومثله قوله:
طِوالُ قَناً تُطَاعِنُها قِصَارُ .........
لكان أولى من التعليل بالشرف والسعادة في هذا الموضع.
وقوله:
فَلَوْ قَدَرَ السِّنانُ على لِسَانٍلقالَ لك السِّنَانُ كما أقُولُ
قال: لو قدر السنان، لقال مثل هذا القول؛ أي: أنا قصير عنك، وميلي عنك لسعادتك وشرفك.
وأقول: الأحسن أن يكون القول من السنان، الثناء عليه بالإقدام والشجاعة كالقول الذي أقول من ذلك، فان السنان مباشر مشاهد له كما أنا مشاهد له.
وقوله:
ولَوْ زُلْتُمُ ثُمَّ لَمْ أبْكِكُمْبَكَيْتُ على حُبِّيَ الزَّائلِ
قال: صار الحب معشوقه، حتى لو ذهب الحب عنه لبكى عليه.
وأقول: كأن هذا مستحيل! وذلك إنه جعل الحب بمنزلة الحبيب، فالحبيب إذا زال بكي عليه للحب، فالحب سبب البكاء، فكيف يبكي على الحب الزائل وهو كالحبيب بلا حب؟! هذا مستحيل، لأن البكاء لا يكون على الحبيب الزائل إلا بحب مقيم!
وقوله:
فأقْبَلْنَ يَنْحَزنَ قُدَّامَهُنَوَافِرَ كالنَّحْلِ والعَاسِلِ
قال: الهاء في (قدامه) لسيف الدولة، والنون في (أقبلن) لخيل الخارجي، أي: نفرن منه نفور النحل من العاسل.
وأقول: الهاء في (قدامه) راجعة إلى (أمام) وهو الخارجي، لقوله قبل هذا البيت:
وجَيْشِ إمَامٍ على نَاقَةٍ .........
وسيف الدولة لم يجر له بعد ذكر. ولقوله فيما بعد:
فلمَّا بَدَوْتَ لأصْحَابهِ .........
وقوله: (نوافر) لا يدل على انهم منهزمون، لأنه يقال: نفر إلى الشيء وعن الشيء، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانِفرُوا ثُبَاتٍ أو انفِرُوا جَمِيعاً). وقال علي ﵇: انفروا إلى بقية الأحزاب أي: أسرعوا. فإذا كان كذلك فيقال: إن خيل الخارجي أقبلت تنحاز قدامه إلى خيل سيف الدولة طلبا للقاء وجهلا به، ثم خاطب سيف الدولة فقال: فلما بدوت لأصحابه رأت
شجعانهم أنك آكل الأكل، أي: قاتل القاتل، ثم وصف ما حل بهم منه. وقد ذكر بعضهم في قوله: (نوافر) أن أوائل خيل سيف الدولة نفرت من الخارجي، والصحيح ما ذكرته.
وقوله:
فَظَلَّ يُخَضِّبُ منها اللِّحَىفَتىً لا يُعِيدُ على النَّاصِلِ
قال: معناه يخضب لحى الأعادي بدمائهم.
فتى: يعني سيف الدولة.
لا يعيد على الناصل: أي: لا يعيد الخضاب.
وأقول: إنه لم يذكر ما سبب ترك إعادة الخضاب، ولا ذكره غيره، وذلك أن ضرباته أبكار، كما روي ذلك عن علي ﵇ إنه كان إذا اعتلى قد، وإذا اعترض قط. يقال: ضربة بكر إذا كانت قاطعة لا تثنى؛ يقول: لا يسلم المضروب المخضوب بدمائه فينصل خضابه فيحتاج إلى أن يعيده بضربة أخرى.
وقوله:
يُشَمِّرُ للُّجِ عن سَاقِهِويَغْمُرُهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
قال: كان الخارجي يموه على أصحابه إنه نبي، وإنه سوف يملك بيضة الإسلام فهو كالمشمر عن ساقه ليخوض اللجة، وسيف الدولة وعسكره قطعة من عسكرها وواحد من أمرائها كالساحل، وقد كسره واهلكه، فكانه قد غرق في ساحل تلك اللجة.
وأقول: إن قوله في سيف الدولة، مع إعظام المتنبي له: إنه قطعة من عساكر بيضة الإسلام وواحد من أمرائها، وإنه كالساحل وهو مادح له ومواجهه بذلك، مناف لأقواله فيه:
أرَى كُلَّ ذي مُلْكٍ إلْيكَ مَصِيرُهُكأنَّكَ بَحْرٌ والملوكُ جَدَاولُ
وأمثال ذلك.
والجيد أن يقال في قوله:
يُشَمِّرُ لِلُّجِّ...... .........
أي: يقدم على الأمر العظيم من عداوة سيف الدولة بأسر ابن عمه أبي وائل وجعل سيف الدولة كالبحر، وإن القرمطي شمر، من جهله، ليخوض لجه؛ أي: معظمه، فغرّقه الموج في الساحل؛ أي: بعض عسكره، ولم يصل إليه معظمه. فهذا أمثل بأحوال سيف الدولة عند أبي الطيب وأقواله فيه مما ذكر.
وقوله:
تَبُلُّ الثَّرى سُوداً من المِسْكِ وَحْدَهُوَقَدْ قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
قال: قال ابن جني في قوله: وحده: أنهن غنيات بالكحل عن الكحل، فالسواد القاطر على الأرض لون المسك وحده، وقد تبعه الناس على ذلك.
قال: وعندي أن قوله: يدل على فخر طيبهن ورفعة قدره، وأنهن من بنات الملوك، وإلا فما عسى أن يبلغ كحل العين من السواد حتى يقطر على الأرض أسود؟! لا سيما وهو مما قد كان قبل حلول المصيبة.
وأقول: إن قوله: وحده دليل على فخر طيبهن حسن. وقوله: فما عسى أن يبلغ كحل العين من السواد، حتى يقطر على الأرض أسود غير حسن. وذلك أن قوله: وقد قطرت يعني دموع الغانيات، حمرا، ينفي أن يكون خالطهن كحل، وإنما الدموع تقطر حمرا من عيونهن؛ لأنهن مازجن الدمع بالدم لكثرة البكاء على الشعر فيخالط المسك ويذيبه؛ فتقطر على الثرى سودا. فمستحيل هاهنا ذكر السواد من الكحل مع قوله:
...... ......... حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
وقوله:
أنتَ الذي لو يُعَابُ في مَلأٍمَا عِيبَ إلاَّ لأنه بَشَرُ
قال: المعنى إنه لو قدر أن فيك عيبا لم يكن إلا ما لا تعاب به؛ مثل قول الشاعر:
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُمْبهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكَتَائِبِ
وأقول: لم تقع المطابقة في التمثيل بين البيتين، لأن فلول سيوفهم من قراع الكتائب ليس بعيب بل هو فخر، وكون سيف الدولة من البشر، على مذهبه في الإغراق، عيب له فليس بينهما تماثل.
والمعنى: إنه بالغ فجعله اشرف من البشر، كأنه جعله من الملائكة، كقوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)، على أن الوجه الذي ذكره من غير تمثيل جائز، وذلك أن الإنسان إنما يعاب بشيء من أفعاله لأنه هو الموقع لها، وأما بشيء فعله فيه خالقه من كونه بشرا، وما أشبهه، فلا يعاب به.
وقوله:
أنَا بالوُشَاةِ إذا ذَكَرْتُكَ أشْبَهُتأتي النَّدَى ويُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
قد وقع في هذا البيت والذي بعده اختلال واختلاف في القوافي الثلاث، وقد طول
فيه ابن جني وخطأه.
وقال الواحدي: يمكن أن يجعل له وجه، على البعد، وهو إنه الحق الواو في أشبه لا على إنه قافية ولكنه اشبع ضمة الهاء فلحقها واو كقوله: البسيط
......مِنْ حيثُ ما سَلَكُوا أدْنُو فأنظُورُ
قال: وعلى هذا قول أبي تمام:
يقولُ فَيُسْمِعُ ويَمْشِي فَيُسْرِعُويَضْرِبُ في ذَاتِ الإلهِ فَيوُجِعُ
وقال الشيخ الكندي آخرا: وعندي أن المتنبي إنما جسر على ذلك وارتكبه لأنه وجدهم يجيزون دخول الهاء الأصلية على الهاء الوصلية استحسانا، والقياس أن لا يجوز، فأجاز هو أن تدخل الوصلية على الأصلية والقياس غيره.
وأقول: يجوز عندي إنه لم يعتد بآخر النصف الأول من البيت قافية لان العناية إنما تكون بقافية آخر البيت؛ يجتنب فيها الايطاء والاقواء والسناد وغير ذلك من العيوب، فلا يتجنب في قافية المصراع الأول اجتنابا عاما، ولهذا جاء قول امرئ القيس:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ .........
وجاء في البيت الثاني:
...... ......... يَنْفَعْني لَدَى أمِّ جُنْدَبِ
فلم يعتد ذلك ايطاء. وقد جاء لأبي نواس:
تَخَاصَمَ الحُسْنُ والجَمَالُفِيكَ فَصَارا إلى جِدالِ
فلم يعتد ذلك إقواء، فإذا كان كذلك لم يعتد بالنصف الأول وكانت القافية الراء، والهاء وصلا، ولا عيب فيه.
وقوله:
رُبَّ نَجِيعٍ بِسَيْفِ الدَّولةِ انْسَفَكاورُبَّ قَافِيَةٍ غَاظَتْ به مَلِكَا
قال: لم يجئ في شعر أبي الطيب بيت تنكره الغريزة إلا في هذا البيت.
قال المعري: ولو أن لي في هذا البيت حكما جعلت أوله: كم من نجيع وكان ذلك أليق من رب لأن كم للكثرة. ويحسنه أيضا أن رب جاءت في النصف
الثاني ضد كم.
وأقول: هذا الذي قالاه ليس بشيء! وقد ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله:
فَدَيْنَاكَ أهْدَى النَّاسِ سَهْماً إلى قَلْبِوأقْتَلَهُمْ للدَّارِعِينَ بِلا حَرْبِ
قال: اطالوا، في هذا البيت، شرح افعل فجعلوه تارة من هديته الطريق وتارة من هدى الوحش إذا تقدم. وهو عندي من هديت هدي فلان أي: قصدت قصده، وأهدى منادى؛ أي: يا أهدى وأقتلهم.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع