من «الواضح في مشكلات شعر المتنبي» لأبي القاسم الأصفهاني (ت نحو ٣٨٠هـ)
الواضح في مشكلات شعر المتنبي (٢)
واخترت في صفة العيون قول عدي:
وَكَأنَّها بَينَ الظباءِ أعَارَهَاعَيْنَيْه أحْوَرُ مِن جآذِرِ جاسِمِ
وَسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتفي عينهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ
واخترت في نعت الدمع قول قيس:
وإنِّي لأبكي اليومَ من حَذَري غَداًفِراقَكَ وَالحَيَّانِ مُختَلِفانِ
سِجالاً وَتَساكُباً وَسَحاً وَديمةًوَهَطْلاً وَتَهتاناً وَبالهَمَلانِ
وطرده البحتري على سبيل التورية إلى المدح فقال:
تَجودُ على الطُّلابِ سَحَّاً وَدِيمَةًوَهَطْلاً وَإرِْاماً وَوَبلاً وَرَيِّقَا
وأما في الاعتذار في الدمع فبشار ابتدع فيه وهو قوله:
يَقُلْنَ لَقَد بَكَيْت فقلتُ كلاوهل يبكي من الطَّرَبِ الجَليدُ
وَلكِني أصابَ سَوادَ عينيعُوَيْدُ قَذى لهُ طَرْفٌ حَديدُ
فَقالوا ما لِدَمْعِها سَواءأكِلْتى مُقلَتَيكِ أصابَ عُودُ
وتبعه أبو العتاهية وأحسن حيث يقول:
كَمْ مِن خَليلٍ لي أسارِقُهُ البُكاءَ مِنَ الحَياءِ
فإذا تَأَمَّلَ لامَنيفأقولُ ما بي من بُكاءِ
لَكِنْ ذَهَبْتُ لأرْتَديفَطَرَفْتُ عَيني بالرِّدَاءِ
وقال المتنبي:
وَنَغبِطُ الأرضُ منها حيثُ حَلَّ بِهِوَنَحْسُدُ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا
قال أبو الفتح: إنما جعل الأرض تغبط والخيل تحسد لأن الأرض وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعض والخيل ليست كذلك لأنها متفرقة فاستعمل للأرض لفظ الغبطة وللخيل لفظ الحسد لأنه أقبح.
قال أبو القاسم: أما الفرق بين الغبطة والحسد فقد فرّق بينهما النبي ﷺ حيث قال:) المؤمن يغبط والمنافق يحسد (والعرب تقول: غبطت الرجل إذا تمنيت مثل حاله مع بقائها له، وحسدته إذا تمنيت زوال حاله إليك.
وسئل النبي ﷺ هل يضر الغبط فقال:) كما يضر العضاة الخبط (معناه أن الإنسان إذا رأى نعمة بغيره لا يدخل التمني ولا يستفتح بابه وإنما يسترزق الله من فضله العميم.
ومعنى بيت المتنبي أن الأرض كل بقعة منها يتمنى أن يكون يحل بها لفضله وكرمه، وإذا ركب من الخيل ما ركب فكل فرس يتمنى أن يزول عن ظهره إليه. وقال الحسن بن هانئ في الأمين:
مَنِ الجآذِرُ في زِي الأعاريبِحُمْرُ الحُلي والمطايا والجلابيبِ
قال أبو الفتح: جعل كونهن جآذر حقيقة وجعل كونهن أعاريب مجازاً وذلك للمبالغة في الصنعة.
قال أبو القاسم: ليس للمجاز والحقيقة محل في هذا البيت ولا مدخل وإنما جعلهن جآذر لنجل العيون وحورهن وهن في الخلقة نساء.
قال أبو الفتح: حُمر الحلي أي هن شراف وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء إنما المعنى أنهن حسان يلبسن حسان الملابس استضافة جمال إلى جمال. وروى الأصمعي في كتاب الأجناس أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يشب لون المرأة أي ينوره ويجلوه وكلما ازدادت الظلمة سواداً ازدادت الأنوار ضياءً، والعرب تقول: الحُسن أحمر ومنه قول بشار:
وَخُذي مَلابِسَ زِينَةٍوَمُصبَّغاتٍ هُنَّ أَنْوَرُ
فإذا دَخَلنا فادخُليفي الحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحمرُ
وقد ذكر ابن الرومي هذا البيت في قوله:
قُلْ للمليحةِ في الخِمارِ المُذَهَّبِأفْسَدْتِ نُسْكَ أخي التَّقيّ المُترَهَّبِ
وَجَمعتِ بينَ المُذْهَبَينِ فَلَمْ يكُنللحُسْنِ في ذَهَبَيْهِما مِن مَذْهَبِ
والعلماء يقولون في قولهم: الحسن أحمر مجهاً آخر وهو أنه يُخاض فيه الشدائد حتى إن الدم يُراق فيه كما يقولون: الموت أحمر وهو الذي يراق فيه الدم.
قال المتنبي:
أُغالِبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُوأعجَبُ من ذا الهَجْرِ والوَصْلُ أعجَبُ
قال أبو الفتح: أغلب أي أغلب مني ويجوز أن يكون أغلب أي غليظ العنق من القلب فيرجع إلى الأول. والقول الأول على كل حال أشبه.
والوصل أعجب لأن من عادتها أن تهجر فقد صار الهجر هو المعهود.
قال الشيخ: معنى البيت أني أغالب الشوق بالصبر وهو غالبني بسلطانه وأعجب من وصلك لي خيالاً بالليل، وهجرك صباحاً أعجب. وهذا معنى قول البحتري:
وَلَمْ نَرى مِثْلَيْنَا وَلاَ مثلَ حالِنانُعَذَّبُ أَيقَاظاً وَنَنْعَمُ هُجَّدا
وقد تقدمه قيس بن الخطيم في معناه حيث يقول:
مَا تَمْنَعي يَقظي فَقَد تَوَلَّيتَهُفي النَّومِ غَيرَ مُصَرَّدٍ مَحسوبِ
وقال المتنبي:
مُنىً كُنَّ لي أنَّ البَياضَ خِضابُفيَخفى تَبييضِ القُرونِ شبابُ
قال أبو الفتح: يقول شيبي هذا كان لي منىً قديماً. وإنما تمنيت الشيب ليخفى شبابي بابيضاض شعري. وآثر الشيب على الشباب لما فيه من الوقار.
قال أبو القاسم: ثاني هذا البيت يرد ما ذكره أبو الفتح من تمني الوقار وهو:
ليالي عندَ البيضِ فَودايَ فتنةٌوَفخْرٌ وذاكَ الفخْرُ عِنديَ عابُ
وإنما المعنى أني مصروف الهمة إلى اكتساب المعالي والمآثر كقوله في عدة قصائد:
ضُروبُ الناسِ عُشّاقٌ ضُروبافأعذَرُهم أشَقَّهُمُ حَبيبا
وَما سَكَني سوى قَتْلُ الأعاديفَهَل من زَوْرَةٍ تَشْفي القُلوبا
وقال في أخرى:
مُحبٌ كَنى في البِيضِ عن مُرهَفاتِهِوبالحُسْنِ في أجسادِهِنَّ عن الصَّقْلِ
وبالُّمْرِ عن سُمْرِ القَنا غيرَ أنَّنيجناها أحِبَّائي وأطرافُها رُسْلي
وقال المتنبي:
لو مَرَّ يركُضُ في سُطورِ كتابِهِأحصى بِحافِرِ مُهْرِهِ ميمانِها
قال أبو الفتح في آخر تفسير هذا البيت: وشبه معها حافر الفرس بالميم وقد استقصيت ذلك في الفسر الكبير في شرح هذا الديوان.
قال أبو القاسم لأبي الفتح ثلاث علل اتخذها قواعد في شعر المتنبي إذا ضاق به الأمر: إحداهما أنه يحيل بالمعنى على الفسر الكبير، والثانية أن يقول بهذا أجابني المتنبي عند الاجتماع، والثالثة أن يقرن بالبيت مسألة في النحو يستهلك البيت واللفظ والمعنى.
وأما حافر الفرس فلا يشبه الميم في صورته. والمتنبي شبه حافر الفرس بالعين المفردة كقوله في سيف الدولة:
أول حرف من اسمه كتبتسنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ
وقد شبه نعال الحوافر مسمورة بعض أهل العصر في عضد الدولة فقال:
لهمْ بِفناءِ البيتِ جُرْدٌ صَوافِنسِلاطٌ هواديها فَوَرْدٌ وَأَيْهَمُ
إذا أنعَلوها فالنَّعالُ أهِلَّةٌوإن سَمَّروها فالمَساميرُ أنْجُمُ
وقال المتنبي:
تكبو وراءَكَ يا ابنَ أحمَدَ قُرَّحٌلَيْسَتْ قَوائِمُهُنَّ من آلاتها
قال أبو الفتح: الهاء في آلاتها راجعة إلى الوراء لأنه مؤنثة وتصغيرها وريَّة.
قال أبو القاسم: الهاء في آلاتها عائدة إلى القُرَّح أي ليست قوائم هذه القرح من آلات مجاراتك في مآثرك أو مباراتك في مناقبك، ويريد بالآلات أفعالهم.
فتىً يشتهي طُولَ البلاد وَوَقْتُهُتضيقُ بهِ أوقاتُهُ والمَقاصِد
قال أبو الفتح: أي يحب طول البلاد لتبعد سراياه، وطول الوقت ليتمكن فيه من أغراضه وتضيق ببعد همته أوقاته ومقاصده.
قال أبو القاسم: أي وقت سيف الدولة الذي هو فيه في الحال يستغرق مقاصد الأرض.
وقال المتنبي:
أبْرَحْتَ يا مَرَض الجُفونِ بمُمرضمرضَ الطبيبُ لهُ وعِيدَ العُوَّدُ
قال أبو الفتح: أبرحت أي تجاوزت. والممرض جفنها.
ومرض الطبيب له وعيد العود مثل ضربه ولا طبيب هناك ولا عوَّد ولكنه لما ذكر هناك ذكر المرض ذكر الطبيب معه والعوَّد.
قال أبو القاسم: قوله أبرحت معناه شددت يقال أمر مُبَرِّح ومُبَرَّح ومنه البرحاء لشدة الشوق، والممرض هو المتنبي نفسه يقول اشتدت يا مرض الجفون بمحب أمرضته في شدة مرضه، وهو لسقمه مرض معالجه وعيد عائده. وهذا المعنى متداول في شعر المحدثين لا يعد كثرة كقول أحدهم:
مَرَض بناظِرِهِ إذا ما مَرَّضَايقضي على أحبائِهِ قبل القَضَا
وكقول غيره:
أسقَمَ جسمي سَقامُ ناظِرِهِيا لَيتني خاطِرٌ بخاطِرِهِ
وقال المتنبي:
أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِلُيَيْلَتُنا المنوطَةُ بالتَّنادي
قال أبو الفتح: استطال ليلته فقال واحدة هي أم ستة واختيار الستة دون غيرها من العدد لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا. وصغر الليلة تصغير التعظيم كقول أوس:
فُوَيْقَ جُبَيلٍ شامِخِ الرأسِ لمْ تَكَدْلِتَبْلُغَهُ حتى تَكِلَّ وَتَعْمَلا
والتنادي يريد التنادي بالرحيل وقود الخيل إلى الأعداء ألا تراه يقول فيما بعد:
أفكر في معانقة المناياوقود الخيل مشرفة الهوادي
قال أبو القاسم: أما استشهاد أبي الفتح في قول الله تعالى فليس من هذا الحديث في شيء لأن المتنبي ذكر الليل والشعراء يستطيلون ليالي السهر والفكر ويحيلون بتضاعف الغموم والهواجس فيها عليها وكذلك عند الأطباء أن الأمراض تشتد ليلاً لأن طبعه الضم والقبض والخشورة والجمود، وبالنهار تنفش البخارات عن البدن وتنحل أجزاء العلل. وليس بين الشعراء وبين الأيام تعلق في أمر ما يُسهر بل يقولون: إن المحزون والمغتم ينشرح صدره ويخف ما به لمحادثة الناس وملاقاة الأشخاص كما قال ابن الدمينة:
أُقَضّي نهاري بالأحاديثِ والمُنىويجمعني والهَمَّ بالليلِ جامعُ
وقال الطرماح:
على أن للعينينِ في الصُّبْحِ راحةًلرميهما طرفيهما كل مَطْرَحِ
وقال النابغة:
كِليني لِهَمّي يا أُمَيمَةُ ناصِبِولَيلٍ أُقاسيهِ بَطيءُ الكَواكِبِ
تَطاوَلَ حتى قُلْتُ ليسَ بِمُنقِضٍوَلَيسَ مَنْ يرعى النجومَ بآيِبِ
وأما إذا ذكروا اليوم فإنهم يذهبون به قصد الممدوح وطول نهاره على الأعداء كقول الكميت: وإذا اليومُ كانَ كالأيامِ وقال أبو تمام:
ورُبَّ يومٍ كأيام تركتَ بهامتنَ القناة ومتنَ القرن مُنقَصِفا
وإنما معنى بيت المتنبي إن ذهبت به مذهب العدد فأضفت الواحد إلى الستة والمراد إلى الأسبوع فتكون استطالة الليلة الواحدة كاستطالة ليالي الأسبوع ووقف عند هذا الحد كقول بعض الرجاز:
إنِّي إذا ما الليلُ كانَ لَيلتينْوَلَجْلَج الحادي لِسانين اثنينْ
فهذا جعل واحدة ثنتين، وأوس بن حجر جعل للثلاثة ثلاث ليال فقال: وَلَقَد أتيتُ بليلة كلَيالِ وكأنَّ تحتَ الجَنْبِ شَوْكَ سَيالِ والمتنبي جعل الليلة الواحدة ليالي الأسبوع طولاً ووقف عندها. وإن ذهبت بالبيت الواحد والستة مذهب الضرب ففيه معنى لطيف لأنك إذا ضربت الواحد في الستة رجع إلى الوراء وإذا ضربت الاثنين في الستة زاد إلى قدام فيكون المعنى أن هذا الليل يرجع إلى الوراء فلا يتصرم آخره كما قال الشاعر:
لَقَدْ تَرَكَتْني أم عَمرو وَمُقلَتيهَمَولٌ وَقَلبي ما تَقِرُّ بَلابِلُهْ
تَطاوَلَ هذا الليلُ حتَّى كَأَنَّماإذا ما انقَضى تُثْنى عليهِ أَوائِلُهْ
وأما قول أوس بن حجر واستشهاد أبي الفتح به وهو فويق جبيل فهو مختلف في تصغيره فبعضهم ذهب إلى أن كل جبل شامخ له نادر ويندر منه ويشخص فهو الجبيل، ومنهم من وفق أبا الفتح. والقاطع في تصغير التعظيم قول لبيد أنشده أبو عبيد القاسم بن سلاّم في الغريب المصنف:
وَكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْدُوَيهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ
وصفرة الأنامل من الموت وليس في الدواهي أعظم منه، قال ذو الرمة:
التَّرك القِرْنِ مُصْفَرّاً أنامِلُهُيَميدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المادِحِ الأسِنِ
وقال المتنبي:
وَأبْعَدَ بُعْدَنا بُعْدَ النَّدانيوَقَرَّبَ قُرْبَنا قُرْبَ البِعادِ
قال أبو الفتح: أبعد بُعدنا بُعداً مثل بُعد التداني كان بيننا وقرّب قُربنا مثل قُرب البعاد كان بيننا أي قربني منه بحسب ما كان بيني وبينه من البُعد.
قال أبو القاسم: البيت مع استغلاقه واستبهامه في بيت الحماسة وهو:
فلله دَرّي أي نظرة ذي هوىًنظرتُ وأيدي العيس قد ركَّبَتْ رَقْدا
يُقَرّبن ما قُدّامنا من تَنوفةٍوَيَزْدَدْنَ مما خَلْفَهُنَّ بنا بُعْدا
وقال المتنبي:
تَلِجُّ دُموعي بالجُفونِ كأنَّماجُفوني لِعَينَي كل باكيةٍ خَدُّ
قال أبو الفتح: فكلما بكت باكية فكأن دموعها تمر بجفوني كما تمر بخدها فلما أخلو من دموع وبكاء، قريب من قوله:
مالٌ كأنَّ غُرابَ البَينِ يرقبهُفكلما قيل هذا مجتد نَعَبا
فإنما معناه أن هذا المال مجتمع لصاحبه فإذا جاء طالب جدواه تفرق ما بينهما كما قال في الأخرى يعني الدنيا ومن فيها:
أَبَني أبينا نحنُ أهلُ منازلأبداً غُراب البينِ فينا يَنعَقُ
وقال المتنبي:
حَتَّى دَخَلنا جَنَّةًلَو كانَ ساكِنَها مُخَلَّدْ
حَمراءَ خَضراءَ التُّرابِ كأنَّها في خَدِّ أغْيَدْ
الغَيد العَنَق، إنما أراد هاهنا اللون بقوله حمراء خضراء ووجه ذلك أنه أراد شيئاً وكنى عنه بما صحبه لأن حمرة الخد إنما تكون مع اللين والنعمة لا مع الجفاف والغلظة وقد قالت العرب كذلك:
كأنَّ أيديهنّ بالمَوماةأيدي جَوارٍ بِتْنَ ناعِمات
فذكر النعمة هاهنا لأن معها ما يكون الخضاب وحمرة اليد يعني أن أيدي الإبل قد دميت بملاقاة المرو. وعليه قول الآخر:
كأنَّ أيديهُنَّ بالقاعِ الفَرَقْأيدي جَوارٍ يَتَعاطَيْنَ الوَرَقْ
قال أبو القاسم: معنى بيت المتنبي أقرب من هذا التفصيل والتطويل وإنما يريد به تربة البستان مخضرة محمرة بأنواع الأعشاب وألوان النبات. وقول الراجز: كأن أيديهن بالقاع الفرق أنشده الأصمعي في كتاب الأبيات وذكر في تفسيره أنه شبه شدة بسط يدي الناقة وقبضها بأيدي الجواري متعاطيات الورق، ومثله قول الشماخ:
كأنَّ ذِراعيها ذِراعاً مُدِلَّةٍبُعَيْدَ السِّبابِ حاوَلَتْ أن تَعَذَّرا
وكقول المسيب:
مَرِحَتْ يَداها للنَّجاء كأنَّماتَكرو بِكَفَّيْ لاعِبٍ في صاعِ
وكقول الآخر:
كأنَّ يَدَيْها وَقَدْ أرقَلَتْوقد جُرْنَ ثُمَّ اهتَدَينَ السَّبيلا
يَدا عائِمٍ خَرَّ في هُوَّةٍقَدْ أدْرَكَهُ الموتُ إلا قَليلا
قال أبو الفتح: يحتمل هذا قولين: أحدهما أن الوادي بقي لرحيلهم عاطلاً متوحشاً كالجيد إذا سقط عقده. وقوله ما بالقلوب أي قتله الوجد لبعدهم عنه فيصير إذاً كقوله:
لا تَحْسِبوا رَبْعَكُمْ ولا طَلَلَهْأوّل حيّ فِراقكم قَتَلَهْ
والآخر أنه شبّه تفرّق الحمول والظعن بدُرّ قد تناثر فيكون هذا كقول بشار:
تَتابَعَ نَحْوَ دَاعيها سِراعاًكَما نُثِرَ الفَريدُ من النَّظامِ
قال أبو القاسم: ليس لبيت بشار متعلق ببيت المتنبي ومعناه إن الظعائن كن حلية الدار وزينتها وكانت الدار مبتهجة بهن ومشرقة لمحاسهن فلما ارتحلن بقيت عاطلاً كالجيد فارقه الحلي. وقال أبو تمام:
وطُلولِهنّ المشرقاتِ بِخُرَّدِبيضٍ كواعِبَ غامضاتِ الأكْعُبِ
وقال البحتري:
يَقينَ الغَواني باللَّوى فكأنَّمالَقينَ الغَواني الآنِساتِ عَواطِلا
وقول المتنبي به ما بالقلوب أي غلته غلة قلب المحب كما قال المحدث:
مَنازِلُ تشكو غَليلَ المُحِبِّوَتَنْدُبُ أحبابُهُنّ العُقودا
وقال المتنبي:
قالت وقد رأت اصفِراري مَنْ بِهِوَتَنَهَّدَتْ فأجَبْتُها المُتَنَهِّدُ
قال أبو الفتح التنهد التنفس بغلواء وشدة.
قال أبو القاسم: هذا لا يعرف في العربية وإنما يقال نهد ثدي المرأة إذا خرج فهو ناهد ومنه نهد الرجل بزحفه إذا خرج للحرب، ومنه ثدي نواهد ونهد لخروجهن، قال عمر بن أبي ربيعة:
وَنَاهدة الثَّدْيَينِ قلت لها ابْرُكيعلى الرَّمل في دَيمومة لم تُؤسَّدِ
قال أبو العباس:
حال الوشاح على قَضيبٍ زَانَهرُمَّانُ صدرٍ ليس يُقْطَفُ ناهِدُ
وذم بعض العرب امرأة فقال ما فوها ببارد، ولا شعرها بوارد، ولا ثديها بناهد.
وأما قول المتنبي تنهدت أي تكلفت إخراج صدرها وثديها افتتاناً له واختبالاً لقلبه كما قال الآخر:
قَامَتْ تُريكَ خَشْيَةً أنْ تُصْرَماسَاقا بخَندَاه وَكَعْباً أدْرَما
وقال المتنبي:
فَرَسْتَنا سَوابِقَ كُنَّ فيهِفَارَقَتْ لِبْدَهُ وَفيها طِرادُهْ
قال أبو الفتح أي في جملة ما حبانا به يعني خيلاً أي جعلتنا فرساناً وفارقت لبده أي انتقلت إلي وكانت له، وفيها طراده أي صرت من صحبته وفي جملته فإذا سار إلى موضع سرت معه وطاردت بين يديه فكأنه هو المطارد عليها إذ كان ذلك له ومن أجله. وقوله فيها أي عليها كقول الله تعالى جده:) وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذوعِ النَّخْلِ (أي على جذوع النخل.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن هذه الخيل التي قادها إليّ ابن العميد فارقت ما كان يجللها من آلات الركوب لانتقالها إلى ملكي، وطراده إلهاء لابن العميد يعني ما عودها من الطراد ملاقاة الفرسان باق فيها وليس المتنبي ممن طارد بين يدي ابن العميد أو انحاز إلى جملته.
قال المتنبي:
يُغَيِّرُ ألوانَ الليالي على العِدىبِمَنشورةِ الراياتِ مَنْصورَةِ الجُّنْدِ
قال أبو الفتح: أي عادة الليالي السواد فإذا سارت عساكره والنيران معها إما للاستضاءة أو لإحراق بلاد أعاديه زال سواده وتغير لونه.
قال أبو القاسم: ليس للاستضاءة والإحراق فائدة ولا عرف في الشعراء وإنما معنى البيت قول مسلم بن الوليد:
إذا غَزَا بَلَداً سارَتْ عَساكِرُهُكالليل أنْجُمُهُ الخِرْصانُ والأَسَلُ
وإنما عنى المتنبي أنه يشق ظلمة الليل ويجوب سواده بلألاء الحديد ملبوسه ومسنونه.
وقال المتنبي:
إذا ارْتَقَبوا صُبْحاً رَأَوْا قَبْلَ ضَوْئِهِكَتائِبَ لا يَردى الصَّباحُ كما تِرْدي
قال أبو الفتح: هذا البيت تفسير الذي تقدمه وشبهها بالصباح لسرعتها وانتشارها.
قال أبو القاسم: ليس بين البيت وبين ما تقدمه مناسبة بل كل واحد منفرد بذاته قائم بمعناه. ومعنى البيت إذا بايت ابن العميد الأعداء فراقبوا الصبح خائفين وقوع الغارات عليهم رأي الأعداء قبل انفجار الصبح كتائب تنتشر زحفاً وجمعاً والعرب تتغاوَ صباحاً وتتنادى عشاءً، ويقولون هم فرسان الصباح ومصابيح العشي، قالت الخنساء:
يُذَكِّرُني طُلوعُ الشمس صَخْراًوَأذْكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمْسِ
وقال المتنبي: سَيْفُ الصدود على أعلى مقلَّدِهِ قال أبو الفتح في الفسر الكبير: المصراع الثاني من هذا البيت ساقط ولم أقرأه في ديوانه، قال أبو القاسم أنشدني الدهم من الرواة بديار ربيعة ومضر، والشام، وشيراز، مصراع هذا البيت وهو:
سيفُ الصدودِ عليَّ أعلى مُقلّدهِولَحْظُهُ منهُ أدنى من مُجَرَّدِهِ
وقال المتنبي:
وَأجفَلَ بالفراتِ بذو نُمَيروَزَأرُهُمُ الذي زَأروا خُوارُ
فَهُمْ حِزَقٌ على الخابورِ صَرعىبهم من شُرْبِ غيرهم خُمارُ
قال أبو الفتح: أي قصد غيرهم فظنوا أنه أرادهم فأجفلوا بين يديه فتقطعوا.
قال أبو القاسم: ليس معنى البيت ما أراده وإنما أراد أن بني نمير صالوا صولة الأسد جرأة وإقداماً فلما لاقيتهم سقتهم سوق البقر انسلالاً منك ومخافة لبأسك كما قال في أخرى:
ألَمْ يَحذروا مَسْخَ الذي يَمْسَخُ العِدىوَيجعَلُ أيدي الأُسْدِ أيدي الخَرانِقِ
وقال في أخرى:
أُسْدٌ فَرائِسُها الأسودُ يقودُهاأسدٌ تصيرُ لهُ الأُسودُ ثَعالِبا
والبيت الثاني أنه أراق دماءهم فهو شاربهما وهم مطروحون بالعراء كمن به الخمار. فأما الخمار فإنما قالته العرب من لفظ الخمر واشتققته منه ولم يقولوا به نباذ كما قالوا به خمار لأن النبيذ ليس من كلام العرب. وضموا الخاء من خمار لأنه جار مجرى الأدواء كالصداع والزكام ولم يشذ عن هذا الباب إلا حرفه رواه أبو عمرو الشيباني بالفتح وهي السواف لداء يصيب الإبل والأصمعي يرويه بضم السين وأنشد:
أفي نابينِ نَالهُما سُوافٌتَأَلَّتْ طَلَّتي ليسَتْ تَنامُ
وأما الحران والخلاء فأعطوه الكسرة وهي للعيوب. وأما الفتحة فجعلوها للمصادر كالذهاب لكثرتها في الكلام. والخمر اشتقاقها من ثلاثة أشياء قال أبو عبيد لأنها تخامر النفوس أي تخالطها ومنه خامرني الهم. وقال غيره سميت خمراً لأنها تخمر العقول أي تسترها والخمرة السجادة لأنها تخمر مكانها أي تستره وإليه يرجع معنى الخمار لمقنعة النساء. وأنشد الأصمعي في كتاب الأبيات.
وداهيةٍ جَرَّها جارِمٌجَعَلْتَ رِداءَكَ فيها خِمارا
أي جللت بسيفك رؤوس القوم بالضرب، وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين وكشفه فقال:
سَقَيْتَ سِمامَ الرُّقْشِ بالبيضِ فَحْلَهاوَجَلَّلَتْهُ بالبأسِ والصّارِمِ الهندي
وقيل في الخمر إنها لذكاء رائحتها وطيبها من الخمرة وهي الرائحة الطيبة.
وقال المتنبي:
كأنّ شعاع الشمس فيهِففي أبصارنا عنهُ انكسارُ
قال أبو القاسم: قول المتنبي ليس ينكشف به المعنى ولا ينشرح له الصدر وهو مما استبشع منه. وأنشد الأصمعي في كتاب الأبيات لبعض العرب يذهب مذهب الشنآن والبغضاء إلا أن البيت ليس عليه مزيد في جودة اللفظ واتساق النظم ووضوح المعنى وهو:
ومولىً كأنَّ الشّمسَ بيني وبينهُإذا ما التقينا لَسْتُ مِمَّنْ أُعاتِبُه
وأما بيت الحماسة:
إذا أبصَرْتَني أعرَضْتَ عنيكأنَّ الشَّمْسَ من قِبَلي تَدورُ
فهو في المعنى مثله وفي اللفظ دونه وقد اختلف في تفسيره. وقد ذكر أبو تمام الشمس في أبيات وأجاد لفظاً ومعنى قال:
بيَّنَ البينُ فَقْدَها فَلَمَّا تَعْرِفُ فَقْداً للشمسِ حتى تَغَيَّبا
وقال:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌلدِيباجَتَيهِ فاغتَرِبْ تَتَجَدَّدِ
فإنّي رَأيتُ الشّمسَ زيدتْ مَحَبَّةًإلى النّاسِ أنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ
وقال أيضاً:
حَطَّتْ بِتُربةِ الإسلامِ أرْحُلَهاوالشَّمْسُ قد نَفَضَتْ وَرْساً على الأصْلِ
قال أبو القاسم: اعلم أن المعاني مطروحة نصب العين وتجاه الخواطر يعرفها نازلة الوبر وساكنة المدر والقرائح تشترك فيها، وإنما المعنى في سهولة مخرج اللفظ وكثرة الماء وجودة السبك. وأنا أنشدك أبياتاً معناها واحد إلا أن تفاوتها في اللفظ عظيم، قال الأعشى:
لعمري لقد لاحتْ عيونٌ كثيرةٌإلى ضوءِ نارٍ في يَفاعٍ تَحَرَّقُ
تُشَبُّ لِمَقرورينِ يَصطَلِيانِهاوباتَ على النَّارِ الندى والمُحَلِّقُ
وقال آخر:
له نارٌ تُشَبُّ بِكُلّ وادٍإذا النيران أُلْبِسَتْ القِناعا
وقال آخر:
وقلت له أقْبِلْ فإنّك راشدوإنّ على النار الندى وابنَ ثامِل
وقال الحطيئة:
متى تأتِهِ تعشو إلى ضوءِ نارِهِتجد خَيْرَ نار عندها خيْرُ مَوْقِدِ
والمعنى واحد والشعراء شركاء فيه إلا أن الحطيئة غيّر في وجوه الكل بجودة النظام وانبساط اللفظ.
وقال المتنبي:
إليك طعَنَّا في مدى كل صَفصَفٍبكل وآةٍ كلُّ ما لقيَتْ نَحْرُ
قال أبو الفتح: أي سرنا على هذه الإبل فبلغنا من قطع الأرضين الواسعة ما تبلغه الطعنة إذا صادفت نحراً أي فأغنينا كل الغناء.
قال أبو القاسم: الوآة تأنيث وأى، وأكثره نعت الخيل. قال الأسعر الجعفي:
راحوا بصائرهم على أكتافهموبصيرتي يعدو بها عَنَدٌ وأى
ومعنى البيت أنه أسرع بها السير في قطع المسافة فكانت كالطعنة في النحر وأراد بالنحر المنحور كالسكب بمعنى المسكوب. وقال في أخرى يصف فرساً:
وأصْرَعُ أيَّ الوحشِ قَفَّيتُهُ بِهِوَأنْزِلْ عنهُ مثلَهُ حينَ أركَبُ
وأول هذه القصيدة:
أطاعِنُ خَيلاً من فوارسها الدَّهْرُوحيداً وما قولي كذا وَمَعي الصَّبرْ
وقد عرب المتنبي بهذا النظام لأن المصراعين مختلفان في الجزالة والركاكة. وكذلك بيته الآخر:
أعلى الممالكِ ما يُبنى على الأسَلِوالطَّعْنُ عِنْدَ مُحبّيهنَّ كالقُبَلِ
وقال المتنبي:
يَقيدانِ في أحَدِ الهَوادِجِ مُقْلَةًرَحَلَتْ وكانَ لها فؤادي مَحْجِرا
قال أبو الفتح: أي لما فقدتها فكأني فقد قلبي ضياءه فبقيت ذاهلاً ساهياً.
قال أبو القاسم: معنى هذا البيت أن هذه المرأة كان محلها قلبي تراه مقلة وجعل الفؤاد محجراً لصنعة الشعر كما قال العلوي:
ظِباءً مكانِهُنَّ النُّفوسُنوافرُ عن مقلة الرامقِ
وقال المتنبي:
وتَرى الفَضيلةَ لا تَرُدُّ فضيلةًالشمس تشرق والسحابَ كَنْهورا
قال أبو الفتح: أي إذا رأتك هذه المرأة رأت منك الفضيلة مقبولة غير مردودة كالشمس إذا كانت مشرقة والسحاب إذا كانت كنهورا وهي القطع من السحاب العظام تريد وضوح أمره وسعة جوده.
قال أبو القاسم: رواية أبي الفتح بضم التاء ولا يصح للبيت معنى على هذا وإنما الرواية الصحيحة التي قالها المتنبي لا ترد بفتح التاء. ومعنى البيت أن فضيلتك في علوم العرب لا ترد فضيلتك في علوم العجم لتناسب الفضائل كما أن الشمس تشرق في أفق من السماء والسحاب في أفق آخر. والكنهور ذكر أبو عبيد في الغريب المصنف أن الكنهور قطعة من السحاب منفردة في جانب من السماء ولم ينشد فيه شيئاً، وقد قال فيه الشماخ:
على أمّ بيضاءَ السَّلامُ مُضاعفاًعليهنّ وَلْتُسْقَ السّحابَ الكَنهورا
ومثال كنهور فنعول وأصل الكلمة الكاف والهاء والراء. والكنهور لتراكبه وغلظه يرجع إلى معنى الكهر وهو الزجر والتجهم يقال سألني فلان فكهرته وانتهرته أي تجهمت له وزجرته والكهر شدة وقع الشمس قال عدي:
فإذا العانَةُ في كَهرِ الضحىدونها أحْقَبُ ذو لَحمٍ زِيَمْ
وقال المتنبي:
ذَمَّ الدمستق عينه وقد طَلَعَتْسودُ الغمام فظنوا أنها قَزَعُ
قال أبو الفتح: القزع من السحاب القطع المتفرقة أي لما رأى السواد من الجيش مخالطه بياض الحديد انكسر فأمر عينيه لأنهما تريان الواحد أسود أبيض. والقزع من الغيم ما هو أبيض رقيق وأسود أيضاً وهو من الأضداد.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الدمستق ظن بعسكر سيف الدولة وهو على الغيب قلة الجمع ونزارة العدد فلما طلعت عساكره بسواد زحزفها وكثرة جموعها ذم ما ظن وخطأ ما قدّر. والقزع القطع من السحاب فحسب، وفيه أنشد ابن السكيت: إنَّا إذا قَلَّتْ طَخارير القَزَع وقال ذو الرمة يصف قانصاً على رأسه أنباذ شعر:
مُقَزَّعٌ أطلسُ الأطمارِ ليسَ لهُإلا الضِّراءُ وإلا صَيدها نَشَبُ
وذكر ابن دريد أن القزعة القملة الصغيرة وقالوا قُنْزُعة الديك هي فُنْعُلَه.
وقال المتنبي:
أُحِبُّكِ أو يقولوا جَرَّ نَمْلٌثَبيراً وابنُ إبراهيمَ رِيعا
قال أبو الفتح: وهذا كقول الطائي:
وَمَكارِمٍ عُتْقِ النِّجارِ تَليدَةٌإن كان هَضْب عَمايَتَينِ تَليدا
قال أبو الفتح: فكان لا يُشك أن هضب عمايتين قديم كذا لا يُشك في مكارمه.
قال أبو القاسم: ليس بين البيتين تشابه أما بيت المتنبي فمعناه أحبك أبداً فعلق تأبيد حبه بما علق، وأما قول أبي تمام فإن معناه أن الممدوح على سمت أوليه وأسلافه ومكارمه موروثة قديمة. لا كمن سما أصله وسقط فرعه. كقدم هذين الجبلين قال زهير:
ومَا يَكُ مِنْ خَيْر أتوهُ فإنَّماتَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ
وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلا وَشيجُهوتُغْرَسُ إلا في مَنابِتِها النَّخْلُ
وأنشد الجاحظ في الحيوان:
وَقَدْ عَرَفَتْ كِلابُكُم ثيابيكأنّي منكمْ وَنَسيتُ أهلي
نَمَتْ مِنكَ في بني شَمْجى فُروعٌلها ما شئتَ من فَرْعٍ وأصْلِ
والمتنبي في هذه القصيدة ذكر بيتا وهو يتبع موطئ قدم الطائي إلا أن سرقته غير مرتضاة وهو:
ذراعنا عدواً دملجيهاتظن بزندها زنداً ضجيعا
وقال أبو تمام:
ظلمتك ظالمة البرين ظلوموالظلم من ذي قدرة مظلوم
وقال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيهكأن عليه من حدق نطاقا
قال أبو الفتح: تثبت أي تؤثر لنعمته وبضاضته وتحدق به من كل وجه فتصير حوله كالنطاق وهو الخيط الذي يشد به الوسط.
قال أبو القاسم: قول أبي الفتح تثبت تؤثر ليس الثبات من التأثير في شيء، والبضاضة لا توصف بها الخصور وإنما هي صفة الواعد والأرداف قال عمر بن أبي ربيعة:
حسروا الأكمة عن سواعد بضةفكأنما عليه من حدق نطاقا
وإنما توصف الخصور بالدقة والاندماج كما سمعت الشعراء يقولون:
عجزاء ممكورة خمصانة قلقعنها الوشاح وتم الجسم والقصب
وقال الآخر: هيف الحضور قواصد النبل قتلننا بذا حظ نجل ومعنى البيت أن أبصار الناظرين تثبت على رؤية خصرها لاندماجه وحسنه فلا تزول عنه إعجاباً به واستحساناً له. كما قال ابن المعتز في نعت الوجوه:
منظره قيد عيون الورىفليس خلق يتعداه
وقال أبو تمام:
لها منظر قيد النواظر لم يزليروح ويغدو في خفارته الحب
وقال المتنبي:
يحاجي به ما ناطق وهو ساكتيرى ساكتاً والسلف عن فيه ناطق
قال أبو الفتح: يحاجى به أي يغالط ويعابي.
قال أبو القاسم: الأصل في ذلك أحجية العرب وأدعيتهم والجمع أحاجي وأداعي وهي الأغلوطة يتخاطبون فيما بينهم بها، وأخبنا أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن مجاهد عن محمد ابن الجهم عن الفراء عن أبي ثروان في أحجية العرب وهي ما ذو ثلاث آذان يسبق الخيل بالرديان قال هو السهم وآذانه قذذه الثاث. وأنشد الباهلي في الأبيات:
أداعيك ما مستصحبات على السرىحسان وما آثارها بحسان
قال هي السيوف وآثارها القطع. وأنشد الأصمعي في آخر كتاب الأبيات:
وما مائل عند القتال برأسهوما راكب في الحرب قد مات طائره
يعني المح وقذذ السهم.
وقوله يرى ساكتاً والسيف عن فيه يقول ضربه بسيفه ينطق بسالة صدره، كما روي ابن دريد في الجمهرة أنهم قالوا في صفة علي رضوان الله عليه: كان علي إذا سطا قد وإذا استعرض قط فكانوا إذا رأوا هاتين الضربتين حكموا أنها لذي الفقار.
وقال أبو الفتح في هذا البيت إذا قيل من اجتمعت فيه هذه الأوصاف المضادة، والجواب هو فلان.
وقال المتنبي:
كيف ترثي التي ترى كل جفنرءاها غير جفنها غير راق
قال أبو الفتح: أي إذا رأت كل جفن أبصرتها غير راق من الدمع ظنت ذلك خلقة في الناس قلم ترث منه لأحد. وقوله غير جفنها أي جفنها وحده راق لأنها لا تعشق نفسها فتدمع عينها.
قال أبو القاسم: أما قول أبي الفتح لا تعشق نفسها فتدمع عينها ليس بشي وإنما المعنى أنها لم تذق طعم العشق فهي غافلة عنه فلا تبكي كما قالت الشعراء وأحدهم عمر بن أبي ربيعة:
وكنت إذا ما حدث الناس بالهوىضحكت وهم يبكون من حرقات
فصرت إذا ما قيل هذا متيمتلقيته بالنوح والعبرات
أي عشقت صرت مثلهم.
وقال المتنبي:
يا ابن من كلما بدوت بدا ليغائب الشخص حاضر الأخلاق
قال أبو الفتح: أي لشدة شبهك بأبيك إذا رئيت فكأنه رئي.
قال أبو القاسم: البارع في هذا المعنى قول سعيد بن عمرو بن العاص حين قال له معاوية بما أوصى أبوك فقال: أوصاني ألا يفقد إخوانه إلا وجهه. فلما سمعه معاوية قال: إن ابن عمرو هذا لأشدق بهذه الكلمة.
وقال المتنبي:
والأسى قبل فرقة الروح عجزوالأسى لا يكون بعد الفراق
قال أبو الفتح: النصف الأول من البيت احتجاج على من يشح بنفسه. ومصراعه الثاني اعتذار له لأنه إذا فارق الروح الجسد لم يصح هناك أسىً ولا صبر والأسى واقع لا محالة في الدنيا فلا بد إذاً منه.
قال أبو القاسم: أول هذا:
إلف هذا الهواء أوقع في الأنفسأن الحمام مر المذاق
وما أورده أبو الفتح عبارات فارغة، والمعنى أن حب الإنسان الحياة أمر الموت في نفسه ثم ذكر في البيت الثاني إن جزع الإنسان من الموت قبل إتيانه عجز به فإذا مات فالجزع معدوم أصلاً.
وأنشد الجاحظ في الأبيات:
لا يملأ الهول صدري قبل وقعتهولا أضيق به صدراً إذا وقعا
وقال المتنبي:
فلا غيضت بحارك يا جموماعلى علل الغرائب والدخال
قال أبو الفتح: غيضت نقصت، وبئر جموم كثيرة الماء، والغرائب الإبل الغريبة ترد الحوض والناس يسقون، والدخال أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليعرض على الماء ثانية. يدعو له يقول لا نقصك الله فإنك ثابت الكرم والعطاء إذا كدرت بوفود العفاة عليك. كما تجم البئر الكثيرة الماء إذا كثر ورادها.
قال أبو القاسم: تقول العرب في كلامها لأضربنك ضرب غرائب الإبل ولأعصبنك عصب السلمة. وإنما ذكر المتنبي الغرائب لأنها تضرب أشد الضرب وتذاد أعنف الذود كما قال الحارث بن حلزة:
فجئنا بهم قسراً تقود سراتهمكما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
وذكر أبو عبيد في الغريب المصنف أن الدخال إن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا لقلة الماء وأنشد قول كعب بن زهي يصف الأتن والعير:
فأوردها ظلمة بالعراكبالا عراك وألا عطونا
معنى البيت انه يعطى للأبعد فالأبعد فضلاً عن الأقرب فالأقرب، وإلى هذا ذهب أبو تمام في مدح ابن طوق:
الود للقربى ولكن عرفهللأبعد الأوطان دون الأقرب
وقال المتنبي:
يشمر لج عن ساقهويغمره الموج في الساحل
قال أبو الفتح: كان يموه هذا الخارجي بحسره عن ساقه عند الماء يرى انه يخوض وأراد بذلك أن يموه.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن هذا الخارجي لما ادعى النبوة افتراء اكتفته البلايا والشدائد لبطلانه وهو في مبتكر أمره فكيف يكون إذا توسط أمره وتسامع به الناس وتألبوا عليه لقتله.
وقال المتنبي:
بذِي الغَبَاوَة من إنشادها ضرركما تضر رياح الورد بالجعل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع