من «الواضح في مشكلات شعر المتنبي» لأبي القاسم الأصفهاني (ت نحو ٣٨٠هـ)
الواضح في مشكلات شعر المتنبي (٣)
قال أبو الفتح: الجعل إذا ألقي عليه الورد مات وإن كان الورد محبوباً إلى ذوي الحواس الصحيحة.
قال أبو القاسم: الجعل لا يموت بالورد ولا تفارقه روحه وإنما تسكن حركته.
وقال المتنبي:
بنفسي وَليدٌ عاد من بعد حملِهِإلى بطن أمٍّ لاَ تُطَرِّقُ بالحَمْل
قال أبو الفتح: يعني بالأم الأرض هاهنا. ويقال طرقت الناقة إذا نشب ولدها في رحمها.
قال أبو القاسم: تقول العرب طرقت الحامل إذا أراد حمله) كذا (أن يخرج من بطنه، وطرقة المولود رجلاه ورأسه ومنه قول الراجز يصف جارية ضربها المخاض: أيَا سَحَابُ طَرِّقِي بِخَيْر وقال الأخر:
وقد تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جنبِ غَزْهانَسِيفا كأُفحوص القَطَاة المُطَرِّقِ
طرقت القطاة إذا خرج بيضها من جوفها ففحصت الأرض لتضعه فيه.
وقال المتنبي:
شدِيدُ البُعْدِ من شُرْب الشَّمولتُرُنْجُ الهِند أوْ طَلْعُ النَّخِيل
قال أبو الفتح: أي أنت شديد البعد من ذاك وبين يديك الترنج وطلع النخيل فحذف المبتدأ من الأول والخبر من الثاني.
قال أبو القاسم: معنى البيت انه يعني أمرين متصلين كان فيهما سيف الدولة وهو يستعرض الخيل، الكر والفر، والسلم والحرب، كما أن من يشتهي الشرب عند الجمع بين ترنج الهند وطلع النخيل يتعذر عليه. وليس يريد أن بين سيف الدولة ترج الهند والطلع.
وقال المتنبي:
إذا كن شَمُّ الرَّوْح أدنى إليكمفلا برِحَتْني رَوْضَةٌ وَقَبْول
قال أبو الفتح: أي إن كنتم تؤثرون في قوله لا برحتني، لا زلت، ونما معنى لا برحتني لا فارقتني من قولهم برح الخفاء أي زال ومنه البارحة الليلة الماضية لأنها برحت أي زالت.
وقال المتنبي:
وَأضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَه من قُباقِبٍفأضحى كأنّ الماء فِيهِ عَلِيل
قال أبو الفتح: سألته عن هذا البيت قال المتنبي: إن الخيل لما عبرت قياقب وهو نهر هناك جار كادت تسكر بقوائمها ماءه أن يجري فصار كأنه عليل لضعفه عن الجريان.
قال أبو القاسم: الكلام في قباقب أنه وفاق بين لسان العربية والعجمية. وذكر ابن دريد حكاية عن بعضهم أنه قال: ما تفلح العام ولا قاب ولا قباقب. وهو الثالث من الأعوام. وفي الإصلاح روى ابن السكيت حرفاً واحداً على فعالل وهو قول الشاعر:
خُنَادِفٌ لاحق بالرأس مَنْكِبُهكأنَّه كَوْدَنٌ يُوشي بكُلاَّب
الخنادف القصير العنق. وذكر أبو عبيد في الغريب المصنف من هذا البناء في تضاعيف الكتاب قرابة أربعين اسماً. فأما ابن دريد فقد عقد عليه بابا في كتاب الجمهرة زائدا على مائة وثلاثين اسما هاهنا موضع ذكرها فمن أرادها فليقصد الأبنية في آخره.
وقال المتنبي:
أطاعتك في أرواحها وتصرفتبأمرك والتفت عليك القبائل
قال أبو الفتح: وقوله والتفت عليه القبائل كقوله:
يهز الجيش حولك جانبيهكما نفضت جناحيها العقاب
ويجوز أن يكون أراد إحداق نسبها بنسبه أي هو واسط فيه والأول أشبه.
قال أبو القاسم: أما استشهاد أبي الفتح يهز الجيش على البيت وهو أطاعتك في أرواحها فكلام موضوع في غير موضعه.
ومعنى البيت الأول أن العرب منقادة طاعتك تنصف على أمرك ونهيك بالحفوف والمسارعة وأنت ولي أمرها والقيم بحربها وسلمها وأكد هذا لمعنى بما مثله به وهو:
وكل أنابيب القنا مدد لهوما تنكث الفرسان إلا العوامل
والمتنبي تبع البحتري فيه حيث يقول:
في فتية طلبوا غبارك أنهرهج ترع عن طريق السؤدد
كالرمح فيه بضعة عشرة فقرةمنقادة خلف السنان الأصيد
وقال المتنبي:
بسط الرعب في اليمين يميناًفتولوا وفي الشمال شمالاً
قال أبو الفتح: هذا من قول الله تعالى:) ترونهم مثليهم رأي العين (.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه لما لاقى سيف الدولة الأعداء أخذتهم المخافة من الجانبين فوقوا على أدبارهم يمنة ويسرة منهزمين. وأما قول الله جل وعلا:) ترونهم مثليهم رأى العين (فإنما هو مضاعفة العدد في المشاهدة والعيان.
وقال المتنبي: مُحِبي قيامي ما لذلكم النصل: بريئاً من الجرحى سليماً من الفضل قال أبو الفتح: أبا من يحب قيامي عنده وتركي الأسفار، ونصب البريء السليم على الحال.
قال أبو القاسم: معنى البيت يا من يحب قوامي بالأمر الذي هم به والعلا التي أطلبها ما بال السيف معلقاً بغير قتل ولا جرح لأن من يطلب ما طلبه يخوض الدماء ويركب الغمرات، وما ذكره أبو الفتح في القيام وترك الأسفار ليس يذهب على المبتدئين لأنه يقال المسافر وضده المقيم وفي كتب الفقه في المسح على الخفين لمسافر يوم وليلة وللمقيم ثلاث أيام ولياليها. وأما القيام فله في العربية معنيان يقال قمت قياماً إذا نهضت عقيب الجلوس وقمت بالأمر إذا توليته وأعنقته ورجل قائم بالأمر وقيم وقوام منه قول الله تعالى) الرجال قوامون على النساء (، وأنشد أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن مجاهد عن سلمة في كتاب الأبيات:
وأربعة قامت على غير أرجلقيام امرئ في الناس ليس بذي عتبة
فأبدت فيها كي يقال مؤبدوملت على جنب فعرضت في جنب
فقوله قامت على غير أرجل أي قامت بالأمر وتولته هذا كما يقال سعى فلان إذا ذهب وسعى إذا قام بالمر واعتنق حلاً يدبرها ما قال زهير: سعى بعدهم قوم فلم يدركوهم وقال الآخر:
أسعى على جل بني مالككل امرئ في شأنه ساع
وذكر الفراء في القوم أنهم جمع قائم وأنشد أبو محلم صاحب الطاهرية:
طاف من سلمى خيالمنع النوم الرفادا
قال في تفسيره: إن النوم جمع نائم مثل قائم قوم صائم وصوم.
قال المتنبي:
وضاق الأرض حتى كان هاربهمإذا رأى غير شيء ظنه رجلاً
قال أبو الفتح: أراد إذا رأى غير شيء محفول به ومفكر فيه، قد جاء للعرب نحو ذلك يقولون: إنك ولا شيئاً سواء، والتسوية لا تقع إلا بين شيئين فصاعداً فكأنه قال إنك وشيئاً لا يعبأ به سواء ونحوه قول الله سبحانه) خلقتك من قبل ولم تك شيئا (أي شيئاً مذكوراً، وذلك أن المعدوم عندنا يسمى شيئاً.
قال أبو القاسم: الهارب والمنهزم شتى الرأي متوزع القلب يرى ما لا يرى ويسمع ما لا يسمع ولو كان هناك شيء في الحقيقة موجوداً وظنه رجلاً لكان الآمن والخائف في رؤيته سواء ومنه قول جرير:
وابنُ المراغة عَائِذ من خَوْفِنَابالوَسْمِ مَنْزِلَةَ الذلِيل الصّاغر
يَخْشَى الرِّيَاحَ بأن تَكُونَ طليعةًأوْ أن تكون به عقوبةُ بادر
قال المتنبي: لَوْ كَانُ يُبْلِي السَّرطَ تَحْرِيكٌ بَلِي قال أبو الفتح: أي هو في النحول والضمر كالسوط وهو مستحب في الكلب، فكما أن تحريك السوط لا يؤثر فكذلك عدو هذا الكلب لا ينال منه ولا ينقصه.
قال أبو القاسم: ليس يعني جسم الكلب ولا يصفه وإنما يصف ذنب الكلب فلذلك شبهه بالسوط، وأول القطعة:
ذِي ذَنَبٍ أجْرَد غَيْر أعْزَلكَأنَّهُ من جسمهِ بمَعْزِلِ
لو كانَ يُبْلِي الّسَّوْط تحريكٌ بَلِي قال المتنبي:
أنْتَ نقيضُ اسمِهِ إذاَ اختلففَوَاضِبُ الهِنْدِ وَالقَنَا الذُّبُلُ
قال أبو القاسم: قول المتنبي أنت نقيض اسمه كان اسم الممدوح بدر بن عمار والبدر يسمى لتمام دائرته وامتلائها كالبدرة لتمام العدد ومنتهاه، وضده المحاق لتمحق دائرته ونقصانها أي إذا توسطت الحرب محقت الأعداء قتلاً وأسراً.
وقال المتنبي:
وإنِّي لتَعدُو بِي عَطَايَاك في الوَغَىفَلاَ أنَا مَذْمُوم أنْتَ نَادِمُ
على كلّ طيَّار إليها بِرِجْلِهإذَا وَقَعَتْ فِي مِسْمَعَيْهِ الغَمَاغِم
قال أبو الفتح: أي عدوه في سرعة طيران الطائر، وفيه طرف من قول القائل:
جاء كلمع البرق جاشَ ماطرهتَسبحُ أُولاهَ وَيَطْفُو آخِره
مَا إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلاّ حَافِرهُ قال أبو القاسم: المعنى مخفى بحاله وإنما معناه أنك مما قدت إلي في عطاياك من الخيل تعدو بي في الحروب فلا أنا مذموم بالجبن والخور ولا أنت نادم على عطاياك لحسن بلائي وغنائي. والبيت الثاني وهو على كل طيار إليها برجله ليس بينه وبين قول الراجز مشابهة. ومعنى الطيار المسرع ومنه.
طَارُوا إليه زَرَافَاتِ وَوُحْدَانَا
أي أسرعوا إليه. وقال المفسرون في قوله تعالى:) ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم (لما كان الطيران بالقوائم وهو الإسراع قيده بذكر الجناح مفروزاً لذوات الأجنحة، وأما قول الله تعالى:) وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقِه (فإنه في التفسير والله اعلم أن ما يستطيعه من الخير والشر مكتوب عليه لا يستطيع الحؤول عنه.
وعلى ذكر الطائر أنشدوه في كتاب الأبيات:
وَطَائِرَةٍ بلا قَصَبٍ وَرِيشِتطيرُ الطائِرَاتُ وَمَا تَطِيرُ
إذَا مُلِئَتْ من الحَجَر استَهَلَّتْوتَجْزَعُ أن يُلاَمِسَهَا الحَرِيرُ
يريد العين وكحلها بالإثمد.
وقال المتنبي:
فما تركن له خُلْداً بِلاَ بَصَرتحت التَراب وَلاَ بَازاً لَه قدم
قال أبو الفتح: أي لم يترك السيوف إنساناً حصل تحت الأرض منستراً بالمطامير ولا إنساناً حصل في رؤوس الجبال مع أوكار البزاة أي هرب الناس في بطون الأودية ومتون الجبال.
قال أبو القاسم: ذكر الجاحظ في الحيوان أن الخلد فارة عمياء تبصر وبلهاء لا تنصرف، وإنما المتنبي أراد ما تركت من الكفار خلداً تواري منجحراً وهو بصير ولا بازاً تحصل في قلل الجبال وله قدم.
وقال المتنبي:
دُعِيتُ بِتَقْرِيظيِكَ فِي كلّ مجلسوَظَنَّ الذِي يَدْعُو ثَذَائِي عَلَيْكَ اسْمِي
قال أبو الفتح: أي ظن الذي يدعوني فحذف المفعول، مع حكاية أوردها في جميل وبثينة، قال أبو القاسم ليس هاهنا حذف للمفعول وإنما معناه بيت البحتري:
وَما أنا إلاّ عَبْدُ نعمتِك التينُسِبْتُ إليها دون رَهْطِي وَمَنْصِبِي
وقال المتنبي:
مِلْتُ إلى مَن يكاد بينَكُمَالوْ كُنْتُمَا السَّائِلَيْنِ بنَقَسِمُ
قال أبو الفتح: ومثله قول عبد يغوث الحارثي:
وَأَعْقِرُ لشَّرْب الكِرَامِ مَطِيَّتِيوَأصْدَعُ بين القَيْنَتَيْن رِدَائياً
إلا أن ذاك صدع رداءه، وهذا قسم بينهما نفسه.
قال أبو القاسم: أما بيت عبد يغوث فإنما يريد شق رداءه للطرب اهتزاز لغناء القينتين وارتياحاً للسماح كما قال الشاعر:
ورَيمٍ فَاتِرِ الطَّرفِمَلِيح الدَّلِّ مَغْنُوجِ
سقانِي من كُمَيْتِ اللَّوْنِ صِرْفاً غَيْرَ مَمْزُوجِ
فلمَّا دَارت الكأسُعَلى النَّايِ بَتصْنِيجِ
وغَنَّى فِي حَنِين الزِّيرِ وَالمَثْنَى بِتَهزِيجِ
جعَلْنَا القمص فِي اللَّبَّات أمثال الَّوَاوِيجِ
وقال المحدث:
فَبِتْنَ وَاللَّيْلُ دَاجٍ في غياهبهمِثْلَ الغَلاَئِلِ قد شُقَّتْ من الطَرب
وأما عديل بيت المتنبي فقول أبي تمام:
وَلوْ لم يكن في كفِّهِ غَيْرُ رُوحهلجَادَ بِه فليتَّقِ اللهَ سائِلُه
وقال المتنبي:
سَلَّة الرَّكْضُ بَعد وَهْنٍ بِنَجْدٍفتصدىّ للغَيْث أهلُ الحجاز
قال أبو الفتح: سمعت أن أهل الحجاز فيهم طمع.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه لما سل سيف أضاء إضاءة البرق فانتظر مطره أهل الحجاز، وذكر الحجاز لأجل القافية كما أن أبا تمام حيث وصف الظبية فقال:
كالظَّبية الأدْمَاءِ صافت فارتَعَتْزَهرَ العَرَارِ الغَضَّ والجَثْجَاثَا
فذكر الجثجاث لأن الظبية لا تحسن عليه دون سائر الأعشاب بل للقافية. وتشبيه لمع السيف بالبرق في سلته متداول في الشعر قال أبو تمام:
برقٌ إذَا بَرقُ غيث لاح مختطفاًلطَّرْف أصبح للأَعناق مُخْتَطِفاً
وقال المتنبي:
نَهَبْتَ من الأعمار ما لَوْ حَويْتَههُنِّئَت الدنيا بأنَّك خَالِد
قال أبو الفتح: لهنئت الدنيا بأنك خالد هو موجه.
قال أبو القاسم الموجه من الثياب الذي له وجهان في القطع كل واحد يصلح أن يكون ظاهراً، وأما الموجه من الشعر فمشبه به وهو ما كان البيت بأسره يحتمل معنيين متضادين ووجهين متقابلين وأنشد ابن الإعرابي فيه:
فجُنَّبْتَ الجيُوشَ أبا زُنَيْبٍوجادَ على منازِلِكَ لسَّحَابُ
قال ابن الإعرابي: هذا موجه يحتمل أن يكون دعا له أن يجنب الغارات وبعث الجيوش ويسقط الربيع بأرضه أكلاً للنعم والغنم، ويحتمل أن يكون دعا عليه بأن يبقى قرع الفناء خالي المراح لا تطمع الجيوش قفي قصده ولا يجنب مع هذا سقي السحاب فيكون اشد عليه لأنه إذا كان عشب جنابه ولم يجد رائعة كان أشد عليه وهم يقولون مرعى ولا أكولة وكلأ ييجع منه كبد المصرم قال الشاعر:
وَخَيْفَاء ألقَى الليثُ فيَها ذِرَاعَهفسَرَّت وَسَاءَت كُلّ مَاشٍ ومُصْرِم
أي سرت المكثر لسعة مراتع نعمه وساءت المقبل لوفور النبات وعدم راعيته.
وقال المتنبي:
منَافِعُهَا ما ضَرَّ في نَفْعِ غَيْرِهاتَغَذَّى وَتَرْوَى أن تَجُوعَ وأنْ تَظْمَا
قال أبو الفتح: يحتمل هذا تأويلين: أحدهما أن يكون منافع جدته التي رثاها مستفادة عنده من الجوع والظمأ يريد عفتها وقلة مطمعها ومشربها فإنها مواصلة للصوم، والثاني ان يريد أن منافع الأحداث في الجوع والظمأ أي تهلك أهل الدنيا لأن ذلك من عادة الحوادث. ويشهد لهذا التأويل الثاني في قوله: كالمَوْتِ ليسَ لهُ رِيٌّ وَلاَ شِبَع قال أبو القاسم: معنى البيت مشهور في أشعار العرب والمحدثين وهو أنها تؤثر غيرها فترضى بأن تجوع لإشباع من سواها وتظمأ وتروى غيرها ومنه قول الأسعر:
لَكِنْ قعِيدَةُ بَيْتِنَ مَجْفُوَّةٌبادٍ جَنَاجِنُ صَدْرِهَا ولَهَا غِنّى
أي تبسر غيرها بالزاد وتجفو نفسها بالإجاعة وأما استشهاد أبي الفتح بقول المتنبي: كالموت ليس له ري ولا شبع فايس بينهما علقة وإنما يعني أن سيف الدولة لا تنتهي مغازيه ولا فتوحه فكلما غزا بلداً أو فتح صعقاً سار إلى غيره كالموت لا يروى من قبض الأرواح ولا يشبع، ومثله في بعض ممدوحيه:
لوْ نِيطت الدّنْيَا بأخرى مثلِهالعَمَمْتَهَا وَخَشيِتُ ألاَّ تَقْنَعَا
وقال المتنبي:
أنَا لاَئمي إن كنْتُ وقتَ اللَوائِمِعلِمْتُ بما بِي بين تِلْكَ المَعَالم
قال أبو الفتح: هذا كقولك: أنا مثلك إن فعلت كذا وكذا وهو في المبالغة اليمين في الوضع منه ومبالغة في سبه.
قال أبو القاسم: معنى البيت بحاله مستور ما فسر وإنما معناه أنا فاعل ما استحق اللوم عليه من الأفعال الذميمة إن علقت وقت لأمني اللوائم لما بي من الوجد والوله في منازل أحبتي وعزوب عقلي لفقد سكانها، ومثله:
إنْ كانْ ما بُلِّغْتِ عنِّي فَلاَمَنِيصَديقي وَشلَّتْ من يَدَايَ الأنامل
وقال المتنبي:
عيونُ رَوَاحلي إن حِرْتُ عَيْنِيوَكُلُّ بُغَامِ رَازِحَةِ بُغَامِي
قال أبو الفتح: حرت أي تحيرت، والبغام صوت الناقة المعيية وسألته عن هذا فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني وبغامهن بغامي أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن كما تقول إن قلت كذا وكذا فأنا مثلك، ومثله قوله أيضاً: أنا لائمي البيت.
قال أبو القاسم: قاعدة علل أبي الفتح إذا أعياه معنى البيت أن يسنده إلى المتنبي أو يقول: هذا حصلته عليه، أو يقول: بهذا أجابني وقت الاجتماع معه، والغريق يتعلق بما يرى. وإنما معنى البيت أن عيون إبلي تهتدي إلى الطريق وسلوكه لاعتيادها قطع الأسفار وإلفها سلوك المفاوز فكلما تحيرت فهن هادياتي وإذا ضللت كن مرشداتي، والبيت الأول يدل على ما قلت وهو:
ذَرَانِي وَالفَلاَةَ بِلاَ دَلِيلووجهِي وَالهَجِير بِلاَ لِثَام
وقال أبو تمام يصف الإبل:
المُرْضِيَاتِكَ مَا أرغَمْتَ أَأْنُفَهَاوَالهَادِيَاتِكَ وَهْيَ الشُّرَّدُ الضُّلُلُ
وقال المتنبي:
هَوِّن عَلىَ بصرٍ ما شَقّ مَنْظَرُهفإنَّما يَقَظَاتُ العَيْنِ كَالحُلُم
قال أبو الفتح: شق بصر الميت إذا فارق الدنيا أي ليهن عليك الموت فغنما الحياة كالمنام.
قال أبو القاسم: معنى البيت انه أراد هون مناظر الأشياء الشاقة الهائلة فإن رؤية العين يقظة كرؤيتها مناماً وغنما يريد الاستهانة بالشدائد والاستخفاف بالمخاوف، وذهب في هذا البيت مذهب السوفسطائية، شق معناه أتعب وكد والهاء في قوله شق منظره راجعة على المنظور إليه وليس من حديث الميت في شيء حسب ما ذهب إليه أبو الفتح: وقال المتنبي:
وَخَيْلٍ حَشَوْنَاهَا الأُسِنَّةَ بَعْدَمَاتَكَدَّسْنَ مَنْ هَنَّا علينَا ومِن هَنَّا
ضُرِبْنَ إلَيْنَا بِالسِّيَاطِ جَهَالَةًفَلَمَّا تَعَارَفْنَا ضُرِبْنَا بِهَا عَنَّا
وقال أبو الفتح: كانت خيل الروم رامت جيش سيف الدولة فظنته جيشها فجاءته مسترسلة فلما عرفت أنه جيش المسلمين ولت هاربة.
قال أبو القاسم: معنى البيت رب خيل أوسعناها طلعنا بالرماح بعد أن اكتنفتنا من هنا وهنا، والتكدس أن تكتف الخيل في مشيها وحضرها وهو من علامات عتقها وجودتها قال
وَخَيْل تَكَدَّسُ بِالدّارِعينَ مَشْيَ الوُعُولِ على الظَّاهِرَة
ومنه أكداس الحنطة لما يرفع من حصائدها وقد ذكره المتلمس في شعره.
ومعنى البيت الثاني للمتنبي أن الروم أقبلت علينا جهالة بغنائنا في الحرب وبلائنا من القتال فلما رأوا مشابتتنا لهم ومقاومتنا إياهم هزمن بنا عن محاربتنا.
وقال المتنبي:
وَتَوَقَّدتْ أنْفَاسُنَا حَتَّى لقَدْأشْفَقْتُ تَحْتَرِقُ العَوَاذِل بَيْنَنَا
قال أبو الفتح: إشفاقه على العواذل أن يحترقن مع بغضه إياهن أنه خاف أن ينم احتراقهن على ما كان فيه من حرارة أنفاسه أو احتدام موقعها.
قال أبو القاسم: معنى البيت ظاهر في اللفظ والأنفاس في صعدائها على العشاق لا تحتاج إلى احتراق العواذل للنميمة، وليس لبعض العواذل مدخل في المعنى ولا لنميمة الاحتراق محل.
وقال المتنبي:
أمْسَى الذِي أمْسَى برَبِّكَ كافراًمن غيرِنَا مَعَنا بفضلِك مُؤْمنا
قال أبو الفتح: أمسى من يكفر بالله من غيرنا مؤمناً بفضلك معنا. أي اجتمعت على فضلك ألسنة المخالفين.
قال أبو القاسم: هذا المعنى ظاهر في اللفظ بلا تفسير وأخذه المتنبي من أبي تمام حيث يقول:
لوْ أنّ إجماعنا في فضل سؤددهفي الدين لم يَخْتَلِفْ في لأمَّة اثْنان
وأبو تمّام أخذه من عمر بن أبي ربيعة) فطرد معنى الغزل إلى المدح موريا به (حيث يقول:
وفتَاةٍ إنْ تَغِبْ شَمْسُ الضحىفَلَنَا وجهها عَنْهَا خلف
أجمع الناسُ على تفضيلهاوَهَوَاهُمْ في سوَاها مُخْتَلِفْ
وقال المتنبي:
غَضُّ الشَّبَاب بَعِيد فَجْرُ لَيْلَتِهمُجَانب الجَفْن للفَحْشَاءِ وَالوَسَنَ
قال أبو الفتح: أي تطول ليلته لسهره في الخير والشر وهو مع ذلك غض الشباب لائق بمثله الفكاهة واللذات، يمدح بذلك قاضياً.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه متهجد بالليل ساهر في أسباب الطاعات ففجره بعيد من ليلة سهره. والتعبد في الجملة حسن وهو من الشباب أحسن كما أن السخاء حسن ومن ذوي الإقلال أحسن، وهذا من باب تفاوت المحاسن وتفاضلها وهي على الجملة حسنة فاضلة.
وقال المتنبي:
تحبو الرواسم من بعد الرسيم بهاوتسأل الأرض عن أخفافها الثفن
قال أبو الفتح: يقول إذا كلت أخفاف المطي لشدة اليسر فحبت ثفناتها سألت ثفناتها الأرض فقالت: أين الأخفاف التي كانت تحمل هذا البعير. وهذا مثل ضربه لشدة السير ولا سؤال هناك.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الإبل لسيرها في هذه المفاوز وتباعد ما بين أقطارها تنقطع وتتزيل أوصالها حتى تسال الثفنات الأرض: أين الأخفاف لتباين مفاصلها، والبيت الأول يدل عليه.
فغادر الهجر ما بيني وبينكميهماء تكذب فيها العين والأذن
وقال المتنبي: كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا قال أبو الفتح: أي أفدت رقاب الناس ما بين شبيب وسيفه مخافة منها لهما.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن شأن شبيب القتل ورقاب الناس تفزعه كأن بينهما ما بين عرب الحجاز وهم قيس وعرب اليمن وهم قحطان، وهذا الذي ذكره الحسن بن هانئ:
وأطرق حيات البلاد لحيةخصيبية التصميم حين تسور
سمنت لرجال الخوف في دار أمنهمفأضحوا وكل في الوثاق أسير
وهناك عرب قيس واليمن والحرب بينهما سجال.
وقال المتنبي:
ولكن الفتى العربي فيهاغريب الوجه واليد واللسان
قال أبو الفتح: معنى غريب اليد أي سلاحه السيف والرمح وساح من بالشعب الحربة والنيزك.
قال أبو القاسم: معنى غريب اليد أي هو صاحب أسلحة الحرب وسكان الشعب سوقة مشغولون بالمكاسب.
وقال المتنبي:
غدونا ننفض الأغصان فيهعلى أعرافها مثل الجمان
قال أبو الفتح: يتخلل ضوء الشمس من فرج أغصان الشجر فيقع على أعرافها كالجمان.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الطل والرش على الأوراق والأغصان فإذا اهتزت تساقط القطر على أعراف النخيل كأنه الجمان وهو حبات الدر الصغار، ومثله قول الراجز يصف سقيط الطل على الجارح: ضار غداً ينفض صئبان المطر وقال بشر:
فأضحى وصئبان الصقيع كأنهجمان بصاحي جلده يتحدر
وقال المتنبي:
وألقى الشرق منها في ثيابيدنانيراً تفر من البنان
قال أبو الفتح: هذا البيت مثل البيت الأول.
وقال أبو القاسم: قد مر تفسير البيت الأول وعني المتنبي بهذا البيت تساقط شعاع الشمس من خلل الأوراق مدنراً كقول الآخر:
عبرياتها نثرت علينادنانيراً طبعن من الإياة
وقال المتنبي:
ومن بالشعب أحوْجُ من حَمَامإذَا غنَّى وَنَاحَ إلى البَيَانِ
قال أبو الفتح: أي هن أعاجم لا يفصحن.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن سكان الشعب أحوج إلى البيان لنعت ما فيه من الأزهار وأصباغ الربيع من الحمام في تغنيه وألحانه. وقال ابن الرومي في معنى ما ذهب إليه وأجاد في الغرض أمه:
كَرمْتُم فَجَاش المُفحمون بِمدحِكُمإذَا رَجزوا فيكم أثبتُم فَقَصدُوا
كما أزهرت جنات عدن ونورتفأضحت وعجم الطير فيها تغرد
وكرره في أخرى:
لا تحسبوني لشيءٍ غير أنعمكمأعني بعد تجديد
اسكن كما راقت القمري جنتهفظل يتبع تغريداً بتغريدِ
وقال المتنبي:
أعلى قناة الحسين أوسطهافيه وأعلى الكمي رجلاه
قال أو الفتح: سألت المتنبي عن هذا فقال مثل البيت الآخر:
ولربما أطر القناة بفارسوثنى فقومها بآخر منهم
أي اعوجت القناة لما طعن بها الفارس فصار أوسطها أعلاها.
وقال أبو القاسم: أما البيت الثاني فالقناة بحالها وهي ماطورة بالطعن كقول البحتري:
في موقف ضنك تخال به القنابين الضلوع إذا انحنين ضلوعاً
والبيت الأول للمتنبي القناة منتقفة شدة طعن فكأن أوسطها صار أعلى.
وقال المتنبي:
تبل خدي كلما ابتسمتمن مطر برقه ثناياها
قال أبو الفتح: أي بريق ثناياها يريد العضاض والقبل التي كانت هناك، يقول إذا ضحكت بدت ثناياها فتيل خدي بالريق من أجلها وهذا يدل على أنها كانت نكبة عليه معانقة له فيكون كقوله:
وأشنب معسول الثنيات واضحسترت فمي عنه فقبل مفرقي
قال أبو القاسم: هذا الذي قاله أبو الفتح مضحك سامعه ومعنى البيت اشهر من يوم حليمة في أشعار المحدثين ومعرفة ولدان الأدب والمعنى إن برق ثناياها إذا ضحكت مطره دموعي ولا عضاض هناك ولا عناق، وقال ابن الرومي:
وواضح أشنب به رتليعرف من شام برقه مطره
وقال غيره:
قمر نور وجههفي الدجى بكسف القمر
إن بدا برق ثغرسال من عيني المطر
وأما البيت الثاني وأشنب معسول الثنيات، البيت، فإنه يصف نفسه بالعفة والنزاهة والبيت الأول دال عليه حيث يقول:
وأجياد غزلان كجيدك زرننيفلم أتبين عاطلاً من مطوق
أي غمضت عيني من النظر عفة وتصونا ومثله قوله وهو أبلغ:
يرد يداً عن ثوبها وهو قادرويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وقال المتنبي:
تماشي بأيدٍ كلما وافت الصفانقشن به صدر البزاة حوافيا
قال أبو الفتح: يصف الخيل إذا وطأت الصفا وهو الصخر أثرت فيه نقشاً تشبه صورته صورة صدر البازي.
قال أبو القاسم: معنى البيت يحتاج إلى فضل نظر وهو أن نقش صدر البزاة متداخل بعضه في بعض وهذه الخيل التي وصفها المتنبي يقع مواطئ بعض حوافرها على مواطئ البعض فتتداخل ولا يكون هذا لفرس واحد. والحسن بن هانئ قد وصف صدر البزاة وشبهه بما لم يسبق إليه:
وأشتاب من طرازه تفويقاًوشياً ترى بسيطه مكفوفاً
مثل استراق الكاتب الحروفا وقال المتنبي:
بعزم يسير الجسم في السرج راكباًبه ويسير القلب في الجسم ماشياً
قال أبو الفتح: سار قلبه في جسمه يعني ذكاءه وتيقظ فؤاده.
قال أبو القاسم: معنى البيت انه لهول ما عزم عليه إذا ركب جسمه السرج خفق قلبه فاضطرب في الجسم جائياً وذاهباً لعظم المعزوم عليه.
وقال المتنبي:
فجاءت بنا إنسان عين زمانهوخلت بياضا خلفها ومآقياً
قال أبو الفتح: ابن الرومي لم يزد على استحسان السواد وقال:
أكسبها الحب أنها صبغتصبغة حب القلوب والحدق
فأقبلت نحوها الضمائر والأحداق يعنقن أينما عنق
قال أبو القاسم: هذه القطعة لابن الروم في صفة سوداء ما سبق إليها، وفيها يقول:
لها حر تستعير وقدتهمن قلب صبٍّ وصدر ذي حنق
يزداد ضيقا على السمراس كماتزداد ضيقاً إن شوطت الوهق
كأنما حرة لخابرهما التهبت في حشاه من حرق
وقد لاحظ قول النابغة الذبياني:
وتكاد تنزع جلده من ملةفيها لوافح كالحريق الموقد
وأبو حفص الشطرنجي أجاد في وصفه:
أشبهك المسك وأشبهتهقائمة في لونها قاعدة
لا شك أن لونكما واحدأنكما من طينة واحدة
ولأبي بكر الصنوبري قطعة يستهدي فيها المسلك خارجة عن المدح فخليتها.
وأنشدت لبعض الشعراء في كافور:
لوم العواذل زاد في أوصابيوأنا ابن شرخي صبوة وتصابي
قالوا مدحت من البرية أسودافأجبتهم كفوا غرار عتابي
أهوى السواد لأن رأسي أشيبيدني الفناو أحب لون شبابي
وبه تكحل عين كل خريدةوبه تتم صناعة الكتاب
الله ألبس أهل بيت محمدلبس السواد منزية الأثواب
فتقعتوا عند الجواب وعادتيأن أفحم الخطباء عند خطابي
هذا آخر مشكلات شعر المتنبي بتفسير أبي الفتح عثمان ابن جني وإصلاح فرطاته.
ثم اتفق بعدها في بلدان العجم وقوعي إليها بعد تتمة الأربع مائة والعُشر فاختلف إلي طائفة من كتاب الإنشاء كلهم نظروا في الفسر الكبير فكانوا يجارونني في عوارض أبيات المعاني التي فسرها فقرنتها بالمشكلات.
فأول ذلك قول المتنبي:
أناس إذا لاقوا عدى فكأنماسلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
قال أبو الفتح: أي سلاح عدوهم كغبار الخيل لا يعبئون به ولا يلتفتون إليه. وخص السلاهب لأنها أسرع فغبارها ألطف.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء وإنما المعنى إذا لاقوا الناس في الحرب ولوا هاربين فكان سلاحهم الفر اغتناماً كما قال في أخرى لسيف الدولة يصف بني نمير:
فلزهم الطراد إلى قتالأحد سلاحهم فيه الفرار
وقال المتنبي:
وأمق لو خدت الشمال براكبفي عرضه لأناخ وهو طليح
قال أبو الفتح يصف فرساً وهو الطويل، وقالوا: الواسع الفروج.
قال أبو القاسم: الأمق هي البلد الطويل البسيطة وعنى المتنبي المفازة لأنه يقول: لو أن الشمال سارت براكبها لبقي حسيراً، ثم البيت الثاني يدل عليه:
نازعته قلص الركاب وركبهاخوف الهلاك حداهم التسبيح
وقال المتنبي:
في مثل ظهر المجن متصلاًبمثل بطن المجن قرددها
قال أبو الفتح: أي أعلوا أرضاً واهبط ارضاً.
قال أبو القاسم: تفسيره البيت الثاني:
مرتميات بنا إلى ابن عبيد اللهـ غيطانها وفد فدها
والحسن بن هانئ قد ذكر الهبوط والصعود في مسيره فقال:
طافيات راسياتخومها عنقا عنقا
إلا أنه ذهب غير هذا المذهب.
وقال المتنبي:
فرأيت قرن الشمس في قمر الدجىمتأودا غصن به يتأود
قال أبو الفتح: أي جمعت حسن الشمس والقمر وشبه قدها بالقضيب.
قال أبو القاسم: البيت الأول يعني خوض صفرتها في بياض وجهها شبهه بالفضة والعسجد ثم مثله بقرن الشمس في اصفراره بدا طلوعه خائضاً في بياض القمر.
وقال المتنبي:
أبلت مودتنا الليالي بعدناومشى عليها الدهر وهو مقيد
قال أبو الفتح: المقيد يتقارب خطوه، يريد أن الدهر دب إليها فغيرها.
قال أبو القاسم: أي وطأها الدهر بشدة يعني مودتها فعفا آثارها، ومثله بيت الحماسة:
وطأتنا وطئاً على حنقوطأ المقيد نابت الهرم
أي وطأ بشدة.
وقال المتنبي:
كأن نوالك بعض القضاءفما تعط منه تجده دوداً
قال أبو الفتح: إذا وصلت أحداً ببر سعد بركتك وتشرف بعطيتك فصار جداً له ومثل قول أبي تمام:
؟ ما زلت منتظراً أعجوبة عنناحتى رأيت سؤالاً يجتني كرما
قال: قال أبو القاسم منى البيت أن من أعطيته جد في دنياه إما لغناه بك أو لارتداء الغير من إجزال العطاء بعطاءك وأما قول أبي تمام فروايته كما أنشده:
ما زلت منتظراً أعجوبة عنناحتى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
وأول القصيدة: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ومعناه: عن سائلك يشرف بسؤالك جلالة قدرك وعظم محلك فلا غضاضة تلحقه في نفسه ولا هضيمة في حقه كما قال البحتري:
علمتني الطلب الشريف ولم أزلكنت الوضيع من أتضاع مطالبي
وأريتني أن السؤال محلةفيها اختلاف منازل ومراتب
وقال المتنبي:
فما في سجاياكم منازعة العلاولا طباع التربة المسك والند
قال أبو الفتح: أي أين التراب من المسك ومعناه أين انتم منه.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه يذكر ممدوحه بالرفعة وطلب المعالي، ويذم أعداءه باللؤم والدناءة ويقول لهم: خلوا المكارم له فما في طباعكم مساورتها والنهوض إليها كما يلبس في طبع التربة وضوح المسك وروائح الطيب. فمثل الأطياب بالمعالي ومثل طباعهم بالتراب.
وقال المتنبي:
ما يقبض الموت نفساً من نفوسهمإلا في يده منت نتنه عود
قال أبو الفتح: أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضة غياها، ضربه مثلاً.
قال أبو القاسم: معناه أن الرجل إذا عثر بمنتن أخذ خشبة يحركه بها استقذاراً له، وضربه مثلاً للخصيان وإنهم مناتين أقذار.
وقال المتنبي:
ينثني عنك آخر الدهر منهناظر أنت طرفه ورقاده
قال أبو الفتح: أي إذا انصرف يوم النيروز عنك إلى آخر اليوم خلف عندك طرفه ورقاده فبقي عندك بلا لحظ ولا نوم.
قال أبو القاسم: معناه أن يوم النيروز يلحظك كل سنة مرة فتكون زينة له وأنساً كالرقاد وفتح الجفن.
وقال المتنبي:
تعب الزوار أعناق خيلهتعرض وحش خائفات من الطرد
قال أبو الفتح: أي تنظر شزراً إلى زواره تخوفاً من أن يهبها كوحش خائف طرداً.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن خيل أبي العميد اعتادت فودها إلى الزوار وهبتها للسؤال فإن أبصرت زائداً تعرضت ومدت إليه أعناقها على العادة المألوفة كما تتعرض الوحش النافرة لكل ما مرت به.
وقال المتنبي:
فتى يملأ الأزمان رأياً وحكمةوبادرة أيان يرضى ويغضب
قال أبو الفتح: البادرة البديهية.
قال أبو القاسم: البادرة العقوبة والشديدة ينزلها الرجل بالمسيء والمجرم ومنه قول المتنبي في أخرى...
وقال المتنبي:
أنا صَخْرَةُ الوادي إذا ما زوحِمَتْفإذا نَطَقْتُ فإنَّني الجَّوزَاءُ
قال أبو الفتح: أي قد جمعت الأمرين، أنا كهذه الصخرة وفي علو المنطق كالجوزاء.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الجوزاء بيت عطارد وهو كاتب الشمس وهو نجم اللسن والفصاحة والكتابة والبلاغة وآثار دقائق محاسن اليد واللسان.
وقال المتنبي:
تَفْضَحُ الشَّمسُ كُلَّما ذَرَّتِ الشَّمْسُبِشَمْسٍ مُنيرَةٍ سَوْداءُ
قال أبو الفتح تهزُّؤ به.
قال أبو القاسم: معناه أن كافوراً في إشراق أفعاله ووضوح مكارمه شمس تغلب ضياء الشمس وهو أسود اللون، ويتلوه قوله:
إنما الجلد مَلْبَسُ وَابيِضاضُ النَّفْسِ خيرٌ من ابيضاضِ القَباءِ
وقد تقدمه في هذا المعنى عبد بني الحسحاس حيث يقول:
إنْ أَكُ عَبْداً فَنَفْسي حُرَّةٌ كَرَماًأوْ أسْوَدَ اللَّوْنِ إنِّي أبْيَضُ الخُلُق
وقال المتنبي: تَذُمُّ السَّحاب الغُرَّ في فعلها بها قال أبو الفتح: الغر لكثرة ماءها.
قال أبو القاسم: إنما السحاب يسودّ لكثرة مائه، ويقولون السواري الرُّبد والغوادي الغُرّ.
وقول المتنبي:
حَاوَلْنَ تَفْدِيَتي وَخِفْنَ مُراقِباًفَوَضَعْنَ أيدِيَهُنَّ فَوْقَ تَرائِبا
قال أبو الفتح: أي أشرن من بعيد ولم يجهرن بالسلام خوف الرقباء.
قال أبو القاسم: معناه وضعن الأيدي على الأكباد لهفاً حين لم يجرن خشية الرقباء على مفاداتي، ومثله بيت الحماسة:
لَمَّا رَأَوْهُمْ لَمْ يُحِسُّوا مُدْرِكاًوَضَعوا أنامِلهُم على الأكْبَادِ
أي حسرة على موته.
وقال المتنبي:
أدَمْنا طَعْنَهُمْ وَالْقَتْلَ حَتَّىخَلَطْنا في عِظامِهُمُ الكُعوبا
قال أبو الفتح: أدمنا أي خلطنا قال أبو القاسم: أدمنا من الإدامة يقال دام الشر وأدمنه لأنه قد ذكر خلطاً بعده.
وقال المتنبي:
كأنَّ نُجومَهُ حُليٌ عليهِ وَقَدْحُذِيَتْ قَوائِمُهُ الجّيوبا
قال أبو الفتح: كأن الليل جعلت له النجوم حلياً كما قال الله تعالى:) إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزينَةٍ الكَواكِب (وجعل له قوائم على الاتساع.
قال أبو القاسم: يريد بالنجوم حلي الحب المستزار وأن قوائم الليل راسية في الأرض لا تزول كما قال في بيت الحماسة:
لَيْلٌ تَحَيَّرَ ما يَنْحَطُّ في جِهَةٍكَأنَّهُ فَوْقَ مَتْنِ الأرْضِ مَشْكولُ
وقال المتنبي:
أقَلْبٌ فيهِ أجْفاني كَأنِّيأعُدُّ بِهِ على الدَّهْرِ الذُّنوبا
قال أبو الفتح: يعني أن ذنوب الليل يحسبها ولا تفنى.
قال أبو القاسم: شبَّه تقليب أجفانه في الإطباق والرفع بعقد الحساب رفعاً ووضعاً وعقداً وبسطاً وسرعة حركات.
وقال المتنبي:
أعيدوا صَباحي فَهوَ عِندَ الكَواعبوَرُدُّوا رُقادي فُهوَ لَحْظُ الحَبائِبِ
قال أبو الفتح: المعنى لا أهتدي لرشدي ولا أبصر أمري فردوه لأبصر أمري ويرجع ندمي.
قال أبو القاسم: ليس للرشد والأمر مدخل في البت وإنما أن نهاري ظلمة وغمة منذ فارقت أحبتي، والبيت الثاني يفسره حيث يقول:
فإنَّ نَهاري لَيْلَةٌ مُدْلَهِمَّةٌعَلى مُقْلَةِ مِنْ فَقْدِكُمْ في غَياهِبِ
قال أبو القاسم: معنى البيت أن أفعال السيوف التي هي المضاء في ضرابها وإعزازها للمعتصي بها منسوبة إلى الممدوح لاستعماله إياها ونفس السيوف هي حدائد منسوبة إلى الهند لأنها تطبع بها وبالله التوفيق.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع