من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ التاسع في الاستعطاء والعطاء (٢)
وقال أبو تمّام:
وإذا رأيت أبا يزيد في ندىالوغا ووغى ومبدىء غارة ومعيدا
أيقنت أنّ من السماح شجاعةتدمي وأنّ من الشجاعة جودا
وقال البديهي:
وإذا اختبرت علمت غير مدافعأن السماح سجيّة الأبطال
كون البخل منافيا للخصال المحمودة: قال النبي ﷺ: شرّ ما في الإنسان شح هالع وجبن خالع. وروي عنه ﷺ: أي داء أدوى من البخل.
وسمع رجل يقول: الشحيح أغدر من الظالم، فقال: لعن الله الشحيح ولعن الظالم، فإن خصلتين خيرهما الظلم لخصلتا سوء.
وقال كسرى لجلسائه: أي شيء أضرّ فأجمعوا على الفقر، فقال: الشحّ أضر منه لأن الفقر قد ينفرج والشحّ لا يفارق. وقيل: من أيقن بالخلف جاد بالنشب، وذلك من قول النبي ﷺ منع الموجود سوء الظن بالمعبود. ومن هذا أخذ الفضل بن سهل فيما حكى عنه أنه قال: رأيت جملة البخل سوء الظن بالله وجملة السخاء حسن الظن بالله.
وقال بعضهم:
ذريني فإنّ البخل يا أمّ هيثملصالح أخلاق الرجال سروق
حثّ القادر على مبادرة اصطناع المعروف: قال شاعر:
بادر بمعروفك آفاتهفبنية الدنيا على القلعه
وازرع زروعا ترتضي ريعهايوما فكلّ حاصد زرعه
وقال أحمد بن أبي بكر صاحب خراسان:
أحسن فقد أحسن الزمانوصحّ منه لك الضمان
بادر بإحسانك اللياليفليس من غدرها أمان
وقال محمد بن غالب:
وما اسطعت من بذل أكرومةفلا يمنعنّك عنها التّواني
فإنّك في زمن دهرهكيوم ودولته ساعتان
الحث على الإعطاء في العسر واليسر: قالت امرأة لابنها: إذا رأيت المال مقبلا فانفق فإنه يحتمل، وإذا رأيته مدبرا فانفق فذهابه فيما تريد أجدى من ذهابه في ما لا تريد. قال الشاعر:
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلةفليس ينقصها التبذير والسّرف
فإن تولّت فأحرى أن تجود بهافالشكر منها إذا ما أدبرت خلف
وقال آخر:
لا ينفع البخل مع دنيا موليةولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
الحثّ على إعطاء فقير يرجى غناه
عسى سائل ذو حاجة إن منعتهمن اليوم سؤلا أن يكون له غد
وقال آخر:
ارفع ضعيفك لا يسؤوك ضعفهيوما فتدركه العواقب قد غني
وقال وهب بن منبه: اتخذوا عند المساكين يدا فإن لهم دولة يوم القيامة.
النّهي عن ادّخار المال للإعقاب: قيل لعمر بن عبد العزيز: أوص بابنك، فقال: أوصيت به إلى من أنزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. وكان محمد بن كعب أصاب مالا، فقيل له ادخره لولدك من بعدك، فقال: لا والله أدخره لنفسي وأدخر ربي لولدي. أخذه محمود، فقال:
وقالوا ادّخر ما حزته وجمعتهلعقبك إن الحزم أدنى من الرّشد
فقلت سأمضيه لنفسي ذخيرةوأجعل ربّي الذخر للأهل والولد
الحثّ على إنفاق المال وأنه لا يبقى: قال حاتم:
أماوي إن المال غاد ورائحويبقى من المال الأقاويل والذكر
وقال ثوبة:
ومن يبق مالا عزة وصيانةفلا الشحّ مبقيه ولا الدهر وافره
وقال بشّار:
أخالد إن الجود يبقى لأهلهجمالا ولا تبقى الكنوز على الكدّ
وقال آخر:
رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا
قلّة الاعتداد بموت من لا ينتفع به: قيل: من لا يعتد بحياته لم يتوجع لمماته. قال ابن مقبل:
وأيسر مفقود وأهون هالكعلى الحيّ من لا يبلغ الحيّ نائله
طيب عيش من عاش غيره فنائه: قيل للمغيرة بن شعبة من أحسن الناس عيشا، فقال: من عاش غيره في خير عيشه.
وقال آخر: أفضل الناس عيشا من عاشت الرجال في فضله.
المال لا ينفع من خلّفه: قال أبو كدوا:
ليست بباكية إبلي إذا فقدتصوتي ولا وارثي في الحيّ يبكيني
قال ضمرة:
هل تخمشنّ إبلي على وجوههاأم تعصبنّ رؤوسها بسلاب
وقال حاتم:
أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتىإذا حشرجت نفس وضاق بها الصّدر
المال لا يقي من الموت: قال حاتم:
أعاذل إن الجود ليس بمهلكيولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها
وقال سوادة:
ذريني فإن البخل لا يخلد الفتىولا يهلك المعروف من هو فاعله
وقال المخبّل:
إني وجدّك ما تخلدنيمائة يطير عفاؤها أدم
قلّة نفع المال ما لم ينفق: قال هبيرة السلوليّ:
وما الفرق بين المال لولا امتهانهوبين الحصى المجموع أو كثب الرمل
المتبجّح بإنفاق ماله لتصوّر مماته: وقال بعضهم:
ولقد علمت لتأتينّ عشيّةلا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وأزور بيت الحقّ زورة ماكثفعلام أحفل ما تقوض وانهدم
فلأتركنّ الساملين حياضهمولأحبسنّ على مكارمي النعم
وكتب روح إلى خالد بن عبد الله القسري يحثه على الإمساك، فأجابه وقال:
خوفتني مما يجوز كونه والسلامة منه ونهيتني عن فعل ما أوجب الحق، وما أنا ممن يترك ما أوجبه الحق لما خوف منه ظن.
من لا يكفّه قول العذّال عن إنفاق المال: قال أبو أسد:
أرادت لتثني الفيض عن عادة النّدىومن ذا الذي يثني السّحاب عن القطر
وقال المتنبيّ:
وما ثناك كلام الناس عن كرمومن يسدّ طريق العارض الهطل
وقال آخر:
فنفسك ولّي اللوم عاذل وانطحي برأسك إن كان الصّفا وذريني
من عادته البذل: يقال إنه لما مات حاتم تشبه به أخوه، فقالت له أمه: لاتتعبن فيما لا تناله، فقال وما يمنعني وقد كان شقيقي وأخي من أمي وأبي، فقالت: إني لما ولدته كنت كلما أرضعته أبي أن يرضع حتى آتيه بمن يشاركه فيرضع الثدي الآخرة وكنت إذا أرضعتك ودخل صبي بكيت حتى يخرج، قال شاعر:
يلام أبو الفضل في جودهوهل يملك البحر أن لا يفيضا
وقال آخر:
باتت تلوم وتلحاني على خلقعوّدته عادة والخير تعويد
وقال آخر:
وإني امرؤ عوّدت نفسي عادةوكلّ امرىء جار على ما تعوّدا
وقال الموسوي:
دعي عذلي فليس العذل يجنىبه ما أثمرت شيمي وعادي
وقال آخر:
إذا كنت شمسا نورها من طباعهافكيف بأن نلقاك غير منير
من فضل في الجود على الورى: قال الشاعر:
لو أدرك العصر من كعب ومن هرموحاتم جود كفّيه لما ذكروا
وقال الغساني:
لو أنّ عين زهير أبصرت حسناوكيف يصنع في أمواله الكرم
إذا لقال زهير حين يبصرههذا الجواد على العلّات لا هرم
وقال الفرزدق:
لو أن كعبا أو حاتما نشراكانا جميعا في بعض ما يهب
من لو قسّط جوده على الورى لجادوا: قال منصور بن الفقيه:
لو أنّ ما فيه من جود يوزعهعلى الخلائق عادوا كلّهم سمحا
قال ابن الرومي:
خلائق لو فضّت على النّاس كلّهممحاسنها لم يبق في الأرض مشتم
من يحاكي بعطائه القطر والبحر
كأنّ فيض يديه قبل مسألةباب السماء إذا ما بالحياء انفتحا
وقال ابن الرومي:
وأنت كالبحر لا كفاء لهفي بعد غور وقرب مغترف
وقال آخر:
وما الغيث إلا مثل كفّك في المحل
وقال آخر:
أغنيت ما أغنى المطر
وقال الغسّاني:
مطرت أنامل راحتيه فوائداهانت علينا بعدها الأمطار
وقال بشّار:
إذا القطر لم يغزر علينا سماؤهبأرض وثقنا من سمائك بالغزر
من سماؤه تقطر المال: قال أبو نواس:
كلّ يوم له عليّ سماءثرّة تستهلّ بالعقيان
وقال سلم الخاسر:
وفي يديه سماء غير مقلعةبالجود صوب عزاليها الدنانير
من فضّل على البحار والسّحاب: قال الغسّاني:
قوم إذا مطرت سماء نوالهمذمّ الأنام سحائب الأمطار
وقال آخر:
البحر يغرق في بحور سخائه
وقال علي بن الجهم:
ولو قرنت بالبحر سبعة أبحرلما بلغت جدوى أنامله العشر
وقال المتنبيّ:
ولما تلقّاك السحاب بصوبهتلقّاه أعلى منه كعبا وأكرم
من يستحي منه السّحاب ويحسده: قال الأمويّ:
يجود فتستحيي السحاب إذا رأتنداه وتخطّيه الغيوث المواطر
وقال التنوخي:
إذا انبسطت بالمكرمات أكفّهمرأيت الحيا من سيبهنّ قد استحيا
وقال آخر:
ويحسد كفّيه ثقال الغمائم
المهين لماله: وقال ابن هرمة:
يداه يمينان لم تجمداولم تأخذا عادة الأشمل
وقال آخر:
أنا الرجل الذي كلتا يديهيمين في صروف النّائبات
الباذل بكلتا يديه: قال ابن الرومي:
ولم أر مالا جاره مثل عزّهميروح ويغدو وهو نهب مقسّم
وقال آخر:
وليس لمالي دون حقّ كريمةيعزّ وما فيه عليّ كريم
وقال المتنبيّ:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرّبيرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
وقال بكر بن النطاح:
فتى شقيت أمواله بسماحهكما شقيت قيس بأرماح تغلب
من لا يرى الإعطاء حتما: وقال بشّار:
كأنّ لهم دينا عليه وما لهمسوى جود كفّيه عليه حقوق
وقال أبو تمّام:
ترى ماله نصب المعالي فأوجبتعليه زكاة الجود ما ليس واجبا
من يبسط الآمال: قال أبو تمّام:
ألبستني حلل الغنى فلبستهاوجعلت آمالي لهنّ ذيولا
وله:
ويحكّم الآمال في الأموال
وقال البحتري:
ثنى أملي فاختاره عن معاشريبيتون والآمال فيهم مطامع
من آثار آلائه ظاهرة: قال سلم الخاسر:
لنعمان آثار علينا مبينةكما بيّنت آثار غيب مسائله
وقال أبو تمّام:
وصنيعة لك قد كتمت جزيلهافأبى تضوّعها الذي لا يكتم
ومثله لأبي نواس:
نحن نخفيها ويأبىطيب ريح فيفوح
من أخذ مواهبه بزين: قال بعضهم:
إذا أعطى القليل فتى شريففإنّ قليل ما يعطيه زين
وإن تكن العطيّة من دنيءفإنّ كثيرها عار وشين
وقال أحمد بن ثور:
فضع الزيارة حيث لا يزري بهاكرم المزور ولا يخيب الزّور
من هو هشّ العود
وريق عودهم أبدا رطيبإذا ما اغبرّ عيدان اللئام
وقال آخر:
ألم يك رطبا يعصر القوم ماءهوما عوده للكاسرين بيابس
الخصيب الفناء: قال بعضهم لعاف: نزلت بواد ممطور وفناء معمور، فحطّ رحلك فقد صادفت أهلك. قال الحطيئة:
إذا نزلوا بمحلّ روّضوهبآثار كآثار الغيوم
وقال ابن الرومي:
أنخت بحيث تبيضّ الأياديوتسودّ المطابخ والبرام
من علّم الناس الجود وأعداهم حسن صنيعه: قال بعض الأعراب: قدم علينا الحكم بن المخزومي ولا مال لنا، فأغنانا عن آخرنا، فقلت له: كيف؟ فقال: علمنا مكارم الأخلاق فعاد أغنياؤنا على فقرائنا فصرنا كلنا أجوادا.
وكان عبد الله بن العباس يسمّى معلم الجود لسخائه وحثّه على ذلك قولا وفعلا.
قال شاعر متمثلا معاتبا لصاحبه:
فلو كنت تطلب شأو الكرامفعلت كفعل أبي البحتري
تتبع إخوانه في البلادفأغنى المقلّ عن المكثر
وقال ابن الرومي:
حبّبت كفّه النوال إلى الناس جميعا وكان غير حبيب
وقصد أبو العريان بعض الأكابر فكساه وأولاه مالا، فخرج ووزع على أصحابه، وقال:
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنىولم أدر أن الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنىأفدت وأعداني فأفسد ما عندي
من الجود عبده ورقيقه: قصد أعرابي خالد بن يزيد، فقال إني امتدحتك ببيتين فهل تسمعهما، فقال: إن أحسنت فنعم ولك ثواب، فأنشد:
سألت النّدى والجود حرّان أنتمافقالا جميعا إننا لعبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولاجميعا وقالا خالد ويزيد
فاهتزّ طربا لهما، وأمر له بصلة سنيّة.
قال دعبل:
الجود يعلم أنّي منذ عاهدنيما خنته وقت ميسوري ومعسوري
من سكن الجود كفّيه: وصف رجل آخر، فقال: الجود معتكف عليه والفضل مقترن بكفّيه.
وقال آخر:
كفّه بالجود سائلة وبالمعروف شائلة
وقال مسلم:
هانت الدّنيا عليهفهي نهبى في يديه
يصبح الجود ويمسيعاكفا في راحتيه
من حلّ بحلوله الجود: قال أبو نواس:
فما جازه جود ولا حلّ دونهولكن يسير الجود حيث يسير
وقال نصيب:
وإنّ خليليك السماحة والنّدىمقيمان بالمعروف ما كنت توجد
وقال أشجع:
وإنّ وجود الجود في كلّ بلدةإذا لم يكن يحيى بها لغريب
من يكتفي في سؤاله بالتّعريض: قال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح سمعهأغنى العفاة به عن التّصريح
وقال المتنبيّ:
ومثلك من كان الوسيط فؤادهفكلّمه عنّي ولم أتكلّم
المغني سائله عن سؤال غيره: سئل بعض الأدباء عن جعفر بن يحيى بعد ما قتل، فقال: تركني مقطوع الآمال زاهدا بعده في طلب الأموال. قال ابن الرومي في معناه:
سألتك إغنائي عن النّاس كلّهمفأغنيتني عنهم وعنك جميعا
وقال أبو تمّام:
لم يدعني وفي يميني فضللندى غيره ولا في شمالي
وقال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤملهتركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
ولعابدة المهلبيّة:
بحمدك لا بحمد النّاس أضحىوكيلي ليس يقنعه وكيل
وكانوا كلّما كالوا وزنّافصاروا كلّما وزنوا نكيل
وكنت وناقص وزني فأضحىمفاعيلن مفاعيلن فعول
من يصير سائله مسؤولا بما يعطيه: مدح أعرابي رجلا، فقال: يعود عليه المجتدي مجديا ومستعطي رفده معطيا والمنتجع منه منتجعا. قال أبو تمّام:
وكم لحظة أهديتها لابن نكبةفأصبح منها ذا عفاة ونائل
وله:
وما يلحظ العافي جداك مؤمّلاسوى لحظة حتّى يؤوب مؤمّلا
من لا يردّ سائله: قال أعرابي في مدح رجل: لم ينظر قط إلى محروم. قال ابن خارجة: لا أرد سائلا فإنما هو كريم أسد خلته أو لئيم أشتري عرضي منه.
وقال أبو علي البصير:
فتى لا يفيد المال إلا لبذلهولا يتلقّى صفحة الحقّ بالعذر
وقال حاتم:
أماوي أني لا أقول لسائلإذا جاء يوما حلّ في مالنا نذر
وقال النّمر بن تولب:
ولا رحلي بمخزون عليهإذا جاري استعار، ولا ردائي
المحقق رجاء آمليه: قضى رجل حاجة أعرابي، فقال: وضعتني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك.
قال أبو تمّام:
رجعت المنى خضراء تثني غصونهاعلينا وأطلقت الرجاء مكبلا
وله:
همّ سرى ثم أضحى همّه أمماراحت رجاء وباتت وهي في نشب
وقال الخوارزمي:
كنّا وردنا وكلّنا أملثمّ صدرنا وكلّنا نعم
وقال البحتري:
ولئن كفيت مهمهافلمثلها أعددت مثلك
من لا يقطع نواله عمّن غضب عليه: كان العبّاس بن محمد يجري على رجل شيئا فغضب عليه، وكان ابنه كتب إطلاقات رفعت إليه، فترك اسم المغضوب عليه، فقال: فأين ذكر رزق فلان؟ فقال: إنك قد كنت غضبت عليه، فقال: يا بني غضبي لا يسقط هبتي، إن أباك لا يغضب في النوال.
وسئل بعض الصوفيين: لم وصف الله تعالى بخير الرازقين، فقال: لأنه إذا كفر أحدهم لا يقطع رزقه.
وكان محمد بن سليمان يجري على رجل شيئا، فغضب عليه فقطعه، ثم رضي عنه فردّه، فأبى الرجل أن يقبله، وقال: إني كنت أظن أن إعطاءه مكرمة، فأما وقد صار غضبه يقطعه فلا حاجة لي فيه.
من عطاؤه لا ينقطع: قال الأعشى:
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وقال ابن الرومي:
نوالك كالسيل المسهل بعضهلبعض طريق الجري في السّهل والوعر
وقال آخر:
كلّما عدنا لنائلهافتررنا جوده جذعا
وقال آخر:
وما كان نفعك لي مرّةولا مرتين ولكن مرارا
وقال الحطيئة:
وما أجم المعروف من طول كرهوأمرى بأفعال الندى وافتعالها
المتجنّب لفظ المنع: قال بعضهم: فلان خلقت نعم للسانه قبل أن خلق لسانه، فاجتنب «لا» ولزم «نعم».
وقال لبيد:
وبنو الديّان أعداء للاوعلى ألسنهم ذلّت نعم
وأنشد عبد الرحمن الكندي:
لو قيل للعبّاس يا ابن محمّدقل لا، وأنت مخلّد ما قالها
فقال: ليس يجب أن يقول الإنسان في كل شيء نعم، وكان الوجه أن يستثني. ثم قال:
هجرت في القول لا إلا لنائبةتكون أولى بلا في اللفظ لا بنعم
ويستحسن قول الآخر:
لا فرق في ناطق بالشرك عندهموناطق في جواب السائلين بلا
وقال العتبي:
ما قال لا إلّا لعذّالهوهو بها عن سائل أعجم
من هو مقصد العفاة: قيل: أطيب الناس عيشا من كثرت عفاته وعاش الناس في كنفه، وقيل: فلان داره مجمع عفاته ومربع عطياته. قال أبو نواس:
ترى النّاس أفواجا على باب دارهكأنّها رجلا دبى وجراد
وقال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاتهومجلسه بالمكرمات منجد
وقال أشجع:
على باب ابن منصورعلامات من البذل
جماعات وحسب الباب فضلا كثرة الأهل
وقال بشار:
يطوف العفاة بأبوابهكطوف الحجيج ببيت الحرم
وقال البديهي:
وللجود حسن أيّ وقت بذلتهوأحسنه ما كان في زمن المحل
من أعطى الغنيّ والفقير: روي في الخبر: أعطوا السائل ولو جاء على فرس، وقال ﷺ: كل معروف صدق لغني أو فقير. وقيل لبعضهم: ما الجود؟ فقال: أن تعطي الغني والفقير ولا تخص ولأحمد بن أبي طاهر:
ونداه مثل الغيث جاد لمجدبوعر، وحلّ على المحلّ الممرع
وقال المتنبيّ:
ويد لها كرم الغمام لأنّهيسقي العمارة والمكان البلقعا
المستشهد على فرط جوده بعفاته وزمانه: قال الخطيم:
وإن تلق ندماني تخبرك أنّنيوكاء لكيس لم أعد منه بالفقر
وقال ديك الجن:
سلا هل كمجدي أو كفخري لفاخروعندكما من قبل إن تسألا خبر
وقال المتوكل الليثي:
فإن يسأل الله الشهود شهادةتنبىء جمادى عنكم والمحرّم
بأنكما خير الحجاز وأهلهإذا جعل المعطي يملّ ويسأم
من يباري الرياح: قال عبد الله بن أبي السمط:
أعطى أبو دلف والريح عاصفةحتّى إذا وقفت أعطى ولم يقف
وقال آخر:
يكلون الرياح إذا تبارتويمتثلون أفعال السّحاب
المعطي بلا شفاعة: قال ابن الرومي:
النائل المعطي بغير وسيلةكالماء مغترفا بغير رشاء
وقال آخر:
أفردته برجائي أن يشاركنيفيه الوسائل أو ألقاه بالكتب
من شارك في ماله عفاته: قال ابن الرومي:
وامدح فتى حظّه منّ ومأثرةكحظّ ناظرنا من وجهه الحسن
وقال أبو تمّام:
لو كنت شاهد بذله لشهدت ليبوراثة أو شركة في ماله
من لا يبقي مالا
كأنّ عليه أن يفرّق مالهألية مبرور الألية محترز
وقال المتنبيّ:
عجبا له حفظ العنان بأنملما حفظها الأشياء من عاداتها»
وله:
لو كان ضوء الشموس في يدهأضاعه جوده وأفناه
وقال آخر:
يقول أناس لو جمعت دراهماوكيف ولم أخلق لجمع الدّراهم
أبى الله إلا أن تكون دراهميمدى الدّهر نهبى بين عاف وغانم
وقال أعرابي: حسن الحديث ضعيف خيط الدرهم.
من لا تجب عليه زكاة لإنفاقه ماله: قال بكر بن النطاح:
وما وجبت عليّ زكاة مالوهل تجب الزكاة على الفقير
وقال رجل من بني عذرة:
والله ما بلغت للجود ماشيتيحدّ الزكاة ولا إبلي ولا مالي
من ماله ماله معدّ للبذل: قال البحتري:
فتى لا يريد الوفر إلا ذخيرةلمأثرة تزداد أو مغرم يعرو
وقال عليّ بن الجهم:
ولا يجمع الأموال إلا لبذلهاكما لا يساق الهدي إلا إلى النّحر
من لا يبخل بروحه ولا ماله لو سئل: مدح رجل آخر، فقال: كيسه محلول وماله مبذول، يطعمك نفسه إن أوكلتها ويسقيك روحه إن شربتها، ومنه أخذ بعض بني غطفان:
ولو لم أجد لنزيلي قرىقطعت له بعض أطرافيه
وقال بكر بن النطاح:
ولو لم يكن في كفّه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
وقال الكميت:
وتبتذل النفس المصونة نفسهإذا ما رأى حقّا عليه ابتذالها
وقال أبو هفّان في معناه، وإن كان في وصف الضيافة:
ولو نزل الأضياف ليلة لا قرىلأطعمتهم لحمي وأسقيتهم دمي
وقال ابن نباتة:
وحكّمني حتّى لو أنّي سألتهشبابي وقد ولّى به الشّيب ردّه
من عيبه إفراطه في الجود
فتى كملت أخلاقه غير أنّهجواد فلا يبقي من المال باقيا
وقال كشاجم:
ما فيهم عيب سوى الإفراط في الجود فقط
وقال أبو هفان:
عيب بني مخلد سماحتهموأنّهم يتلفون ما ملكوا
وقيل للحسن بن سهل، وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خير، فقال: ليس في الخير سرف.
وقال المأمون لمحمد بن عباد: إنك متلاف، فقال: منع الجود سوء الظن بالمعبود.
وفي الزهد أخبار من ذلك.
الساتر عطيّته: روي أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ملك أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فنزل فيه قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً
الآية.
وقال المتنبيّ:
ستروا النّدى ستر الغراب سفادهفبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل ؟
ووصف أعرابي رجلا، فقال إذ أعطى شكر وإذا أعطى ستر.
من اشتغاله بالعطاء: قال بعضهم:
فتى لا تراه الدهر إلا ونفسهتجود بخير أو تهمّ بخير
وقال آخر:
لا يعدّ المال إلا وهبا
وقال دعبل:
يعدّ ما أنفق من مالهغنما وما وفّره غرما
وله:
فتى لا يرى المال إلا العطاءولا الكنز إلا اعتقال المنن
من لا يعدّ ماله إلّا ما وهبه: قال النبي ﷺ: أفضل الصدقة جهد من مقل. وقال بعض الصوفية: ليس السخاء أن تعطي الواجد العادم إنما السخاء أن تعطي العادم الواجد قال شاعر:
إذا تكرّمت أن تعطي القليل ولمتقدر على سعة لم يظهر الجود
بثّ النوال ولا يمنعك قلّتهفكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
وقال آخر:
ليس العطاء من الفضول سماحةحتّى تجود وما لديك قليل
وقيل: لم يحرم من قصد له.
من أعطى الكثير لمن يرضيه القليل: سوّى حجّام شارب الحسن فأعطاه درهمين، فقيل: إنه كان يكتفي بدانق، فقال: لا تدنقوا يدنق عليكم.
ومرّ يزيد بن المهلّب بأعرابي في خروجه من السجن، فسأله شيئا، فقال لغلامه: ما معك؟ قال: مائة دينار، فقال: أعطه، فقال الغلام: هذا يرضيه اليسير، فقال: أنا لا يرضيني إلا الكثير. قال: إنه لا يعرفك، قال: أنا أعرف نفسي. وأثنى أعرابي على رجل فقال: ما زال يعطيني حتى ظننت أنه يودعني وما ضاع مال أورث حمدا.
المحكّم سائله في ماله: قال التنوخي:
إن جاءهم سائل يبغي نوالهمأعطوه من مالهم ما شاء واقترحا
وقال ابن نباتة:
وحكّمني حتّى لو أني سألتهشبابي وقد ولّى به الشّيب ردّه
ودخل الغافري على الحسن بن عليّ ﵄، فقال: إني عصيت رسول الله ﷺ، قال: بئس ما صنعت، كيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: لا يفلح قوم ملكت أمرهم امرأة وقد ملكت عليّ امرأتي، أمرتني أن أشتري عبدا فاشتريته فأبق منّي، فقال:
اختر إحدى ثلاث إن شئت فثمن عبد، فقال: قف ههنا ولا تتجاوزه، فقد اخترته فأعطاه ذلك.
من جاد بالعرض دون العرض: قال أبو شراعة:
عرض مصون وتراث منتهب
وقال ابن الرومي:
قريب النوال بعيد المنالومسكنه شرف ممتنع
كمثل السحاب نأى شخصهولم ينأ منه صيّب همع
وقال يعقوب التمّار:
حمى أعراضه ضنّا وشحّاوصيّر ماله نهبا مباحا
الصّائن عرضه بماله: قيل: فلان منع الناس من عرضه، بما نشر عليهم من فضله.
وقال آخر:
خير العروض وقاية الأعراض
وقال آخر:
وما أنال المال صان الجاها
وقال أحمد بن أبي طاهر:
العرض ليس يصونه مال إذاما المال عند حقوقه لم يبذل
وقال آخر:
لا يقي بالإحسان مالا ولكنيجعل المال جنّة الإحسان
المبتاع الحمد بالمال
ذهاب المال في حمد وأجرذهاب لا يقال له ذهاب
وقال مجنون:
وما اشتريت بمال قطّ مكرمةإلا تيقنت أنّي غير مغبون
وفرّق علي بن موسى الرضى ماله بخراسان كلّه في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ما هذا المغرم؟ فقال: بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتعت به أجرا وكرما.
من يعطي طوعا ويتأبّى خسفا: خبر الدهقان الذي طالبه بالمال قد تقدم في خبر السلاطين. وقيل: فلان لا يسمح بالغلب ولا يدرّ على الغضب. وقال معن بن أوس:
ونأبى فلا نعطي على الخسف درّةميسا ولكن بالتودّد نختل
وقال البحتري:
حرون إذا عازرته في ملمّةفإن جئته من جانب الذلّ أصحبا
وقال المتنبي:
وأنتم فئة تسخو نفوسكمبما يهون ولا تسخون بالسلب
إعطاء المستحقّ وغيره والشاكر والكافر: قيل: لأن أخطىء باذلا أحب إليّ من أن أصيب مانعا. وقال ابن عبّاس ﵄: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم يصطنع إليه.
قال بعضهم:
يد المعروف غنم حيث كانتتضمّنها كفور أو شكور
فعند الشاكرين له جزاءوعند الله ما كفر الكفور
وقال محمود:
سأمنح مالي كلّ من جاء عافياواجعله فرضا على الفرض والفرض
فإما كريم صنت بالجود عرضهوأما لئيم صنت عن لؤمه عرضي
وقال آخر:
لا يذهب العرف بين الله والنّاس
الحثّ على منع اللّئام ومن يستضرّ بإعطائه: قيل في التوراة: مكتوب من صنع معروفا إلى غير أهله كتب له خطيئة. وقال بزرجمهر: المصطنع إلى اللئيم كمن طوق الخنزير تبرا وقرّط الكلب درا وألبس الحمار وشيئا وألقم الحية شهدا.
وقيل: من أشبع لئيما فقد ضرى عدوا عاتيا وسبعا عاديا. وقيل: اللئيم يزداد بالعرف خبالا كما يزداد المريض من كثرة الطعام وبالا.
قال أبو بجيلة:
متى تسد معروفا إلى غير أهلهرزئت ولم تظفر بحمد ولا أجر
وقال آخر:
ومن يصنع المعروف في غير أهلهيلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر
وقال آخر:
هم سمّنوا كلبا فأتلف بعضهمولو أخذوا بالحزم ما سمّنوا كلبا
وقال آخر:
ليس في منع غير ذي الحقّ بخل
من لا يبخل في حقّ يلزمه ولا يسرف فيما يخوّله: قيل للمنبوذ: إنك بخيل، فقال: ما أحمد في حق ولا أذوب في باطل. وقيل لفيلسوف: متى يكون قليل النوال موفيا على الكثير؟ فقال: إذا كان قليله في الحقوق وكثيره في الإسراف.
وقيل لمعاوية: ما الجود؟ فقال: إصابة موضع البذل والمنع. وقيل: السخاء أن تأخذ الشيء من حل وتضعه في حق.
قال الراعي:
فلست إن نابني حقّ بمنتكرفيه ولا برم تعيى به السّبل
الممدوح بمنع العطاء غير مستحقّه: قيل:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءهصنيعة تقوى أو خليل تخالقه
منعت وبعض المنع عزم وقوّةولم يبتذلك المال إلا حقائقه
المشارك ذويه في ما يملكه ويحويه: صادف رجل موسرا يصحبه معسر، فسأل الموسر عن صاحبه، فقال: هو أخي، فقال له: ولم أنت غني وهو فقير؟ أما سمعت قول عبد الله بن معاوية:
وإذا أصبت من القوافل رغبةفامنح عشيرتك الأدنى فضلها
وأحسن بقول الآخر:
بدا حين أثرى بإخوانهفقلّل منهم شياة العدم
وعرفه الحزم صرف الدهورفبادر بالعرف قبل النّدم
وقال عمرو بن الأطنابة:
كريم رأى الإقلال عارا فلم يزلأخا طلب للمال حتّى تموّلا
فلمّا أفاد المال عاد بفضلهعلى كلّ من يرجو جداه مؤمّلا
وقال أبو عمر القاضي:
وتركي مواساة الأخلاء بالذيتحوز يدي ظلم لهم وعقوق
وقيل: لا تعدنّ غنيا من لم يكن غناه مشتركا.
الإعطاء في حال السّكر والصّحو: لما كان السكر قد يذر البخيل كريما، كرهوا مدح المرء بأنه يسخو في حال السكر، فغضوا من قول عمرو:
إذا ما الماء خالطها سخينا
واستجادوا قول امرىء القيس:
ينال جودك في صحو وفي سكر
وقد استجيد قول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر مالهولكنّه قد يهلك المال نائله
أي ليس ممن يعطى لسكره ولكن يعطي لسخائه. وقيل: ليس ينفق ماله في شرب الخمر ولكنه في البذل. قال البحتري:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهمفما استطعن أن يحدثن فيك تكرّما
وقال المتنبيّ:
لا تجد الخمر في مكارمهإذا انتشى خلّة تلافاها
عذر من أعطى قليلا: أتى رجل زياد بن أبي سفيان سائلا، فأعطاه درهما، فقال: صاحب العراقين يعطيني درهما، فقال: إنّ من بيده خزائن السموات والأرض ربما رزق أخص عبيده التمرة واللقمة وما يكثر عندي أن أصل رجلا بمائة ألف درهم ولا يصغر أن أعطي سائلا رغيفا، إذا كان رب العالمين يفعل ذلك.
ورفع حشم جعفر بن يحيى إليه قصة يستزيدونه أرزاقهم، فقال لعمرو بن مسعدة، فكتب إليه: قليل دائم خير من كثير منقطع، فقال جعفر: أي وزير بين جنبيه.
عذر من أفقره الجود: قصد جماعة ابن هرمة فخرجت بنية له فاعتذرت، فقالوا: أليس أبوك الذي يقول:
لا أمنع العود بالفصال ولاابتاع إلا قريبة الأجل
فقالت: نعم. هذه العادة منه تركتكم بلا قرى.
قال جحظة:
جاء الشتاء وما عندي له ورقفيما عددت ولا عندي له خلع
كانت فبدّدها جود ولعت بهوللمساكين أيضا بالنّدى ولع
وقال أبو الشمقمق:
الجود أفلسهم وغيّر حالهمواليوم إن سئلوا النوال تمحّلوا
وسأل رجل آخر شيئا فاعتذر إليه فقال السائل: العذر الصادق مع النية الجميلة يقومان مقام النجح.
أنواع مختلفة من باب الجود: قال ابن الرومي:
يعطي وينمي الله أموالهوالبحر لا ينضبه النزح
ومما روي في الخبر: أن لله ملائكة تنادي كل صباح ومساء اللهمّ اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا.
وقال البحتري فيمن سامحه بخراجه:
وكنت إذا ما رمت عندك حاجةعلى كند الأيام هان علاجها
فلم لا أغالي بالضّياع وقد دناعليّ مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لي تربيعها واغتلالهاوكان عليه عشرها وخراجها
وقال شرحبيل للرشيد: أعطني عطية تشبهك أو تشبهني، فقال: فوقك ودوني فأولاه مالا، والعطايا تختلف أسماؤها فالحذياء للمبشر والحذية للعدل والبسلة للراقي، والحلوان للكاهن، والنشوع للساحر، والزبد للدلال، والشبر للنكاح والعزير ثمن المرعى، والجعل للشرط.
ومما جاء في البخل بالأموال
حقيقة البخل: سئل الحسن ﵁ عن البخل، فقال: هو أن يرى الرجل ما أنفقه سرفا وما أمسكه شرفا. وقال آخر: البخل جلباب المسكنة. وقيل للأحنف: ما اللؤم؟ فقال:
الاستفضال على الملهوف، فقيل: وما الجود؟ فقال: الاحتيال للمعروف.
ذمّ البخل وتعظيمه على كلّ الذّنوب: قيل لإبليس: من أحب الناس إليك؟ فقال: عابد بخيل. قيل: فمن أبغض الناس إليك، قال فاسق سخيّ فينجيه سخاؤه.
وقيل: من بخل بمال في واجب ذهب ضعفه في باطل. وقيل: السخي حرّ لأنه يملك بماله والبخيل لا يستحق اسم الحرية، لأنه يملكه ماله.
وقال بشر بن مروان: لو أن أهل البخل لم ينلهم من بخلهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف لكان عجيبا. وقيل: أعجب ما في البخيل أنه يعيش عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء. قال شاعر:
إن البخيل فقير غير مأجور
وقال الديسق اليربوعي:
إذا ذو المال ضنّ بما لديهوأشفق فهو محتاج فقير
كثرة البخل وقلّة الجود في الناس: لما قال أبو العتاهية:
إطرح بطرفك حيث شئت فلن ترى إلا بخيلا
قيل له: بخّلت الناس كلهم، فقال: كذّبوني بواحد.
قال كشاجم:
إجتنب النّاس طريق النّدىكأنّما قد أنبت العوسجا
وهذا مأخوذ من قول بعضهم، وقد سمع رجلا يقول: تجنّب الناس طريق الندى، فقال: ذاك طريق نبت فيه العوسج:
أكلّ وميض بارقة كذوبأما في الدّهر شيء لا يريب
وشاع البخل في الأشياء حتّىيكاد يشحّ بالريح الهبوب
فكيف أخصّ باسم العيب شيئاوأكثر ما أشاهده معيب
وقال ابن نباتة:
كيف السبيل إلى الغنىوالبخل عند النّاس فطنه؟
من تأبى نفسه السّماحة: قال شاعر:
يعالج نفسا بين جنبيه كزّةإذا همّ بالمعروف قالت له: مهلا
وقال آخر:
كأنّما يعطيك من بصره
وقال سعيد بن عبد الرحمن:
أبي لك فعل الخير رأي مقصرونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّةعصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
المتلقّي سائله بلفظ المنع: قيل: فلان مشجب، من أي النواحي أتيته وجدت لا. وقال عمرو بن عبيد لرجل قد أكثر من لا: أيها الرجل أقلّ من لا فليس في الجنة لا. قال أعرابي: وجدت فلانا أخرس بنعم فصيحا بلا.
بخيل متكبّر: قال النبي ﷺ: خصلتان لا يجتمعان في مؤمن، البخل وسوء الخلق.
قال خلف الأحمر:
أناس تائهون لهم رواءتغيم سماؤهم من غير وبل
وقيل: ربّ صلف تحت راعدة.
وقال أحدهم:
أتجمع بخلا فاحشا وتكبّراوما جرّ ذما كالتكبّر والبخل
فلو كان عفى البخل منك تواضعأو الكبر جود كنت من ذاك في وعل
وقد تقدّم بعض ذلك في الكبر.
من عادته البخل: قيل لثمامة: أي الناس أبخل؟ فقال: لم أر الديكة في بلد إلا وتأخذ بمناقيرها ما تلتقطه فتلقيه قدّام الدجاج إلا ديكة مرو، فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبوب، فعلمت أن البخل في طباعهم.
وقال بعضهم: من لم يأت الخير صغيرا لم يأته كبيرا، أما سمعت قول الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئافمطلبها كهلا عليه شديد
وقال ابن العميد:
البخل مستحسن في شيمة الخوز
بخيل أعطى عطيّة لطمع: قيل لأعرابي: أعطاك فلان، فقال: نعم أعطاني طلب الثواب وصانع المعروف لعاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيده به لا لينفعه. ومن هنا أخذ المتنبي تعريضا بكافور.
ومن قد ظنّ نثر الحبّ جوداوينصب تحت ما نثر الشّباكا
المصطنع إلى الأراذل دون الأفاضل: قال ابن الرومي:
تنبّه للأنذال يرفع أمرهموأصبح عن أهل المروءة ساهيا
وقال آخر:
صنائعه لدى الأنذال تنبي أنّه سفله
وقال آخر:
وابن اللئيمة للئام وهوب
بخيل متشبّه بالأسخياء: كان لبعض الموسرين أخ لا يواسيه، فقيل له: لو واسيت أخاك كان أشبه بك من هذا البخل الذي استشعرته، فقال: والله ما أنا ببخيل. لو ملكت ألف ألف لوهبت له الساعة خمسمائة درهم، ثم التفت إلى القوم، فقال: يا قوم رجل يهب لأخيه في مجلس واحد
خمسمائة درهم يقال له بخيل. قالوا: والله أنت أجود من يمشي على قدم. قال جحظة:
وممخرق يصف السماح ونفسه نفس بخيله
وقيل للماجشون كيف رأيت أهل العراق؟ فقال:
ما شئت من رجل بخيليأوي إلى عرض دخيل
يأتي الجميل بقولهوفعاله غير الجميل
المتعجّب من بخيل سمح وقتا بطفيف
تعجّبت لما ابتدا بالجميلوما كان يعرف فعل الجميل
فأطلع لي كوكبا كالسّهىقليل الضياء سريع الأفول
وما كان إعطاؤه سودداولكنّها غلطة من بخيل
قال الخليل بن أحمد في سليمان، وقد ذكر له إنسان أنه جاءه فأعطاه شيئا:
وخصلة يكثر الشيطان إن ذكرتمنها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير جاء من يدهفكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
وقال أبو تمّام:
ربّما أمكنت جناها السحوق
وقال الموسوي:
ومبخل أعطى القليل وربّماسمحت حروف التاء للتمتام
من أعطى للتهوّر: قال شاعر:
لا تمدحنّ حسنا في الجود إن مطرتكفّاه يوما ولا تذممه إن رزما
فليس يبخل إبقاء على نشبولن يجود بفضل المال معتزما
لكنّها خطرات من وساوسهيعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
ردّ عطيّة خسيسة: قصد أعرابي أبا الغمر، فسأله فأعطاه درهمين، فردهما إليه، ثم قال:
رددت لبحر درهميه ولم يكنليدفع عن فاقتي درهما عمرو
فقلت لبحر خذهما واصطرفهماوأنفقهما في غير حمد ولا أجر
أتمنع سؤال العشيرة بعد ماتسمّيت بحرا واكتنيت أبا الغمر؟
وكان ربيعة مدح العباس بن محمد بقوله:
لو قيل للعبّاس يا ابن محمّدقل لا وأنت مخلّد ما قالها
فأعطاه بعد مطل كثير دينارين فوهب ربيعة ذلك لصاحب دواته، وقال: خذ هذه الرقعة وأوصلها، وكتب فيها:
مدحتك مدحة السيف المحلّىلتجري في الكلام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعاكذبت عليك فيها وافتريت
المزداد بالثّراء بخلا: أحسن ابن الرومي في قوله:
إذا غمر الماء البخيل وجدتهيزيد به يبسا وإن ظنّ يرطب
وليس عجيبا ذاك منه فإنهإذا غمر الماء الحجارة تصلب
وكان ذلك ممّا روي في الخبر: أن الله إذا سأله عبد شيئا يقول خذه وضعفيه حرصا.
قال ابن الحجّاج:
أناس كلّما ازدادوا علاءتناهوا في نفوسهم استفالا
من لا يفرج عمّا يقع في أنامله: فلان لا تندى أنامله ولا ترجى فواضله، ألين من كفيه الحجر، هو نزر العرف جامد الكف:
كأنّما خلقت كفّاه من حجرفليس بين يديه والنّدى عمل
وقال آخر:
وهل للصّفا العادي ماء إذا عصر
هو نكد الحظيرة أي مانع لما في يديه. قال شاعر:
لو عبر البحر بأمواجهفي ليلة مظلمة بارده
وكفّه مملوءة خردلاما سقطت من كفّه واحده
وقال البحتري:
جدّة يذود البخل عن أطرافهاكالبحر يدفع ملحه عن مائه
وقال الفرزدق:
فتى ماله كالبحر يمنع صاديامن الريّ منه وكدره أجاجه
وقال الزبرقان:
طوى كلّ معروف وأحضر دونهعقارب أخشى لسعها وأفاعيا
الرّاجع في هبته والقاطع لصلته: قال النبي ﷺ: الراجع في هبته كالعائد في قيئه، وهذا مما يستدل به على تحريم الرجوع في الهبة بأنه حرام. كما أن أكل المتقيء حرام.
قال ابن الرومي:
لا تكن كالدّهر في أفعالهكلّما أعطى عطاياه رجع
وقال البحتري:
أعطى القليل وذاك مبلغ قدرهثم استردّ وذاك مبلغ رأيه
وأجرى بعض الكبار على أعرابي شيئا قطعه عنه، فقال فيه:
إن الذي شقّ فمي ضامنلي الرزق حتّى يتوفّاني
حرمتني نفعا قليلا فمازادك في نفعك حرماني
وقال ابن هرمة:
كممكنة من درّها كفّ حالبودافقة من بعد ذلك ما حلب
السّالب مستعطيه: قيل في المثل: طلب القرن فجدعت أنفه، وقال بشّار:
فصرت كالهبتي غدا يبتغيقرنا فلم يرجع بأذنين
وقيل:
سقط العشاء به على سرحان
وقال آخر:
كمبتغي الصّيد في عريسة الأسد
الصّائن ماله بعرضه والممنوع من سؤاله: قيل: أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه. من صان نفسه أهان فلسه.
وقيل: كان جحا إذا جلس كشف إسته ورفع عنه ثوبه، فقيل له في ذلك، فقال:
جلدة الإست أبقى من الثوب. وهذا نحو المثل: إبق نعليك وابذل قدميك.
قال أبو تمّام:
أضحوا بمستن سبل الذمّ فارتفعتأموالهم في هضاب المطل والعلل
وقال ابن الرومي:
لا تطالبه بالثّواب فما رزء ثواب من مثله بحلال
المقتّر على نفسه والتارك لشهوته: قال شاعر:
ولو يسطيع لتقتيرهتنفّس من منخر واحد
وقال آخر:
يحبّ المديح أبو خالدويفزع من صلة المادح
كبكر تودّ لذيذ النّكاحوتخشع من صولة النّاكح
الضّنين بمال غيره والسّمح به: قيل فلان يمنع درّه ودرّ غيره. الحرّ يعطي والنذل يألم قلبه. وقيل البخيل يمنع ماله ويغضب على الجواد إذا رأى ابتذاله. قال أبو تمّام:
وإن امرأ ضنّت يداه على امرىءبنيل يد من غيره، لبخيل
وقال آخر:
سبط البنان بما في رحل صاحبهجعد البنان بما في رجله قطط
الموصوف بالسّكوت عند السّؤال: قال بعضهم: فلان مرتز نكدكز. وقال بعضهم:
كأنّهم عند السؤال جلامد
وقال آخر:
إن اللئيم إذا سألت بهرتهعند السّؤال وقلّ منه المنطق
وأتى بعض الشعراء رجلا فسأله فما زاده على التنحنح والتحوقل، فقال:
فلا حول إلا بالإله وقوّةإذا قلتها دلّت على طرق البخل
وإنّي لأرجو ان أفوز بأجرهاكما قلتها بعد التنحنح من أجلي
الحزين الهارب مخافة أن يسأل: قال بعضهم:
مخافة أن يرجى نداه حزين
وقال جحظة:
إذا ذكر النّاس التطول أرعدتفرائصه خوفا لذكر التطوّل
وقال بشّار:
إذا سلّم المسكين طار فؤادهمخافة سؤال واعتراه جنون
وقيل: فلان يبغض نعمة الله عليه مخافة أن يستماح.
المتلقّي عافية بقطوب وجهه: ذم أعرابي رجلا، فقال: رآني فخالني في نداه راغبا ولجدواه طالبا، فقرب من حاجب حاجبا.
كأنّما وجهه بالخلّ منضوح
وقيل لامرأة: كيف وجدت فلانا لما اعتفيته، فقالت:
تلقّاني بوجه مكفهرّكأنما عليه أرزاق العباد
وقال آخر:
وعنون لي إطراقه عن قطوبه
وقال آخر:
طعم النّدى عندهم حامض
وقال شاعر:
كالح الوجه كان مصّ حماضاوسما تعبيسه ذوق حماض
وأصل ذلك من قول الأعشى:
يزيد يغضّ الطرف دوني كأنمازوى بين عينيه عليّ المحاجم
المتلقي عافيه ببشاشة من غير جدوى: قيل لرجل: ما رأيت من فلان، فقال: برقا بلا مطر وورقا بلا ثمر. وجه كريم وفعل لئيم.
وقال أبو العيناء لعبيد الله بن سليمان: أيّد الله الوزير لي منك قرب الولي وحرمان العدو.
وقال ابن الرومي في معاتبة بعض الرؤساء:
لولا الثمار التي ترجى منافعهاما فضّل الناس تفّاحا على غرب
ولجحظة:
وبأحسنت لا يباع الدقيق
وقال أبو العتاهية:
إن السلام وإن الردّ من رجلفي مثل ما أنت فيه ليس يكفيني
المعتذر إلى سائله ببشاشة من غير جدوى: سأل أبو العيناء رجلا شيئا فاعتذر إليه وحلف أنه صادق في اعتذاره، فقال: من كان الصدق حرمان صديقه ماذا يكون كذبه؟
وسأل رجل آخر فاعتذر بأحسن اعتذار، فقال: يعبر عن اللئيم لسانه وعن الكريم فعاله. واعتذر آخر، فقال السائل: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت معتذرا فجعلك الله معذورا. وهذا مأخوذ من قول الآخر: لا جعل الله حظ السائل منك عذرة صادقة. قال الجريمي:
لا ينهضون إلى مجد ولا كرمولا يجودون إلا بالمعاذير
المحلف إذا سأل الحارم إذا سئل: قال أعرابي: فلان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، وإذا حدث حلف، وإذا وعد أخلف، ينظر نظر الحقود ويعتذر اعتذار الحسود. وقيل: إذا سئل أقنط وإذا سأل أفرط.
وقال آخر: لم أر أحصر يدا منه بالنوال ولا أطول لسانا منه بالسؤال، إن سئل فجحد وإن سأل فحرب. إن سئل أرز وإن سأل انتهز. هو بالإنجاح إذا سأل واثق، وبالرد إذا سئل حاذق.
وقال شاعر:
وأخ إن جاءني في حاجةكان بالإنجاح منّي واثقا
وإذا ما جئته في مثلهكان بالردّ بصيرا حاذقا
يعمل الفكرة في ردّي بهاقبل أن أفرغ منها ناطقا
وممّن تلطّف لردّ سائل: . كان لسعيد بن خالد قصر بإزاء قصر عبد الملك، فقال له عبد الملك: إن لي إليك حاجة فقال مقضية، قال: إجعل لي قصرك. قال: هو لك، فقال عبد الملك: فلك خمس حاجات مقضية، فقال سعيد: أولها أن ترد عليّ قصري، قال: فعلت فما بعد ذلك، قال:
أنت في حل من الأربع.
وقال رجل لآخر: إن لي إليك حاجة، قال: بشرط، أن تقضي قبلها لي حاجة، فقال لك ذلك، قال: حاجتي أن لا تسألني حاجة، قال: قد فعلت.
من ردّ سائله بشتم أو سفاهة: سأل أعرابي شيخا من بني أمية وحوله مشايخ، فقال: أصابتنا سنة ولي بضعة عشر بنتا، فقال الشيخ: وددت أن الله ضرب بينكم وبين السماء صفائح حديد، فلا تقطر عليك قطرة، واضعف بناتك أضعافا وجعلك بينهن مقطوع اليد والرجل، ما لهن كاسب سواك، ثم صفر بكلب له فشدّ عليه وقطع ثيابه، فقال السائل: ما أدري ما أقول لك إنك لقبيح المنظر سخيف المخبر فأعضك الله ببظور أمهات من حولك.
ودخل رجل إلى محمد بن عبد الملك، فقال: لي بك سببان، الجوار وسوء الحال، وذلك داع إلى الرحمة، فقال: أما الجوار فبين الحيطان والرحمة من أخلاق الصبيان، اخرج عني. فما مضى عليه أسبوع حتى نكب.
ذمّ من ينسب بخل نفسه إلى القدر: خطب معاوية ذات يوم فقال: إن الله تعالى يقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
فلم نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف، فقال: إنا والله ما نلومك على ما في خزائن الله تعالى، ولكن نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه، فسكت معاوية.
وقال بعض الشعراء:
إذا أعطاك قصّر حين يعطيوإن لم يعط قال أبى القضاء
يبخل ربّه سفها وجهلاويعذر نفسه فيما يشاء
النّهي عن الامتنان: قال النبي ﷺ: إياكم والامتنان بالمعروف، فإن ذلك يبطل الشكر ويمحق الأجر، ثم تلا قول الله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
. وقيل: تمام البذل ترك المنّ، وقال بعضهم: لا تمنّ بالمعروف فالمعروف إذا ذكر كدر، وإذا أنسي أمر. تعداد المنة من ضعف المنة. وقيل: المنة تهدم الصنيعة وتسترد النعمة فنزه منتك عن الامتنان، وسأل رجل آخر حاجة فجعل يؤنبه، فقال: أترى أن تقيم ترك التأنيب مقام قضاء الحاجة.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع