من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الثالث عشر في الغزل وما يتعلّق به
ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق
شدّة معاناة العشق: قال أعرابي: ما أشدّ جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبا، ولقد تصدّعت كبدي للمحبين فلوم العاذلين قرطة في آذانهم ونار مؤجّجة في أبدانهم، لهم دموع على المغاني كغروب السواقي.
وقيل: كلّ شهوة تخطر فمداواتها سهلة ما خلا العشق.
ذمّ من لا يعشق وكدر حياته: قال أعرابي: من لا يعشق فهو ردئ التركيب جافي الطبع كزّ المعاطف. كان ابن أبي مليكة يؤذّن فسمع غناء فطرب وقال:
إذا أنت لم تعشّق ولم تدر ما الهوىفكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
وقال:
من عاش في الدنيا بغير حبيبفحياته فيها حياة غريب
ما تنظر العينان أحسن منظرمن طالب إلفا ومن مطلوب
ما كان في حور الجنان لآدملو لم تكن حواء من مرغوب
قد كان في الفردوس يشكو وحشةفيها ولم يأنس بغير حبيب
ذكر من عشق من الكبار: قد علم ما كان من داود ﵇ وعشقه امرأة أوريا والتحاكم إليه وقوله تعالى:
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً
الآية حتى فطن للقصة فاستغفر ربّه (الآية). وخبر يوسف وامرأة العزيز وقوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا
وخبر النبي ﷺ مع زينب امرأة زيد قال العبّاس بن الأحنف:
أستغفر الله إلّا من محبّتكمفإنها حسناتي يوم ألقاه
فإن زعمت بان الحبّ معصيةفالحبّ أحسن ما يعصى به الله
حمد تحمّل المذلّة في الهوى: قال شاعر:
أن التذلّل في حكم الهوى شرف
وقال آخر:
لا تأنفنّ من الخضوع لذي الهوىواخضع لإلفك كائنا من كانا
وقيل: التذلّل للحبيب من شيم الأريب.
ونقشت ظريفة على خاتمها:
قصيرة من طويلهنفس المحبّ ذليله
قال الأصمعي: غضب الفضل بن يحيى على جارية فبعثت إلي تسألني أن أسترضيه فسألته فقال: الذنب ذنبها فقلت وكيف موقعها من قلبك أيها الأمير. قال أحسن موقع وإنما أريد بهذا الهجر تهذيبها. قلت: فاستعمل فيها وصية العبّاس بن الأحنف قال: وما هي؟
قلت:
تحمّل عظيم الذنب ممّن تحبّهوإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوىتفارق من تهوى وأنفك راغم
وصف الهوى بأنه جنون: وصف أعرابي الهوى فقال: هو طرف من الجنون، إن لم يكن عصارة السحر وعليه:
أداء عراني من جنابك أم سحر؟
وقال غيلان بن عقبة:
هو السحر إلّا أنّ للسحر رقيةوإنّي لا ألقى من الحب راقيا
وقال ابن الرومي:
أهوى الهوى كلّ ذي لبّ فلست ترىإلا صحيحا له أفعال مجنون
من شغف بقبيح ليس فيه موضع للعشق
تيّقن من رآك تحبّ قينابأنّ الحبّ ضرب من جنون
مغالبة الهوى: قيل: مغالب الهوى كمغالب الدنيا. قال شاعر:
قد كنت أعلو الحبّ حينا فلم يزلبي النقض والإبرام حتّى علانيا
وقال آخر:
فو الله ما أدري أيغلبني الهوىإذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب فإن يغلب الهوىفمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
استعظام المحبوب وجلالته في عين المحّب: يستحسن في ذلك قول بعضهم:
أهابك إجلالا وما بك قدرةعليّ ولكن ملء عين حبيبها
وقال آخر:
تمنيته حتّى إذا ما رأيتهبهتّ فلم أعمل لسانا ولا طرفا
وأطرقت إجلالا له ومهابةوحاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفا
فلو أنّني ملكت من ثغره الذيتمكّن فيه الدرّ قبّلته ألفا
من ذكر أن قلبه ناصر محبوبه عليه: قال العباس بن الأحنف:
قلبي إلى ما ضرّني داعييكثر أسقامي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوّي إذاكان عدوّي بين أضلاعي
أخذ ذلك من قول النبي ﷺ أعدي عدويك نفيسة بين جنبيك. قال شاعر:
يوازره قلبي عليّ وليس لييدان على قلبي عليه توازره
وقال آخر:
أقامت على قلبي رقيبا وناظريفليس يؤدّي عن سواها إلى قلبي
قتيل الهوى شهيد: روي في الخبر: من عشق فعفّ فمات، مات شهيدا.
وقال الخبزارزي:
وحبّك ما استحسنت خير مجرّبعليك إذا لم تنتهك فيه محرّما
وقال الفتح بن خاقان:
زفرة في الهوى أحطّ لذنبمن غزاة وحجّة مبروره
وقال المهلّب:
أشتهي الآن أن أصلّي على نعش محبّ قد مات في الحبّ وجدا قيل: ذنوب العشّاق ذنوب اضطرار لا اختيار، وما كان كذلك لم يستحق عقوبة.
كون قتيل الهوى هدرا: قال عبد الله بن جندب: خرجت فرأيت فساقا فيهن امرأة كأنها منحوتة من فضّة فتمثلت بقول قيس بن ذريح:
خذوا بدمي إن مت كلّ خريدةمريضة جفن العين والطرف فاتر
فقالت المرأة: يا ابن جندب إن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يفدى. وقال ابن عبّاس: قتيل الهوى هدر ولا عقل ولا قود. وقال أبو حية النميري:
رمين فأقصدن القلوب ما نرىدما مائرا إلا جرى في الحيازم
ولكن لعمر الله ماطل مسلماكغرّ الثنايا واضحات الملاغم
وإن دما لو تعلمين جنيتهعلى الحيّ جاني مثله غير سالم
قال مسلم بن الوليد:
أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبليولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
من أمر أن يقتصّ من محبوبه: قال شاعر:
خليليّ إن حانت وفاتي فاطلبادمي من سليمى واطلبا بجميل
وقال الحسين بن الضحّاك:
غزال ما اجتلاه الطرف إلّاتحيّر في ملاحة وجنتيه
خذوا بدمي محاسنه وخصّوامقبّله وبرد ثنيّتيه
الاشفاق من أن يلحق المحبوب إثم في قتله: وقال أحمد بن يوسف:
وفي الموت لي من لوعة الحبّ راحةولكنّني أخشى ندامتها بعدي
استطابة الأذى في معاناة الهوى: قال المجنون:
يقولون ليلى عذبّتك بحبّهاألا حبّذا ذاك الحبيب المعذّب
وقال آخر:
تشكّى المحبوب الصبابة ليتنيتحملت ما ألقاه من بينهم وحدي
فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّهافلم يلقها قبلي محبّ ولا بعدي
وقال آخر:
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبهفكلّ أذى ممّن تحب سرور
تراب قطيع الشاملي عين ذئبهاإذا ما تلا آثارهنّ ذرور
قال المتنبيّ:
سهاد أتانا منك في العين عندنارقاد وقلام رعى سربكم ورد
وقال:
ضنى في الهوى كالسمّ في الشهد كامنالذذت به جهلا وفي لذّتي حتف
وقال:
والعشق كالمعشوق يعذب قربهللمبتلي وينال من حوبائه
لو قلت للدنف الحزين فديتهممّا به لأغرته بفدائه
التبرّم بالهوى: قال محمّد بن عبد الله بن طاهر:
ليت الهوى لم يكن بيني وبينكموليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال البحتري:
رحلوا فأيّة عبرة لم تسكبأسفا وأيّ عزيمة لم تغلب
لو كنت شاهدنا وما صنع الهوىبقلوبنا لحسدت من لم يحبب
التلذّذ بالهوى عند المواصلة والتبرّم به لدى المعارضة: قال الخوارزمي:
وهذا الهوى عيش المحبّ إذا صفاولكن إذ لم يصف كان له حتفا
وقال وهب الهمداني:
ولي بين هجران الحبيب ووصلهمصيران موت تارة ونشور
التعبّد للمحبوب وتذليل النفس فيه: قد أجمع الأدباء على تفضيل قول أبي الشّيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخّر عنه ولا متّقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذةحبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهمإذ كان حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغراما من يهون عليك ممّن يكرم
ويستعذب قول المتنبيّ حتى ما من أديب إلا وهو يرويه ولا مغن إلا وهو يغنّيه:
يا من يعزّ علينا أن نفارقهموجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
إن كان سرّكم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
الاستغناء بالحبيب عن كلّ خير وطيب: قال بعضهم:
ولو جاوزتنا لعام آخر لم نبلعلى جدبنا أن لا يصوب ربيع
وقال كشاجم:
ما أرتجي بالرياض فيك غنىّعنهنّ لي منظر وحسن غنا
أدير طرفي فلا أرى حسناإلا أرى فيك ذلك الحسنا
إجابة الهوى إذا دعا: قال بعض بني أسد:
إذا أمرتك النفس أن تتّبع الهوىفقل: سامع للأمر منك سميع
وهذا خلاف قول الآخر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك مقال
ولهذا باب في أول الكتاب، ولثوبة:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمتعليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: لما مات ثوبة ومضى على ذلك زمان وتزوجت ليلى مرّت مع زوجها يوما بقبر ثوبة فقال: ألا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله ولو أن ليلى (البيتين). فسلمت عليه فندّت هامة من ناحية قبره وصرخت، فنفر جملها وسقطت فاندقّ عنقها فماتت فدفنت بجانبه.
جهل المحب بمقابح محبوبه: قال النبي ﷺ: حبّك الشّيء يعمي ويصمّ، أي يعمي عن الرشد ويصمّ عن سماع المواعظ على ذلك قال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدي. قال شاعر:
يا عتب ما أنا عن فعالك بيأعمى ولكنّ الهوى أعمى
وقال آخر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةكما أنّ عين السخط تبدي المساويا
قال المتنبيّ:
ويقبح من سواك الفعل عنديوتفعله فيحسن منك ذاكا
قال علي بن عبد الله بن جعفر:
ولائم لام فيهيبغى بذلك شيني
فقلت إذ لام فيههلّا نظرت بعيني
وقال الأصمعي: سألني الرشيد عن حقيقة العشق فقلت: أن يكون البصل منها أطيب من المسك من غيرها.
عذر من أحبّ قبيحا: قيل لرجل: لم اخترت من جواريك أقبحّهنّ؟ فقال: لأن الهوى ليس نخّاسا فيختار أثمنهنّ. وقال رجل للجماز: ابتلاك الله بحب فلانة وإنّها لامرأة قبيحة. فقال يا أحمق لو ابتلاني الله بحبها لكانت كالحور العين عندي، ولكن ابتلاك بأن تكون في بيتك وأنت تبغضها ولا يمكنك التخلّص منها. وقيل لرجل: اخترت فلانة مع قبحها فقال: لو صحّ لذي الهوى اختيار لاختار أن لا يعشق وقيل: العين إذا أبصرت الهوى عميت عن الاختيار.
من جعل محبوبه كمعبوده: مذهب الحلوليين معروف فيما يدّعونه- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- قال شاعر:
لما رآه النصارى لا شبيه لهوشاهدوه بأسماع وأبصار
خرّوا سجودا وقالوا حلّ ثانيةفي صورة الأنس ذاك الواحد الباري
وقال آخر:
أفدي بنفسي من بدر على غصنتكاد تأكله عيناي بالنظر
إذا تفكّرت فيه عند رؤيتهصدّقت قول الحلوليين في الصور
هوى ثبت في الصغر وبقي على حالته في الكبر: كل هوى ثبت في الصغر فهو كالنّقش في الحجر، لا تغيّره الأحوال ولا تبدّله الأعوام. قال ابن الطثريّة:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وقال:
وعلقت ليلى وهي ذات ذوائبتردّ علينا بالعشيّ المراميا
فشبّ بنو ليلى وشبّ بنو ابنهاوأعلاق ليلى في الفؤاد كما هيا
من ذكر أنّ هواه لا يزول إلا بموت: قال شاعر:
ستبقى لها في مضمر القلب والحشاسريرة ودّ يوم تبلى السرائر
وقال آخر:
يهيم فؤادي ما حييت بذكرهاولو أنّني قدمتّ جاوبها الصدى
من جعل لكلّ من قديم الهوى وحديثه نصيبا: قال شاعر:
أنا مبتلىّ ببليتين من الهوىشوقي إلى الثاني وذكر الأول
قسم الفؤاد لحرمة وللذةفي الحبّ من ماض ومن مستقبل
قال كثيّر:
وللعين ملهىّ في البلاد ولم يقدهوى النفس شيء كاقتياد الطّرائف
قال أبو تمّام:
وقالت أنيسي البدر قلت تجلّداإذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر
من ذكر كثرة من يهواهم: قال ابن أبي طاهر:
عدمت فؤادي من فؤاد فما أشقىوأكثر من يهوى وأعظم ما يلقى
فلو كان يهوى واحدا لعذرتهولكنّه من جهله يعشق الخلقا
ثمانون لي في كلّ يوم أحبّهموما في فؤادي واحد منهم يبقى
وقال آخر:
قالوا بغانية واصلت غانيةفقلت: حزم ورود الماء بالماء
مساعفة المحبوب إذا ساعف والإعراض عنه إذا أعرض: هذه طريقة يختارها قوم فيطيب عيشهم وإن كان لا يرضاها من يتكلم في العشق من حكام أربابه. قال شاعر:
تمتّع بها ما ساعفتك ولا يكنعليك شجىّ في الصّدر حين تبين
تأسف من يزداد صفاء بجفاء محبوبه: قال إبراهيم بن العباس:
بنفسي من إساءته اعتمادومن إحسانه من غير عمد
ومن أصفيته في الودّ جهديفعارض في الجفاء بمثل جهدي
وقال أبو العتاهية:
ولي فؤاد إذا طال العذاب بههام اشتياقا إلى لقيا معذّبه
يفديك بالنّفس صبّ لو يكون لهأعزّ من نفسه شيء فداك به
من ذكر مساواة محبوبه في المحبّة
إنّ التي زعمت فؤادك ملّهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
قال إبراهيم بن المهدي:
وتخبرني عن قلبها فكأنّهاإذا صدقت عنه تحدّث عن قلبي
قال أبو عنبسة:
كلانا سواء في الهوى غير أنّهاتجلّد أحيانا وما بي تجلّد
قال الرفاء:
شكوت الذي تشكو إليّ كأنّماتجنّ ضلوعي ما تجنّ ضلوعها
قال بعض الصوفية:
روحه روحي وروحي روحهإن يشا شئت وإن شئت يشأ
تعارف القلوب مودّات الأحباب: قال ﷺ الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف. قال بكر بن النطاح:
وعلى القلوب من القلوب دلائلبالودّ قبل تشاهد الأشباح
قال العبّاس بن الأحنف:
قل للّتي وصفت مودّتهاللمستهام بذكرها الصّب
ما قلت إلا الحقّ أعرفهإنّ الدليل عليه من قلبي
قلبي وقلبك بدعة خلقايتجاريان بصادق الحبّ
ثم نقض هذا بقوله:
فلو كنّ حقّا كما يزعمونلما كان يجفو حبيب حبيبا
محبة من لا يعرف الهوى: قال العبّاس بن الأحنف:
وجاهلة بالحبّ لم تبل طعمهوقد تركتني أعلم النّاس بالحّب
وقال ابن المعتز:
قد كان غرا بقتلي ليس محسنهفالآن يبدع في قتلي على البدع
محبة كل من مات بالمحبوب
أحبّ بني القوام طرّا لحبّهاومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
قال قيس بن ذريح:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منيفهيّج أشجان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأهاج بليلى طائرا كان في صدري
وقال المتنبيّ:
لولا ظباء عديّ ما شقيت بهمولا بربربهم لولا جآذره
من هانت نفسه عليه لاستخفاف محبوبه بها: قال أبو الشيص:
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم
وقال البيتين آخر:
إن الذين بخير كنت تذكرهمقد أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا
لا تطلبن حياة عند غيرهمفليس يحييك إلا من توفّاكا
المدعي عشقا من غير عيان: وقال بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي، فقلت لهم:الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا
قال ابن الرومي:
هويتك ناشئا قبل التّلاقيهوى حدثا تكهّل باكتهالي
وكلّ مودة قبل اختبارفتلك هوى طبائع لا انتحال
تأذّي المحبوب بحبّه: قيل: المرأة إذا أحبتك آذتك وإذا أبغضتك خانتك. وقال رجل ليوسف الصديق:
إني أحبّك، فقال: لا حاجة لي بمن يحبني فقد أحبني أبي فطرحت لأجله في الجبّ وأحبتني امرأة العزيز فحبست لأجلها في السجن بضع سنين.
من فقدته العين ولم يفقده القلب: قال بعض المحدثين:
والله ما شطّت نوى ظاعنإلّا عن العين إلى القلب
وقال آخر:
بنتم عن العين القريحة فيكموسكنتم منّي الفؤاد الواله
قال ابن قتير:
إن كنت لست معي فالذكر منك سوىقلبي القريح وإن غيّبت عن بصري
العين تبصر من تهوى وتحرمهوإنّما القلب لا يخلو من الفكر
وقال آخر:
يجدّ النأي ذكرك في فؤاديإذا ذهلت على النّأي القلوب
وقال البحتري:
إن جرى بيننا وبينك هجروتناءت منّا ومنك الديار
فالغليل الذي عهدت مقيموالدّموع التي عهدت غزار
تذكّر المحبوب في جميع الأحوال: وقال شاعر:
تذكّر نيك الخير والشرّ والذيأخاف وأرجو والذي أتوقّع
قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا طلعت شمس النهار ذكرتهاوأحدث ذكراها إذا الشمس تغرب
قالت الخنساء:
يذكّرني طلوع الشمس صخراوأذكره لكلّ غروب شمس
من لم يوجعه بعد محبوبه لتصوره: إن التباعد لا يضرّ إذا تقاربت القلوب
قال ابن المعتز:
ما أبالي بظنونوعيون أتّقيها
لي من ذكراك مرآة أرى وجهك فيها
تذكر المحبوب في اليقظة والنوم: لعليّ بن الجهم، قوله:
آخر شيء أنت في كل هجعةوأوّل شيء أنت عند هبوبي
قال ابن ميّادة:
فما مسّ جنبي الأرض إلا ذكرتهاوإلا وجدت ريحها في ثيابيا
تذكّر المحبوب في الخفض والشدّة: وقال بعضهم:
أسجنا وقيدا واشتياقا وعبرةونأي حبيب إنّ ذا لعظيم
وأن أمرأ دامت مواثيق عهدهعلى مثل ما قاسيته لكريم
قال بعض الصوفية:
ولقد ذكرتك والذي أنا عبدهوالسيف عند ذؤابتي مسلول
تذكره بضرب من المشابهة من طيب: كتب بعض البلغاء:
يذكرناك ريح الشمول وريح الشمال
قال بشّار:
إذا لاح الصوار ذكرت سعدىوأذكرها إذا نفخ الصوار
قال الخبزارزي:
نصبا لعينك لا ترى حسناإلا ذكرت به لها شبها
قال البحتري:
كأس تذكرّني الحبيب بلونهاوبشمّها وبطعمها وحبابها
قال بعض المحدثين:
إذا ما ظمئت إلى ريقهجعلت المدامة منه بديلا
وأين المدامة من ريقهولكن أعلّل قلبا عليلا
تعسر نسيان المحبوب: قال المهدي يوما لأصحابه: أي بيت أغزل؟ فقال بعضهم قول كثيّر:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال ماله يريد أن ينسى. فقيل: قول امرئ القيس في اعشار قلب مقتل فقال هذا جاف، فقال ابن بزيع عندي غرضك:
إذا قلت إنّي مشتّف بلقائهاوحم التلاقي بيننا زادني وجدا
فقال: أصبت.
الاستحياء من المحبوب بظهر الغيب لتصوّره: قال جميل:
وأني لأستحييك حتى كأنّماعليّ بظهر الغيب منك رقيب
قال أشجع:
ويمنعني من لذّة العيش أنّنيأخاف إذا قارفت لهوا ترانيا
ذكره في الصلاة: قال المجنون:
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتهااثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
قال الخبزارزي:
ألفت هواك حتّى صرت أهذيبذكرك في الرّكوع وفي السّجود
التلذّذ بذكره
اشرب على ذكرهم إن حيل بينهمعساك منهم على ذكر إذا شربوا
قال محمد بن أمية:
أقول لهم كرّوا الحديث الذي مضىوذكراك من بين الأنام أريد
أناشده ألا أعاد حديثهكأنّي بطيء الفهم حين يعيد
قيل لأبي المجنون: لو خرجت إلى مكة لتكون بعيدا عن ليلى، فعساه يتسلّى ففعل.
فسمع يوما إنسانا يقول يا ليلى فغشي عليه فلما أفاق قيل له مالك؟ فقال:
وداع دعا بالخيف إذ نحن من منى
وقال:
وإنّي تعروني لذكراك هزةلها بين جلدي والعظام دبيب
من خطّ صورة محبوبه وشكا إليها: قال أبو نواس:
إذا ما الشّوق أقلقني إليهولم أطمع بوصل من لديه
خططت مثاله في بطن كفّيوقلت لمقلتي فيضي عليه
قال بشار:
خططت مثالها وجلست أشكوإليها ما لقيت على انتحاب
كأنّي عندها أشكو هموميإليها والشكاة على التّراب
الاستقاء لماضي الزمن
سقى الله أياما لنا ولياليامضين فلا يرجى لهنّ طلوع
إذ العيش صاف والأحبّة جيرةجميع وإذ كلّ الزمان ربيع
وإذ أنا أما للعواذل في الهوىفعاص وأما للهوى فمطيع
قال الصاحب في هذا الشعر: إن شئت كان أعرابيا في شملته وإن شئت فعراقي في حلّته. وقال البحتريّ:
والعيش غضّ والحياة لذيذةوالحادثات عن الزّمان بمعزل
وقال آخر:
سقيا لأيام تولّت بهاأحسن ما كانت صروف الزمن
ولّت فما الدنيا بأقطارهالليوم والساعة منها ثمن
تمنّي عود الأيام السالفة: قال بعضهم:
ولو أنني أعطيت من دهري أننيوما كلّ ما يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعيوقلت لأيّام أتين ألا ابعدي
وقال آخر:
خليليّ ما بالعيش عتب لو أنناوجدنا لأيام الحمى من يعيدها
وقال جحظة:
ألا ليت عيشا أولا كرّ راجعاوإلا فعيش آخر مثل أوّل
التلهف على أحوال سالفة: قال منصور النميري:
ومجالس لك بالحمىوبها الخليط نزول
أيامهن قصيرةوسرورهنّ طويل
المالكيّة والشاب وقينة وشمول
وقال آخر:
لولا ثلاث هنّ عيش الدهرالمال والخبز وأمّ عمرو
التذكر بنار موقدة: نظر أعرابي إلى نار بأرض محبوبه فقال:
أنار بدت يا عبد في ساكن الغضامع الليل أم برق تلألأ ناضب
فاحبب بتلك النّار والموقد الذيله عند جرعاء النميرة حاطب
وقال:
يا موقد النار أوقدها فإنّ بهاسنا يهيج فؤاد العاشق السّدم
التذكر بالبرق: قال أبو سعيد بن فوقة:
أقول وقد شمت البروق فلم أجدكبرق بدا من أصبهان فأومضا
سقى الرائح الغادي بلادا رفضتهاولم تك إلا أن نبت بي لترفضا
وهل هي إلا موطن لي محبّبإليّ أعادته الخطوب مبغضا
وقال:
إذا أومض البرق من أرضهاتمثّل لي أنّها تبتسم
وأذكرها في المحلّ الجديبفيخصب من دمعي المنسجم
التذكر والشوق بهبوب الريح: قال شاعر:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدلقد زادني مسراك وجدا على وجد
وقال عبد الله بن أمية:
هبّت شمالا فقيل من بلدأنت بها طاب ذلك البلد
فقبّل الريح من صبابتهما قبّل الريح قبله أحد
وقال:
إذا هبّ علويّ الرياح وجدتنيكأنّي لعلويّ الرّياح كثيب
تذكر المحبوب بالاختلاج العارض: العرب تزعم أن من خدرت رجله فذكر محبوبه ذهب خدرها. قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا خدرت رجلي أبوح بذكره
وقال:
إذا مذلت رجلي دعوتك أشتفيبذكراك من مذل بها فيهون
ويقولون من اختلجت عينه أبصر محبوبه، قال إبراهيم الصّولي:
اختلجت عيني فأبصرتهكأن عيني تعلم الغيبا
قال ابن المعتز:
مرحبا باختلاج أجفان عينبشّرت نفسها برؤية خير
قال العباس:
ظلّت تبشّرني عيني إذا اختلجتبأن أراك وما زالت على خطر
فقلت للعين أما كنت صادقةإني ببشراك لي من أسعد البشر
فما جزاؤك عندي لست أعرفهبلى جزاؤك أن تخلبن بالنظر
وأحجب المقلة الأخرى وأمنعهاوجه الحبيب كما لم تأت بالخبر
ومما جاء في التوديع والفراق: وقال لبعضهم:
تمتّع من حبيب بالوداعفما بعد الفراق من اجتماع
فلم أر في الذي لاقيت شيئاأمرّ من الفراق بلا وداع
قال بشّار:
إن الوداع من الأحباب نافلةللظّاعنين إذا ما يمّموا بلدا
ولست أدري إذا شطّ المزار بهمهل تجمع الدار أم لا نلتقي أبدا
قال الموسوي:
وأفجع النّاس من سارت حبائبهولا عناق ولا ضمّ ولا قبل
التوديع بالإشارة: قال الأصمعي سمع أعرابيا يخاطب آخر يقول: شيعنا الحي وفيهم أدوية السقام فاشرنا بالحدق إلى السلام وجمدت الألسن عن الكلام. خرج رجل في سفر وكانت له ابنة عم يحبّها فقال:
ولما تبدّت للرحيل جمالناوجدّ بنا سير وفاضت مدامع
أشارت بأطراف البنان وسلّمتوأومت بعينيها متى أنت راجع
فقلت لها والقلب فيه حرارةفديتك ما علمي بما الله صانع
استطابة التوديع طمعا في لقاء الحبيب: قال شاعر:
وسهّل التوديع يوم النّوىما كان قد وعّره الهجر
وقال:
ليس عندي خطب النوى بعظيمفيه روح وفيه كشف غموم
إنّ فيه اعتناقة لوداعوانتظار اعتناقة لقدوم
وقال:
ولو فهم النّاس التّلاقي وحسنهلحبّب من أجل التّلاقي التفرّق
فيا حسننا والدّمع بالدمع واشجنمازجه والخدّ بالخدّ ملصق
فلم تر إلا مخبرا عن صبابةبشكوى وإلا عبرة تترقرق
ومن قبل قبل التلاقي وبعدهنكاد بها من شدّة اللثم نشرق
عذر نارك توديع محبوبه: كتب بعضهم: ما أعرضت عن تشييعك إلا استفظاعا لتوديعك وما كرهت توديعك إلا كراهة تجديد العهد بفراقك. قال البحتري:
لا تعذلني في مسيرك يوم سرت ولم ألاقك
أني عرفت مواقفاللبين تسفع غرب ماقك
وعلمت أن لقاءناسبب اشتياقي واشتياقك
قال الصنوبري:
بأبي من هربت من توديعهوبعثت الدموع في تشييعه
البكاء عند التوديع: لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب بن الزبير تعلقت به امرأته عاتكة فبكت وأبكت جواريها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث قال:
إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمهحصان عليها نظم درّ يزينها
نهته فلمّا لم تر النهي عاقهبكت فبكى ممّا دهاها قطينها
وقال:
وممّا دهاني أنّها يوم أعرضتتولّت وماء العين في الجفن حائر
فلمّا أعادت من بعيد بنظرةإليّ التفاتا أسلمته المحاجر
وقال آخر:
سقى الله ركبا ودّعوا يوم ودّعواوعيرهم شوقي وحاديهم وجدي
غداة مضت واستوثقتني عبرةأسائل في سعد عن القمر السعدي
إظهار التوجع لوداع الحبيب: قال شاعر:
وداعك مثل وداع الربيعوقدّك مثل انفقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفانفارقه منك أو من كرم
قال أبو تمّام:
النّاس غيرك ما تغيّر خيرتيلفراقهم هل أنجدوا أم أغاروا
صعوبة لقاء الإبل للفراق
لو تعلم العيس ما في يوم بينهمأبت على السائق الحادي فلم تسر
كأنّ أيدي مطاياهم إذا وخذتيقعن في حرّ وجهي أو على بصري
قال المتنبيّ:
كأنّ العيس كانت فوق جفنيمناخات فلما ثرن سالا
وقد ذم بعضهم الإبل لما كانت سببا للفراق فقال:
وما غراب البين إلا ناقة أو جمل
ونقضه جران العود فقال:
بأخفافها يدنو الفتى من حبيبهوتنقذه إن أذهلته الشّدائد
ارتحال القلب بارتحال المحبّ: قيل: إن بان أخوك بان شطرك. قطيعة الوصال قطع الأوصال. قال الصنوبري:
ذكروا أنّ الفراق غداوفراق النّفس بعد غد
قال أبو تمّام:
قالوا الرحيل فما شككت بأنّهنفسي عن الدنيا تريد رحيلا
قال التنوخي:
كأنّما كان عمري في اقترانك بيعارية فاستردته يد البعد
وكتب بعضهم يوم توديعك ودّعت قلبي فهو يتصرف بتصرفك وينصرف بمنصرفك.
قال ابن الحجاج:
رحلت وما علمت بأنّ قلبيعلى بعض الزوامل في الرحال
وقال آخر:
لئن بعدت عنك أجسادنالقد سافرت معك الأنفس
قال السلامي:
ما تنشدون وقلبي في رحالكمهو الصواع وبعض العير سرّاق
قال أبو تمّام:
تكاد تنتقل الأرواح لو تركتمن الجسوم إليها حين تنتقل
من ارتحل فخلّف قلبه عند حبّه: قال الخبزارزي:
أنا غائب والقلب عندك حاضرسافرت عنك وما الفؤاد مسافر
وقال آخر:
وإن يرتحل جسمي مع الركب مكرهايقم عنده قلبي وأمضي بلا قلب
قال المتنبيّ:
فجد لي بقلب إن رحلت فإنّنيأخلفّ قلبي عند من فضله عندي
ولو فارقت جسمي إليك حياتهلقلت أصابت غير مذمومة العهد
شدّة الفرقة: قيل لبعض الصوفية: لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟ فقال: خوفا من الفراق وبه ألم. قال الأستاذ الرئيس:
لا تركننّ إلى الوداع وإن سكنت إلى العناق
فالشمس عند غروبهاتصفرّ من خوف الفراق
وقيل: ما أشد صدع الفراق بين الرفاق. وقيل بكف الفرقة نقدح نار الحرقة، كبدي بيد الشوق مخطوفة وعيني بقذى الفراق مطروفة. أنتن من ريح الفراق وأزكى من نسيم التلاق:
وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر لهرزيّة مال أو فراق خليل
الحذر من الفراق: قال أشجع:
ومحاذر للبين قدوقع الذي يخشى حذاره
وقال آخر:
كفى حزنا أنّ زوارنالوقت الرّواح أرادوا الغروبا
فلو كنت بالشمس ذا طاقةلطال على النّاس حتّى تغيّبا
وقال:
وأشفق من وشك الفراق وإنّنيأظنّ كمحمول عليه مراكبه
شدّة سماع الفرقة: وقال أبو نواس:
طرحتم من التّرحال أمرا فغمّنافلو قد فعلتم صبّح الموت بعضنا
كون الفرقة كالمنيّة: قيل: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الفراق. قال النميريّ:
أن المنيّة والفراق لواحدأو توءمان تراضعا بلبان
في فرقة الأحباب شغل شاغلوالثكل حقا فرقة الإخوان
وقال أبو تمّام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجدإلا الفراق على النّفوس دليلا
وقال المتنبيّ:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
بغض الوقت الذي يعرض في الفراق: وقال أبو تمام:
أن يوم الفراق يوم عبوسأيّ سيل تسيل فيه النفوس
لم أزل أبغض الخميس ولم أدر لماذا حتّى دهاني الخميس
استقباح الحياة بعد ارتحال الحبيب: وقال التنوخي:
إذا بان محبوب وعاش محبّهفذاك كذوب في الهوى غير صادق
وقال:
أو ليس من إحدى العجائب أنّنيفارقته وحييت بعد فراقه
اعتراض الفراق: قال ابن الرومي:
أخرجت من جنّتي مفاجأةآمن ما كنت في حدائقها
بينا استماعي هديل هادلهاإذ راع قلبي نعيق ناعقها
وأنشد المأمون قول العبّاس بن الأحنف:
هم كتموني سرّهم ثمّ أزمعواوقالوا اتعدنا للرّواح فبكّروا
فقال سخروا بابي أفضل أعزّه الله.
وقال إبراهيم بن العباس:
وزالت زوال الشّمس عن مستقرّهافمن مخبري في أيّ أرض غروبها
مفارقة المحبوب قبل التمتّع به: قال الخبزارزي:
استودع الله أحبابا فجعت بهمبانوا فما زوّدوني غير تعذيبي
بانوا ولم يقض زيد منهم وطراوما انقضت حاجة في نفس يعقوب
وقال ابن الأحنف:
سألونا عن حالنا كيف أنتمفقرنّا وداعهم بالسّؤال
ما أناخوا حتّى ارتحلنا فما نفرّق بين النّزول والارتحال
وقال محمد بن أمية:
يا فراقا أتى بعيد تلاقواتّفاقا جرى بغير اتّفاق
حين حطّت ركابنا لتلاقزمّت العيس منهم لفراق
إنّ نفسي بالشام إذ أنت فيهاليس نفسي نفسي التي بالعراق
أشتهي أن يرى فؤادي فيدريكيف وجدي بهم وكيف احتراقي
كون من تباعد عن محبوبه في غربة
فلا تحسبي أنّ الغريب الذي نأىولكنّ من تنأين عنه غريب
وقال الخبزارزي:
أني لفي غربة مذ غبت يا سكنيوإن ظللت أرى في الأهل والوطن
قال المتنبيّ:
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدّرواأن لا تفارقهم فالرّاحلون هم
التلفّت إلى المحبوب بعد الارتحال عنه: قال شاعر:
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلةإلا وذكرك يلوي دائما عنقي
وقال المتنبيّ:
أفدي المودّعة التي أتبعتهانظرا فرادى بين زفرات ثنا
قال ابن المعتزّ:
لست أنسى التفاته حين ولّىوالتفاتي وقد نظرت إليه
وكلانا من التأسّف والوجد على إلفه يعضّ يديه
تسلّط أيام البين على وصل الأحباب: قال شاعر:
أرّق العين أن قرّة عينيدخلت بينه الليالي وبيني
قال جحظة:
جرت نوب الأيّام بيني وبينهفلم يبق إلا ما أعيد من الذّكر
وقال أبو تمّام:
عبث الفراق بعينه وبقلبهعبثا يروح الجدّ فيه ويغتدي
وصف الدهر والنوى: قال محمد بن وهب:
إذا ما سموت إلى وصلهتعرّض لي دونه عائق
وحاربني فيه ريب الزمانكأنّ الزّمان له عاشق
قال شاعر:
ملام النّوى في بعدها غاية الظلمكأنّ بها مثل الذي بي من اللوم
فلو لم تعز لم تزوعنّي لقاءكمولو لم تردّكم لم تكن فيكم خصمي
وقال المتنبيّ:
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمهفما طلبي منها حبيبا تردّ
التحيّر لتفرّق الأحباب فرقتين: قال أبو العتاهية:
أيا كبدا عادت عشيّة غرّبمن الشوق إثر الظاعنين تصدع
عشيّة ما فيمن أقام يغرّبمقام ولا فيما مضى متشرّع
تفرّق أهلانا مقيما وظاعنافلله درّي أيّ قومي أتبع
ينازعني شوقي أمامي وحاجتيورائي فما أدري بها كيف أصنع
الرغبة في حفظ المودة عند الغيبة: خرج عبد الملك بن صالح مشيّعا لجعفر بن يحيى فاستعرض حاجاته فقال: قصارى كل مشيّع الرجوع، ولكني أريد من الأمير أن يكون كما قال ابن الدمينة:
فكوني على الواشين لدّاء شغبةكما أنا للواشي ألدّ شغوب
فقال جعفر: أقول كما قال جميل: معاتبة القلب لاشتياقه إذا نأى وتلوّنه على الحبيب إذا دنا. قال بعضهم:
وخبّرتني يا قلب أنّك ذو هوىبليلى فذق ما كنت قبل تقول
ومنّيتني حتّى إذا ما تقطّعتقوى من قوى أعولت كلّ عويل؟
وقال الخوارزمي:
ولما سرت عنك رأيت نفسيوبين الرجل والقلب اختصام
فذاك يقول منك السير عنهوتلك تقول منك الاعتزام
التحذير من مفارقة الحبيب
أترحل طوع النفس عمّن تحبّهوتبكي كما يبكي المفارق عن قهر
أقم لا تسر والحزن عنك بمعزلودمعك باق في مآقيك لا يجري
الندم على مفارقته: قال المهلّبي:
من ذا ألوم أنا جنيت فراق من أبكي عليه
وقال قيس بن ذريح:
ندمت على ما فات منّي فقدتنيكما ندم المغبون حين يبيع
فقدتك من قلب شعاع فإنّنينهيتك عن هذا وأنت جميع
قال المجنون:
فإن ترجع الأيام بيني وبينهابذي الأثل صيفا مثل صيفي ومربعي
أشدّ بأعناق النّوى بعد هذهمرائر إن جاذبتها لم تقطع
من ارتحل عنه فأسرع العود شوقا إليه: قيل لجميل: أما سمعت قول ابن عمك زهير بن حباب:
إذا ما شئت أن تسلو خليلافأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى حبيبا مثل نأيولا أبلى جديدا كابتذال
قيل: فلو نأيت عنها لسلوت فخرج عنها ليلة ثم رجع وهو يقول:
أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلةرويد الهوى حتّى تغبّ لياليا
لحا الله أقواما ما يقولون إنّناوجدنا طوال النّأي للحبّ شافيا
خرج المهدي يريد منزل حسنة، فلما بلغ دارها وترفعت أستارها اشتاق إلى
الخيزران فكرّ راجعا وقال: وسوتاه من حسنة فإني والله أصابني كما أصاب من يقول:
بينما نحن بالبلاكث فالقاع شراعا والعيس تهوي هويّا
خطرت خطرة على القلب من ذكراكوهنا فما استطعت مضيّا
قلت لبيك إذ دعاني يد الشوق وللحاديين كرّا المطيّا
الشوق بعد الارتحال: كان لأعرابي مملوك فاشتراه عراقيّ فلما ارتحل به بكى وأنشد:
أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلةفكيف إذا سار المطيّ بنا عشرا
أخوكم ومولاكم وصاحب سركمومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا
فقال له المشتري الحق بأهلك.
وقال المتنبيّ:
أرى أسفا وما سرنا قليلافكيف إذا غدا السير ابتراكا
فهذا الشوق قبل البين سيفوها أنا ما ضربت وقد أحاكا
قال أشجع:
فها أنت تبكي وهم جيرةفكيف تكون إذا ودّعوا
قال أبو فراس:
حملت هواك لا جلدا ولكنصبرت على اختيارك واضطراري
المفارقة كرها: قال الماني:
لا تنكرنّ رحيلي عنك في عجلفإنّني لرحيل غير مختار
وربّما فارق الإنسان مهجتهيوم الوغا غير قال خيفة العار
كراهة فراق من صحبته كرها: قال شاعر:
أقمنا كارهين لها فلمّاألفناها خرجنا مكرهينا
وما شعف البلاد بنا ولكنأمرّ العيش فرقة من هوينا
خرجت أقرّ ما قد كنت عيناوخلّفت الفؤاد بها رهينا
وقال:
وكم من زائر بالكره منّيكرهت فراقه بعد المزار
من عمّ الغم بفراقه: قال نفيلة الأشجعي:
فلمّا أن دنا منّا ارتحالوقرّب ناجيات السير كوم
تحاسر واضحات اللون غرّعلى ديباج أوجهها النّعيم
فقائلة ومثنية عليناتدور ومالنا فيها حميم
وقال المتنبيّ:
رحلت فكم باك بأجفان شادنعليّ وكم ران بأجفان ضيغم
وما ربّة القرط المليح مكانهبأجزع من ربّ الحسام المصمّم
من لم يبال بالفراق لكثرة ما دهاه: قال المتنبيّ:
وفارقت حتّى ما أبالي من النّوىوإن بان جيران عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على النّأي تنطويوعيني على فقد الصديق تنام
وقال:
روّعت بالبين حتّى ما أراع لهوبالمصائب في أهلي وجيراني
وقال:
وما أنا بالمستنكر البين إنّنيبذي لطف الجيران قدما مفجّع
الشاكي كثرة ما يعرض له من فرقة الأحباب: قال الشاعر:
كأنّا خلقنا للنّوى فكأنّناحرام على الأيّام أن نجتمعا
وقال علي بن عبد العزيز:
كأنّ البين محتوم علينافليس سوى التّلاقي والوداع
ومما جاء في الهجران
الهجران سبب التسلّي: الهجر مفتاح السلوّ وطول العهد يقدح في القلوب قال بشّار:
ولا يلبث الهجران أن يقطع النّوىإذا لم تطالع آلفا أو يطالع
وقال العبّاس:
راجع أحبّتك الذين هجرتهمإن المتّيم قلّما يتجنّب
إنّ الصدود إذا تمكّن منكمادبّ السلوّ له وعزّ المطلب
تعظيم الهجران: قال ابن الجهم:
بما بيننا من حرمة هل رأيتماأرقّ من الشّكوى وأقسى من الهجر
وقال آخر:
وموت الفتى خير له من حياتهإذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي
إلا أن هجران الحبيب هو الأثم
إظهار الندم على هجران الحبيب: قال شاعر:
هجرتك أيّاما على الغمر إنّنيعلى هجر أيام بذي الغمر نادم
وإنّي وذاك الهجر لو تعلمينهكعازبة عن طّفلها وهي رائم
الحاسد لمن يواصله محبوبه: قال أبو صخر الهذليّ:
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الدّهر
وقال آخر:
فيا ليت أنّ الله إذا لم ألاقهاقضى بين كلّ اثنين أن لا تلاقيا
وقال ابن العميد:
لا يهنأ العاشقين أنّيمنفرد بالغرام وحدي
من لا يلتّذ بالوصل خيفة الهجر: قال العبّاس:
إذا رضيت لم يهنني ذلك الرّضالعلمي يوما أن سيتبعه عتب
وقيل: لا تغتر بصفاء الألفة فإنها منكشفة عن كدر الفرقة. وقيل إذا ساعدك الدهر بوصل محبوب، فاعلم أنه قد غرّ وضرّ. وقال سعيد الكاتب:
ما كنت أيام كنت راضيةعنّي بذاك الرضا بمغتبط
علما بأن الرّضا سيتبعهمنك التجنّي وكثرة السخط
نفي الانتفاع بقرب الدار مع الهجران: قال إبراهيم:
دنت بأناس عن تناء زيارةوشطّ بليلى عن دنوّ مزارها
وإن مقيمان بمنقطع اللوىلا قرب من ليلى وهاتيك دارها
وقال آخر:
رأيت دنوّ الدار ليس بنافعإذا كان ما بين القلوب بعيد
قال العبّاس:
كفى حزنا أن التباعد بينناوقد جمعتنا والأحبّة دار
قال عبد الوهاب:
البعد منهم على رجائهمأنفع من هجرهم إذا حضروا
الإعراض عن الحبيب خشية الرقيب: قال الشاعر:
وما هجرتك النفس أنّك عندهاقليل وإن قد قلّ منك نصيبها
ولكنّهم يا أملح الناس أولعوابقول إذا مازرت، هذا حبيبها
وقال:
ولما رأيت الكاشحين تتبّعواهوانا وأبدوا دوننا نظرا شزرا
جعلت وما بي من جفاء ولا قلىأزوركم يوما وأهجركم شهرا
وقال الأحوص:
يا بيت عاتكة التي أتغزّلحذر العدى وبه الفؤاد موكّل
وقال:
أمرّ مجانبا عن بيت ليلىولم ألمم به وبه القليل
وقال آخر:
أزور بيوتا لا صقات ببيتهاونفسي في الدّار التي لا أزورها
الهجران لرضا الحبيب: وقال مسلم:
إن كان هجراننا يطيب لكمفليس للوصل عندنا ثمن
قال المتنبّي:
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
وقال آخر:
سررت بهجرك لمّا علمتبأنّ لقلبك فيه سرورا
وأني أرى كلّ ما ساءنيإذا كان يرضيك سهلا يسيرا
استطابة قليل الهجر بين المتحابين: قال الخثعمي:
ولم أر مثل الصدّ أحسن منظراإذا كان ممّن لا يخاف على الوصل
وقال المتنبّي:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّهوفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي
وقال:
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضافأين حلاوات الرسائل والكتب
هجران الحبيب صيانة للنفس: قال أحمد بن يوسف:
تركتك والهجران لا عن ملالةورددت يأسا من إخائك في صدري
وألزمت نفسي من فراقك خطّةحملت لها نفسي على مركب وعر
وإنّي وإن رقّت عليك ضمائريفما قدر حبّي أن أذلّ لها قدري
قال الخبزارزي:
إذا لم يكن في الوصل روح وراحةهجرت وكان الهجر أشفى وأسلما
وقال آخر:
ومن لم يطق صبرا على النأي يستعنبهجر وبعض الشر يدفع بالشّر
كما لا يرى أوفى من الوصل في الهوىكذا لا يرى في القدر أسلى من الهجر
المعتقد رضا حبيبه في الباطن وإن سخط في الظّاهر: قال مسلم بن الوليد:
وراضي القلب غضبان اللسانله خلقان ما يتشابهان
يسرّ مودّتي ويطيل هجريويمزج لي المودّة بالهوان
وقال:
ودّه ودّ صحيحوهو عنّي ذو انقباض
فعلى الظاهر غضبان وفي الباطن راضي
تضجر من يواصله بغيض ويصارمه حبيب
أعاشر في ذي الدّار من لا أودّهوفي الرّمل مهجور إلى حبيب
قال الحطيئة:
يبغض منّا من نحبّ لقاءهويجمع منّا بين أهل الضغائن
قال المتنبّي:
أفجع بالعلق الضّنين وإنّنيبمن لا أبالي هلكه لممتّع
وله:
ما تغلط الأيام فيّ بأن أرىبغيضا تناءى أو حبيبا يقرب
وقال:
تباعد ممّن واصلت فكأنّهالآخر ممّن لا تودّ صديق
وقال الزبير:
جبلوا على إكرام مبغضهموعلى التّهاون بالذي يهوى
تأسّف من هجر محبوبه: قال شاعر:
لو كنت عاتبة لسكّن عبرتيأملي رضاك وزرت غير مجانب
لكن مللت فلم تكن لي حيلةصدّ الملول خلاف صدّ العاتب
قال البحتري:
وكنت أرى أنّ الصّدود الذي مضىدلال فما أن كان إلا تجنّبا
فوا أسفي حتى م اسأل مانعاوآمن خوّانا وأعتب مذنبا
عدم الثقة بالمحبوب: قال المجنون:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابضعلى الماء خانته فروج الأصابع
وله:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرمع الصّبح في أعقاب نجم مغرب
شكوى الحبيب لهجرانه بعد ذهابه
: أبكى الذين أذاقوني مودّتهمحتّى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
قال ابن الجهم:
أزحن رسيس القلب عن مستقرّهوألهبن ما بين الجوانح والصدر
ألا قبل أن يبدو المشيب بدأننيبيأس مبين أو جنحن إلى الغدر
وقال جرير لبعض من صحبه: من أشعر العرب؟ قال: كثيّر في قوله:
وأدنيتني حتّى إذا ما ملكتنيبقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تناءيت عنّي حين لا لي حيلةوغادرت ما غادرت بين الجوانح
قال بل قول هشام:
أشرعت لي موردا أعيت مصادرهفلست أدري أأمضي فيه أم أقف
شكوى بخل المحبوب: قال شاعر:
لقد بخلت حتّى لوانّي سألتهاقذى العين من سافي التّراب لضنّت
كأنّي أنادي صخرة حين أعرضتمن الصمّ لو تمشي بها العصم زلّت
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ماتخلّيت ممّا بيننا وتخلّت
لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّماتبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وقال البحتري:
ألف الصدود فلو يمرّ خيالهبالصبّ في سنة الكرى ما سلّما
التلوّن بما يسلي المحب: تمثل شريح لامرأته بقول مالك بن أسماء:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتيولا تنطقي في سورة حين أغضب
فأنّي رأيت الحبّ في الصّدر والأذىإذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال:
يراك ويهوى من يقلّ خلافهوليس بمحبوب حبيب يخالف
التواء المحبوب على محبّه ومخالفته له في أحواله: قال شاعر:
شكوت فقالت كلّ هذا تبرّمابحبّي أراح الله قلبك من حبّي
فلمّا كتمت الحبّ قالت لشدّ ماصبرت وما هذا بفعل شجيّ القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالبارضاها فتعتدّ التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري يؤودهاوتجزع من بعدي وتنفر من قربي
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع