من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري
الصفحة ٢ من ٢
وقوله:
والشّيء لا يكثر مدّاحهإلاّ إذا قيس إلى ضدّه
لولا غضى نجد وقلاّمهلم يثن بالطّيب على رنده
يشتاق أيّار نفوس الورىوإنّما الشّوق إلى ورده
أضحى الذي أجلّ في سنّهمثل الذي عوجل في مهده
ولا يبالي الميت في قبرهبذمّه شيّع أو حمده
والواحد المفرد في حتفهكالحاشد المكثر من حشده
وحالة الباكي لآبائهكحالة الباكي على ولده
تجربة الدنيا وأفعالهاحثّت أخا الزّهد على زهده
وقوله:
وظنّ بسائر الإخوان شراولا تأمن على سرّ فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبريلما طلعت مخافة أن تكادا
منها:
فأيّ الناس أجعله صديقاوأيّ الأرض أسلكه ارتيادا
ولو أنّ النّجوم لديّ مالنفت كفّاي أكثرها انتقادا
كأنّي في لسان الدّهر لفظتضمّن منه أغراضا بعادا
يكرّرني ليفهمني رجالكما كررت معنى مستعادا
/ وقوله:
وما الدّهر إلاّ دولة ثمّ صولةوما العيش إلاّ صحّة وسقام
ولو دامت الدّولات كانوا كغيرهمرعايا ولكن ما لهنّ دوام
وقوله:
ولسنا وإن كان البقاء محبّبابأوّل من أخنى عليه حمام
وحبّ الفتى طول الحياة يذلّهوإن كان فيه نخوة وعرام
وكلّ يريد العيش والعيش حتفهويستعذب اللذّات وهى سمام
وقوله:
لا تنس لي نفحاتي وانس لي زلليولا يغرّك خلقي واتّبع خلقي
فربّما ضّر خلّ نافع أبداكالرّيق يحدث منه عارض الشّرق
فإن توافق في معنى بنو زمنفإنّ جلّ المعاني غير متّفق
قد يبعد الشّيء من شيء يشابههإن السماء نظير الماء في الزّرق
وقوله:
ومن العجائب أن يسيّر آملمدحا ولم يعلم بها المأمول
والعيس أقتل ما يكون لها الظّماوالماء فوق ظهورها محمول
وقوله في الوصف والتّشبيه والاستعارة:
أعن وخد القلاص كشفت حالاومن عند الظّلام طلبت مالا
ودرّا خلت أنجمه عليهفهلاّ خلتهنّ به ذبالا
وقلت الشّمس بالبيداء تبرومثلك من تخيّل ثمّ خالا
ومنها في ذكر الخيل:
نشأن مع النّعام بكل دوّفقد ألفت نتائجها الرئّالا
ولمّا لم يسابقهنّ شيءمن الحيوان سابقن الظّلالا
/ وفي ذكر الخيل أيضا:
ونمّ بطيفها السّاري جوادفجّنبنا الزّيارة والوصالا
وأيقظ بالصّهيل الركب حتّىظننت صهيله قيلا وقالا
ولولا غيرة من أعوجيّلبات يرى الغزالة والغزالا
يحسّ إذا الخيال سرى إلينافيمنع من تعهّدنا الخيالا
وقد يلفى زبرجده عقيقاإذا شهد الأمير به القتالا
وكلّ ذؤابة في رأس خودتمنّى أن تكون له شكالا
ومنها في ذكر السيف:
يذيب الرّعب منه كلّ عضبفولا الغمد يمسكه لسالا
ودّبت فوقه حمر المناياولكن بعد ما مسخت نمالا
وقوله:
صاغ النّهار حجوله فكأنّماقطعت له الظّلماء ثوب الأدهم
قلق السّماك لركضه ولربّمانفض الغبار على جبين المرزم
وبنت حوافرها قتاما ساطعالولا انقياد عداك لم يتهدّم
باض النّسور به وخيّم مصعداحتّى ترعرع فيه فرخ القشعم
وقوله:
فكاد الفجر تشربه المطاياوتملأ منه أسقية شنان
وقد دقّت هواديهنّ حتّىكأنّ رقابهنّ الخيزران
إذا شربت رأيت الماء فيهاأزيرق ليس يستره الجران
/ وقوله في الخيل أيضا:
كأنّ أذنيه أعطت قلبه خبرامن السّماء بما يلقى من الغير
يحسّ وطء الرّزايا وهى نازلةفينهب الجري نفس الحادث المكر
يغنى عن الورد إن سلّوا صوارمهمأمامه لاشتباه البيض بالغدر
وقوله من أخرى في السيف:
وكلّ أبيض هنديّ به شطبمثل التكسّر في جار بمنحدر
تغايرت فيه أرواح تموت بهمن الضّراغم والفرسان والجزر
روض المنايا على أنّ الدّماء بهوإن تخالفن أبدال من الزّهر
ما كنت أحسب جفنا قبل مسكنهفي الجفن يطوى على نار ولا نهر
ولا ظننت صغار النّمل يمكنهامشي على اللّجّ أو سعي على السّعر
وقوله:
وهجيرة كالهجر موج سرابهاكالبحر ليس لمائه من طحلب
أوفى بها الحرباء عودي منبرللظّهر إلا أنّه لم يخطب
وكأنّه رام الكلام ومسّهعيّ فأسعده لسان الجندب
وقوله:
ألاح وقد رأى برقا مليحاسرى فأتى الحمى نضوا طليحا
وقوله:
إذا الحرباء أظهر دين كسرىفصلّي والنّهار أخو صيام
وأذّنت الجنادب في ضحاهاأذانا غير منتظر الإمام
وقوله:
وليل خاف قول النّاس لمّاتولّى سار منهزما فعادا
/ دجا فتلهّب المرّيخ فيهوألبس جمرة الشّمس الرّمادا
وقوله:
حروف سرى جاءت لمعنى أردتهبرتني أسماء لهنّ وأفعال
يحاذرن من لدغ الأزمّة لا اهتدىمخبّرها أنّ الأزمة أصلال
وقوله:
إذا ما اهتاج أحمر مستطيراحسبت اللّيل زنجيا جريحا
وقوله:
وإصباح فلينا اللّيل عنهكما يفلى عن النّار الرّماد
أبلّ به الدّجى من كلّ سقموكوكبه مريض لا يعاد
ومن غلل تحيد الرّيح عنهمخافة أن يمزّقها القتاد
لو انّ بياض عين المرء صبحهنالك ما أضاء به السواد
وقوله:
تبيت النّجوم الزّهر في حجراتهشوارع مثل اللؤلؤ المتبدّد
فأطمعن في أشباحهن سواقطاعلى الماء حتّى كدن يلقطن باليد
بخرق يطيل الجنح فيه سجودهوللأرض زيّ الرّاهب المتعبّد
ولو نشدت نعشا هناك بناتهلماتت ولم تسمع له صوت منشد
وتكتم فيه العاصفات نفوسهافلو عصفت بالنبت لم يتأوّد
وقوله:
تناعس البرق أي لا أستطيع سرّىفنام صحبي وأمسى يقطع البيدا
كأنّه غار منا أن نصاحبهوخاف أن نتقاضاك المواعيدا
/ وقوله:
هذا قريض عن الأملاك محتجبفلا تذله بإكثار على السّوق
كأنّه الرّوض يبدي منظرا عجباوإن غدا وهو مبذول على الطّرق
لفظ كأنّ معاني السّكر تسكنهفمن تحفّظ بيتا منه لم يفق
وقوله:
كانّ الدّجى نوق عرقن من الونىوأنجمها فيها قلائد من ودع
وقوله:
لا تستبين به النّجوم تنائياويلوح فيه البدر مثل الدّرهم
وقوله:
كأنّ الثّريّا والصباح يروعهاأخو سقطة أو ظالع متحامل
وقوله:
بريح أعيرت حافرا من زبرجدلها التّبر جسم واللّجين خلاخل
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضتعن الماء فاشتاقت إليها المناهل
ومنها فى الليل:
كأنّ دجاه الهجر والصبح موعدبوصل وضوء الصّبح حبّ مماطل
وقوله:
فتى تقصر الأبصار عن قسماتهولا ستر إلاّ هيبة وجلال
فجاش عليها البحر وهو كتائبوخرّت إليها الشّهب وهى نصال
بأيديهم السّمر العوالي كأنّمايشبّ على أطرافهن ذبال
وقوله في وصف النهار:
نهار كأنّ البدر قاسى هجيرهفعاد بلون شاحب من سهامه
بلاد يضلّ النّجم فيها سبيلهوتثني دجاها طيفها عن لمامه
وقوله من مرثية:
وما كلفة البدر المنير قديمةولكنّها في وجهه أثر اللّطم
/ وقوله يصف الخمرة:
تطلّع من جدار الكأس كيمايحيّي أوجه الشّرب الكرام
وقوله:
كأنّ الليل حار بها ففيههلال مثل ما انعطف اللّسان
ومن أمّ النّجوم عليه درعيحاذر أن يمزّقها الطّعان
وقد بسطت إلى الغرب الثّريّايدا غلقت بأنملها الرّهان
كأنّ يمينها سرقتك شيئاومقطوع عن السّرق البنان
وقوله:
بيوم كأنّ الشّمس فيه خريدةعليها من النّقع الأحمّ لثام
وقوله:
ولاح هلال مثل نون أجادهابذوب النّضار الكاتب ابن هلال
وقوله:
خفاف يباهي كلّ هجل هبطنهبهنّ على العلاّت ربد نعامه
إذا أرزمت فيه المهاري ولم يجبحوار أجابت عنه أصداء هامه
ولو وطئت في سيرها جفن نائمبأخفافها لم ينتبه من منامه
وقوله:
ربّ ليل كأنّه الصّبح في الحسن وإن كان أسود الطّيلسان
قد ركضنا فيه إلى اللّهو حتّىوقف النّجم وقفة الحيران
وكأنّي ما قلت والبدر طفلوشباب الظّلام في العنفوان
ليلتي هذه عروس من الزّنج عليها قلائد من جمان
هرب النّوم عن جفوني فيهاهرب الأمن عن فؤاد الجبان
وكأنّ الهلال يهوى الثّريافهما للوداع معتنقان
وسهيل كوجنة الحبّ في اللون وقلب المحبّ في الخفقان
يسرع اللّمح في احمرار كما تسرع في اللّمح مقلة الغضبان
/ ثمّ شاب الدّجى فخاف من الهجر فغطّى المشيب بالزّعفران
وقوله يصف الدرع:
نثرة من ضمانها للقنا الخطّيّ عند اللقاء نثر الكعوب
مثل وشي الوليد لانت وإن كانت من الصّنع مثل وشي حبيب
تلك ماذية وما لذباب السّيف والصّيف عندها من نصيب
وقوله:
أضاة لا يزال الزّغف منهاكفيلا بالإضاءة في الدّياجي
مموّهة كأنّ بها ارتعاشالفرط السّنّ أو داء اختلاج
وهل تعشو النّبال إلى ضياءثنى السّمراء مطفأة السّراج
وقوله:
سالت على العاري وهالت وانطوتلينا فكالتها الفتاة بصاعها
آليّة ليست تغرّ سوى القناوالمرهفات بمكرها وخداعها
وكأنّما رعب السّيول تسرّعتفمضت وقرّ الصّفو من دفّاعها
وقوله:
فمن لبسطام بين قيس بهاذخيرة أو عامر بن الطّفيل
فارسها يسبح في لجةمن دجلة الزّرقاء أو من دجيل
وقوله:
كأثواب الأراقم مزّقتهافخاطتها بأعينها الجراد
وقوله:
جرّدت الحيّات فيها لبسهاوطرّحت للرّيح كلّ معوز
إن نفخت فيه الصّبا رأيتهمثل عمود الفضّة المخرّز
وقوله في الشّمعة:
/ وصفراء لون التّبر مثلي جليدةعلى نوب الأيّام والعيشة الضّنك
تريك ابتساما دائما وتجلّداوصبرا على ما نالها وهى في الهلك
ولو نطقت يوما لقالت أظنكّمتخالون أنّي من حذار الردّى أبكي
فلا تحسبوا دمعي لوجد وجدتهفقد تدمع العينان من كثرة الضّحك
وحكي من ذكاء أبي العلاء أنّه لمّا سافر إلى بغداد دفع بعض أهله إلى خادمه الذي كان سافر معه لخدمته ماء من بئر بالمعرّة، يقال لها بئر القراميد، وقال له: إذا أراد العود من بغداد فاسقه من هذا الماء. فلمّا خرج من بغداد متوجّها إلى معرّة النعمان سقاه ذلك الماء، فقال أبو العلاء: ما أشبه هذا الماء بماء بئر القراميد!
وحكى القاضي الرشيد بن الزبير المصريّ، في كتاب "جنان الجنان"، قال:
حدّثني القاضي أبو عبد الله محمد بن سنديّ القنّسريّ، قال: حدثني أبي، قال: بينما أنا عند أبي العلاء المعرّي، في الوقت الذي يملي فيه شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم، فأملى في ليلة واحدة ألفي بيت، كان يسكت زمانا ثمّ يملي قريبا من خمسائة بيت، ثمّ يعود إلى الفكرة والعمل، إلى ان كمّل العدّة المذكورة.
ونقل أن رجلا من طلبة العلم باليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوّله، وأعجبه جمعه وترتيبه، فاتّفق أنّه حجّ فحمله معه، وكان إذا اجتمع بأديب أراه ذلك الكتاب وسأله عنه: هل يعرفه أو يعرف مصنّفه؟ فلم يجد أحدا يخبره بذلك. فأراه في بعض الأحيان لبعض الأدباء، وكان ممّن يعلم حال أبي العلاء وتبحره في العلم، فدلّه عليه. فخرج ذلك الرجل إلى الشام، ووصل إلى معرّة النعمان، فاجتمع بأبي العلاء، وعرّفه ما حمله على الرحلة إليه، وأحضر ذلك الكتاب/ وهو مقطوع الأوّل. فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئا. فقرأ عليه. فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا وكذا، ومصنّفه فلان بن فلان. ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أوّل الكتاب، إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل.
فنقل ما نقص منه عن أبي العلاء، وأكمل النسخة.
وقيل: إن الكتاب المذكور هو "ديوان الأدب" للفارابي. والله أعلم.
وقال محمد بن أبي بكر الخاتمي: ارتحلت أريد المعرّة لألقى أبا العلاء، فلقيت في طريقي شابا حسنا وسيما وهو أعور، ومعه شخص وضيء الوجه، حسن الصورة، يعتبه عتابا لطيفا، فلمّا انتهى إلى آخر عتابه قال له الشابّ الأعور منشدا:
إن كنت خنتك في الهوىفحشرت أقبح من فضيحه
قال الحاتمىّ: فرمت أن أزيد على هذا البيت فلم أستطع، لكثرة طربي به، إلى أن انتهيت إلى المعرّة، ودخلت على أبي العلاء، فكان أوّل حديثي معه أن تذاكرنا في أبيات من الشعر، ذكر منها بيت جهل قائله، وهو:
إنّما تسرح آساد الشّرىحيث لا تنصب أشراك الحدق
فقال: لقد أضاء بصيرة وإن عمي بصرا. فقلنا له: أتعرف لمن الشعر؟ فقال لا.
فبحثنا عنه، فوجدناه لبشار بن برد. ثمّ خلوت معه، فسألنى: من أنت؟ فانتسبت إليه، فقال: أنشدني شيئا من شعرك، فأنشدته، ثمّ حكيت له حكاية الشّاب، وأنسيت أن أقول له أنّه أعور، وأنشدته قوله:
إن كنت خنتك في الهوىفحشرت أقبح من فضيحة
فأسرع أن قال لي: أفلا زدت عليه:
وجحدت نعمة خالقيوفقدت مقلتي الصحيحه
/ فقلت: والله ما كان إلاّ أعور، فمن أين لك هذا؟ قال: شمت إحدى عينيه من بيته.
وعرض على أبي العلاء كفّ من اللّوبياء، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده، ثم قال: ما أدري ما هي إلاّ إنّي أشبّهه بالكلية. فتعجّبوا من فطنته وإصابة حدسه.
وقال أبو العلاء في وقت لجماعة حضروا عنده: عدوا علّي الألوان، فقالوا: أبيض، وأخضر، وأصفر، وأسود، وأحمر. فقال: هذا هو ملكها. يعني الأحمر. وكان أبو العلاء يقول: أذكر من الألوان الحمرة، وذلك أنّني لمّا جدرت ألبست ثوبا أحمر. وهذا من فرط ذكائه، لأنّه كان عمره أربع سنين.
ودخل عليه أبو محمد الخفاجيّ الحلبي، وسلّم عليه ولم يكن يعرفه، فردّ ﵇.
وقال: هذا رجل طوال. ثم سأله عن صناعته فقال: أقرأ القرآن. فقال: اقرأ علىّ شيئا منه. فقرأ عليه عشرا. فقال له: أنت أبو محمد الخفاجي الحلبيّ؟ فقال: نعم. فسئل عن ذلك فقال: أمّا طوله فعرفته بالسّلام، وأمّا كونه أبا محمد فعرفته بصحة قراءته وأدائه بنغمة أهل حلب، فإنّني سمعت بحديثه.
وممّا حكي عن أبي العلاء، أنّه كان يعجبه قصيدة التّهامي التى يرثى بها ولده، وأوّلها:
حكم المنيّة في البريّة جاريما هذه الدّنيا بدار قرار
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع