من «الرسالة الموضحة» لأبي علي الحاتمي (ت ٣٨٨هـ)
الرسالة الموضحة (٤)
ويزيد هذا بياناً قوله في هذه الكلمة، ذاكراً رجلاً أشار إليه بالدينْ عينةً وابتياع هذه الجارية:
يرىَ الفضلَ قد آلى على نهْبِ مالهِويسألنيُ المأفُونُ أن أتعَيَناَ
فيا فضْلَ دارِاك صبْوتي بغُبارهافلا خَيرَ في حبيّ إذا زَنىَ
وهذا برهان واضح. فقال أبو الطيب: فاحتذيتُ معنى ومعنيين وثلاثة لأبي نؤاس، وهو إمام المحدثين، فكان ماذا؟ فقلت ومن إنحائك عليه وتقصيرك نه قوله:
إن الملُوكَ رأوْا أباَكَ بأعْينٍكحلَتْ لهم بمرَاودِ الإعظامِ
فقلتَ:
تعرفُ في عينهِ حقاَئقهُكأنهَُ بالدّكاءِ مكُتَحلُ
ومن هذا قول أبي نؤاس:
قَد فَهِمَ الإيحاء والصفيِراَوالكضفً أن تُومئ أوْ تشيرا
فنقلته فقلت:
وأدُبها طُولُ الطُرادِ فَطَرْفُهيُشيُر إليها مِن بعيدٍ فتَفهضمُ
وقال أبو نؤاس:
إلى فَتىً أُمُ ماشلهِ أبَداًتَسعى بجيبٍ في الناس مشَقوقِ
فقلت وأحسنت:
مَلْكُ إذا امتَلأتْ يَوْماً خزَائِنهُُأذاقَها طعَم ثَكْل الأم للوَلَدِ
وقال أبو نؤاس:
وإذا المَطي بنا بلَغَن مَحَمدُاًفظُهورُهن على الرُجالِ حرَامُ
فقلتَ، ولم تراقب سلباً للمعنى واللفظ:
وتعَذر الأحرارِ صيرَ ظهرهَاإلاُ إليَكَ عليُ فرَْجَ حَرامِ
قال وأول من فظن لهذا المعنى الفرزدق بقوله:
أقولُ لناقَتي إذْ بلَغُتَنيلقد أصبحتِ عندي باليمَينِ
حرَُمتِ على الأزِمة والوَلاياوأعْلاقِ الرُحالَةِ والوَضيِنِ
وقال أبو نؤاس:
يبكىَ فيَذري الدّمعَ من عينْهويلْطمُ الَورْدَ بعُنابِ
فأخذته فقلت:
ترىَ إليكَ بعينِ الظبْي مجهشةًوتمسَحُ الطلُ فوْقَ الوْردِ بالعَنمِ
وأول من نظر لهذا المعنى المرقش فقال:
النّشرُ مسكُ والوُجوهُ دَنانيرُ وأطرافُ الأكُفّ عنّمْ
فقال عمر بن أبي ربيعة وأحسن:
مقْبلاتُ من أسفلِ الجزْعِ بالرّيطِاليماَني يرْفعَنَ ذيْلَ الرّبابِ
بأكفٍ كأنها قطعُ الثلجِتطاريفهاُ من العنابِ
وقال بعض المحدثين:
من كَفّ جاريةٍ كأن ّ بناَنهاَمن فضةٍ قد طرَُفتْ عناباَ
وكأن يمنْاها إذا نقفتْ بهاألقتْ على يدها الشَمال حساباَ
وقال أبو تمام:
قالوا الرّحيل فأنَشبتْ أظفارَهافي خدّها وقدِ اعتلقْنَ خضاباَ
فاخضر تحتَ بنانهاِ فكأنماّغرَستْ بأرْضِ بنفسجٍ عُناّباَ
وأحسن المعلى الطائي كلّ الإحسان بقوله:
أهدَتْ سلاماً إلى قلبي مُخالسةًعينَ الرقيبِ برخْص المتنِ كالعنمِ
كأنما شافهَتْني في إشارتهاَإليّ، عُناّيةُ أوْفتْ على قلمِ
وقال الشاعر من جبل السماق:
قالوا الرَحيلُ ضُحى غدٍ أوْ بعدهَفلطمْنَ بالعنّابِ والأقلامِ
فقال البحتري وغيره العبارة:
حَسَرتْ عن بناَنها فأرَتْناَذَهباً من خضابها في لجُينَ
فقال الناشئ المتكلم، وأحسن كل الإنسان:
متَعانقانِ يكُاتمانِ هواهماُقد نامَ بينهما العتابُ فطاباَ
يتناَقَلانِ اللحظَ من جفَنيهماَفكأنماّ يَتدَارسانِ كتاباَ
وإذا سهتْ عينُ الرقيبِ تخالستْكفاّهما خلسَ السّلامِ سلاباَ
بأناملٍ منهُ تلوحُ مدَاهناًوأناملٍ منها كسينَ خضَباَ
فكأنما تجني لهُ من كَفهِعنباً وتُجنيهِ لهُ عناّباَ
وحاذَرَتْ أعينَ الواشينَ فانصَرفَتْتَعَضُ من عيَنها العُنابَ بالبرَدِ
وقال أبو نؤاس:
وقالوا قد أجدْت فقلتُ إنيوجدْتُ القولَ أمكَنني فجاداَ
فقلت أنت:
وما أنا وحدي قلتُ ذا الشُعر كُلُهولكنُ شعِري فيهِ من نفَسِهِ شعرُ
وقال أبو نؤاس:
ترَىَ ضَوْءها ظاهرِ الكأس ظاهراًعَلَيكَ ولَو غَطيتهَا بغِطاء
فأخذته أخذاً طريفاً ونقلته إلى المدح فقلت:
إذا بداَ حَجَبَتْ عَيْنَكَ هَيبَتهوليَس يحجُبهُ شيء إذا احتَجباَ
وقال أبو نؤاس:
فبُحْ باسمِ تهوَى وَدعني من الكُنىفلا خيَرَ في اللذات من دونِها سترُ
فقلت:
الحبَُ ما مَنَعَ الكلام الألنُساوألدَ شكوَى عاشقٍ ما أعْلناَ
وقال أبو نؤاس:
فإنَي لطَرْفِ العيَنِ بالعينِ زاجرُفقد كِدتُ لا يخفي علي ضَميِرُ
فقلت:
وأبصرَ من زَرْقاءٍ جَوُ لأنُسيإذا نظرَتْ عَينايَ شاءَ هما علمي
وقال أبو نؤاس:
إذا ضَنُ رَبُ المالِ ثَوُبَ جوُدُهُيحَيُ على مالِ الأميرِ وَأذُناَ
فقلت:
ونادَى الندى بالنائمِينَ عن الندىفأسْمعَهُمْ فقد هلَك البخلُ
وقال أبو نؤاس:
فلم يبق لي لحما ولم يبق لي دما
فقلت أنت:
وخيَالُ جسِمْ لم يُخَلُ له الهَوَىلحماً فينْحلَهُ السقامُ وَلا دمَا
ثم قلت له: أيقنعك هذا من أي نؤاس وفيه أم أزيدك؟ فقال: زد إن شئت وانقص، أما في أبي نؤاسك هذا الذي تنعى سرقي منه أسوة لغيره، وهو القائل:
وتدَخُلُ عَينُها في كل قَلْبمَداخلِ لا تغَلغلُها المدام
وإنما أخذه من قول ذي الرمة:
وعيَنْانِ قالَ اللهُ كونا فكانتَافَعولانِ في الألبابِ ما تفعلُ الخمرُ
وهو الذي يقول:
وخَيَمْةِ ناطورٍ برأسٍ منُيفةًتهُمُ يدا منَ رامهاَ بزَليلِ
كأنّا لدَيها بيَنَ عطفَيْ نعَامةٍجفاَ زَوْرُها عن منزِلٍ ومقَيلِ
وإنما احتذى قول جرير:
ظلَلْنا بمسْتنً الأراكِ كأنّمالدى فرَسٍ مستَقبلِ الّريحِ صائمِ
أغرَ من البُلقِْ الجِياد يشُفّهُأذى البقّ إلاّ ما احتمى بالقوائم
فقلت له: إنّما أراد جرير أن خفوق الريح بالحاشية يشبه فرساً يرمح برجله إذا قرصه البق، وذكر خباء مصنوعاً من أثواب ألوان مختلفة من الثياب، ولذلك شبهه بالفرس الأبلق. وليس بيت أبي نؤاس منْ هذا ومشاكلاً له. فقال:: وقال الأعشى:
بأشجَعَ أخّاذٍ على الدهرِ حكمهُفمنْ أيّ ما يأتي بهِ الدهرُ أفرقُ
فأخذ هذا أبو نؤاس:
دارَتْ على فتيةٍ ذلّ الزّمانُ لهمْفما يصيبهمُ إلاّ بما شاءوا
فقلت له: لئن كان أخذه من الأعشى فلقد أحسن فيه. وإذا وقع الإنصاف علمت أن بيت أبي نؤاس أكرم لفظاً، وأعذب عبارة، وأكشف معنى، وفيه زيادة بقوله:) ذلّ الزمان لهم (. فقال: وقد قال الأعشى:
وتَحْسبُ أنهمُ موْتى إذا ماتَمشّتْ فيهمُ الرّوحُ العقارُ
فأخذه أبو نؤاس فقال:
إذا لم يجُرهنّ القُطبُ متْناوفي دوْراتهنّ لناَ نشُورُ
فقال: وفي بيت أبي نؤاس زيادة وهو قوله:
وفي دَوْراتهنّ لناَ نشُوُرُ
وهذا بقول الأخطل أولى وهو:
أقمنَ بها نُسقىَ سلافةَ قهوةٍتموتُ لها أوصالنا ثم تنشُرُ
فقال: وهو القائل:
سائل القادمَين من حكَمانكيفَ خلفتهم أبا عثمانِ
فيقولونَ لي جنِانُ كما سرّكفي حالهاِ فَسلْ عن جِنانِ
وهذا مأخوذ من قول الأول:
وسائلةٍ عن رَكْبَ كلًهمْليَسمعَ حسّانُ بنُ زيدِ سؤالهاَ
ثم قال: وكذلك قوله:
ذكّرني الورْدُ ريح إنسانِأذكرُهُ عندَ كلّ ريحانِ
إنْ فاحَ لم أملكِ البكا فإذاما لاح كادَ النّديمُ ينعاني
وهذا مأخوذ من قولك مالك بن أسماء:
أنّ لي عندَ نفْحةَ بستْانٍمنَ الوَرْدِ أوْ من الياسميناَ
نظرَة والتفاتةً أترجىّأن تكوني حلَلتْ فيما يلَيناَ
ثم قال: أزيدك أم حسبك؟ فقال أبو محمد، ﵀: بل حسبك، ففي بعض ما تفاوضتماه غنىّ عن غيره. ومكانك يا أبا الطيب غير مجهول. ونهض عن مجلسه ونهض أبو الطيب منصرفاً، وتلوّمنا بدار الوزير، فاستدعى الشراب واستدعينا، ومنع من حضور سماع. وأقبل يتصفح ما جرى ويكرر طرفه فيه، ويراجعني منه. وكان من مراعاته في الحال إياّي، وتكرمته لي، وصلته ما لم تزل عادته الكريمة جارية به.
وقد عرف الرئيس حال أبي علي الحسين بن محمد الأنباري في خلافته المهلبي على الوزارة، ومصاهرته إياه على ابنته، ولطف منزلته منه ما لا حاجة بي إلى الإفاضة في ذكره، لأنه أشرد خبراً، وأبقي معلماً وأثراً. وكان المهلبي مع ذلك يريه بغير مرآته تفخيماً لقدره، وتعظيماً لأمره، وتقديراً أن هناك أدباً وفضلاً يتميز بهما عن غيره من نظرائه، ولم يك يبحث نحْلتهَ، وإنما هي أبيات يحاضر بها، وألفاظ يموه بها ويحفظها مجتناة من الصحف، وملتقطةً من ظواهر الكتب. وكنت لا أسيغه ريقه رداً لكثير يورده، وتنكباً عن الوجه الذي يطلبه ويتعمده فأحفظه ذلك، وأثر في نفسه تأثيراً لم تزل شماله تنطق به. فلم وقع الاجتماع مع أبي الطيب بعد منصرفه، اختار أبياتاً من شعره تفردّ بنعانيها وسبق إلى اختراعها، وواطأه على الممالأة علي، ووعده بتحديد الاجتماع معي وتفريعي بتلك الأبيات، واضطراري إلى التسليم لها، والإقرار لسبقه إليها، وعداً حصله ليوم عينه. واقترح على أبي محمد استدعاء أبي الطيب فاستدعاه. وكنت ملازم حضرة أبي محمد في مجالس حفلته وخلوته، ومتخصصاً كل التخصص به. وروسل أبو سعيد السيرافي، وعلي بن عيس الرماني، وأبو الفتح وأبو الحسن الأنصاري المتكلم، وغيرهم من أعلام أهل العلم، والذين تقع الإشارة إليهم في الأدب. فحضرت جماعة كان فيهم علي بن هرون مقبلاً على أبي الطيب فقال: ألست القائل:
أعْددتُ للغادرينَ أسيافَاتجدَعُ منهم طليُ وآنافا
من هؤلاء) الغادرين (الذين أعددت لهم هذه السياف؟ وما معنى قولك:
) تجدع منهم طلى وآنافا (
الطلى لها السيوف، والآناف تجتدع بالمواسي. وجعل يكرر هذا القول وأبو الطيب معرض عنه. فأقبل المهلبي على أبي سعيد فقال: ما تقول في ذلك، أجائز سائغ فصيح من كلام العرب قد أنشد أصحابنا في مثله أبياتاً؟ فأقبلَ على علي بن عيس الروماني فقال: الأمر على ما قاله، والتقدير: يجدع منهم آنافاً ويقطع طلى. فأقبل علي فقلت مثل قول الأول:
تَراهُ كأنّ اللهَ يجدَعُ أنفْهُوعيَنيه أنْ مولاهُ ثابَ لهُ وفرْ
أراد يجدع أنفه ويفقأ عينيه ومثله: أراد علفتها تبناً وسقيتها ماء بارداً، ونحوه قول طرفة:
وتَبسمُ عَن ألمْىَ كأنّ منَوراًتخَلَ حرَ الرّملْ دعصُ له ندى
وَوَجْهٍ كأنّ الشمسَ ألقتْ قناعهاعليهِ نفيً اللْون لم يتَخَدّرِ
أراد: تكشف عن وجه. إلا أن أبا الطيب الجدع للطلى ثم اتبعها الآناف. ولو قدم الآناف ثم أتبعها الطلى، لكان محمولاً على مثل ما ذكرناه. فأقبل المهلبي على أبي الطيب كالملتمس كلامه، فقال أبو الطيب ولم يزد على هذا شاهداً: هذا كقول الآخر: شرّابُ ألبانٍ وسمنٍ وأقطْ فقلت: هذا كما ذكرناه آنفاً، شراب ألبان وأكال سمن وأقط؛ والاعتراض قائم بعينه، إلا أن تحمل الجدع للطلى على الاستعارة لها. فقال أبو سعيد: حملْ الكلام على التقديم والتأجير شائع كما قال الله تعالى:) يا مَرْيَمُ اقْنُتي لرَبكِ واسْجدي وارْكَعي معَ الرّاكعين (يريد، والله أعلم اركعي واسجدي فبدأ بالسجود على التقديم والتأجير. ثم أقبل علي بن هارون عليه فقال: أخبرني أمسلم أنت حين تقول:
وأفضل آياتِ التَهاميً أنهُأبوكَ وإحدى ما له من مناقبِ
وحين تقول:
وكلُ ما قد خلقَ اللهلمهُ وما لم يَخْلقِ
مُحتقرُ في همتيّكشَعرةِ مفرَقي
وحين تقول:
يَترشَفْنَ من فميَ رشَفاتٍهنُّ فيهِ أحلى منَ التوْحيدِ
ثم أسر إلي وقال: أخبرني والله مخبر أن عمور لثاته فاسدة وأن نكهته مريحة فأضحكني. ولم يذكر أبو الطيب من هذا جواباً، فأحببتُ تسكين جأشه فقلت: ما أحسن ما قال المجنون:
وإني إذا صلّيتُ وَجهتُ نحوْهابوجهي وإن المصُلى ورائياَ
ثم تدارك هذا فقال:
وما بي إشراكُ ولكنّ حُبهاًكعَظمِ الشَجا أعيا الطبيب المداويا
أصليّ فماَ أدري إذا ما ذكَرْتهُأثنْتين صليّتُ الضحىّ أم ثمانيِاَ
فقال أبو الطيب: في هذا المعنى لطيف. فقلت: إنه كان لا يحصل ما يصلي شغلاً بحبها، فكان يعد الركعات فإذا عدّ اثنتين انبسطت إصبعاه فتخليهما ثمانية فاستظرف المهلبي هذا الجواب واستحسنه الحاضرون وتبسم أبو الطيب إلي واستدعى أبو علي الأنباري مدرجاً من صاحب دواته فقال: تكلموا على هذه المعاني، وتأملوا إحسان هذا الرجل فيها وسبقه إليها. وأقبل علي والمدرج في يده فقال: أنت المشار إليه في الحفظ، فاذكر ما عندك، ولنذكر الجماعة ما سنح لها، أو فلنسلم غاية السبق إلى أبي الطيب فقلت: أقول على شريطة ألا يعترض كلامي غيري، فإن ازدحام الكلام مضلة للفهم. أو فليقل غيري على شريطة تسليمي إليه عنفوان القول وأعقابه. فاستروحت الجماعة إلي، وابتدأ أبو علي الأنباري فقال ما ندك في قوله:
وَخَصرُ تَثُبتُ الأبصارُ فيهِكأنّ عليهَ من حَدقٍ نطاقاَ
وأقبلت الجماعة تستحسن. فاقبل علي فقال: قل. فقلت: حسن. فقال: أما هو بكر؟ قلت: لا! كيف يكون بكراً وبشار بن يقول:
ومكَللاتٍ بالعيونطرقتنا وخرجن همسا
فأصبن من طرف الحديثلذاذة ورجعن ملسا
حور يرقن إذا حلين عطلن خشين نفساً
فقوله: " مكلللات بالعيون " هو البيت، وذلك المعنى. يول: إذا برزن صرف الناظرون أعينهم إليهم لحسنهن، فكأنهن كللن بالعيون. " ورجعن ملساً "، أي لم يأتين ريبة. وقوله: " إذا حلين "، أي لبسن الحلي، لا يلبسنه لحسنهن، وإنما يلبسنه عوذاً، لأنهن مستغنيات عن الزينة بجمالهن. وكذلك قوله:
وإذا عَطِلُنَ خَشَيِنَ نفَساً
يقول: خشين العين، فهن يدفعن العين بالحلي؛ فسرق هذا المعنىُ ابن الرومي:
وتَلبسُ الحلي مجعولاً لها عوذاًلا زِينَةً بل بها عن ذاكَ غُنيانُ
وقد قال أبو جعفر... المصري في المعنى الأول يذكر عيوناً ألحت بالنظر إلى شخص: مُسمُرات علَيهِ لَيسَ تنقَلعُ فقالُ ابن الأنباري فما تقول في قوله:
أقامَتُ في الرقاُب لَهُ أيادٍهي الأطواق والناُسُ الحَمامُ
أما هذا مخترع؟ فقلت: كلا، بل هو من قولُ ابن الرومي:
إذا امتدُحوا لم يُنحلوا فضلَ غيرِهموهل تنُحل الأطواق وُرْقُ الحمائم
وابن الرومي احتذى فيه قول محمد بن حازم الباهلي:
أبى لي أن أطيل الشعر قَديإلى المعَنى وعلمِي بالصوابِ
فأبُعَثُهنُ أربُعةً وستاًبألفاظ مُشَقفَةٍ عذِابِ
وهُنُ إذا وسَمتُ بهنُ قَوماًكأطواقِ الحمائمِ في الرقابِ
وهنُ وإن أقَمتُ مُسافِراتُتهَاداها الرواةُ معَ الركابِ
وابن حازم احتذى فيه قول الفرزدق:
فمَن يكُ خائِفاً لأذاةِ شعِريفقد أمِنَ الهِجاءَ بنو حرَامِ
همُ قادوا سفَيههَمُ وخافُواقَلائِد مثل أطواقِ الحَمامِ
والأصل في هذا قول حسان بن ثابت، ولاحاه رجل فقال: اغرب وإلاّ طوقتك طوق الحمامة: فقال أبو محمد فما تقول في قوله:
كَفى بجسمي نُحُولاً أنّني رجلٌلولاْ مُخاطبتيّ إياكَ لم تَرني
أمخترع هو؟ فقلت: كلا، هذا من بيتين أنشدناهما محمد يحيى:
لماّ بلَيتُ منَ الهوَىخفت العيون من أن تراني
لولا كلامي ما اهتدتْ عينُ الجليسِ إلى مكاني وهذا المعنى ينظر إلى أبي نؤاس:
شعرُ حيٍّ أتاكَ من لفظِ ميْتٍصَار بينَ الحياةِ والموتِْ وقفاَ
قد بَرتهُ حوادثُ الدّهر حتىكادَ عن أعيُنِ الحوادث يخفَى
لوْ تأملْتني لتثبتَ وجْهي لمتبنْ من كتابِ وجهيَ حَرْفاَ
ولرَدّدْتَ طرْفَ عينك َفي جسْمٍبَراهُ الصّدود حتى تعَفىّ
فقال المهلبي: ما احسب أنهّ قيل في النحول أحسن من هذا، فقلت: بلى، المجنون:
فلوْ أنّ ما أبقيتِ منيُّ معَلَقُبعودِ ثمامٍ ما تأوّدَ عُودُها
وما أساء كثير في قوله:
حمَلْت عَليها ما لوَ أنّ حَمامةًتحملهُ طارَتْ به في القفاقِفِ
قُطُوعاً وأنساعاً وأعظمُ ناحلٍأضربهِ طولُ الهوىَ والمخارِفِ
وقلت: وتقدم الناس قول عمر بن أبي ربيعة:
قليلُ على ظَهرِ المطيّةِ ظلهُسوىَ ما نفى عنهُ الًرداءُ الُمحبر
ويستحسن قولُ ابن الدُمينة:
عظامُ بَراها الشوْقُ حتى كأنهامحَاجنُ نَبعٍ ليسَ فيهنّ منزعُ
فلا هنّ بالموتىَ ولا ينبعثنَ بيولا طائر مماّ عليهنّ يشبَعُ
وقال بشار:
بينَ ثيابي جَسدٌ ناحلٌلوْ هبّتِ الّريحُ بهِ طاحاَ
وقال أيضاً:
إن في ثوْبي جسماً ناحلاًلوْ توكّأتِ عليهِ لانهَدمْ
فأعجب هذا أبا محمد إعجاباً شديداً، فقال: ما كنت أحسب أن أحداً سبق أبا الطيب إلى معنى بينه المتقدم، ولا زاد على إحسانه في وصف نحوله. ما تصنع بيته وهو مسوق على أنبأت الوزير به، وكل واحد من هؤلاء في هذا معنى لم يشركه فيه غيره. فقال الأنباري: فإن كان سبق إلى المعاني فيما ذكرناه، فل يسبق إلى قوله:
وزائرِي كأن بها حياءًفليسَ تزُورُ إلا في المنَامِ
بذلتُ لها المَطارِفَ والحشَايافَعافَتها وباتَتُ في عِظامي
إذا ما فارقَتُني غسلتنيكأنا عاكفِان على حَرامِ
فقلت له: حالهُ في هذا أسوأ منها فيما تقدم، فإنه أعتمد على قولُ ابن القعقاع:
وزائرةٍ بلا عدِة أتتنيفَحَلتُ بين جسمي والفُؤاد
سِنَانُ للمنَايا إن تَراءتفنفسي والمنايا في طرِادِ
كأن جوَارِحي إذ فارقَتَنيعُيون تَستَمد من الغَوادي
وقلت: وقد أحلت في قولك:
إذ ما فارَقتني غَسلتنيكأنا عاكفِانِ على حرَامِ
والحلال أولى بالغسل وأخص من الحرام، فكيف خصصت الحرام بوصف يشركه فيه غيره، وله به اختصاص فوق اختصاصه. فقال أبو الطيب: أتيت بأحدهما فدل على الآخر وإن لم أذكره. وفي القرآن:) سَرَابيِل تقَيكمُ الحَرَ (وهي تقي البرد، وقد قال الشاعر:
فَلا تعدي موَاعِدَ كاذِباتٍنهَب بها رِياحُ الصيفِ دوني
يريد ورياح الشتاء. فلما صدع بالحجة صدع الصباح رداء الظلام، وتخوفت أن يوهم الوزير أبا محمد أنه لا علم لي بما ذكره، قلت: أجل لكن قولك يبعد بعض البعد عن هذا، وإن كنت تحذو حذوه. من أجل أن الحلال أشد اختصاصاً بالغسل من الحرام، وليست السرابيل بأخص في وقاية الحر منها في وقاية البرد، ولا رياح الشتاء بأخص في هبوبها دون المواعد من رياح الصيف. وعلى أن بعض أصحابنا ذكر أنه خص رياح الصيف، لأنها أشد تعفية. فأعجب المهلبي هذا الاعتراض. قلت ومثل الآية قول الآخر:
وما أدري إذ يَممت وجهاًأريدُ الخَيَر أيهمُا يلَيني
فقال: " أيهما " إنما ذكر وأحداً، لأنه دل على الثاني، ثم تلا ذلك بأن قال:
أألخَيرُ الذي أنا أبتَغيهِأمِ الشرُ الذي هو يبَتغني
وقد تكلم أصحاب المعاني في قول أوس بن حجر:
وغَيرَها عَن وصلنِا الشيب إنهُشَفيعُ إلى البيضِ الحسانِ مجربُ
فقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الهاء في " إنه " عائدة على الشباب، وجاز ذلك وإن لم يذكره، لأن الشيب دال، هذا قولُ ابن الأعرابي، وقال الأصمعي: يريد أنه كبر فأنست به. فقال أبو الطيب: لله درك فإن أحسن القول ما نطق به لسانك. فقال الأنباري: قد قال:
أرىَ ذلك القرْبَ صارَ ازوراراَوصارَ طويلُ السّلامِ اختصاراَ
ترَكْتنَيَ اليوْمَ في حَيرةٍأموتُ مراراً وأحْبا مراراَ
فلوْ النّاسُ من دَهرِهمْلكانوا الظلامّ وكُنت النهاراَ
وقال:
أسِيرُ إلى إقْطاعِهِ في ثيِابِهِعلى طرِفْهِ من دارِه بحِسامه
وقال:
إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِولا رَأيَ في الحُسب للعاقلِ
يُرادُ مِنَ القلَبِ نسيانُكمْوتأبَني الطُباعُ على الناُقِلِ
فأنشد أبياتاً كان منها:
فإن كانَ يركُمُ ما مضَىَفعَوْداً إلى حمصِ في القابِلِ
فإن الحسامَ الصقيل الذيقُتلسْتم بهِ في يَدِ القاتلِ
فقال أبو الطيب: أما إحساني في هذه الأبيات عن إساءة، إن كانت، في غيرها؟ فقلت: ما أعرف لك إحساناً، ولا أعترف لك باختراع إذا كانت هذه الأبيات التي تتخيل أنك السباق إلى معانيها ورب الإحسان فيها مسترقة ملصقة، فيما تقدم من نظمها وابتكره أصحابها من معانيها، شاغل عن تكرير لها، وتبديل لألفاظها، وقد قيل:
ولكنْ بكَتْ قبَلي فهَُيج لي البكُاَبُكاها فقلُت الفضْل للمُتقَدُمِ
أما قولك:
) أرى ذلك القرب صار ازوراراَ (
فمن قول بعض المحدثين:
أقبَلَتْ ثمُ أعرَضَتْ لذَنْبٍبأبي مَنْ دُنُوُها عادَ بعُدْاَ
وأما قولك:
) أموات مراراً وأحيا مرارا (
فمن قول العباس بن الأحنف:
لعَمري لقد جَعَلَ القاَدِ حُونَبيني وبينكِ يُورونَ ناراَ
ونفْسيِ مُعلقَةٌ بالرُجاءتمَوت مرِاراً وتحَيا مِراراَ
وقولك:
) لكانوا الظلام وكنت النهاراَ (
فمن قول الآخر: بيضاء في وجنتها احمرار
يعَيبهُا جاراتُها القِصَارُهُن الليالي وهيَ النهارُ
وقولك:
) أسير إلى إقطاعه في ثيابه (
البيت... من قول أحمد بن أبي طاهر:
لوْ كنْتُ مِن أوْلادِ يحِيَى لمازادَ ولوْ كانَ أبُوهُ أبي
مِن مالِهِ مالي ومِن جاهِهِجاهي ومِن مَركَبِهِ مركَبي
وأحمد بن أبي طاهر أخذه من شاعر قديم:
فلَحمي وما قد سِيطَ باللُحم من دميوجاهي وقَدْري من ثَراكَ ومالي
ولوْ لم يقُمْ بالشُكرِ لفَظي لخَبَُرَتْيَميني بما أولْيَتني وشمِالي
ونَم بهِ جِلدْي وعَظْمي ومفَصِليوعَبدي وبرذْوني ونضَرَةُ حالي
وقد أخذت أيضاً قوله " ونم به جلدي " فقلت:
أقَرُ جلِدْي بهاَ عَلي فَماَأقْدرُ حتى المَماتِ أجحَدُها
والأصل في ذلك المعنى قول النابغة الذبياني:
فإنُ تلادي إنْ نَظَرْتُ وشِكُيُومهُري وما انضَمُتْ عليهِ الأنامِلُ
حبِاؤكَ والعيِيُ الهجانُ كأنهاهِجانُ المهَا تَرْدي عليها الرحائلُِ
وقولك:
) إذا لم يعوذ مجده بعيوب (
من قول كشاجم:
شخَصَ الأنامَ إلى جَمالك فاستَعِذْمن شُرَ أعيُنِهِمْ بعَيْبٍ واحِدِ
وقولك:
) بشق قلوب لا بشق جيوب (
مقو قول أعرابي:
ومن دونِ ما ألقاهُ من ألَمِ الهَوَىتُشَق قلُوبُ بَلْ تشُقُ جُيوبُ
ولمُا نظرنا بِالرُقِيبِ ولحَحْظِهِوالحظي على لَحْظِ الرُقيبِ رقَيبُ
وقولك:
) ولا رأي في الحب للعاقل (
من قول الأول:
وما من فتى في الناس يُحَمدُ أمرُهُفيوجَدَ إلا وهْوَ في الحُب أحمَقُ
وقولك:
) وتأبى الطباع على الناقل (
من قول الأول:
وكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا
وقال الآخر:
إن التخلق يأتي دونه الخلق
وقولك:
فإنُ الحُساَمَ الصقيل الذيقُتلِتُمْ بهِ يَدِ القاتِلِ
من قول عمرو بن الأهتم:
فإن الرُدَيْنيُ الأصَمَ كعُوبُهُإذا عُدْتَ في ظلُمِ الصديقِ يَعودُ
فبهره ما أوردته وقيد نطقه. وأعجب المهلي ذلك كل الإعجاب، فقال الأنباري: لله أبي الطيب في قوله:
كذا قضَتِ الأيامُ ما ببنَ أهلهِامصَائب قوْمٍ عند قوْمٍ فوائدُ
فقلت بل لله در أبي العتاهية في قوله:
مَوْتُ بعَضِ الناسِ في الأرْضِ على بَعْضٍ فُتُوحْ
إلا أن أبا الطبي أكرم لفظاً، وأول من نطق بهذا المعنى عمرو بن حلزة، أخو الحارث، في كلمته التي أولها:
لم يكُنْ إلا الذي كانَ يكُونُوخطوبُ الناس في الدهرِ فنونُ
ثم قال ي اثر هذا:
ربما قَرتْ عيونُ بشَجىمُرْمضٍ قد سخَنتْ منهُ عيونُ
فهذا قوله:
) مصائب قوم عند قوم فوائد (
فقال الأنباري: ومن قوم فوائد
ومن نكدَِ الدُنيا على الحُر أن يرَىَعَدُواً لهُ ما من صَداقَتِهِ بُدُ
فقلت: العجيب قول النظام البائس:
ومن نكَد الدُنيا على الحرَ أن يرىَعَدُواً فيهَوىَ أن فيهوَى أن يقُالَ خلَيلُ
وإلى هذا المنى ذهبُ ابن المبارك بقوله:
مَن دَليلي إلى طريقِ رَشاديمضنْ مُعيني مَنْ طالبُ لي طَريقاَ
لم تزَلْ بي نَوائبُ الدهرِ حتىترَكَتْني لِمَنْ أعادي صَديقاَ
على أن القاسم بن يحيى المريمي وخليق بأن تكون عليه عولت فقد قال في قصيدة أولها
إنْ كانَ رَأيك في أمورِكَ ثاقبِاًفاصْبرْ وَلا تكُ للقضاءِ مُغالبِاَ
فقال فيها:
نفَسي فِداؤكَ ضائراً أوْ نافعاًأو زاهِداً في عَبدهِ أوْ راغِباَ
لأصبت ما كَبتَ العدو وكان ليفرَحاً وكانَ على العدوَ مصائباَ
وقد قالُ ابن الرومي:
عَدُوُكَ من صدَيقك مُستفادُفلا تَستكثرنّ منَ الصحابِ
فإنّ الدّاء أكثرَ ما تراهُيكونُ منَ العظامِ أو الشرابِ
وقد أخذتَ البيت الأخير من هذين بأسره فقلت:
يَقُول ليَ الطّبيبُ أكلتَ شَيئاًوداؤكَ في شرابِكَ والطعامِ
وينظر إلى هذا المعنى قول أبي نؤاس وكان أوله:
إذا أمتَحَنَ الدّنيا لبيبُ تَكشفتْلهُ عنَ عَدوٍ في ثيابِ صَديقِ
وأبو نؤاس احتذى في هذا القول جرير:
دَعَوْنَ الهوىَ حتى ارتْمينَ قلُوبناَبأسْهُم أعداءٍ وهنّ صديقُ
فقال الأنباري: أتعرف لأحد هذا المعنى:
بَنُو كَعبٍ وما أثّرتَ فيهمْيَدُ لم يدْمها إلاّ السَوارُ
فقلت له: ليس كلّ معنى استرقه يحضرني، ولكنني أعرف له في هذه الكلمة:
مَضوْا متَسابقي الأعضاء فيهِلأرْؤسهمْ بأرْجلهمْ عثارُ
إذا سَلَكَ السّماوةَ غير هادٍفقَتْلاهُمْ لعينيَه منَارُ
فأما قوله:
) لأرْؤسهمْ بأرجلهمْ عثارُ (
فمن قولُ ابن المعتز:
صَيّروا هاماتهِمْفي التّرابِ أرْجُلاُ
وأما قوله:
) فَقَتْلاهمُ لَعيَنيهِ منَارُ (
فمن قول ذي الرمة:
ودَويّةٍ قَفْر يحارُ بهاَ القَطاَأدلاَء رُكْباها بناتُ النّجائبِ
يُحابي بها الجلَدْ الذي هوَ حازِمُبضرْبةِ كفّيهِ الملاَ راكبِ
قطَعتُ بشُعْبٍ كالنضًالِ فاصبحوامع الأهلِ جذَلي في متونِ السّباسب
ثم قلت: هذه القطعة من أبيات المعاني. وأقلبت على أي الطيب فقلت: هل يحضرك فيها وقول؟ فاعرض من جواي وتشوف المهلبي إليه، فقلت: أراد بقوله " يحاربها القطا " لسعتها واشتباها، وخصص القطا أهدى الطير، قوله: أدلاء ركباها بنات النحائب هو قول أبي الطيب:
) فقتلاهم لعينيه منار (
فبنات النجائب أولادها تساقطها في الطريق من جهد السير، يستدلون بها. وقوله: " يحايي " من الحياة أي يستحيي بها، وقوله بضربة كفيه الملا " يريد أنه يتيمم بالتراب ويستسقي الماء ليستقيه صاحبة ولا يتوضأ به والنصال: نصال السهام، شبه الركب بها في ضمورهم وشحوبهم، وقوله: " فأصبحوا مع الأهل " يريد أنهم عرسوا فناموا فحملوا بأهلهم في نومهم. فقال أبو سعيد السيرافي: هذا كقول الآخر:
قد ألقَحتُ فِتياُننَا الرحائلاما تركوا منهُنُ حنِواً حائِلا
يريد أنهم احتملوا على الرحال. فقال علي بن عيسى الرماني هذا كقول دعبل:
فلَمُ أرَ مَطروقاً يحلُ بضَيفهولا طارِقاً يعُطي المُنى ويشيبُ
فاستحسن ذلك المهلبي، فقلت: ومله قول الراعي:
كفَاني عِرِفَانُ الكَرَى وكفَيتهُكُلوءَ النجومِ والنعُاسُ مُعانقُه
فَباتَ يرُيهِ عرِسَهُ وبَناتِهِوبتُ أري النجُمَ أينَ مَخافقُهُ
وقلت: مثل قول ذي الرمة:
أدلاء رُكباها بَناتُ النجائِبِ
قول الآخر:
بيِهماء يسَتافُ الترابَ دلَيلهاوليَسَ بها إلا اليمانيُ مُخلِفُ
تَجاوزتُها وحَدي ولم أرهَبَ الردىدَليلي نَجمُ أو حُوارُ مُختلفُ
يقول: أجهضت الإبل م شدة السير فيها، فألقت أجنتها، فصارت كالمنار لساكنها يستدل ويهتدي بها. فاقبل المهلبي على أبي سعيد وأبي الحسن الرماني يستفهمها ويستزيد منهما فقالا: أمر على ما قال، وهكذا ذكر الأصمعي، فأعجبه ذلك. ثم قلت: وأعرف من تلك القصيدة قول أبي الطيب:
فكُنتَ السيفَ قائِمهُ إليهاوفي الأعداء حدَكَ والغرارُ
وهذا من قول الأول:
نقُاسمِهُمُ أسيافَنا قِسمَةٍفينا غَواشيها وفيهم صُدورُها
فقال علي بن عيسى هذا كما قال الآخر، أنشدناه محمد بم الحسنُ ابن دريد:
يُنازعُني رِدائي عَبدُ عَمرورُويدَكَ يا أخا سَعدِ بن بكرِ
ليَ الشطرُ الذي ملَكتُ يَمينيفدونَكَ فاعتَجِرُ منهُ بشَطرِ
قلت وأعرف فيها:
كأن شُعاعَ عَينِ الشمسِ فيهِففَي أبصارِنا عنهُ انكِسارُ
وهذا قول الآخر:
إذا أبصَرتنَي أعرضَتَ عنيكأن الشمسَ مِن قبِلَي تدورُ
وأعرف منها قوله:
فخَلفَهُمُ بردُ البيِضِ عنهموهامُهُمُ لهُ معَهَم معُارُ
وهذا كأنه من كلام الصوفية. فقال الأنباري أتعرف لأحد مثل قوله:
أمُلتُ ليَليةَ ساروا كَشفَ معِصمهاليلبثَ الحَيُ دونَ السيرِ حَيرانَا
فقلت: نعم قول محمود الوراق ومنه أخذ المعنى:
قلتُ ارفعي السُجفَ نستمتع بمجلسنِافالشمس ما غيبتُ من وجهكِ الكلِلَ
فقال الأنباري: أين هذا من ذاك؟ فقلت: هو هو إن أنعمت النظر فقال أبو الطيب وفي هذه الكلمة أقول:
أما الثيابُ فتَعرَى ومن محاسِنِهاإذ نضَاها ويكسَى الحُسنَ عرُيانا
فأعجلته بأن قالت: هذا الذي التزمته في قوله:
زَينُ الثُيابِ وإن أثوابُها استُلبِتعلى الحَشِيةِ منها زانهَا السُلَبُ
فقال وفيها أقول:
كأنُهُمُ يَرِدونَ المَوُتَ من ظَمأأو ينشَقُونَ من الخَطيُ رَيُحانَا
فقلت سرقته من البحتري:
يَتَزاحمونَ على القِتالِ لدى الوَغىكتَزاحُمِ الذُود العِطاشِ لمَورِدِ
قال: وفيها أقول:
لا أستزَيدُ على ما فيك من كَرَمٍأنا الفتى نِمتُ إن نَبهُتُ يَقظانَا
فقلت هذا مسروق من قول أبي تمام:
نعِمةُ الله فيكَ لا أسأل اللهَسواها نعُمى سوىَ أن تدَومَا
ولو أني فعلتُ كُنتُ كَمَنُيَسألُهُ وهوَ قائمٌ أن يَقُومَا
وقد قال جرير:
إني وحُبكِ لو أردتِ زِيادةًفي الحب عندي ما وَجدتِ مزيدَا
فقال أبو الطيب وفيها أقول:
عَلَيكَ منكَ إذا أخلَيتَ مُرتقِبُلم تأتِ في السر ما لم تأتِ إعلانَا
فقلت هذا مسروق من قول الآخر:
لمَن لا أرىَ أعرضُتُ عن كل من أرَوصِرتُ على قَلبي رَقيباً لقاتِلِهُ
وقد قال العباس:
أغُضُ إذا نظرتُ إلى سواكُمُكأن لكم على قلبي رَقيِباً
فأحفظه ذاك، ورسم المهلبي الأناة به، وأومأ إلي. فقال أبو العلاء صاعد بن ثابت، وكان في الحال يخلف المهلبي: أنا أستحسن قول أبي الطيب في سيف الدولة:
يَمشي الكرِامُ على آثارِ غيرِهمِوأنتَ تَخلُقُ ما تأتي وتَبتدَعُ
مَن كان فوق محَل الشمسِ موضعُهفليَسَ يرفعُه شيء ولا يضَعُ
فقال المهلبي: هذا بكر لم يقله أحد. ثم أقبل على الجماعة وقال: هل تعرفون هذا لأحد؟ فقال أبو الحسن الأنصاري، وكان متعلقاً بأذيال الأدب: يرجع إلى تواب الذي يخرج السرق، يريدني فقال: ما عندك فقلت: الأول مسروق من قول الصنوبري:
وما كفَاكَ بأن ألفيِتَ مُتبِعاًفي الجُود حتى لقت ألفيتَ مبُتدعا
وما الثاني فمسروق من قول بني دلامة، وبعض أصحابنا يرويه لماني:
لو كان يقَعُدُ فوقَ من كرَمٍقومُ لقيِلَ اقعُدوا يا آلَ عَباسِ
ثم ارتَقُوا في شُعاعِ الشمس كلكمُإلى السماء فانتم سادةُ الناسِ
وأول من نطق بهذا المعنى زهير في قوله:
لو كان يقَعدُ فوقَ الشمس من كرِمٍقومُ بأولهِم أو مَجِدهم قَعَدُوا
فلما غشي أبا الطيب موج هذا الكلام قال: رويداً، أما ما نعيته علي من السرق فما يدريك أني اعتمدته، وكلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض، وآخذ من بعض، والمعاني تعتلج في الصدور، وتخطر للتقدم تارة وللمتأخرة أخرى، والألفاظ مشتركة مباحة. وهذا هو عمرو ابن العلاء سئل عن الشاعرين يتفقان في اللفظ والمعنى مع تباين ما ينهما، وتقاذف المسافة بين بلادهما، فقال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها. وبعد، فمن هذا الذي تعرى من الأتباع، وتفرد بالاختراع والابتداع لا أعلم شاعراً جاهلياً ولا إسلامياً إلا قد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب، هذا امرؤ القيس يقول:
جُؤجُؤُ حَشرُ كأن لشجامَهُيُعالَى به في رأسِ جذِعٍ مُشذبِ
وإنما اعتمد غيه على أبي داود:
وهادٍ تَقَدُمَ لا عَيُبَ فِيهِكالجذِعِ شُذبَ عَنهُ الكَرَبُ
وقال أيضاً:
كأنُ مَكاكيُ الجوِاء غدُيةًصُبِحنَ رَحيقاً مِن سُلافٍ مفلفل
وإنما اعتمد فيه على أبي داود الإيادي:
تَخَالُ مَكاكيِهُ بالضحىخلاِلَ الدقارِي شَرباً ثماَلا
وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
كأن غُلامي إذا عَلا حالَ متَنِهِعلى ظَهرِ بازٍ في السماء مُحلقِ
وهو من قول أبي داود:
إذا شاء راكبُهُ ضَمهُكما ضَم بازٍ إليَهِ الجَناحَا
وقال امرؤ القيس:
مِكرٍ مِفَر مقُبِلٍ مدُبِرٍ معاًكجلُمودِ صَخرٍ حطه السيلُ من علِ
وإنما اعتمد فيه على أبي داود في قوله: منِفح مِطرحُ مِعَنُ مِفَنُ مِخلَطُ مِزيَلُ جموحُ خَروجُ وقال امرؤ القيس واصفاً برقاً:
ويهدَا تاراتٍ سَناَهُ وتارةًينَوُء كما ناءَ الكسيرُ المهَيضُ
اعتمد فيه على أبي داود أيضاً في قوله:
وانداح يَنهضَ نَهضَ الكَسيرِجأجَأهُ الماءُ حتى أسالا
وقد أخذه عدي بن زيد منهما فقال:
وحبيّ بعدَ الهُدُو تُهاَديهِرياحُ كَما يزَجىً الكَسيرُ
فهذا أمير الشعراء؛ ومن بعده النابعة، وقد قدّمه عليه قوم، فقال
وتَخالهاُ في البيتِ إذْ فاجأتهاقد كانَ محجوباً سراجُ المَوقد
وإنما اعتمد فيه على قول امرئ القيس:
تضُيء الظّلامَ بالعشاء كأنهاّمنَارَةُ مسمىَ راهب متَبتلِ
وقال زهير:
يَطعنهمْ ما ارتموْاْ حتى إذا اطعنواضاربَ حتى إذا ما ضاربوا اعتَنقاَ
وإنما اعتمد فيه على قول مهلهل:
أنْبضواُ معَجسَ القسيّ وأبرَقْناكما توُعدُ الفُحولُ الفحُولا
وقال الأعشى يصف الطيف:
يَلوينَي ديْني الغَداة وأقتضيِودينْي إذا وقَذَ النّعاسُ الرقدّاَ
وإنما أخذه من قول عمرو بن قميئة:
نأتْكَ أمامةُ إلاّ سؤالاوإلاّ خَيالاً يوُافي خياَلا
يواُفي معَ اللّيلِ ميعادُهاويأبىَ معَ الصبّح إلاّ زَوالا
فقلت له: من هاهنا أخذ قيس بن الخطيم:
أنىّ سَربتَِ غَيَر سَروُبِوتُقَربُ الأحلامُ غيرَ قَريبِ
ما تمَنعَي يقَظيَ فقدْ تؤُتينهُفي النوْمِ غيرَ مصردٍ محسوبِ
فأخذ هذا البحتري فقال:
بنفسيَ من تنأى ويدنو ادّكارهاويبذُلُ عنها طيفهاُ وتماُنعُ
قال: وأخذ الأعشى قوله:
تَبيتوُنَ في المشتى ملاءً بطونكمْوجاراتكمْ غرْثىَ يبتنَ خمائصاَ
من قول الأشعر:
لا يصلُحُ الجارانِ أنْ يتجاوَرَاهذا أخوُ شبعٍ وذا طاوي المعاِ
وهذا عبيد بن الأبرص أخذ قوله:
والناسُ يلحْونَ الغَوِيَ إذا همُخطبواَ الصّوابَ ولا يلاُم المرْشدُ
من قول المرقش الكبر:
فمنْ يلقَ خيراً يحمدِ الناّس أمرهُومنَ يغْولاِ يعدْمْ على الغيّ لائِما
وقال الأخطل:
أما السُراةُ فمِن ديباجةٍ لهَقٍوبالقوائمِ مثلُ الوَشمِْ بالقارِ
وإنما أخذه من قول المسيبّ بن علس في قوله:
كأنّ على الظّهرِ ديباجةًوسُدُ القَوائمِ يحسبنَ قارَا
وهذا جرير أخذ قوله:
وإني لعفُ الفقرِ مشتَركُ الغنىسريعُ إذا أرْضَ داري، احتمالياَ
من المنخبل السعدي في قوله:
إني لترَزْؤني النَوائبُ في الغنىوأعفُ عندَ مشَحةً الإقْتارِ
ولجرير في هجاء الفرزدق:
تَسيلُ علَيهمُ شعُبُ المخازيوهمْ كانوا لسوأتها قَرارَ
وللفرزدق في هجاء جرير:
أنتمُ قَرارةُ كلّ معَدنِ سوْأةٍولكلّ سائلةٍ تسيلُ قَرارُ
وقد أخذاه جميعاً من أعشى باهلة في هجاء الرقاد بن عمرو الجعدي:
بنوُ حصْنٍ قرَارةُ كلّ لؤمٍكذاكَ لكلّ سائلةٍ قرارُ
وأخذ الفرزدق قوله:
جرْدَ القيادِ وفي الطرَادِ كأنهاّعقبانُ يوْمِ تغَيمٍ وطلالِ
وأخذ قوله:
وذاتِ حليلٍ أنكحَتْها رِماحُناحَلالاً لمنْ يبَني بها لم تطَلقِ
من سُليك بن السلكة في قوله:
وكَمْ أيمٍ قد أنكَحَتهْا رِماحُناوأخرى على عمّ وخالٍ تلهفُ
ثم قال: وهذا نبذ يسير من شيء كثير لا يأتي عليه الجمع والاستقصاء، فضلاً عما تساعد به القريحة ويميله الحفظ للمذاكرة. فاشرأب الوزير إلى كلامه، وأصغت الجماعة إلى قوله: وأظهرت استحساناً لا يستحقه ما أتى به. فقلت له: أما قولك إن المعنى يعتلج في الصدر فيخطر للمتقدم تارة وللمتأخر أخرى، وإن الألفاظ مشتركة، فليس الأمر كما تخيلته، ولا الكلام كلهّ مشترك، ولا أن الأول ليس بأولى به من الآخر. ولو كان كذلك لسقطت فضيلة السابق، ولبطلت مهلة المتقدم ولما قدمت شعراء الجاهلية على شعراء الإسلام، وقدم الصدر الأول من الإسلاميين على الصدر الأول من المحدثين ... وإنما حكم لهم بالفضل، وسلم إليهم خصله من أجل ما ابتدعوه من المعاني، وسبقوا إليه من الاستعارات، وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة، وذللوه من طرق الشعر الحزنة ولما تغايروا بالسرق والاجتلاب والنقل والاجتذاب. ألا ترى إلى قول قرادُ ابن حنش المري هاجياً بني عوف:
إذا ما انتَدوا أقعَوا بيوتهِمجُلوس إماء الحي حولُ المَجازر
وإن نَطقُوا قالوا بما قِيلَ قَبلَهُموإنَ وَرَدوا حلو خلاِلَ الصوادِرِ
وعير جرير الفرزدق باجتلابه فقال:
ستعَلمُ مَن يكون أبُوه قَيناًومنَ عُرفَت قَصائدُهُ اجتلابا
ولما قال كعبُ:
فمَن للقوافي شانها من يَحُوكُهاإذا ما مضَىَ كعبُ وفوزَ جرولُ
أعترضه مزرد بن ضرار، وأخو الشماخ، فقال:
مررَت على كعب فخِلت أوبدِيأوابد تعَلوا فوقَ كعبٍ وجرول
فهَل خُضتَ بحراً قصر الناسُ دونهمن الشعر أم هل قلتًَ ما لم تقُولِ
وقال ابن هرمة يذكر قوماً استرقوا شعره، واستعاروا معانيه:
أغذو تلاداً من الأشارِ أصلحهاصلاحَ ذي الحزم للحاجات والرتلِ
احذو قصائدَ للراوينَ باقيةًكأنها بينهمَ موشيةُ الحُللِ
أما نسيباً وإما مدَحَ ذي فَخَرٍيبقى وإما ادخاراً من ذوي خطَلِ
حتى إذا امتلأت أسماعهم عجبَاًواستوقفت في قلوب القوم كالعسلِ
أهووا إليها لغوصٍ في مسارحهالم يقرعوا أمهات الشول للحبلِ
فاستطلعوا عقلاً لا يعقلون بهاوأوضعوا قعَد المجموع في الهملش
وما أشاركهم في طرقِ فحلِهمولا بسهَلٍ أراعيهم ولا جَبلِ
ما إن أزال أرى وسَمي فأعرفهفي ذود آخر موسوماً على قبلِ
وما وسَمتُ قلاِصاً وهيَ راتعَةُحتى أتتُ رَغَم الاقيادِ والعُقَلِ
وما قولك: من هذا الذي من التباع والاحتذاء، وسلوك الطريق التي تقدم إليها غيره من الشعراء؛ فلعمري إن الأمر على ما ذكرته، إلا أنه لا يحمد من الكلام ما كان غاباً، ولا المعاني ما كان مكرراً مردداً. فلا يتسمح الشاعر بأن يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقاً ملصقاً، ومجموعاً ملفقاً، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره، ويتناصر السرق في كلامه. ومن السبيل المحتذي أن يأخذ المعنى دون اللفظ، ثم أن يطويه أن كان مكشوفاً، ويكشفه إن كان مستوراً، ويحسن العبارة عنه، ويختار الوزن العذب له، حتى يكون بالأسماع عبقاً وبالقلوب علقاً. ألا ترى إلى قول الأعشى:
وذَرْنا وقَوْماً إنْ همُ عَمدَوا لناأبا ثابتٍ واقعُدْ فإنُكَ طاعمُ
فأخذه الحطيئة، فأحسن العبارة عنه، واستوفى المعنى فيه، فصار أحق به من المخترع له بقوله:
دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغيَتهاواقُدْ فإنُكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
وكما قال امرؤ القيس:
ولا مِثلَ يَوْمٍِ في قُذارَنَ ظلِتْهُكأني وأصحابي على قَرْنِ أعْفَراَ
فأخذه المرار وكشفه وقال:
كأنُ قلُوبَ أدلائِهاَمُعَلُقَةُ بقُرُونِ الظُباء
وكما قال المرقش في شبلين:
ما مَرُ يوْمُ إلاُ وعندهمالحُم رِجالٍ أوْ يُولغانِ دما
فنظر امرؤ القيس نظراً فقال:
كأنُ قُلوبَ الطُيرِ رَطباً ويابساًلدى وكَرِها العُنابُ والحَشَفُ البالي
وذلك أن امرأ القيس ذهب إلى أن العقاب مرزوقة وأن الصيد عندها، إلى هذا ذهب المرقش في وصف اللبوة إلى أنها مرزوقة وإلى أن الفرائس عندها كثيرة. وأنت إذا تأملت الأبيات التي احتجت بها وجدت كثيراً من المأخوذ فيها مبرزاً على المأخوذ منه، متقدماً في ميدان البيان، محكوماً فيه للآخذ بالإحسان، أو مساويا له كل المساواة. فمن المساواة قول امرئ القيس:
فلو أنها نَفسُ تَموت سويةٍولكنها نَفسُ تَساقَطُ أنفساً
فأخذه عبد بن الطيب، فكشفهوأرهفه وساوى فيه من تقدمه فقال:
فما كان قَيسُ هَلكُهُ هُلكَ واحدولكنِهُ بُنيانُ قَومٍ تَهَدَمَا
ونظير هذا قول نابغة الذبياني:
سقَطَ النُصِيفُ ولم تُرِد إسقاطَهفتناَولَتُهُ واتقَتنا باليَدِ
فأخذ المعنى أبو حية النميري فأحسن كل الإحسان لزيادة لطيفة زادها في قوله:
فألقتُ قِناعاً دونهُ الشُمسُ واتقتُبأحسَنِ مِوصُولَيِن: كفٍ ومعِصَمِ
فوجبت له المساواة بهذه الزيادة، ولم يعط الفضل على النابغة لتقدم النابغة في الاختراع لهذا المعنى. والزيادة قوله: " دونه الشمس " يريد مثل الشمس، وبقوله: " بأحسن موصولين ". فأما أن يجتلب الشاعر المعنى ويقصر عن استيفائه تقصيرك، ويسيء العبارة عنه إساءتك، ويقع أبداً دون الأول، فغير محمل له، ولا متسمح فيه، ولا محكوم بالإحسان في شيء منه. ألا ترى إلى قول طرفة:
لعَمرُ إن الموتَ ما أخطأ الفَتىلَكَالطوَلِ المرخى وثنِياه في اليدِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع