تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٢٠- أبو عبادة البحترى

حدثنى أبو الحسن على بن هارون، قال: كان ابن عمى أبو الحسن أحمد بن يحيى يقرأ على أبى الغوث يحيى بن البحترى أشعار أبيه بحضرة عمى أبى أحمد يحيى بن على عند قدوم أبى الغوث على العباس بن الحسن ومدحه إياه بقصيدة دالية أوصلها عمّى إلى العباس، فأمر له بمائة دينار وثياب. فأقام مدة؛ فلما عزم على الشخوص أمر له بألف درهم تحمّل بها؛ فكان مما قرئ عليه، وأنا حاضر، القصيدة التى مدح بها البحترىّ الحسن بن سهل، وأولها:

ما بعينى هذا الغزال الغرير

إلى أن انتهى العرض إلى هذا البيت:

وكأن الأيام أوثر بالحسن عليها يوم المهرجان الكبير
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما بعيني هذا الغزال الغرير»

فقال له أبو الحسن ابن عمى- وقد اعتبرت النسخ الحاضرة فكانت متفقة على هذا البيت المكسور، لأنه يزيد سببا وهو الواو والياء من يوم- فقال أبو الحسن: يا أبا الغوث، ألا ترى إلى هذا الغلط على أبى عبادة الذى لا يتّهم بمثله، وقد أجمعت النسخ عليه.

فقال: هكذا قال الشيخ. فأقبل عليه عمى يبين له موضع الكسر، ويقطعه له، ويزنه بالبيت الذى قبله والبيت الذى بعده، وهو غير مستنكر له بذوقه، وسامه عمّى تغييره، فأبى ذلك، وقال: أغيّر شعر الشيخ؟ فقال عمى: هذا رجل قد وجب له علينا حق، وسار له فينا مدح، ويلزمنا تغيير هذا الكسر حتى لا يعاب به. فغضب حتى ظهر فيه الغضب ظهورا لم يستحسن عمى معه أن يزيد فى الكلام.

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كنّا يوما عند أبى على الحسين بن فهم، فجرى ذكر أبى تمام، فسأله رجل: أيما أشعر أبو تمام أو البحترى؟ فقال: سمعت بعض العلماء بالشعر- ولم يسمّه- وسئل عن هذا فقال: كيف يقاس البحترى بأبى تمام؛ وهو به، وكلامه منه؛ وليس أبو تمام بالبحترى، ولا يلتفت إليه.

أخبرنى الصولى، قال: حدثنى الحسين بن إسحاق، قال: قلت للبحترى: الناس يزعمون أنك أشعر من أبى تمام. فقال: والله ما ينفعنى هذا القول، ولا يضرّ أبا تمام؛ والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوه، ولكنى والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمى يركد عند هوائه، وأرضى تنخفض عند سمائه.

قال الصّولى: وهذا من فضل البحترى أن يعرف الحقّ، ويقرّ به، ويذعن له. وإنى لأراه يتّبع أبا تمام فى معانيه حتى يستعير مع ذلك بعض لفظه، فلا يقع إلا دونه، ويعود فى بعضها طبعه تكلفا وسهله صعبا.

من ذلك قول أبى تمام:

يستنزل الأمل البعيد بيشرهبشرى المخيلة بالربيع المغدق
وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلىمعروفها الروّاد ما لم تبرق

فقال البحترى:

كانت بشاشتك الأولى التى ابتدأتبالبشر ثم اقتبلنا بعدها النّعما
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله أولي يمينا برة قسما»
كالمزنة استوبقت أولى مخيلتهاثم استهلّت بغزر تابع الدّيما

فسبحان الذى حوّل تكلف أبى تمام إلى البحترى، وطبع البحترى إلى أبى تمام! والأمر فى هذا أوضح من أن يحوج إلى كلام عليه أو تبيين له.

قال: ومن ذلك قول أبى تمام:

فسواء إجابتى غير داعودعائى بالقاع غير مجيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

فقال البحترى:

وسألت من لا يستجيب فكنت فى استخباره كمجيب من لا يسأل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»

فلم يبلغه فى حسن قسمته، ولا سهولة لفظه؛ وهذا كثير جدا.

فأما الذى أخذه البحترى نقلا، فأخذ اللفظ والمعنى، فقول أبى تمام يصف شعره:

منزّهة عن السّرق المورّىمكرّمة عن المعنى المعاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

فقال البحترى يصف بلاغة:

لا يعمل المعنى المكرّر فيه واللفظ المردّد

وقال أبو تمام:

متوطّئو عقيبيك فى طلب العلاوالمجد ثمّت تستوى الأقدام

فقال البحترى:

حزت العلا سبقا وصلّى ثانياثم استوت من بعدى الأقدام
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنظر إلى العلياء كيف تضام»

وقال أبو تمام:

ولقد أردتم مجده وجهدتمفإذا أبان قد رسا ومتالع

فنقله البحترى لفظا ومعنى، فقال:

ولن ينقل الحساد مجدك بعد ماتمكّن رضوى واطمأنّ متالع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمت وهل إلمامها لك نافيع»

ومما احتذى فيه البحترى أبا تمام، وقدّر مثل كلامه، فعمل معناه عليه ما أخذه من قوله:

همّة تنطح النجوم وجدّآنف للحضيض فهو حضض
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وثناياك إنها إغريض»

فقال البحترى:

متحيّر يغدو بعزم قائمفى كلّ نازلة وجدّ قاعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «عجبا لطيف خيالك المتعاهد»

وسرقات البحترى من أبى تمام كثيرة.

حدثنى على بن هارون، قال: حدثنى أبو عثمان الناجم، قال على: وأحسب أن على بن العباس النّوبختى قد حدثنى به، قال: سمعت البحترى يقول: مكثت فى لوحى:

خضبت فى لوحى: «خضبت بالمقراض» أربعين سنة حتى أتممتها، فقلت:

لم يدعنى كرّ الغديّات والآصال حتى خضبت بالمقراض

حدثنى على بن هارون، قال: أخبرنا أبو الغوث يحيى بن البحترى، عن أبيه، أنه أجبل عشر سنين؛ فما كان يستطيع أن يقول بيتا من الشعر، قال: ثم دعانى فى وقت من الأوقات، فقال لى: تعال يا بنى. فجئت إليه. فقال: اكتب. وأقبل يملى علىّ ابتداء قصيدة قد كان قال بعضها، ووسط قصيدة، وقطعة من مدح من قصيدة، وتشبيبا من أخرى، فقلت له: يا أبت، ما هذا؟ وظننته من أشعار له قديمة، فقال لى: يا بنى، قد عرفت المدة التى قطعت فيها قول الشعر، وو الله ما كنت أستطيع فيها أن أنظم بيتين؛ وأما الآن فقد اطلعت طلع بحر من الشعر لا يلحق غوره.

وقال بعضهم: مما وجد فى شعر البحترى من اللحن قوله:

يا عليّا يا أبا الحسن المالك رقّ الظريفة الحسناء

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: أنشدنيه له أحمد بن محمد بن زياد، عن أبى الغوث وعلى بن هارون عن أبيه وغيرهما.

وقوله:

يا مادح الفتح ويا آملهلست امرءا خاب ولا مئن كذب
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما للكبير في الغواني من أرب»

وقوله

ولو أنصف الحسّاد يوما تأمّلوامساعيك هل كانت بغيرك أليقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأوشك شعب الحي أن يتفرقا»

وقالوا: لو تتبّع اللحن فى شعره لوجد أكثر من هذا. وقد هجى بذلك؛ وتقدم قول ابن أبى طاهر فيه:

فلما تصفّحت أشعارهإذا هو فى شعره قد خرى
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
ففى بعضها لاحن جاهلوفى بعضها سارق مفتر
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد المهلبى، قال لى أحمد بن خلاد: لا أعرف أحدا أخبث أصلا وفرعا، ولا أكفر لإحسان من البحترى؛ دخل إلى المستعين بعد قتل أوتامش، وكاتبه شجاع، وإنما أذكرت به، فأنشده

لقد نصر الإمام على الأعادىوأضحى الملك موطود العماد
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد نصر الإمام على الأعادي»
وعرّفت الليالى فى شجاعوتامش كيف عاقبة الفساد
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد نصر الإمام على الأعادي»
بدار فى اقتطاع الفىء خافوسعى فى فساد الملك باد
بهضم للخلافة وانتقاصوظلم للرعية واضطهاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد نصر الإمام على الأعادي»
أمير المؤمنين اسلم فقدمانفيت الغىّ عنّا بالرّشاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد نصر الإمام على الأعادي»
تدارك عدلك الدّنيا فقرّتوعمّ نداك آفاق البلاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «لقد نصر الإمام على الأعادي»

فلم يأمر له المستعين بشىء، فما زالت أصفه وأشهد له بقديم الموالاة حتى دفع إليه

خريطة كانت فى يده مملوءة دنانير؛ فكانت ألف دينار. ودعا بغالية فغلّفه بيده. فلما خلع المستعين وولى المعتز كان أول ما أنشده قصيدة أولها

يجانبنا فى الحبّ من لا نجانبه

فقال فيها:

عجبت لهذا الدهر أعيت صروفهوما الدّهر إلّا صرفه وعجائبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»
متى أمّل الدّياك أن تصطفى لهعرى التاج أو تثنى عليه عصائبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»
وكيف ادّعى حقّ الخلافة غاصبحوى دونه إرث النبىّ أقاربه
بكى المنبر الشرقىّ إذ خار فوقهعلى النّاس ثور قد تدلّت غباغبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»

ثقيل

على جنب الثريد مراقبلشخص الخوان يبتدى فيواثبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»
إذا ما احتشى من حاضر الزاد لم يبلأضاء شهاب الملك أم باخ

ثاقبه

إذا بكر الفرّاش ينثو حديثهتضاءل مطريه وأطنب عائبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»
رمى بالقضيب عنوة وهو صاغروعرّى من برد النبى مناكبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»
وقد سرّنى أن قيل وجّه مسرعاإلى الشرق تجرى سفنه ومراكبه
إلى كسكر خلف الدّجاج، ولم تكنلتنشب إلّا فى الدجاج مخالبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»

وما لحية القصّار حين تنفّشت

بجالبة خيرا على من يناسبه

قال ابن خلاد: فهجاه فيها بأصناف الأهاجى، ثم لم يرض حتى ذكرنى فقال:

يجوز ابن خلّاد على الشّعر عندهويضحى شجاع وهو- للجهل- كاتبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»

قال: فو الله ما حظى من المعتزّ فى هذه القصيدة بطائل حتى رجع إلى بلده خائبا.

قال الصولى: وله يهجو المستعين من قصيدة

أعاذلتى على أسماء ظلماوإجراء الدموع لها الغزار
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»
متى عاودتنى فيها بلومفبت ضجيعة للمستعار
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»
لأسلح حين يمسى من حبارىوأقضم حين يصبح من حمار
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»
إذا أهوى لمرقده بليلفياخزى البرادع والسرارى
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»
ويا بؤس الضجيع وقد تلظىبحاظى

جامد معه وجار

ولو أنّا استطعنا لافتديناقطوع الرّتم

منه بالبوارى

وما كانت ثياب الملك تخشىجريرة بائل فيهنّ خارى
يبيد الراح فى يوم النّدامىويفنى الزاد فى يوم الخمار
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»
يعبّ فينفد الصهباء جلفقريب العهد بالدّبس

المدار

رددناه برمّته ذميماوقد عمّ البرية بالدّمار
للشاعر البحتري، من قصيدة «حَذَرْتُ الحُبّ، لَوْ أغْنى حِذاري»
وكان أضرّ فيهم من سهيلإذا أوبى، وأشام من قدار
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»

قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذه الأبيات من أقبح الهجاء وأضعفه لفظا وأسمجه معنى، ولا سيما بيت «البوارى»؛ وهى أيضا خارجة عن طريقة هجاء الخلفاء والملوك المألوفة، وهى بهجاء سفلة الناس ورعاعهم أشبه، مع ما جمعت من سخافة اللفظ، وهلهلة النسج، والبعد من الصواب.

وكثير من أهل الأدب ينكر خبث لسان علىّ بن العباس، ويطعن عليه بكثرة هجائه، حتى جعلوه فى ذلك أوحد لا نظير له، ويضربون عن إضافة البحترى إليه وإلحاقه

به، مع إحسان ابن الرّومى فى إساءته، وقصور البحترى عن مداه فيه، وأنه لم يبلغه فى دقة معانيه وجودة ألفاظه وبدائع اختراعاته، أعنى الهجاء خاصة؛ لأنّ البحترىّ قد هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحه؛ منهم خليفتان، وهما المنتصر والمستعين؛ وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القوّاد، ومن جرى مجراهم من جلّة الكتاب والعمال ووجوه القضاة والكبراء بعد أن مدحهم وأخذ جوائزهم؛ وحاله فى ذلك تنبئ عن سوء العهد، وخبث الطريقة.

ومما قبح فيه أيضا، وعدل عن طريق الشعراء المحمودة- أنّى وجدته قد نقل نحوا من عشرين قصيدة من مدائحه لجماعة توفّر حظّه منهم عليها إلى مدح غيرهم، وأمات أسماء من مدحه أولا، مع سعة ذرعه بقول الشعر، واقتداره على التوسّع فيه.

ولم أذكر حاله فى ذلك على طريق التحامل مع اعتقادى فضله وتقديمه؛ ولكننى أحببت أن أبيّن أمره لمن لعله انستر عنه. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومثل حديث البحترى مع المستعين ما أخبرنيه محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو الفيّاض سوّار بن أبى شراعة، قال لى أحمد بن أبى طاهر: ما رأيت أقلّ وفاء من البحترى ولا أسقط؛ رأيته قائما ينشد أحمد بن الخصيب مدحا له فيه، فحلف عليه ليجلسنّ، ثم وصله واسترضى له المنتصر، وكان غضبان عليه، ثم أوصل له مديحا إليه، وأخذ له منه مالا فدفعه إليه. ثم نكب المستعين أحمد بن الخصيب بعد فعله هذا بشهور، فلعهدى به قائما ينشده

ما الغيث يهمى صوب إسبالهوالليث يحمى خيس أشباله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
كالمستعين المستعان الذىتمت لنا النّعمى بأفضاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»

فقال فيها:

لابن الخصيب الويل كيف انبرىبإفكه المردى وإبطاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
كاد أمين الله فى نفسهوفى مواليه وفى ماله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
ورام فى الملك الذى رامهبغشّه فيه وإدغاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
فأنزل الله به نقمةغيّرت النعمة من حاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
وساقه البغى إلى صرعةللحين لم تخطر على باله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
دين بما دان وعادت لهفى نفسه أسوأ أعماله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيثُ يَهمي صَوْبُ إسبالِهِ»
قد أسخط الله بإعزازهالدّنيا وأرضاه

بإذلاله

وفرحة

الناس بإدبارهكحزنهم

كان بإقباله

يا ناصر الدين انتصر موشكامن كائد الدّين ومغتاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»
فهو حلال الدم والمال إننظرت فى ظاهر

أحواله

ثم قال ابن أبى طاهر: كان ابن العلجة

فقيها يفتى الخلفاء فى قتل الناس، فترحه

الله! ثم ختم القصيدة بقوله:

والرأى كل الرأى فى قتلهبالسيف واستصفاء أمواله
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما الغيث يهمي صوب إسباله»

ومما أنكر على البحترى قوله

محلّ على القاطول أخلق داثره

وقالوا: إنما يقال دثر مخلقه، ولا يقال أخلق داثره؛ لأنّ الداثر لا بقية له فتخلق أو تستجد.

وسمعت أبا الحسن على بن هارون يقول: خذل البحترى فى هذا الابتداء من قصيدته هذه.

أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى عثمان سعيد بن الحسن الناجم، قال:

قال لى البحترىّ: أشتهى أن أرى ابن الرومى فوعدته ليوم بعينه، وسألت ابن الرومى أن يصير إلىّ فيه، فأجابنى إلى ذلك؛ فلما حصل ابن الرومى عندى وجهت إلى البحترى؛ فصار إلىّ؛ فاجتمعا وتوانسا؛ فقال له البحترى: قد أقرأنى أبو عيسى بن صاعد قصيدة لك فى أبيه، وسألنى عن الثواب عنها، فقلت له: أعطوه لكل بيت دينارا. ثم تحدّثا، فقال البحترى: عزمت على أن أعمل قصيدة على وزن قصيدة ابن الرومى الطائية فى الهجاء. فقال له ابن الرومى: إياك والهجاء يا أبا عبادة؛ فليس من عملك، وهو من عملى. فقال له: نتعاون. وعمل البحترى ثلاثة أبيات، وعمل ابن الرومى ثمانية، فلم يلحقه البحترى فى الهجاء. وكان اجتماعهما عندى سببا للمودّة بينهما.

أخذ البحترى قوله وقصّر وأفحش، وأسقط أحد القسمين

اعطيتنى حتى حسبت جزيل ماأعطيتنيه وديعة لم توهب
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

من الفرزدق فى قوله:

أعطانى المال حتى قلت أودعنىأو قلت أودع مالا قدرآه لنا

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قال المجنون:

تداويت من ليلى بليلى وحبّهاكما يتداوى شارب الخمر بالخمر

فكان هذا من أحسن المعانى بأحسن الألفاظ، وإن كان الأصل فيه قول الأعشى:

وكأس شربت على لذّةوأخرى تداويت منها بها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تنه نفسك عما بها»

فأخذه أبو نواس فوالله ما بلغه، وظهر فى لفظه تكلف، فقال:

دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراءوداونى بالتى كانت هى الداء
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

والكلفة فى قوله: «بالتى كانت هى الداء»؛ فقال البحترى- سارقا للفظ ومقصّرا عن الطبع والمعنى:

تداويت من ليلى بليلى فما اشتفىبماء الزّبى من بات بالماء يشرق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي كل دار منك عين ترقرق»

قال أحمد بن أبى طاهر وأبو ضياء بشر بن يحيى: قال أبو تمام:

فكاد بأن يرى للشرق شرقاوكاد بأن يرى للغرب غربا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أعتبة أجبن الثقلين عتبا»

وقال فى موضع آخر:

فغربت حتى لم أجد ذكر مشرقوشرّقت حتى قد نسيت المغاربا

فقال البحترى وأحال:

فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى وطورا مغربا للمغرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

وقال أبو تمام:

وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

فقال البحترى- وأخذه لفظا ومعنى:

ولن تستبين الدّهر موضع نعمةإذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

وقال أبو تمام- يصف فرسا:

عوّذه الحاسد ضنّا بهوزفرفت خوفا عليه النفوس

فقال البحترى فى معناه- يصف فرسا- وليس بشىء:

أرسلته ملء العيون مسلّمامنها لشهوتها لطول دوامه
للشاعر البحتري، من قصيدة «طفقت تلوم ولات حين ملامه»

وقال أبو تمام:

من لم يعاين أبا نصر وقاتلهفما رأى ضبعا فى شدقها سبع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي القلوب عليكم ليس ينصدع»

وقد عيب هذا على أبى تمام، لأنهم يجعلون القاتل أعلى وأشهر شجاعة ليقع عذر المقتول؛ فتبعه البحترى فقال:

ولا عجب للأسد أن ظفرت بهاكلاب الأعادى من فصيح وأعجم
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصر حميد لا عزاء لمغرم»

وقال أبو تمام- وهو من جنونه:

تكاد عطاياه يجنّ جنونهاإذا لم يعوّذها بنعمة طالب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فقال البحترى:

إذا معشر صانوا السّماح تعسّفتبهم همّة مجنونة فى ابتذاله

وهذا أجنّ من ذاك.

أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنى محمد بن السّخىّ، قال: وعد الحسن بن مخلد البحترىّ إزالة ما طولب به من التقسيط عنه، وجعل أمره إلى ابن داود السّيبى

كاتبه، فلم يفعل ما أمره به، قال: فلعهدى بالبحترى وهو ينشد الحسن، والحسن مقبل عليه:

طيف ألمّ فحيّا عند مشهده

حتى بلغ قوله:

لتسرينّ قوافى الشعر معجلةما بين سيّره المثلى وشرّده
للشاعر البحتري، من قصيدة «طيف ألم فحيا عند مشهده»

قال: وكان أحمد بن عبد الله طماس حاضرا، فقال للبحترى بعض الكتّاب: قد رددت «سيّره» إلى القوافى، فقل: سيّرها. فقال له طماس: اسكت؛ إنما ردّه إلى الشعر. فقال البحترى: لا عدمتك عضدا وناصرا.

أخبرنى الصولى، قال: حدثنى على بن محمد العباسى- أن بعض النّخاسين احتال على البحترى فى غلام له، فصار إليه، وأنكر البحترىّ بيعه، وكان هذا فى أول أيام المعتضد بالله، فجعل يستعين بالناس فى أمره؛ فقال له القاسم بن عبيد الله: إن أنشدتنى هجاءك لأخذ غلامك رددته عليك، فأنشده:

أخذت غلامى فقنّعتهوخوّلك الجهل أهلى ومالى
للشاعر البحتري، من قصيدة «يلاوط والاست من عنده»

فضحك القاسم، وقال: يا أبا عبادة، نعم، هو مال، أفهو أهل؟ قال: لا! ولكنى حكيت قول الناس! ثم غيّره: فخوّلك الجهل بالجاه مالى أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكجّى، قال: قلت للبحترى: ويحك! تقول فى قصيدتك التى مدحت بها أبا سعيد:

أأفاق صبّ من هوى فأفيقا ... .........

يرمون خالقهم بأقبح فعلهمويحرّفون كلامه المخلوقا

أصرت قدريّا معتزليّا؟ فقال لى: كان هذا دينى فى أيام الواثق، ثم نزعت عنه فى أيام المتوكل. فقلت له: يا أبا عبادة، هذا دين سوء يدور مع الدول.

قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: وقد هجا ابن أبى دواد، فأنكر عليه قوله بخلق القرآن فى أبيات خاطب فيها المتوكل.

قال أبو ضياء بشر بن يحيى: قال أبو تمام:

وترى الكريم يعزّ حين يهون

فقال البحترى:

وإذا عزّ كريم القوم ذلّ

كلاهما غير محسن، وإنما أراد التواضع، فجعل مكانه الهوان والذّلّ.

وقال أبو تمام:

لو لم تفتّ مسن المجد مذ زمنبالبأس والجود كان المجد قد خرفا

فقال البحترى:

صحبوا الزمان الفرط إلّا أنههرم الزمان وعزّهم لم يهرم
للشاعر البحتري، من قصيدة «هذي المعاهد من سعاد فسلم»

وهذا شبيه بذاك فى قبحه؛ قول حبيب: خرف الزمان، وقول هذا: هرم.

وقال أبو تمام:

إذا وعد انهلّت يداه فأهدتالك النّجح محمولا على كاهل الوعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
سفوحان تفترّ المكارم عنهماكما الغيث مفترّ عن البرق والرّعد

فقال البحترى:

يوليك صدر اليوم قاصية الغنىبمواهب قد كنّ أمس مواعدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «مِنْ رِقْبَةٍ، أدَعُ الزّيارَةَ عَامِدَا»
سوم السحائب ما بدأن بوارقافى عارض إلا ثنين رواعدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «من رقبة أدع الزيارة عامدا»

لم يحسن أخذ المعنى؛ لأنّ أبا تمام جعل الوعد مكان البرق والرعد اللذين يدلّان على الغيث، وأقام النائل مقام الغيث. والبحترى قال: «إلا انثنين رواعدا».

وقد ذكر مثل هذا فى موضع آخر، قال أبو تمام:

يستنزل الأمل البعيد ببشرهبشرى المخيلة بالربيع المغدق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا برق طالع منزلا بالأبرق»
وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلىمعروفها الرّواد ما لم تبرق

فأخذه البحترى أخذا قبيحا، وأتى بمحال واضطراب شديد، فقال:

ضحكات فى إثرهنّ العطاياوبروق السحاب قبل رعوده
للشاعر البحتري، من قصيدة «بات عهد الصبا وباقي جديده»

فحبيب إنما شبّه البشر بالبرق الذى هو دليل على الغيث، ثم أقام العطاء من بعد البشر مقام الغيث؛ فأما الرعود فليس لذكرها فى هذا الموضع معنى؛ بل الرعود مكروهة لا يؤمن من الآفات فيها بالصواعق والبرد، وما علمنا أحدا وصفها فأقامها مقام المطر غيره.

وسرقات البحترى من أبى تمام نحو خمسمائة بيت؛ وإنما ذكرنا منهما فى هذا الموضع ما قصّر فيه البحترى عن مدى أبى تمام أو شاركه فى عيبه.

حدثنى أحمد بن محمد بن زياد، قال: سألت أبا الغوث عن السبب فى خروج أبيه عن بغداد؛ فقال لى: كان أبى قد قال فى قصيدته التى رثى فيها أبا عيسى بن صاعد-

أبياتا وجد بها بعض أعدائه عليه مقالا، فشنّع عليه أنه ثنوىّ، ودارت فى الناس؛ وكانت العامّة حينئذ غالبة ببغداد، فخافهم على نفسه؛ فقال لى: قم بنا يا بنىّ حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلمّ فيها ببلدنا ونعود، قال: فخرجنا، وأقام فلم يعد.

قال: والأبيات:

أخىّ متى خاصمت نفسك فاحتشدلها، ومتى حدّثت نفسك فاصدق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
أرى علل الأشياء شتّى، ولا أرى التّجمع إلّا علّة للتفرّق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
أرى العيش ظلّا توشك الشمس نقلهفكس فى ابتغاء العيش كيسك أومق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
أرى الدهر غولا للنفوس؛ وإنمايقى الله فى بعض المواطن من يقى
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
فلا تتبع الماضى سؤالك لم مضى؟وعرّج على الباقى فسائله لم بقى
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
ولم أر كالدنيا حليلة وامقمحبّ متى تحسن بعينيه تطلق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
تزاها عيانا وهى صنعة واحدفتحسبها صنعى حكيم وأخرق

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثالثا-] الشعراء المحدثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.