تجاوز إلى المحتوى

من «الرسالة الموضحة» لأبي علي الحاتمي (ت ٣٨٨هـ)

الرسالة الموضحة (٢)

إذنْ فلا رفَعَتْ سوْاطي إلى يديَ

وهبه لم يرد هذا، أما روى قول أبي سعد المخزومي:

لا والذي خَلقَ الصهُباءَ من ذهَبٍوالماءَ من فضةٍ لا سادَ منَْ بخلاَ
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

ولا روى قول علي بن محمد العلوي البصري:

يلَقىْ الرماحَ بنحرهِ وبصَدرهِويقيُمُ هامتَهُ مقُامَ المغفَر
ويقولُ للطُرفِ اصطبرْ لشبا القنَافهدَمت رُكنَ المجدِ إن لم تُغفرِ
وإذا تأمل شخصَ ضيفٍ طارقاًمُتسَربلاً سرْبالَ ليلٍ أغبرِ
أوْمأ إلى الكوْماء هذا طاِرقٌنحَرتْنَي الأعداء إن لم تنُحْري

غث الكلام ومستكرهه قوله:

فتىَ ألفُ جزْءٍ رأيهُ في زمانهِأقل ُ جُزيءٍ بعضهُ الرأيُ أجمعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

وقوله:

فكلُكمُ أتى مأتيَ أبيهِوكلَ فِعالِ كُلكمُ عُجابُ

فهذا لفظ مضطرب ونظم متهافت وقوله:

يا منَ نلوذُ من الزمانِ بظلهِأبداً ونطردُ باسمهِ إبليساَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»
خيرُ على القُصوُرِ وشرهاَ َيأوي الخرابَ ويسكنُ النُاوُوسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وفي هذه الكلمة يقول يقول خير الطيور على القصور فمن الطيور التي تألف القصور المبينة اللقالق والهام، وليست بخير الطيور.

ومن سفساف الكلام قوله:

حتى يقولَ الناُسُ ماذا عاقلاًويقول بيتُ المالِ ماذا مسُلماَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

وإنما آذاه قول عبيد بن أيوب العنبري أحد اللصوص:

ما كانَ يعُطي مثلهاَ في مثْلهِإلا كَريمُ الخيمِ أوْ مَجنونُ

وإلى هذا ذهب أبو نواس في قوله الذي تاه خاطره عن طريق الصواب فيه: جاد بالأموالِ حتىٌ قيلَ ما هذا صحيحُ فقال أبو تمام:

ما زالَ يهذيَ بالمكارمِ والندىَحتى ظننََا أنهُ محمومُ

فقال البحتري وأحسن في عبارته:

إذا معشُر صانوا السماحَ تعسرتْبه همةٌ مجْنوُنةُ في ابتذالِهِ

وكل هؤلاء أرادوا قول الأول:

في حبُ منَ يرْجىُ فَواصلهُفاستمطرواُ من قرُيشٍ كل منُخدعِ
تَخالُ فيهِ إذا خادعته بلهاعن مالهِ وهوَ رابي الدُين والورَعِ

فوقع إلى التيه، وتَد هدىَ أبو الطيب في آثارهم على أم رأسه. وقد ألمُ بهذا المعنى أبو تمام فتخطىُ العيب فيه:

ولَهَتهُ العلىُ فليسَ يَعُدُالبؤسَ بؤساً ول النٌعيمَ نعيَماَ

وقوله:

كأني دحوْتُ الأرْضَ من خبرتيَ بهاوكان بني الإسكندرُ السدُ من عزمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

وهذا لفظ مستهجن، وتشبيه غير مستحسن. وإنما أراد به قول أبي تمام على أنه لا خير فيه أيضاً:

فطَحطحتُ سداً سدُ يأجوجَ دونهُمنَ الهمَ لم يفرغْ على زبْرهِ قطرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تصدت وحبل البين مستحصد شزر»

ومما لا طائل فيه قولك:

دانٍ بعيد مجيبٍ مبغضٍ بهجٍأعزَ حُلوٍْ ممرٍُ لينٍُ شرسِ
ندٍ أبيٍ غرٍوافٍ أخي ثقةٍجعدٍ سريٍ نهٍ ندبٍ رضىً ندُسَ

أخذ قوله:) حلُوْ ممرُ (من قول الشنفري بل من قول الهذلي:

حُلوْ ومرُ كعطْفِ القدحِ مرتهُفي كل إنيٍ قضاهٌ الليلُ ينتعلُ

ومما لا طائل فيه أيضاً قولك:

العارض الهَتنُ ابن الهتنِابن العارضِ الهتن ابن العارض الهتنِ

ونحو هذا قولك أيضاً:

أطعَنُها بالقناةِ أضربُهابالسٌيفِ جحجاحُها مُوَودها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أفْرسهاُ فارِساً وأطْولهاُباعاً ومغوراُها وسيُدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»
شمسُ ضحاها هلالُ ليلتهادُرٌ تقاصيرها زَبرْجدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

وهو مع ذلك مركب تركيباً على قول أبي بكر دريد في قصيدة أولها:

ما شُغُلي بالطولِ أندُبهاُ

حجْزُ فتَى يعْربٍ ومِدرْههاُوسيُفها المنُتضى ومحرَبهاُ
صندْيدُها حصْنهاُ خبعْثنُهاأطْعنهاُ بالقنَا وأضْربهاُ
لهُمٌومهاُ قرمهاُ مقدَمهاُضيغمهاٌ نجمهاُ عصبصَها

وجرى في نحو هذا عدة أبيات. ولم نسمع بأحد شبه الرجل بالزبرجد قبله، وهذا من معانيه الأبكار وألفاظه الأحرار.

ومن هجين الكلام قوله أيضا:

وليسَ كبحرِ الماء يشتَفُ قعَرهَإلى حيث يفَنى الماءُ حوتُ وضفدعُ

ومن الغثاثة التي لا ريب فيها قوله:

غثاَتهُ عيْشي أنْ تغثُ كرامتيوليسَ بغَثٍ أنْ تغثً المآكلُ

وأهجن من هذا لفظاً وأقل من البيان حظاً قوله:

أديبُ رستْ للعلمِ في ارضْ صدرهِجبالُ، جبالُ الأرضْ في جنبها قفٌ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»
جوادُ سمتْ في الخيرِ والشرُ كفهُسمُواً فَود الدُهر أن اسمه كفُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»
فليس بدونٍ يرْتجَى الغيثُ دونهولا ينتهي الجودُ الذي خلفْهَ خلفُ

وقوله:

واغتفارُ لوْ غَيرَ السخُط منهُجعُلتْ هامهُمُ نَعالَ النعالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

وقوله في وصف الغيث:

لسَاحيهِ على الأجداثِ حَفْشىُكأيدْي الخيلِ أبصرتِ المَخالي

وإنما اغتره قول زهير:

... يحْفشىُ الأكْم وايلُه

لم يذكر البيت.

فأما أن يستقي مستسقٍ للقبور غيثاً يحفش تربها وينبث ثراها، فلم يقله أحد. وإنما يستقى لديار الأحبة ولقبور الأغرة لتكلأ تلك الأرض، وتعشب تلك البلاد فتنتجع. فيتذكر أهلوها ويترحم على من واراه الترب فيها. وينتج كل من نأي عنها ثم يحترسون في السقيا من أن تدرس مغانيها وآثارها كما قال طرفة:

فسقى دياركَ غَيرَ مفسدهاِصَوْبُ الربيعِ وديمةُ تهْمي
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «فسقى ديارك غير مفسدها»

وقال الآخر:

سَقىَ اللهُ سُقيا رحمةٍ أهل بلدةٍ

احترس بقوله:) سُقيا رَحْمةٍ (احتراسا لطيفاً. فأما أن يستقي غيثاً لها يعفي الأثر وقعه كوقع أيدي الخيل تضرب الأرض، حتى يهدمها ويحفرها فلا. وقوله:

وأظنُهُ حَسبَ الأسنَةَ حُلوةًأو ظَنهاَ البرْنيٌ والآزادا

وقد نعي على كثير قوله وهو دون هذا:

وهمْ أحلى إذا ما ذُقْتَ يَوْماًعلى الأحناك من رطبِ ابن طابِ

وغير عليه فجل:) من عسَل اللعاب (وكلاهما لا خير فيه. ثم قال:

فغدَا أسيراً قد بَللتْ ثيابهُبدمٍ وبلَ ببوْله الأفخاذَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

وكذلك قوله:) الازاذا (وهذه قافية قلقة مجتذبة مجتلبة معلولة غير مقبولة. وسبيل الشاعر أن يعنى بتهذيب القافية فإنها مركز البيت حمداً كان ذلك الشعر أو ذماً، وتشبيباً كان أو نسبياً، ووصفاً كان أو تشبيهاً. وأن يتأمل الغرض الذي يرميه فكره، فينتظر في أي الأوزان يكون أحسن استمراراً، ومع أي القوافي يكون أشد اطراداً، فيكسوه أشرف معارضه، ويبرزه في أسلم عباراته، ويعتمد إقرار المعاني مقارها، وإيقاعها مواقعها. وقد حكى عن الحطيئة أنه قال: نقحوا القوافي فإنها حوافر الشعر. فشتان ما بين قولك) الأفخاذا (وقول الحطيئة:

همُ القومُ الذينَ إذا ألمتْمنَ الأيامِ مظُلمةُ أضاءوا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

فلقوله) أضاءوا (موقع لطيف؛ وذلك أنها لفظة لا يستطاع تبديلها بغيرها، ولا تغييرها بما يسد مسدها. وكذلك قول النابغة:

كالأقْحوان غداةَ غِبَ سمائهِجَفُتْ أعساليهِ وأسفُلهُ ندىَ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

فلقوله:) وأسْفلُهُ ندىَ (موقع عجيب في هذا الموضع؛ وذلك أن الأنوار. فكره أن يشبّه الثغر به في هذا الحال، فيكون الثغر كالمتركب بعضه على بعض، فشبهه بالأقحوان إذا أصابته الشمس؛ فقال:) جَفتّ أعاليه (أراد انبسطت وذهب تجعيدها ثم قال:) وأسُلفه نَدى (فاحترس أن يكون ذَوَى وجفّ. وقولك: قد) بَلَلت ثيابهَ... وبلّ ببوله الأفخاذا (ينظر إلى قول الأول:

آليْتُ لا أدفنُ قَتْلاكُمُفدَخنَوا المْرء وسْربالهُ

يقول: إنه إذا طعنه أحدث في سرجه، كنى عن ذلك بهذه الكناية البليغة البديعة، وعبر بهذه العبارة الجزلة. ومن القول في المباني المسفرة قول امرئ القيس:

فإنكَ لم يفْخرْ عليَك كفاخرٍضعيفٍ ولم يغلْبك مثلُ مغلُب

وقول زهير:

وأعلمُ ما في اليوْمِ والأمسِ قبلَهُولكنني عن علمِ ما في غدٍ عمىَ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «معلقة زهير بن أبي سلمى»

ومن ألفاظه القلقة ومعانيه الغلقة قوله:

لم تحْكِ نائلَك السحابُ وإنماحُمتْ بهِ فصبيبهُا الرحضاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

وإنما نظر إلى قول أبي نؤاس:

إن السَحابَ لتَستحيي إذا نظرتْإلى نداكَ فقاستهْ بما فيها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «الدار أطبق إخراس على فيها»
حتى تهم ّ بإقْلاعٍ فيَمنعهاُخوفُ العقوبةِ عن عصيانِ باريها

ومما هذه سبيله قوله:

يكادُ من صحةِ العزيمةِ أنْيفعلَ ما لا يكادُ ينفعلُ

ومن خروجه المتكلفُ المتعسفُ الذي باين مذاهب المحدثين قوله:

أحبكِ أوْ يقولوا جرّ نمْلُثبيراً وابن إبراهيمَ رِعاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

ريع من الروع. فما ابعد هذا الكلام من الإحسان، وأشد مباينته للبيان وأدله على ضيق عطن قائله، وعلى فساد تخيله وما أحسبه سمع قول منصور النمري:

أجدَك هل تدرينَ أنْ رُبّ ليلةٍكأنً دُجاها من قُرُونكِ يُنشَرُ
صَبَرٌتُ لها حتى تَجَلٌتٌ بغُرةٍكغُرةِ يحيى حينَ يذٌكرُ جَعفرُ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجدك ما تدرين أن رب ليلة»

ولا طالع قول محمد بن وهيب:

ما زالَ يلٌثمنٌي مرَاشفَهُويعِلني الإبريقُ والقَدَحٌ
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
حتى استَردَ الليلُ خلعتهْوبدا خلالَ سوَادهِ وضَحُ
وبدا الصباحُ كأنّ طلعَتهِوجهُ الخليفةِ حينَ يمتدحُ

ولا قول البحتري يصف داراً:

ولو أننّي أعطيتُ فيهنّ المنىُلسَقيتُهنُ بكفّ إبراهيما

وقد أخذت هذا فقلت:

سقىَ مثواكِ غادٍ في الغوادينظيرُ نوالَ كفكِ في النَوالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

ولا قوله:

وقاسَينَ ليلاً دونَ قاسانَ لم تكدْأواخرُهُ من بعدِ قُطريهَ تلحقٌ
بحيثُ العطايا موُمضاتٌ سوافرٌإلى كل عافٍ والمواعيدٌ فُرّقٌ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي كل دار منك عين ترقرق»

ولا قوله:

شقائِقٌ يحملنَ الندَى فكأنهُدموُعُ التصابي في خدودِ الخَرائدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»
كأن يدَ الفتحِ بنِ خاقانَ أقبلتْتليها بتلكَ البارقاتِ الرّواعدِِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

بلى قد قرأت هذا، فإنك أخذت المعنى فيه فقلت:

ردّي الوِصالَ سقى طولَك عارضُلو كانَ وصْلكِ مثلهَ ما أقْشعاَ
زَجلاً يريكِ الجوّ ناراً والملاَكالبحرِ والتلعاتِ روضاً ممرعاَ
كبَنان عَبدِ الواحد الذيأروى وآمنَ منَ يشاءُ وأجزَعاَ

ومن أحسن الخروج قول أبي تمام:

إساءةَ الحادثاتِ استنبطي نَفقاَفقد أظلكِ إحسانُ ابن حَسانِ

وقوله:

فَعَلَتْ مقُلتاهُ بالصبّ ما تفْعلُجدوْىَ بدَيْكَ بالآمالِ

وقوله:

لا تنكري عطَلَ الكريمِ من الغنيِفالسُيلٌ حَربُ للمكانِ العالي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»
وتنظَري خنَببَ الرَكابِ ينٌصهاّمحييُ القريضِ إلى مميتِ المالِ
بَسَطَ الرجاءَ لنا برغَمِ نوائبٍكَثرتْ بهنّ مَصارع الآمالِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»
أغلى عذاريَ الشَعرِ أنْ مُهوُرهاعندَ الَكريمِ إذا رَخُصْنَ غَوالي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»

ومن مستغلق كرمه وجافي تشبيبه قوله:

إذا عذَلوا فيها أجَبتُ بأنهُحُبيبتاَ قلبيَ فؤادا هيا جمْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

ومن الغلق المستغلق قوله:

أرْضُ بها شرَفُ سواِها مثلهاُلو كانَ مثلكَ في سواها يوُجدُ

يقول: إن لهذه الأرض التي شرفاً بحلولك إياها، ولو ألقي مثلك في أرض أخرى غيرها لكانت مثل هذه. قوله:

مَنْ في الأنامِ من الكرامِ ولا تقلُْمن فيك شأنُ سوى شجاعٍ يقصدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يريد: لا تقل من فيك يا شأم بل من في الأنام أجمعين من يقصد. ومن المستغلق فيها قوله:

أتى يكون أبا البرِيةِْ آدمُوأبوكَ والثَقلانِ أنتَ مَحمدُ

تقدير الكلام: كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان. وربما يريد أنت الأنس والجن، وآدم واحد من الإنس، وأبوك محمد، فكيف يكون آدم أبا البرية؟ وقد فصل بين المبتدأ الذي هو) أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة التي هي قوله) والثقلان أنت (، وهذا تعسف شديد، ومذهب عن الفصاحة بعيد. ومن المستعجم المبهم قوله:

وكمْ وكم حاجةٍ سمحتَ بهاأقربُ مني إليَ موْعدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

وهذا من مستهجن الكلام، ومستكره التركيب. وإنما ذهب إلى مصر عمر موعده، وقرب وعده في إنجازه، فأساء العبارة عن هذا المعنى كل الإساءة. ومن هذا الجنس قوله:

وأبعدَ بٌعدناَ بعُدَ الّتدّانيوقرَب قرْبناَ قربَ البعادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: أبعد ما كان بيننا من البعد فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا، وقرب قربنا فجعله مثل قرب البعاد كان بيننا، ذهب إلى أن قربه إليه كان بحسب ما كان بينه وبينه من البعد.

ومن أسوأ العبارة قوله يصف فرساً:

) سَبوحُ لها منها عليهاَ شَواهدُ (

وقوله:

اخترتُ دَهماءَ تَين يا مطرُومنْ له في الفواضلِ الخبرُ

يريد: اخترت الدهماء من هاتين الفرسين يا رجلاً يجري في جوده مجرى المطر وهذا كلام يشهد تكلفه واستكراهه ببعده عن مدرجة البيان. ومن كلامه الهجين قوله في هجاء ابن كيغلغ:

وإذا أشارَ محدثاً فكأنهُقرْدٌ يقهقهُ أو عجوزٌ تلطمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

فقال أبو الطيب: أما طالعت في هذه القصيدة قولي:

يحمي ابن كيَغلغَ الطريقَ وعرْسهُما بينَ رِجلهاَ الطرّيقُ الأعظمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

فقلت: هذا من قول الفرزدق:

وتركتَ عرْسكَ يا جريرُ كأنهاّللناسِ بارِكةً طريقٌ معملُ

فقال جرير يرد فيها عليه:

وعجانٌ جِعثنَ كالطرّيقِ المُعملِ

وفي هذه القصيدة يقول:

يرنو إليكَ معَ العفافِ وعندهُأنّ المجوسَ تصيبُ فيما تحكمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

وهذا من قول أبي تمام:

بأبي منْ إذا رآها أبوهاأقبلتْ قال ليت أناّ مجوسُ

فقال: ما علي حرج في البيت يشذ عن مدرجة الإحسان، واللفظ يند عن شرك البيان. قلت فأخبرني عن قولك:

بليتُ بلى الأطلال إنْ لم أقفْ بهاوقُف شحيحٍ ضاعَ في الترْبِ خاتمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

كيف قلته أشحيح أم شجيج؟ فقال: أنا قلته بحاء لا غير، هذا معنى اخترعته: إنما اجتذبته من قول هميان بن قحافة:

فُهنّ حَيرى كَمُضلاتِ الخَدمْ

فبين اللفظتين بون بعيد وقد أوحشت في قولك:

) بَليتُ بلىِ الأطلالِ إنْ أقفْ بها (

وأسأت في العبارة عناّ أخذته فأتممت البيت به. فانظر إلى قول أبي نؤاس في منى بيت هميان، ما أعجبه وأحسن مذهبه وأفصحه وأوضحه حين يقول:

لقد طالَ في رسْمَ الدّيارِ بكائيوقد طالَ ترْدادي بها وعنائي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لقد طال في رسم الديار بكائي»
كأني مُريغُ في الديارِ طَريدةًأراها أمامي مرةً وورائي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لقد طال في رسم الديار بكائي»

قلت: وقد كررت معنى قولك:) بليتُ بلي الأطلال (فقلت، إلا أنهُ لم يأت موجزاً إيجازك فيما تقدم:

ما زالَ كلُ هزيمِ الوَدق ينُحلهاوالسقمُ ينحلني حتى حكتْ جسدي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقد عمدت في هذا البيت إلى أحسن بيت وأشرفه عبارة، فأعدته في عبارته في عبارة مجتذبة، وألفاظ غير مستعذبة.

قال محمد بن وهيب:

طَللاِنِ طالَ علَهما الأبدُدَثرا فلا علْمُ ولا قصَدُ
لبساَ البِلى فكأنّما وجدَابعْدَ الأحبةِ مثلَ ما أجدُ
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

فلو لم يكن في هذين البيتين من محاسن اللفظ إلا قوله:) لبسا البلى (فإنها استعارة واقعة حلوة. ولو شاء قائل إنها في هذا الموضع أحسن موقعاً منها معها في قول الجعدي:

لَبستُ أناساً فأفنَيتُهْموأفَنيتُ بعدَ أناسٍ أناساَ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

أو من قول الآخر:

ما الضّجيعُ ثناها إليَهِْتدَاعَتْ عليَهِ فكانتْ لباساَ

على أن بعض العرب قد قال وأوفى على كل مقال:

ألمْ تَرَ أنّ الريْحَ بينَ مُوَيسلٍوجاَوا إذا هبتْ عليك تطيبُ

وأحسن الآخر كل الإحسان بقوله:

لمنْ طللُ وقَفتُ بهِ طريقاَأسائلُ ربعُه الخلقَ السّحيقاَ
لسَمىَ لا تَغَيرَ ربعُ سلمىَوألبَسَتَ الرَواعدَ والبرُوقاَ

وقول محمد بن وهيب:

لبساَ البلَ فكأنّما وَجداَ

مأخوذ من قول معلى الطائي:

لَبسنَ البلىِ حتى كأن رسومهاَطَعمنَ الهوىَ أو ذُقنَ هجرَ الحبائبِ

ومن هذا أخذ البحتري قوله:

بينَ الشقّيقةِ فاللّوىَ فالأجَرعَِدمنُ حبُسنْ على الرّياحِ الأربْعِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بين الشقيقة فاللوى فالأجرع»
فكأنّما ضَمنتْ مغانيَها الذيضمنتهُ أحشاءُ المحبّ المُوجعِ

وكإساءتك في أخذ هذين البيتين في قولك:

وكمْ للهوىَ من فتىً مدْنفٍوكم للنوّى من قتيلٍ شهيدِ (َ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

فإنّك سرقت عجز هذا البيت افحش سرقٍ من جميل، ومن محاسن قوله:

لكُلّ حديثٍ بينهنّ بشَاشةُوكلٌ قتيلٍ عندهنّ شهيدُ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

وما كنت أرى ذا رويةٍ يستجيز أن يهتك حرمه هذا البيت، ويأتي إلى هذه الألفاظ الرطبة العذبة فيحيلها إلى ذلك اللفظ السفساف والنظم المتهالك ومن تبديله الحسنة بالسيئة قوله

تهَلَل قبلَ تسليمي عليْهِوألقى مالهُ قبلَ الوِسادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ولولا تسمحه في تناول هذه المعاني التي تقدم أربابها فيها، وسبق إلى اختراعها، لخل لسانه كما يخل لسان الفصيل الملهج: وما يصنع بقوله:

) تَهَلل قَبلَ تسليمي علَيهِ (

مع قول زهير:

تراهُ إذا ما جئتهُ متَهَللاًكأنك تعُطيهِ الذي أنتَ سائلهْ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقد أخذ قوله:

كأنّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سائلُهْ

شاعر فقال في الّسري بن عبد الله:

كأنّ الذي يأتي السَريَ بحاجةٍأناخ عليهِ بالذي جاء يطلبُ

وأخذه الكميت فقال:

كأنما جئتُهُ أبشرهُولم أجيءُ راغباً ومُجتلباَ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «كأنما جئته أبشره»

ومع قول بعض العرب:

إذا ما أتاهُ السّائلونَ توقَدَتْعَليهُ مصابيحُ الطّلاقةِ والبِشْرِ
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
لهُ في ذوي الحاجات نُعمى كأنّهامَواقعُ ماء المُزنْ في البلدِ القفْرِ

ومما سرقه فلم يزد على أن كرر لفظه في غير وزن البيت المسروق منه قوله:

فإن الجُرْحَ ينفرُ بعَد حينٍإذا كانَ البناءُ على فسادَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

فإنّك أخذته لفظاً ومعنىَ من قول البحتري:

إذا ما الجْرحَ رُمّ على فسادٍتَبينَ فيهِ تفرَيطُ الطّيبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمنك تأوب الطيف الطروب»

ومن هذا النوع قولك:

فمَضَتْ وقد صبَغَ الحَياءُ بياضهاَلَوْني كما صَبَغَ الٌلجينَ العَسجدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

فما تصنع بهذا مع قول ذي الرمة:

حَوْراءُ في برَجٍ صَفراءُ في نعَجٍكأنّها فضةُ قد مَسهاَ ذهبُ

ومن هذه الجذوة اقتبس بشار قوله:

قد لَحّ بي في لعبِذو راحةٍ من تَعبِ
جسْمٌ من الفّضةِ قدتشَرْبتْ بالذهَبِ

ومن هاهنا نقل أبو الشيص قوله في صفة الخمر:

كأنما أقداحهاُ فضِةٌقد بطّنتْ بالذهبِ الأحمرِ

ومن تقصيرك في الأخذ قولك:

لا بقوْمي شٌرْفتُ بل شُرفوا بيوبنفسي فَخَرْتُ لا بجدودي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

فإنك أخذته من قول الأول:

نَفس عصامٍ سَوّدتْ عصاماوعلَمتهُ الكرَ والإقداماَ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نفس عصام سودت عصاما»

وجعلَتهُ مَلكاً هُماما وما تصنع بقولك وقول غيرك في هذا المعنى مع قول عامر بن الطفيل:

فما سَوّدّتني عامرُ عنَ وراثَةٍأبىَ اللهّ أنْ أسموُ بأمٍ ولا أبِ
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة
ولكننيّ أحمي حماها وأتقيأذاها وأرْمي منَ وماها بمقْنبِ
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

ومن تقصيرك فيما سرقته قولك:

بانوا بخُرْعوبةٍ لها كَفلٌيكادُ ند القيامِ يقعدها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فإنك أخذته بقول المحدثين:

تَمشي فيقُعدها روَادِفهاُفكأنما تمشي إلى خَلْفِ

فهذا هو الإعذار. ألا ترى أنك لم تستوف المعنى لأنك إنما أخذت الشطر الأول الشطر الأول من هذا البيت وغادرت قوله:

فكأنمْا تمشي إلى خَلفِ

ومن التقصير الشديد قولك:

أمنَ ازدياركَ في الدَجى الرّقباءُإذ حيثُ كنتِ من الظلامَ ضياءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

وهذا من التكلف الشديد، البعيد من اللفظ السديد. ثم قلت:

قلقُ الملَيحة وهيَ مسكُ هتكهاُومَسيُرها بليلِ وهيَ ذٌكاءٌ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

ففي قولك) هتْكها (هتك لحريم ودها. وقد سرقت البيت الأول من قول الشاعر:

تَبَسمتْ فانجلى الظلامَ ولمْتَخفْ وقد كان قبل أخفاها

ومن قول الآخر:

قَمرَ نمَ عَليهِ حُسنهُكيفَ يخْفي الليلُ بدراً طالعاَ

وأخذت البيت الثاني من قول بشار:

أملي لا تأتِ في قمرٍلحَديثٍ واثقِ الدرُعاَ
وتَوقّ الطَيب ليلَكَ ذاإنهُ واشٍ إذا سَطعَا

وقد أخذ بشار البيت الأول من قول عمر بن أبي ربيعة:

قالتْ صَدقتَ ولكنْ في قمرٍألا تَبصّرتَ حتى تأتي الدرعُ

ثم قلت له وأخرى من قولك:

طَلبَ الإمارةَ في الثغورِ ونشؤهُما بينَ كَرْخايا إلى كلْواذاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

من أين لك هذه اللغة في) كلواذا (؟ ما أحسبك أخذتها إلا عن الملاحين.

قال: وكيف؟ قلت: وإنك أخطأت فيها خطأ تعثرت فيه ضالاً عن وجه الصواب. قال: ولم؟ قلت: لأن الصواب كلْواذ بكسر الكاف وإسكان وإسقاط الياء. قال: وما الكلواذ؟ قلت: تابوت التوراة بها سميت المدينة. قال: وما الدليل على هذا؟ قلت الراجز:

كأن أصوات الغبيطِ الشاذيزَبْرُ مهاريقٍ على كلْوادِ

والكلواذ: تابوت توراة موسى. وحكي في بعض الروايات أنّه كان مدفوناً بهذا الموضع، فمن أجله سميت كلوذا. وأطرق لا يحير جواباً ثم قال: لم يسبق إلي علم هذا، وقولك مقبول والفائدة غير مكفورة. قلت: وأخطأت في قولك:

وَصَلتْ إليكَ يدُ سواءُ عندهاَالبازيُ الأشهب والغراب البقعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

فإنك شدّدت الياء في) البازي (لا وجه له، ووصلت ألف القطع في الأشهب. ولا أعلم أحداً من الفصحاء شددّ الياء في البازي إلاّ البحتري، وعليه اعتمدت، وعلى لفظ بيته ركنت في قوله:

وبياضُ البازيَ أحسنُ لوْناًإنْ تأملتَ منْ سوادِ الغُرابِ

وقد ردّ هذا على البحتري وخطئ في تشديده الياء. والمسموع في ذلك لغتان: إحداهما بازُ وبزاة كما تقول قاضٍ وقضاة ورامٍ ورماة. قال امرؤ القيس:

على بازٍ في السماء محلقُ

واللغة الثانية) باز (بالهمز) وأبؤز (، كما تقول كلْب وأكلبُ ويجمع على بئزان جاء ذلك في الشعر الفصيح فقال: لم أقل هكذا وإنما قلت البازي الأشهب بسكون. فقلت: قد قطعت ألف الوصل في البازي الأشهب ووصلت ألف قطع فجمعت بين ضرورتين في بيت واحد. فقال: قد جاء مثل ذلك في اشعر. إنما جاء شاذاً وليس بسائغ لمحدث.

فقال: قد قال الطرماح:

ألا أيها اللّيل الطويلُ ألا آصبحِ

فوصل. فقلت ك الطرماح قروي والرواية الصحيحة:

ألا أيها اللّيل الذي طالَ أصبحِْببسَمٍ وما الإصباحُ فيك بأرْوَحِ

قلت: وأخطأت أيضاً في قولك:

وأنْكَ بالأمسِ كنتَ محتلماًشيخَ معدٍ وأنتَ أمْردها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

فإنك أجريت المضمر في قولك) أنْك (مجراه مع الظاهر، وفيه قبح شديد. وإنما يحسن) أنْك (بمعنى أنكّ مع الظاهر، كقول الشاعر:

ويوماً تُوافينا بوجْهٍ مقُسمٍكأنْ ظبيةٍ تعطو إلى وارقِ السلَمْ

وقول الآخر:

وصدرٍ مشرقِ النحرِكأنْ ثدْييهِ حُقانِ

فقال: قد قال الآخر:

فلْ أنكْ في يومِ الرخاء سألتنيفراقكِ لم أنجلْ وأنت صديقُ

فقلت له: هذا جائز على الضرورة، ووجه جوازه ضعيف جداً. وليس يحمل القياس الشذوذ والضرورات. وعلى أنك نظرت إلى قول أبي تمام:

وأنكَ إذا ألبستهُ العزّ منعماًوسرْبلْتهُ تلك الجلالةَ مفضلاِ

ثم قلت: وأخطأت أيضاً في قولك:

هزَمتْ مكارِمُه المكارِم كلَهاحتى كأن المكُرمات قبائلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وقتلنَ دفراً والدهيمَ فما ترىَأمُ الدّهيم وأمُ دفرٍ هابلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

قال: وما وجه الخطأ؟ قلت ما أردت بقولك) وقتلنَ دفراً والدّهيم (؟ فقال: هما من أسماء الداهية، وقد تسمى الدنيا دفرْاً. فقلت: هذا خطأ في الدّفر لم يقله أحد، ولا رواه، راوٍ، ولا ادّعاه على العرب مدعٍ. فأماّ الدفر فالنّن؛ والخبر عن عمر، رحمة الله عليه و) ادفراه (والعرب تكني الدنيا أم دفرٍ من أجل المزابل التي فيها ويقال: دفرته دفراً إذا دفعت في صدره. وقالوا للأمة يا دفار لنتنها. ويقال: دفراً دفراً لما يجيْ به فلان، إذا قبحت الأمر أو نتنته. وقال صاحب كتاب العين: الدَفر وقوع الدود في الطعام واللحم، والدنيا دفرة أي منتنته. ونحو هذا ذكر ابن دريد في الجمهرة. هذا قول أهل العلم ومستودع كتب اللغة ولا يعلم أحد أنه ادعى أن الداهية تسمى دفراً، ولا أن الدنيا تسمى دفراً. وأما الدهيم فمن أسماء الداهية؛ والأصل في ذلك أن ناقة كانت لبعض الملوك تسمىّ الدهيم، فقتل قوماً وبعث برؤوسهم عليها في غرارة، فلماّ جاءت قالوا: عليها بيض نعام. فقال الرسول: انظروا عما يفرخ البيض. فلما نظر إلى رؤوس أولاده قال:

وعنَد الدُهمِ لوْ أحلَ عقالهاُفتصعدَ لم تعدمْ من الجنّ حاديا

يريد أن الجنّ تعين على فعل المكروه. ثم كثر تشاؤمهم بهذا الاسم حتى جعلوا الداهية دهيماً. فقال: إذا كانت الدنيا تكنى أم دفْرٍ، سميت أيضاً بدفر من أجل أن كناهم لهذه الأشياء. فقلت: الأمر على خلاف ما تخيلته، ولو كان الأمر كذلك لسميت الدنيا شملة، لأنهم قد كنوها أم شملة. أنشدنا محمد بن الحسن بن مقسم، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، ابن الأعرابي:

من أمّ شَملةَ ترَميْنا بوائقُهاُغرّارةٍ رئيَتْ منها التّهاويلُ

ولكانت الخمر تسمى خلاً، من أجل أنهم كنوها أم الخل كما قال الشاعر:

رَمَيتَُ بأمَ الخلّ حبهَ قلبهِفلمْ يستفق منها ثلاث لياَلي

ولم يدع ذلك أحد من العلماء ممن يستضاء بنوره، ويورد نمير مائه. ولكانت هذه الدنيا تسمى حبيناً، لتكنيتهم إياها بأم حبين. ولكانت الحمى تسمى ملدماً إياها ملدم. فقولك:) أم الدهيم وأم دفر هابل (لا انتظام لمعناه ومحصول المعنى في بيتك أن أم النتن وأم الداهية ثاكل. وهذا من المعاني الممقوتة التي تصم ناطقها، وتهين قدره، وتسم بميسم النقص شعره، لأنه قد جمع فساد المعنى والطاء في اللغة. وفي هذه القصيدة تقول:

لوْ طابَ مْولدُ كل حيٍ مثلهُوَلدَ النّساءُ وما لهنّ قَوابلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

ما أراك أردت إلا أنهن يتسعن حتى لا تحس المرأة عند مخاضها بخروج الجنين عنها. وإلاّ فما وجه سقوط حاجتها إلى القابلة عند ولادتها، أما سمعت قول الأول:

حَملتْ بهِ أم ُتباركُهفكأنها بالحَملِ لم تدرِ
حملتْ بهِ غَرّاءُ مذُكرةٌزَهراءُ بنتُ عقائلٍ زهْرِ

فأتيت بما لا يأتي به ذو مرة سوية، ولا قريحة ذكية. وما أحسن ما قال الكروس بن زيد الطائي:

لئنْ فَرحتْ ب مَعقلُ عند شدُتيلقد فرحتْ بي عند أيدي القَوابلِ
أهَلّ به لمّ استهلّ بصوْتهِحسانُ الوُجوه ليَنات الأناملِ
للشاعر الكروس بن زيد الطائي، من قصيدة «رأتني ومن لبسي المشيب فأملت»
فلماّ تردّى بالحمائل وانتحىَيصولُ بأطرافِ الرّماحِ الذّوابلِ
للشاعر الكروس بن زيد الطائي، من قصيدة «رأتني ومن لبسي المشيب فأملت»
تَبَيَنتِ الأعداد أنّ سناَنهُيطيلُ حَينُ حنينَ الأمهات الثواكلِ
للشاعر الكروس بن زيد الطائي، من قصيدة «رأتني ومن لبسي المشيب فأملت»

فأحنقه هذا القول وغير من لونه، واستروح إلى قول حدث مأفون العقل كان بحضرته: سبحان الله ما أعجب أول هذه القصيدة:

لك يا منازَلُ في القلوبِ منازِلُأقفرْتِ وهنُ منْكِ أواهلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

فلم يستكمل البيت حتى قلت له: أعجب منه، أيقظ الله رقدتك، ما استرق هذا منه وهو قول أبي تمام:

وَقَفْتُ وأحشائي منَزِلُ للأسىَبهِ وهوَ قَفزٌ قد تعَفتْ منَازلهْ

وأبو تمام احتذى في هذا القول ذئب الخزاعي:

ألا منْ لطَرفٍ لا يزالُ مسهَداَويا منْ لقلبٍ لا يزالُ مصيداَ
رَماهُ الهوىَ حتى إذا شَكّ قلبهٌتَرَددَ في أحشائِهِ وتَبدداَ
بنى ليَ قلبي منزِلً في فُؤادهِوأعطتك من إنسانها العينُ معقدَاَ

وإلى هذا أشار قيس بن معاذ بقوله:

سَرتْ في سوادِ القلبِ حتى إذا انتهىَبها السير وارتادتْ حمِى القلبِ حلتِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى»
فللْعَينِ تهمْالُ إذا القلبٌ ملّهاوالقلبِ وسواسُ إذا العينُ ملّتِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى»
ووالله ما في القلبِ شيء من الهوىَلأخرى سواها أكثرتْ أمْ أقلتِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى»

وهذا أبو عثمان الناجم يقول على تأخر زمانه:

إذا ساءني منهُ شُحوطُ ديَارهِوضاقتْ عليّ في هواهُ مذَاهبي
عطفتُ على شخصٍ له غيرِ نازحٍمَنازِلهُ بينَ الحَشا والترائبِ
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

قلت: وأخطأت في قولك:

مَلكُ زَهَتْ بمكانهِ أيامهُحتى افتَخرْنَ به على الأيام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

وكان من الصواب أن تقول: زهيتْ بمكانه. أتراك مع فضلك وتوسعك في أدبك لم تطالع كتاب) الفصيح (وما تضمنه من قوله:) وقد زهيتَ علينا يا رجل، وأنت مزهو، وكذلك يقال: زهي الرجل وزهيت المرأة كما يقال نخى الرجل ونخيت المرأة من النخوة، فهما منخوان. وقالت عائشة، ﵂: الحلي مستعار للعرائس وفلانة تزهى أن تلبسه. ولا يقال زها إلا في النبت إذا اصفر وظهر زهوه أي صفرته. ونهى رسول الله، ﷺ آله، عن بيع التمر حتى يزهو. وبعض أصحابنا يقول حتى يزهي من أزهى. وذكر أن) يزهو (خطأ والزهو البسر إذا لون. يقال: أزهى البسر، والإزهاء، زعموا، في البسر أن يصفر ويحمر. والأصمعي يقول حتى يزهى البسر، بفتح الهاء، ويأبى ما سواه البسر الأصفر، والزهو الكذب وأنشد:

عند ابن عمرانَ زهوُ غُير ذي رُطبٍوعندهُ رطبٌ في النخلُ ممنوعُ

يقول عند كذب لا بسر. وقال الآخر:

ولا تقَولَن زَهُر ما تٌحدًثٍناُلم يتركُ الشًيبٌ لُي زهراً ولا العورُا

والزهو أيضاً: المنظر الحسن؛ والزهو الفخر، قال الشاعر:

متى ما أشأ غيرً زهوٍ الملوكٍأجعلُك رَهْطاً على حيُضِ

والزهو أيضاً أن تشرب الإبل ثم تمد في طلب المرعى ولا ترعى حول الماء. يقال: زهت الإبل تزهواً. والريح تزهي النبات إذا هزته. والسراب يزهي الرفقة كأنما يرفعها، والأمواج تزهي السفينة. قلت: وأخطأت أيضاً في قولك:

وضاقتِ الأْرْضُ حتى صارَ هارِبهمُإذا رَأى غيرَ شيء ظَنُه رجٌلا

أفتعرف مرئياً يتناوله النظر لا يقع عليه أسم شيء. وأحسبك نظرت فيه إلى قول جرير:

ما زِلْتَ تَحسَب كُلُ شيء بعَدهًمخَيْلاً تكرَ عليكمُُ ورِجالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

فأحلت المعني عن جهته، وعبرت منه بغير عبارته. وقول جرير من التخيل المليح. وزعم الأخطل أنه أخذه من قول الله تعالى:) يحسبون كل صيحة عليهم (، وخليق أم يكون أخذه من قول العوام بن شوذب الشيباني:

ولوْ أنهًا عُصفورَةٌ لحسَبتَهامُسَوًمَةً تدًعو عُبيًداً وأزْنَماَ
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

ومن التخيل المليح قول الآخر في تخيل السكران:

وما زِلت أسقي الرًاح حتى حسَبتُنيأميراً على منً شِيتُ أنْ أتأمرَا
وحتى حسبتٌ اللًيلَ والصبُح مقٌْبلاًحصانَينٍ مختالًينٍ جَوْناً وأشْقَرَاَ

ومما يستحسن في هذا المعني قول ثابت قطنة:

تنَشيتُ حتى خلتُ أنَ مطَيُتيلها سَبْعٌ آذانِ نَبَتنْ لها بعَدي
وحتى حسًبتٌ البرٌ بحراً وخلتٌنيأنوطٌ النجُومَ الزُهر في طرفَي بُرْدي

وأشدني أبي قال: أنشدني أبو عمر بن سعد القطربلي الكاتب قال: أنشدني ثعلب لطحيم الأسدي، وينسب هذا إلى ابن الأعرابي:

ومستطيلِ على الصًهباء باكرهافي فتية باصطباحِ حذاُقِ
فكُلَ خَلْقٍ رآهُ ظَنهٌ قدًحاًوكلُ شخصٍ رآهُ خالهَ السُاقي
حتى حساها فلم يلثْ وما برِحتْأن غادرَتهْ صرَيعاً ما له راقي

ثم قلت: وأخطأت في قولك مخاطباً كافوراً الإخشيدي:

يفَضَحٌ الشمَس كلًما ذرًتِ الشُمسْبشَمْسٍ مُنيَرةٍ سَوْداء

فكيف توصف الشمس وصبغا البياض والضياء بالسواد؟ وما وجه استعارة المس للأسود إن كنت ذهبت في ذلك إلى الاستعارة فقال إنما ذهبت إلى قول النابغة:

فإنك شمس والملوكُ كواكبَإذا طَلَعتْ لم يبَد منهن كوْكَبٌ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

فقلت له: إنما ذهبت في هذا إلى أنه في مجده وسؤدده وبإضافة الملوك إليه كالشمس التي تستر النجوم عند ظلوعها. وأنت لم ترد إلا أن هذا الممدوح في أوضافه يفضح الشمس طالعة، وهو مع ذلك شمس سوداء، والشمس لا تكون سوداء إلا في حال كسوفها. ولم تذهب في هذا إلا إلى سواد جلدته، وقد أنبته في ظاهر الكلام بقولك) سوداء (تأنيباً، عاد) معه (المدح هجاء، ولا فرق عندي بين قولك هذا في مدحه، وقولك في الكلمة الأخرى في ذمه.

إن امرأ مَرْأة حُبلي تُدَبُرهُلمسُتَضامُ سخَينُ العينِ مفَئودَ

قلت: وأخطأت في قوله مفتتحاً قصيدة امتدحت هذا الرجل بها؛ فإنك قلت:

كفى بك داءً أن ترَى الموْتَ شافياوحسَْبُ المنَايا أن يَكنً أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

فإنك افتتحت مدحه بما تفتتح به المرائي واحتسبته كان طعمة المنايا عن قليل من مواجهته بها. ومن سبيل الشاعر أن يتحرى لقصيدته أحسن الابتداء كما يتحرى لها أحسن الانتهاء عند بلوغ حاجته، وأن يجعل افتتاح كلامه أحسن ما يستطيعه لفظاً ومعنى. وأن يبتدئ قصيدته بما شاكل المعنى الذي قصد له. فإن أبا نؤاس لو كان معاتباً بقوله:

أربَعَْ البِلى إنَ الخُشوعَ لبَاديعَلَيكَ وإنًي لم أجنُك ودِادي

أو مستبطئاً، لم يستهجن ابتدؤه هذا، ولم البرمكي منه عند إنشاده إياه هذا الشاعر، فإنه يتطير منه، فلما انتهى إلى قوله:

سَلامُ على الدنَيا إذا ما فُقدتمبني برَْمَكٍ منِ رائحينَ وغادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

استحكمت طيرته، فلم تتصرم أيام حتى أوقع الرشيد بالبرامكة. وكذلك البحري لو كان هاجياً بقوله:

لك الوَيْلُ من لَيل تطَاولَ آخرُهْووَشْكِ ذَوي حَي تُزَم أباعِرٌهْ

لكان محسناً؛ لأن كل صنف من صنوف القول يقضي نوعاً من أنواع الابتداء وضرباً من ضروب الاستفتاح لا يصلح لغيره. وقد قال أبو سعيد لما أنشده: " لك الويل من ليل " بل لك الويل والحرب. فينبغي للمادح المستميح أن يفتتح شعره بما يكون دالاً على غرضه ومشيراً إلى مراده. وألا يشوبه بما يتطير منه ويستجفي في كلامه: كنغي الشباب، وتفرق الأحباب، وذم الزمان، وتقطع الأقران، وذكر الموحش من الأطلال والرسوم العافية البوالي. فقد قيل إن الأسود بن المنذر لما أنشده الأعشى:

ما بسُكاء الكبيَرِ بالأطْلالِوسؤالي فمال يَرُدُ سُؤالي

ذم هذا الافتتاح وكرهه. وبلغنا عن خلفاء بني مروان أنه استنشد ذا الرمة شيئاً فأنشده:

ما بال عينك منها الماء ينسكب

فرد فيه وأسكته. وأنشد الجعدي بعض الملوك قصيدته التي يقول فيها:

لَبسِْت أناساً فأفْنَيُهُمْوأفنَيتُ بعدَ أناسٍ أناساَ

فقال: ذاك لفرط شؤمك. واستنشد أبو دلف بن عيسى راشد بن إسحاق الكتاب بعض ما رثى به متاعه فأنشده:

ألا ذهب الأير الذي كنت تعرف

فغضت أبو دلف وقال: بل أمك كانت تعرفه. ولما أنشد الأخطل عبد الملك:

خف القطين فراحوا منك أو بكروا

فقال: بل منك، تطيراً بذلك. وهذه كانت حال جرير معه لما أنشد

أتصحو بل فؤادك غير صاحي

فإنه رد فيه وقال بل فؤادك. ثم قلت: وأخطأت في قولك:

أليسَ عَجيباً أنُ وَصفَكَ معُجِزٌوأنً ظٌنوني في معَاليكَ تَظلَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

فاستعرت الظلم لظنونك، وهي استعارة قبيحة، وتعجبت في غير متعجب منه، لأن من أعجز وصفه لم يستنكر قصور الظنون وتحرها في معاليه. وإنما نقلته من قيل أبي تمام فأفسدته:

رَقت منُاه طَوْدَ عزَ لوِ ارْتَقَتْبهِ الرُيحُ فتراً لانشنَتْ وهي ظالعُ

وقد قال مخلد يصف برية:

سماوية تستَنزِل الرًيحُ جودهَاوتظلَم فيها الرًيح في واضحِ السُبلِ

فقال: إنما جريت على عادة العرب في الاستعمار. فقلت: أجل إلا أنها استعمار مستهجنة قلقة حلت في غير محلها، ووقعت في غير موقعها.

والاستعارة إذا لم يكن موقعها في البيان فوق موقع الحقيقة، لم تكن استعارة لطيفة. وحقيقة الاستعمار أنها نقل كلمة من شيء قد جعلت له، إلى شيء لم تجعل له. وهي على ثلاثة أضرب أفتعرفها؟ فقال: ما لي لهذا؟ قلت: فأنا أذكرها ضرورة، لأبين أنك بمعزل عن الإحسان في قولك:

) فإن ظنوني في معاليك تظلع (

فأولها: الاستعمار المستحسنة وهي التي موقعها في البيان فوق موقع الحقيقة كقول الله تعالى) إنا لما طغا الماء (فحقيقة طغا علا. فلما قال تعالى طغا جعله علواً مفرطاً، فصار لهذه الاستعمار حظ في البيان لم يكن للحقيقة. ومن الاستعمار المستحسنة قول الأعشى:

ولقد سلَبَتُ الكاعبالحسناءَ حسُنَ شَبَابهاِ

يريد تمتعت بها إلى أن أفنيت شبابها. وقال أوس بن حجر:

ترَى الأرْض منًا بالفضاء مريضةًمُعضلًةَ منًا بجَيشٍ عرَمرْمِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكرت منا بعد معرفة لمي»

فاستعارته للأرض المرض مبالغة في وصف كثرة عددهم ووقع حوافر خيلهم. فكأن الأرض حملت منهم ثقلاً لا تنهض به، فكسبها ذلك مرضاً. وحقيقة المرض النقصان، فكأن استطاعة الأرض عجزت، وقواها قصرت وتناقصت عن الاستقلال بما حملوها إياه وقال الشاعر:

ولَيلَةٍ مَرِضَتْ من كلُ ناحيةفما يضُيء بها شمس ولا قمرُ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

يريد بقوله " مرضت " نقص ضوءها. ومن الاستعمار اللطيفة قول الآخر:

وَرَدنَ لتَغويرٍ وقد وَقَدَ الحصَىوذابَ لعُابُ الشمس فوق الجماجمِ

فاستعار للحصى وقدة، إخباراً عن توقد الهاجرة. واستعار للشمس اللعاب إخباراً عن شدة الحر، ومن هاهنا أخذت قولك:

) وللشمس فوق اليعملات لعاب (

وقول الآخر:

رَأيتُ فَضيلةَ القَرشي لمارَأيت الخيل تسُرجُ بالرًماحِ

فاستعار للرماح " تسرج "، أي مشعلة، إخباراً عن افتراشها وتلاحكها، وشدة الطعن واستحراره، فكأنها ملتهبة لاصطكاكها وتلاحكها كما قال امرؤ القيس:

إذا ركبِوا الخيَلَ واستَلأمٌواتحَرقَتِ واليوْمُ قَرُ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

النوع الثاني: وهو الاستمارة المستهجنة؛ وإنما سميت مستهجنة لأنهم استعاروا لما يعقل أسماء وألفاظ ما لا يعقل كقول الحطيئة:

فما بَرِحَ الوِلدانُ حتى رَأيتْهُعلى البَكرِ بساقٍ وحافرِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «فما برح الولدان حتى رأيته»

وهذا الشاعر إنما وصف رجلاً أضيف وأكرم فقال: ما برح الإماء والولدان يكر منه حتى رأيته قد ركب راحلته وانصرف شاكراً عنهم. فالمعنى في نهاية الحسن، إلا أنه قال في آخر البيت " يمريه بساق وحافر " فقبح لما استعار للرجل موضع قدمه حافراً. ومن هذا قول الخطيئة أيضاً:

قرَوَاْ جارَك العَيمْان لما جفَوْتْهوقلًص عَن بَردْ الشًرابِ مشافِرهْ

فجعل له مشفراً في موضع الشفة، ومنه قول الآخر:

سأمنعَها أوْ سوْف أجعلَ أمرَهاإلى ملِكٍ أظلافُه لم تشَقُقِ

فجعل للملك ظلفاً موضع الظفر، ولم يقنعه حتى قال: " لم تشقق " والنوع الثالث: من الاستعارة أحسن من الثاني لأنهم استعاروا لما لا يعقل اسماً لما يعقل كقول حميد بن ثور الهلالي:

عجبتُ لها أنّى يكون غناؤهاَفصَيحاً ولم تفَغَرْ بمنَطقها فَمَا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

هذا الشاعر وصف حمامة وأراد أن يقول لم تفغر منقاراً فقال " لم تفغر فماً "، فحسن. ولو قال الإنسان لم يغفر منقاراً لقبح وساء في اللفظ. على أن الأصمعي قد ذكر أن الفلم يستعمل في جميع الحيوان. وقال الراجز يصف فرساً:

وهاطلِ الجَرْي أتيِ مقَدمهْما لثَمَتْ كَيفُ الصُعيدِ قدمهْ

فجعل له مكان حافره قدماً، فكان أحسن من قول الآخر في موضع قدم الرجل حافره.

قلت: والاستعارة التي استعرتها منافية هذه الأقسام الثلاثة، من أجل أنه ليس للظن فعل حقيقي استعرت الظلع موضعه. وإنما يقال ظن عازب، وظن كاذب، وظن المعي، وظن مصيب. وهذه كلها استعارات واقعة. ولم يسمع من شاعر فصيح ولا عربي صريح: ظن ظالع. واستعارة الظلع للريح وإن كانت بعيدة أولى وأقرب، ومن أجل أنه يقال: ريح حسرى، وريح مريضة يراد كلالها ونقصان هبوبها، فجاز أن يوضع مكان الكلال الظلع، لأنه من جنس قصور الهبوب. وكذلك الظلع في الريح موضوع غير موضعه، وإنما يقال في هذا المعنى ريح حسرى؛ وحسرى ليست على الحقيقة إنما تورد استعارة. وموقع تحسر في البيان أحسن من موقع تظلع. فأبدلت استعارة واقعة لطيفة من قولهم: ظن عازب، وظن كاذب، وظن المعي ومصيب، باستعارة خافية بعيدة من قولك:) في معاليك تظلع (. وحال القدم والحافر والفم والمنقار فائدة الحال، لأنها أسماء مستعارة وضعت مواضع أسماء حقيقية ومن الاستعارة البعيدة قولك:

أسَدُ الأسدِ الهزِبَرِ خضِابًهُمَوْت، فريصَ الموْت منه يُرْعَدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فجعلت للموت فريصاً وهي جمع فريصة، والوجه أن تجمع فريصة على فرائص، والفريصة لحمة تحت الكتف يقال إنها مقتل، وهي استعارة بعيدة جداً. فضل عن الجواب، واستبهم عليه إقليد هذا الباب، وسمع ما لم تجر سعادته باستماع مثله، لأن الوادي الذي يسلكه في شعر مباين له. وإذا تكلف هذا المضمار، وتعاطى الصنعة في شعره، ولم يحسن إحسانه فيها جرى في على شاكلته الأولى. ألا ترى إلى قوله:

وقَيبَ كُماً قَبُلَ الُرْب قَبلَهُوكُلُ كَميِ واقِفُ متُضائِلُ

فجانس بقبل وقله وبكم وكمي فلم يصف لفظه، ولا ما لأه على الإحسان طبعه، وانقطعت دون الإصابة مادته. ثم قلت له: وأخطأت في قولك:

لأْمَةُ فاضَةُ أضَاُة دِلاصُأحكمَتْ نسَجهَا يدَا داودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

من أجل أنه لا يقال درع فاضة، إنما يقال: مفاضة، وجمعها مفاض. ويقال الدرع أيضاً فضفاضة وفضافضة إذا كانت واسعة. وقال أمرؤ القيس، وبعض أصحابنا يرويها لأبي داود:

وأدْدْتُ للحرْبِ فضَفاضَةًتضَاءلُ في الطي كالمبِردَِ

فإن كنت اشتققت فاضة من قول امرئ القيس:

تفضُ على المَرْء أرْدانهُاكفَيضِ الأتي على الجٌدْ جدٌِ

فالوجه أن يقال فائضة لا فاضة. ولم تأت هذه الكلمة في شعر عربي صريح، ولا في كلام مولد فصيح. ولا سمعنا بفاضة إلا من بيتك هذا، ومن بيت أبي الشيص:

ومنُازِلِ للقِرْنِ يَحسَبُ فاضَةًعلَقِِ النجيِعُ بثَوْبِها الفضفاضِ

وأبو الشيض مستعمل من هذه اللفظة ما لا أصل له، وليس يجوز في اللغة. وإنما اعتمد التجنيس فأسقط هذا الإسقاط. ثم قلت: وأخطأت أيضاً في قولك:

فإنْ نلتُ ما أملًتُ منكَ فرٌبُماَشرِبْتُ بماءٍ يعجِزٌ الطُيرَ وِردهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال: وما وجه الخطاء؟ قلت إنك جعلته يخيلاً لا يوصل إلى شيء من جهته. وشبهت نفسك في وصولك إلى ما وصلت إليه منه بشربك من ماء يعجز الطير ورده، لبعد مشربه وترامي مطلبه. وأخطأت في قولك مضللاً:

فلُينَ كل وردنيةٍومصَبوحَةٍ لَبَنَ الشُائلِ

والشائل: هي التي شال لبنها من النوق. ارتفع. وجمع الشائل: شول، وهي القليلة اللبن من النوق وقد شولت: إذا قل لبنها. فكيف خصصتها بلبن الشائل مع قلته وارتفاعه. وكان الأولى أن تجعلها غزيرة لا بكيئة، كما قال مطير بن الأشيم وكان وصافاً للخيل:

قَصَرْتُ لها أرْبعاً جلِةًوأكتبت حافرَها أن يَرٌوداَ
وقلتُ لقَيمعِا رَوهاصَوِيحاً ولا تَسْأ منْ أنْ تَزيدا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الرسالة الموضحة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.