تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح التبريزي الموسوم بالموضح (٤)

وقوله:

أبْدَيْتِ مثلَ الذي أبْدَيْتُ من جَزَعٍولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

قال: وصفها بصحة الوفاء في أول الأبيات - يعني قوله:

تَبَسَّمَتْ عن وفاءٍ غير مُنْصَدِعٍ ............

ثم نقض ذلك بقوله: إنها أبدت مثل الذي أبداه من الجزع، ولم تخف كما أخفاه من الألم.

وأقول: إن ذلك ليس بنقض للأول؛ لأن المها إذا كان دون ألمه، فقد أتمت على الجملة. وإذا ألمت فقد وفت، والعاشق لا بد أن يكون توجعه بالفراق أكثر من توجع المعشوق، وكذلك جميع أحواله في الهوى، ولو تساويا في ذلك، لكان العاشق معشوقا،

ولكان كما قال في البيت الذي يليه:

إذاً لَبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسْنِ أصْغَرُهُوصِرْتِ مثلِيَ في ثَوْبينِ من سَقَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وقوله:

وكلَّما نُطِحَتْ تحت العَجَاجِ بهأُسْدُ الكتَائبِ رَامَتْهُ ولم يَرِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

قال: ليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى أن يقول: وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك، فيما يليق بعضه ببعض.

وأقول: إنه إنما قال: نطحت... به أسد الكتائب ليغرب في الاستعارة، فجعل الأسد تنطح، إشارة إلى أن هذه أسد، ليست كالأسد المعروفة، إيماء إلى إنها رجال في أيديها رماح تنطح بها، بمنزلة النطح بالقرون، وهذا ينظر إلى قوله:

فما تَرَكْنَ بها خُلْداً له بَصَرٌتحت التُّراب ولا بازاً لَهُ قَدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وقوله:

ونَكْهَتُهَا والمَنْدِليُّ وقهوةٌمُعَتَّقَةٌ صَهْبَاءُ في الرِّيح والطَّعْمِ

ذكر التبريزي في هذا البيت، إن أبا الطيب ذكر فيه ثلاثة أشياء، وأخبر إنها قد تساوت في شيئين؛ في الريح والطعم، ولم تتساو إلا في شيء واحد وهو الريح، فأما الطعم فلم تتساو فيه، لأن النكهة؛ رائحة الفم، ليس لها طعم، والمندلي: العود؛ ليس بطيب الطعم لأنه مر.

وأقول: إنه لو كان وضع موضع نكهتها ريقتها، لكان تساوى منها شيئان في الطعم، وهما الريقة والخمر، وجاز الإخبار عن الثلاثة بالتساوي، لتساويها في الريح، وتساوي شيئين منها في الطعم. ويكون مثل قوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإن كان من أحدهما.

وقوله:

مُقَلَّدُ طَاغي الشَّفرتين محكَّمٌعلى الهَامِ إلاَّ إنه جَائِرُ الحُكْمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

قال: يريد أن شفرتيه قد طغت في قتل الناس.

قال: وكل شيء زاد وزيادته مؤدية إلى هلكه فهو طاغ. وادعى أن سيفه محكم على الهام، وهو، مع ذلك، جائر في الحكومة، وإنما ينبغي أن يحكم المنصف. وهذا اللفظ يحتمله الشعر، ولا حكم للسيف، وإنما هو لمن يضرب به.

وأقول: إنه لم يفهم المعنى!

يقول: أن شفرتيه قد طغتا في قتل الناس! وإنما طغيانهما هاهنا في المضاء والقطع لا في القتل. ولهذا وصفه بأنه جائر في الحكم، وفي البيت الثاني بأنه متحرج عن حقن الدماء؛ أي: لا بد له من اراقتها، وان يطير الرؤوس عن الأجسام. وكل هذا صفة له بالمضاء والحدة. فينبغي أن يفسر بهذا طغيان شفرتيه

وجوره في الحكم، لا بقتل من لا يستحق القتل. والذي يدل على ذلك قوله فيما بعد:

وَجَدْنَا ابنَ إسحاقَ الحُسَيْنَ كَجَدِّهِعلى كَثْرَةِ القَتْلَى بريئاً من الإثْمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

وقوله:

وخَيْلِ لا يَخِرُّ لها طَعِينٌكأنَّ قَنَا فوارِسِهَا ثُمامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

قال: قوله: وخيل أن أراد بعض الخيل فهو صادق في ذلك؛ فإن كثيرا من الملوك تجري خيولهم في الميادين، وتلعب فرسانها بالرماح، المدة الطويلة، ولا يكون جرح ولا قتل.

وأقول: إن قوله: وخيل عطف على قوله: بأجسام، وهي راجعة إلى قوله:

أرانبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ ............

والمعنى، إنه وصف هؤلاء الملوك بالتغفل والتواني، وترك التيقظ. ثم وصفهم بالنهم وكثرة الاكل، وأنهم لا تقتلهم الأقران بالطعان، وإنما يقتلهم الإمعان في الطعام، ثم وصفهم وأصحابهم بالضعف، وكنى عنه بضعف رماحهم، وإنها ليست قنا في الصلابة التي تنكت الأقران، وإنما هي من ثمام. فهذا ترتيب معاني هذه الأبيات.

وقوله:

ولو حِيزَ الحِفَاظُ بغَيْرِ عَقْلٍتَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

قال: هذا البيت متصل بما قبله.

يقول: الناس لا عقول لهم، وإنما يؤدي إلى حفظ المودة عقل الإنسان، وابن آدم كالسيف، لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال؟

وأقول: إنه لم يعبر عن المعنى بعبارة له مستوفية، وفية شافية. وهذا البيت - كما ذكر - متصل بما قبله، والتقدير: كأنه يقول: أنت ليس لك صديق إلا نفسك، فلا

تثق بمودة من ترى من هؤلاء الناس بإحسانك إليه، ونفعك له، ولا تأمن أذاه، ولا ترج حفاظه

وهو غير عاقل، فإنك وإياه بمنزلة الصيقل والسيف في صقله وإرهاف حده؛ فانه مع ذلك لا يتجنب عنقه؛ لأنه لا عقل له. وقوله:

ولا جُرْجُهُ يُؤسَى ولا غَوْرُهُ يُرَىولا حَدُّهُ يَنْبُو ولا يَتَثَلَّمُ

قال: هو في البيت الأول مثبت في المعنى لما نفاه في اللفظ، ومتجاوز له في اللفظ والوصف. وهو في البيت الثاني ناف في اللفظ والمعنى جميعا.

وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! وهو قول الواحدي، وقد ذكرته في شرحه.

وقوله:

ولا يَشْتَهِي يَبْقَى وتَفْنَى هِبَاتُهُولا تَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال: أي لا يشتهي هذا الممدوح أن يسلم ويسلم أعداؤه، ولكن يريد أن يسلم هو في نفسه ويهلك أعداؤه!

تأمل هذا التفسير الذي لا يقوله بصير! وكأنه قد التزم أن لا يصيب معنى فيه أدنى إشكال!

والمعنى في قوله:

.........ولا يَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ

أي: لا يريد مسالمتهم، وموادعتهم، ضعفا وجبنا وخوفا منهم، وكراهة للقتال. وقد اخبر بهذا القول في عجز البيت، عن شجاعته، كما اخبر في صدره عن سماحته.

وقوله:

إلى اليَوْمِ ما حَطَّ العِداءُ سُروجَهُمُذُ الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ

قال: الغزو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: مذ الغزو كائن، أو واقع.

وأقول: وهذا ليس بشيء! والكلام تام لا يحتاج إلى تقدير محذوف. وقد ذكرته في شرح الواحدي.

وقال:

لَيْلُهَا صُبْحُهَا من النَّارِ والإصْباحُ لَيْلٌ من الدُّخَانِ تِمَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

قال: يعني انهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضيفان، فالليل كأنه صبح لزوال الظلام.

وقوله: والإصباح ليل يحتمل وجهين:

أحدهما: انهم يوقدون النار بالنهار أيضا، لأن قراهم لا ينقطع في ليل ولا نهار، فدخان النار يستر ضياء الشمس.

والآخر: أنهم يعقرون في النهار ويحاربون، فيزول نور النهار لأجل الغبار.

وأقول: إن الوجه الثاني الذي ذكره في قوله: والإصباح ليل من الدخان ليس بشيء! لأنه لا دليل عليه من لفظ البيت ولا من مفهومه. ولو أراد الحرب لقال: ليل من العجاج أو الغبار والوجه الصحيح هو الأول.

وقوله:

ونُفُوسٌ إذا انْبَرَتْ لقتالٍنَفِدَتْ قبلَ ينفَذُ الإقدامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

قال: إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب وإقدامها لم ينفد.

وأقول: هكذا قال أبو الطيب، فكلا القولين يحتاج إلى تفسير. وقد ذكرته قبل.

وقوله:

ولم تُسْلِها إلاَّ المنَايَا وإنماأشَدُّ من السُّقْمِ الذي أذْهَبَ السُّقْمَا

لم يذكر معنى هذا البيت! وهو أن جدته كانت سقيمة بسبب شوقها إليه، فجاءها ما أسلاها عنه، وهو الموت، فذهب السقم بما هو اعظم منه وهو الموت. وهذا مثل قولهم: هذا أعظم من الحرش! ومثل قوله بعده:

وكنتُ قُبَيْلَ المَوْت أسْتَعْظِمُ النَّوَىفَقَدْ صَارتِ الصُّغْرَى التي كانت العُظْمَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

وقوله:

وإنِّي لِمَنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنَابهَا أَنَفٌ أنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ والعَظْمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

قال: كأنه أراد بهذا القول: نؤثر القتل؛ لأن نفوسنا تأنف أن تسكن اللحم والعظم.

وأقول: إن هذه العبارة ناقصة، قاصرة عن المعنى، وهو: أنّا لكثرة ما نتعرض للقتل، بإلقاء نفوسنا في الحرب، ولا نشفق عليها من الموت، كأن نفوسنا تأنف أن تسكن أجسامنا المركبّة من اللحم والعظم أو أراد أنهم من الملائكة، لا من الناس؛ فأنفسهم تأنف من سكنى الأجسام المركبّة من اللحم والعظم.

وقوله:

ويَبْسِمْنَ عن غُرٍّ تَقَلَّدْنَ مِثْلَهُكأنَّ التَّراقي وُشِّحَتْ بالمبَاسِمِ

قال: إنما عدل عن الدر إلى الغر؛ لأن الدرة ربما كانت عظيمة لا يحسن أن تشبه بها السن.

وأقول: إن كان عدل عنه لذلك؛ فإنه قد وقع فيه! لأن الغر هنا صفة للدر، ولهذا قال: تقلدن مثله؛ أي درا مثله؛ ثم قال:

.........كأنَّ التَّراقي وُشِّحَتْ بالمبَاسِمِ

فحقق إنها در؛ لأن العقود المتوشح بها لا تكون إلا درا. على إنه قد روي: ويبسمن عن در وإنما في غر زيادة الوصف.

وقوله:

تَمُرُّ عليه الشمسُ وهي ضَعِيفَةٌتُطَالِعُهُ من بين رِيشِ القَشَاعِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

قال: يقول: إن الجيش ارتفع غباره، فالشمس لا تصل إليه، إلا أن تدخله من بين ريش القشاعم.

وأقول: وكذلك إذا لم يرتفع غباره؛ فان الشمس لا تدخله إلا من بين ريش القشاعم! وضعف الشمس هنا ما هو لكثرة الغبار، وإنما هو لكثرة الطير التي قد حجبت بين الجيش وبينها، فربما نزل من فرجها ضوء، فتدور على البيض، مثل

الدراهم ولو كان من ارتفاع لما كان كذلك. وقد جعل أبو الطيب ضوء الشمس النازل من خلل الأشجار في مكان آخر بمنزلة الدنانير، وهو قوله:

وألْقَى الشَّرقُ في ثيابيدَنَانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وقوله:

والناسُ قد نَبَذُوا الحِفاظَ فُمْطَلقٌيَنْسَى الذي يُولَى وعَافٍ يَنْدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

قال: عاف من العفو عن الإساءة، يندم لأن ضنيعه لم يشكر. وعلى كل حال فالندم على فعل الجميل، غير مستحسن.

وأقول: المعنى قد ذكرته فيما تقدم.

وقوله:

وقد وَصَل المُهْرُ الذي فوقَ فَخْذِهِمن اسْمِكَ ما في كُلِّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

قال: أي أنت مالك كل حي، فرسا كان أو إنسانا.

وأقول: ليس هذا تفسير هذا البيت. بل هو تفسير البيت الذي يليه! وإنما تفسيره، أن هذا الفرس في فخذه سمة بالنار، يعرف بها لك، كما إن في كل عنق

ومعصم سمة من جميلك يعرف بها لك، فكلا السمتين يدل على الملك؛ إلا أن هذه سمة بنار، وهي للدواب، وهذه سمة بغير نار وهي للناس.

وقوله:

مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عن المَلامِوَوَقْعُ فَعَالهِ فَوْقَ الكَلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: قوله:

.........وَوَقْعُ فَعَالهِ فَوْقَ الكَلامِ

يريد إنه إذا قال قولا، اتبعه بالفعل، من غير تلبث. وليس كمن يمطل إذا وعد إنه يفعل.

وأقول: إنه لم يرد اتباع قوله بالفعل، ولا في الكلام دليل عليه. وإنما أراد إنه

يفعل أكثر مما يقول، وليس كمن يقول قولا، من وعد، أو وعيد، فيكون فعله اقل من قوله. وهذا مثل قول الآخر:

يقولُ فُيُحْسِنُ القَوْلَ ابنُ لَيْلَىويَفْعَلُ فَوْقَ أحْسَنِ مَا يَقُولُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «يقول فيحسن القول ابن ليلى»

وقوله:

ومَنْ يَجِدُ الطَّريق إلى المَعَاليفلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: من في هذا البيت معطوف على من في البيت الأول. يقول: اعجب ممن يجد طريقا إلى المعالي ولا يطلبها، حتى يذهب أسنمة الإبل.

وأقول: هذا المعنى لا يكون إلا على رواية ولا يذر بالواو، وأما برواية فلا يذر بالفاء، فيكون المعنى غير ذلك. ويجوز في قوله: ومن يجد الرفع على ما قبله، وتكون من نكرة أو بمعنى الذي.. ويحتمل أن يكون هذا البيت غير معطوف على الأول، ويكون مثلا قائما بنفسه، وتكون من للشرط ويجد مجزومة. والتقدير: ومن يجد طريقا إلى المعالي، وطريق المعالي صعبة شاقة بعيدة، فليستظهر عليها بالإبل التي لها أسنمة؛ أي: بالسمان، ليقوى على طريقها، والوصول اليها، كالابل التي تستعد للحجاز وما أشبهه من البلاد الشاقة البعيدة. وهذا مثل ضربه بذلك؛ يقول: من أراد إدراك المعالي، فليتوصل إليها بالعطايا الكثيرة، والجود الظاهر القوي.

وقوله:

فذَاكَ الذي عَبَّهُ مَاؤهُوذاك الذي ذَاقَهُ طَعْمُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يذكرني فاتكا حلمه»

قال: يقول: هذا الهالك، إنما شرب ماء نفسه. والذي ذاق، إنما هو طعمه؛ لأنه كان يذيق عداته الموت. يقول: كأن الزمان أتى من موت فاتك بما فيه نقض للعادة، لأن الماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق.

وأقول: إنه توهم إن الهاء في عبّه وذاقه ضمير فاعل، وليس كذلك، إنما هو

ضمير المفعول والفاعل مستتر؛ كأنه قال: وذلك الشيء الذي شربه فاتك ماؤه، وذاك الشيء الذي ذاقه فاتك طعمه. وهذا البيت مرتب على البيت الذي قبله وهو:

وإنَّ مَنِيَّتَهُ عنَدهُلكَالخَمْرِ سُقِّيَهُ كَرْمُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يذكرني فاتكا حلمه»

وإذا كان كذلك، فهو الشارب لما سقي، والذائق لما أطعم. فالماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. والعادة جارية على ما هي عليه لم تنتقض.

وقوله:

والماءُ بين عَجَاجَتينِ مُخَلِّصٌيَتَفَرَّقَانِ بهِ وَيْلتَقِيَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قال: يعني عجاجة المسلمين وعجاجة الروم.

وأقول: وليس كذلك! بل العجاجتين للمسلمين؛ لا نمنعهم من عبر النهر، ومنهم من لم يعبره. فكلا الفريقين، قد أثار عجاجة، فإذا قويتا التقتا، وإذا ضعفتا خلّص بينهما النهر فافترقتا. وقد أخبر أبو الطيب أنهم قطعوه، فدل على ما قلت.

وقوله:

يَتَفَزَّعُ الجَبَّارُ من بَغَتَاتِهِفَيظَلُّ في خَلَواتِهِ مُتَكَفِّنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قال: زعم إنه يتكفن، لأنه لا يأمن أن يأتيه من قبل الممدوح. ومما هو

بضد هذا الغرض، قول مسلم بن الوليد:

تراهُ في الأمنِ في دِرْعٍ مُضَاعَفَةٍلا يأمَنُ الدَّهْرَ أن يُؤتَى على عَجَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وأقول: إن أبا الطيب وصف الجبار بالخوف من الممدوح، ومسلما وصف الممدوح بالحزم. حتى روي، أن يزيد بن مزيد، دخل على الرشيد ذات يوم، فاستبان من تحت ثيابه درعا، فقال: ما هذا؟ قال: أردت تصديق قول مسلم يا أمير المؤمنين! وذكر البيت. والحزم هو التحفظ، والتحفظ ضرب من الخوف؛ وإذا كان كذلك فليس بين البيتين تضاد.

وقوله:

طَرِبَتْ مَرَاكِبُنَا فَخِلْنَا أنَّهالَوْلاَ حَيَاءٌ عاقَهَا رَقَصَتْ بنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

قال: المراكب: جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدابة ليركب فيه. ويجوز أن تسمى الدابة مركبا.

قال: وكون المركب في معنى السرج، أبلغ في هذا الموضع؛ لأن الدابة حيوان فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.

وأقول: إن الإغراق في المبالغة في كل موضع لا يستحسن، فوصف السروج بالطرب والحياء، والرقص، بعيد من الحقيقة. وقد جعل - هو - البعد من الحقيقة سببا للحسن، وذلك غير حسن؛ لما فيه من الإحالة. ونحن إذا وصفنا الخيل، التي هي حيوان، بذلك، كنا من الإحالة على وجل، فكيف بالسروج التي هي خشب؟!

وقوله:

فَطِنَ الفُؤادُ لِمَا أتيتُ على النَّوَىوَلِمَا تَرَكْتُ مَخَافَةً أنْ تَفْطُنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

ذكر فيه أقوالا، غير سائغ ذكرها.

والصحيح إنه وصفه بالفطانة، وبالغ، حتى جعله بمنزلة من يعلم الغيب؛ يقول: أنت عالم بما فعلت، وما تركت على النوى، فأتيت الأفعال الحسنة، وتركت الأفعال القبيحة، خيفة أن تفطن، اتباعا لمرضاتك، وما يعجبك ويقرب منك.

وقوله:

أضْحَى فِراقُكَ لي عليه عُقُوبةًلَيْسَ الذي قاسيتُ منه هَيِّنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

ذكر أيضا في تفسير هذا البيت، ما لا تتحصل منه فائدة! والذي تحصل به الفائدة، أن يكون الضمير في عليه راجعا إلى: فراقك؛ يقول: أضحى فراقك عقوبة لي عليه؛ أي: على فراقك، لكوني لم أسر في صحبتك، وأمضي في خدمتك. ولهذا قال: ليس الذي قاسيت منه - أي: من فراقك - هينا؛ أي: عذبت على تفريطي

وخطئي، عذابا صعبا، أي: عذبت به عليه واعترف أن ذلك ذنب، وسأله فيما بعد أن يغفره له، فليس له ذنب سواه، ولا يدل اللفظ على غيره، وما ذكر فليس يثبت.

وقوله:

رَأتْ كلَّ مَنْ يَنْوي لك الغدر يُبْتَلَىبِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

قال: لا فرق بين غدر الحياة، وغدر الزمان. وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن. والزمان غدره على ضربين:

أحدهما: هلاك النفوس.

والآخر: هلاك المال، وزوال الدول، وموت الأعزاء.

فغدر الحياة في غدره.

أقول: إن استعارة الغدر للحياة والزمان مجاز. وقد جعلهما كالصاحبين، فليس أحدهما داخلا تحت الآخر. فكنى عن الموت بغدر الحياة، وعن ذهاب المال والملك بغدر الزمان. وإذا كانا كذلك، فبينهما فرق. ولم يذكر غدر الحياة لإقامة الوزن، كما ذكر، بل لزيادة الفائدة التي بيناها.

وأعجب من تتبعه له دائما من غير عثور على خطأ، أو إظهار فائدة، ولكنه يشتهي أن ينخرط في سلك الأدباء، ويجري في حلبة النقاد على الشعراء!!

وقوله:

ثَنَى يَدَهُ الإحْسَانُ حتى كأنَّهَاوقد قُبِضَتْ كانَتْ بِغَيْرِ بَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

أخبر عن المعري:

قال: ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائه، فكأنها، لما قبضت ما وهبت له، لم يكن لها بنان يطبقها على الموهوب فأرسلته!

وأقول: إن في هذا البيت توبيخا لشبيب يتبع ما تقدمه؛ أي: لم يمسك من إحسانك على شيء فيجازيه بالكف عن الخروج عليك. فكأن إحسانك رد يده، لما قبضته،

وكانت صحيحة، بغير بنان، فلم يحصل منه على شيء. فقد نسبه إلى الغدر بسوء المجازاة، وما بعده يدل عليه. فهذا هو الأشبه بالمعنى، لا قوله: رد يده إلى ورائه لما قبضت ما وهبت له!

وقوله:

تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابْتَسَمَتْمن مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنَايَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: قال المعري: هذا البيت يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون: كلما ابتسمت أخذه البكاء؛ لأنه يخاف من الفراق، أو تغير النية،

فيكون المعنى كقوله:

......... ...... ظَلْتُ أشْكُو وتَبْسُمُ

والآخر: أن تكون المحبوبة تقبله، فيصيب خديه شيء من الريق وإن قل. ويقوي هذا الوجه قوله:

فَقَبَّلَتْ ناظري تُغَالِظُني ............

وأقول: الوجه هو الأول، وهو مشهور كثير، وقد سبق اليه، فمن ذلك قول أبي نواس:

تَضْحكينَ لاهِيَةًوالمُحِبُّ يَنْتَحِبُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وحق الهوى ما حلت يوما عن الهوى»

إلا أن أبا الطيب زاد فيه زيادة حسنة، وذلك إنه استعار للبكاء مطرا، وللثنايا بالضحك برقا، وجعل ذلك المطر، الذي هو الدمع، نتيجة ذلك البرق، الذي هو إضاءة الثنايا. والبرق يولد المطر، فجعل برق الثنايا بحسنه يولد مطر الدموع بسبب العشق. وهذا من ألطف البديع وأحسن التفريع.

وأما الوجه الثاني، فهو قول ابن جني وليس بشيء! وتقويته بالبيت الذي ذكره، يدل على ضعفه وضعف رأيه!

وقوله:

لَقِنَنَا والحمولُ سَائِرَةٌوَهُنَّ دُرٌّ فَذُبْنَ أمْوَاهَا

قال: قوله: فذبن أمواها يحتمل أن يكون من الحياء، ويحتمل أن يكون من كثرة البكاء.

قلت: ويحتمل أن يكون من الشوق إلينا، أو من نعمتهن، وشدة حركة الإبل بالسير، أو من حرارة أنفاسنا بلقائهن لنا، ويكون مثل قوله:

وَبَسَمْنَ عن بَرَدٍ خَشِيتُ أذِيبُهُمن حَرِّ أنفاسي فكُنْتُ الذَّائِبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

إلا إنه بالغ هاهنا فجعل أنفاسه تذيب الدر.

وقوله:

في بَلَدٍ تُضْرَبُ الحِجَالُ بهعلى حِسَانٍ وَلَسْنَ أشْبَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: أي: كل واحدة منهن منفردة بالحسن، لا يشاكلها فيه غيرها.

قال: ويجوز أن يكون: لسن أشباها أي: قد صارت هذه المشيب بها سببا

لاختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن؛ كقوله:

الناسُ ما لَمْ يَرَوْكَ أشْبَاهُ ............

وأقول: إنه وصف هذه النساء، فجعلهن كالضباء؛ الا انهن يخالفن الظباء، بأنهن في بلد يضرب عليهن فيه الحجال، وليس الظباء كذلك. وإنهن لسن أشباها، وليس كذلك الظباء لأنهن أشباه، ويدل على ذلك قوله:

كُلُّ مَهَاةٍ تقولُ مُقْلَتُهَا ............

وقوله:

تَعُومُ عَوْمَ القَذَاةِ في زَبَدٍمن جُودِ كَفِّ الأميرِ يَغْشَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: جعل الممدوح في أول المدح مولى الملوك، ثم خاطبه بالأمير فنقصه.

وأقول: إن أبا الطيب، كان قادرا على أن يقول: من جود كف المليك ولكن ليس له من القوة، والجزالة، واللذاذة، ما للفظة الأمير هنا. وهم يعنون بتحسين الالفاظ،

وتهذيبها، كما يعنون بتحسين المعاني وترتيبها، ولعل عضد الدولة كان، في ذلك الوقت، يخاطب بالأمير؛ لأنه قبل أن يتسع ملكه وتزداد عظمته.

وقوله:

النَّاسُ كالعَابدينَ آلِهَةًوعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة. وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحدون، وهذا كقوله:

ولَسْتَ مَلِيكاً هازِماً لِنَظِيرِهِولكنَّكَ التَّوْحيدُ للشِّرْكِ هَازِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وذكر عن ابن جني وجها آخر، أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، معرض بالرجاء إليه عمن سواه لإغنائه إياه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو من هذا أخرى.

وأقول: المعنى هو الأول؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال. والذين هم في دينه وطاعته مهتدون. وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد.

وأما تمثيله هذا البيت، بالبيت الذي ذكره، فغير صحيح. لأن في ذلك البيت إخبارا عن عظم سيف الدولة، وعظم عدوه ملك الروم؛ يقول: لست ملكا يهزم ملكا، وإنما أنت التوحيد يهزم الشرك. وهذا من قول النبي - صلى الله عليه - في علي ﵇ وعمرو بن عبد ود: برز الإيمان كله، إلى الشرك كله!

ومعنى هذا البيت إن طاعتك توحيد، وطاعة غيرك شرك، فليس بينهما تماثل إلا باللفظ.

وقوله:

حَبَبْتُكَ قَلْبي قَبْلَ حُبِّكَ من نَأىوقد كانَ غَدَّاراً فكُنْ أنْتَ وَافِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

أقول: إنه عرّض بسيف الدولة، بهذا البيت إلى قوله:

خُلِقْتُ ألوفاً...... .........

وقوله: حبك من نأى إشارة إلى قوله:

إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُواألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فجعل سيف الدولة عنه نائيا، وإن كان هو النائي عن سيف الدولة.

وهذا آخر المآخذ على الشيخ، أبي زكريا، يحيى بن علي، الخطيب التبريزي.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.