من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الثالث عشر في الغزل وما يتعلّق به (٢)
وقال:
إن التي عذّبتني في محبّتهاكلّ العذاب فما أبقت وما تركت
عاتبتها فبكت فاستعبرت جزعاعيني فلما رأتني باكيا ضحكت
فعدت أضحك مسرورا بضحكتهامنّي فلمّا رأتني قد ضحكت بكت
تهوى خلافي كما حثّت براكبهايوما قلوص فلمّا حثّها بركت
المتأسف لقلى حبيبه له: قال النميري:
رأيت صدودا وانقباض مودّةونكراء من هجرانهم حدثت بعدي
أما لو يطيع القلب أو يصفح الهوىلنا عنك جازيناك بالهجر والصدّ
وقال آخر:
وما سعدى وإن كرمت عليناوكان لذكر سعدى يستطار
بأقرب في المودّة من سهيلوفي وجهيه للنجم ازورار
يفرّ من النّجوم لغير شيءلعمر أبيك طال به الفرار
وصف الحبيب بالتلون: قال بعضهم لأن أبتلى بألف لجوج جموح أحبّ إليّ من أن أبتلى بمتلوّن. قال دعبل:
أني وجدتك في الهوى ذوّاقّةلا تصبرين على طعام واحد
وقال آخر:
يا عتب لم أهجركم لملالةعرضت ولا لمقال واش حاسد
لكنّني جرّبتكم فوجدتكملا تصبرون على طعام واحد
جعل البكاء كسحاب وقطر: قال كثيّر:
كأنّ إنسانها في لجّة غرق
وقال ابن الحاجب:
كأنّ السحاب الغرّ حشو جفونهإذا انهملت من عينه عبراتها
وقال الدمشقي:
علّمت إنسان عيني أن يعوم فقدحارت سباحته في ماء دمعته
تشبيه الدمع بماء يتصبّب: قال شاعر:
فعيناك غربا جدول في مفاضهكمرّ خليج في صفيح منصب
وقال علقمة:
للماء والنّار في قلبي وفي كبديمن قسمة الشّوق ساعور وناعور
وصف الدمع بأنه يستغنى به عن الماء لكثرته
لا أبتغي سقيا السحاب لهافي مقلتي خلف عن السقيا
وقال ابن المعتمر:
مررت على الفرات وليس تجريسفائنه لنقصان الفرات
فلمّا أن ذكرتك فاض دمعيفأجراهنّ جري العاصفات
قال ابن طباطبا:
فما مدّ واديكم ولان أديمهولكنّني أمددته بدموعي
الدموع المؤثرة في الخدود: قال إبراهيم بن المهدي:
فلو أن خدّا كان من فيض عبرةيرى معشبا لاخضرّ خدي وأعشبا
قال ابن حاجب:
وقد راح خدّي من دماء مدامعيكأنّ عليه هدب ثوب معصفر
دموع مؤثرة في العين: قال بعضهم:
استبق دمعك لا يودي البكاء بهواكفف مدامع من عينيك تستبق
ليس الشؤون على هذا بباقيةولا الجفون على هذا ولا الحدق
قال المتنبّي:
كأن جفوني على مقلتيثياب شققن على ثاكل
دمعه ممزوج بالدم: قال شاعر:
مزجت دموع العين منّي يوم بانوا بالدّماءوكأنّما مزجت بخدّي مقلتي خمرا بماء
استحسان الدمع على خدّ المحبوب: قال المتنبّي:
جرت عبرات في الخدود بأثمدفعاد به الورد الجنيّ شقائقا
وقال آخر:
فكأنّها والدّمع يقطر فوقهاذهب بسمطي لؤلوء قد رصّعا
استجلاب البكاء بذكر المحبوب: قال العبّاس بن الأحنف:
وإذا عصاني الدّمع فيإحدى ملمّات الخطوب
أجريته بتذكّريما كان من هجر الحبيب
قال أبو حيّة النمري:
آمل أن أراه لعلّ جفنييعاوده برؤيته كراه
ويمنع ناظري نظري إليهفعال موارب لي من هواه
الاستعانة في البكاء بالغير
نزف البكاء دموع عينك فاستعرعينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا معيرك عينه تبكي بهاأرأيت عينا للبكاء تعار
ومثله:
فهل من معير طرف عين جليّةفإنسان عين العامريّ كليم
أخذه من ملح الهذلي:
ولتلتمس عينا سوى العين إذذهبت بجاري دمعك المترقرق
وقال آخر:
ولي كبد مقروحة من يبيعنيبها كبدا ليست بذات قروح
أباها على النّاس لا يشيرونهاومن يشتري ذا علّة بصحيح
وقال آخر:
خليليّ ألّا تبكيا لي أستعنخليلا إذا انزفت دمعا بكى ليا
الشكاية من انقطاع الدم: قال كثيّر:
أقول لدمع العين أمعن لأنّهبما لا يرى من غائب الدّمع يشهد
قال عليّ بن جميلة:
ولم أر مثل العين ضنّت بمائهاعليّ ولا مثلي على الدّمع يحسد
قال آخر:
نزفت دمعي وأزمعت الرحيل غداإذا رحلت ودمع العين مكفوف
ومما يقرب من هذا الباب في الاعتذار للدمع قول الوزير أحمد بن إبراهيم:
لا تحسبين دموعي البيض غير دميوإنمّا نفسي الحامي يصعّده
اعتذار من أظهر البكاء: قال بعضهم:
أتتني تؤنّبني بالبكاءفأهلا بها وبتأنيبها
وقالت وفي قولها حشمةأتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركمأمرت الدموع بتأديبها
وقال آخر:
ردّ الجموح الصّعب أيسر محملامن ردّ دمع قد أراد مسيلا
وقال كشاجم:
أظنّ دمعي مثلي به كلفامستأسرا في يدي محبّته
ستر البكاء: قال بشّار لأبي العتاهية: أنا والله أستحسن قولك في اعتذارك للدمع:
كم من صديق لي أسارقه البكاء من الحياء
فإذا تفطّن لامنيفأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لارتدىفطرفت عيني بالرّداء
فقال أبو العتاهية ما لذت إلا بمعناك حيث تقول:
وقالوا: قد بكيت فقلت: كلاوهل يبكي من الطّرب الجليد
ولكن قد أصيب سواد عينيبعود قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواءأكلتي مقلتيك أصاب عود
وقال:
ولما أبت عيناي أن تكتما البكىوأن تحبسا فيض الدّموع السّواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكرولكن قليلا ما بقاء التثاؤب
إفصاح الدمع بالسرّ: قال البحتري:
وحقّ الذي في القلب منك فإنّهعظيم لقد حصّنت سرّك في سرّي
ولكنما أفشاه دمعي وربماأتى المرء ما يخشاه من حيث لا يدري
قال المخزومي:
فإن يك سرّ قلبك أعجميافإنّ الدمع نمّام فصيح
وقد استحسن للمتنبي قوله:
ونتّهم الواشين والدّمع منهم
وقوله:
وصاحب الدّمع لا تخفى سرائره
وقوله:
ومن سرّه في جفنه كيف يكتم؟
قال أبو عيسى بن الرشيد:
كتمت هواه حتّى فاض دمعيفصيّره حديثا مستفاضا
وقال آخر:
ولولا الدّموع كتمت الهوىولولا الهوى لم تكن لي دموع
قال أبو الفرج الدّمشقي:
أني لأخفي اشتياقي وهو مشتهرمن أين يخفى ودمعي صاحب الخبر
سيلان الدّموع من الوجد: قال بعضهم:
ماء المدامع نار الشّوق تحدرهفهل سمعتم بماء فاض من نار
قال ابن الرومي:
لا تعجبا أنّ دمعا فاض عن حرقماء أفاضته نار من مراجله
الاستحسان للدمع من دفع الجزع: من أبدع ما فيه قول بشار:
وجدت دموع العين تجري غروبهاأخفّ على المحزون والصّبر أجمل
قال الرقاشي:
نعم معون الكمد البكاء
وبكى أعرابي فقيل له: في ذلك فقال: أما علمتم أن الدموع خفراء القلوب. قال الحسين بن وهب:
إبك فما أكثر نفع البكاوالحبّ إشفاق وتعليل
فهو إذا أنت تأملتهحزن على الخدّين محلول
قال ابن عباس كنت إذا خرجت أمتنع من البكاء حتى سمعت قول ذي الرمة:
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
فصرت أشتفي من الوجد به. قال الموسوي:
الدمع عون لمن ضاقت به الحيل
وقال آخر:
وغصّة وجد أظهرتها فرفّهتحرارة حرّ في الجوانح والصّدر
قصور الأدمع في دفع الجزع: قال ديك الجنّ:
في قلبه نار شوق ليس يخمدهابحر أحاط به للدمع مسجور
وقال:
فوق خدّي لجّة من دموعيغرق الوجد بينها والسّلام
كان بين الواثق وبين بعض جواريه عتاب فبكى وضحكت فقال: قاتل الله العباس بن الأحنف حيث قال:
عدل من الله أبكاني وأضحككمالحمد لله عدل كلّما صنعا
إزدياد الوجد بالبكاء: قال أبو تمّام يردّ على من زعم أنّ البكاء يخفّف الوجد:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤهابالدّمع أن تزداد طول وقود
قال المتنبّي:
وكلّما فاض دمعي غاض مصطبريكأن ما فاض من جفنيّ من جلدي
وله:
وإذا حصلت من السّلاح على البكافحشاك رعت به وخدّك تقرع
قال محمد بن أبي زرعة:
فبدت تشبّ بدمعها نار الهوىمن ذا رأى نارا تشّب بماء
نفع البكاء وحمده: قدم رجل من الخوارج إلى عبد الملك ليقتله فدخل على عبد الملك ابن له صغير وهو يبكي لضرب معلمه، فقال الخارجي: دعوه يبكي فهو أفتح لحزمه وأنفع لبصره فقال له عبد الملك: ما شغلك ما أنت فيه عن هذا؟ فقال ينبغي للمسلم أن يشغله عن الخير شيء فعفا عنه.
قيل لصفوان كثرة الكباء تورث العمى فقال: ذاك لهما سهادة. قال ابن نباتة:
تستعذب العين دمعي في مودّتهاكأنّما تمتريه العين من فيها
كثرة البكاء واحمرار الدّمع بالدم: سمع أبو السائف قول جرير:
أن الذين غدوا بلبّك غادرواوشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: أتدرون ما التبغيض؟ قالوا: لا، فأشار بأصبعه إلى جفنه كأنه يأخذ الدمع لينضحه.
الاستدلال بالدمع على فرط الهوى: قال محمد بن وهب:
يدلّ على أنني عاشقمن الدمع مستشهد ناطق
قال ديك الجن:
زعمتم بأني قد سلوت وصالكمفلم ذرفت عيني ولم شاب مفرقي؟
وقال:
سمة الصّبابة زفرة أو عبرةمتكّفل بهما حشا وشؤون
قال أبو تمّام:
أليس دمعي وفرط شوقيوطول سقمي شهود حبّي
وفي كتاب التمليّ في أخبار العشاق قال رجل لامرأة: أنا والله أحبك، فقالت: ما حجتك؟ قال تدفعين لي قفير دقيق فأعجنه بدمع عيني. قالت: فالخبز لمن؟ قال: في حرام عشق لا يساوي أرغفة، فضحكت منه وواصلته.
ما قيل فيمن يتباكى: قال المتنبّي:
إذا اشتبهت دموع في خدودتبيّن من بكى ممّن تباكى
قال ديك الجن:
وقائلة وقد بصرت بدمععلى الخدّين منحدر سكوب
أتكذب في البكاء وأنت خلوقديما ما جسرت على الذنوب
قميصك والدموع تجول فيهوقلبك ليس بالقلب الكئيب
شبيه قميص يوسف حين جاؤواعلى لباته بدم كذوب
ومما جاء في الشوق والحنين والنحول
احتراق القلب وحصول نار فيه: قال أبو الطمحان:
هل الوجد إلا أن قلبي لو دنّامن الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
قال العباس:
يا قابس النار قد أعيت قوادحهإقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
قال الخبزارزي:
بقلبي جمر من هواه فإن أكنشكوت فهذا الوجد من ذلك الجمر
وقال:
وحقّ الهوى إنّي أحسّ من الهوىعلى كبدي جمرا وفي أعظمي رضّا
قال المتنبّي:
جرّبت من حرّ الهوى ما تنطفينار الغضا وتكلّ عمّا تحرق
شدّة النفس: قال خالد الكاتب:
نفس تدّعي مسالكهوأنين لست أملكه
قال ذو الرمّة:
تعتادني زفرات حين أذكرهاتكاد تنقدّ منهنّ الحيازيم
قال المتوكل:
إذا زفرات الحب صعدن في الحشاوردن ولم يوجد لهنّ طريق
الاستدلال بالنفس على الحال: وقال مسلم:
وإذا بعثت إلى الهوى بعث الهوىنفسا يكون على الضمير دليلا
قال يعقوب: قد كتمت الهوى فنمّ علي التنفس.
خفقان القلب: قال بعضهم: رأيت في بني عذرة شيخا يتهادى فقلت: هل بقي من بحبّك بقية؟
فقال:
كأن قطاة علقت بجناحهاعلى كبدي من شدّة الخفقان
وأنشد لثوبة وقيل للمجنون:
كأن القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
قال بشّار:
كأن فؤاده كرة تترىحذار البين لو نفع الحذار
وقال آخر:
كأنّ فؤادي في يد عبثت بهمحاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
قال ديك الجن:
كأن قلبي إذا تذكّرهافريسة بين ساعدي أسد
ضيق القلب: قال أبو الشيص:
كأنّ بلاد الله في ضيق خاتمعليّ فما تزداد طولا ولا عرضا
قال العباس:
كأن جميع النّاس عند صدودكمتصوّر في عيني سود العقارب
أخذ الكبد باليد من خشية التقطّع: قال بعضهم:
واذكر أيام الحمى ثم أنثنيعلى كبدي من خشية أن تقطّعا
قال عبد الصمد بن المعدل:
مكتئب ذو كبد حرّىتبكي عليه مقلة عبرى
يرفع يمناه إلى ربّهيدعو وفوق الكبد اليسرى
تصدّع الكبر: قال الأعشى:
وبانت وفي الصّدر صدع لهاكصدع الزجاجة لا يلتئم
قال الخضري:
وأنك لو نظرت فدتك نفسيإلى كبدي وجدت بها صدوعا
افنقاد القلب: قال الخبزارزي:
فلو كان لي قلبان عشت بواحدوأفردت قلبا في هواك يعذّب
ولي ألفاوجه قد عرفت مكانهولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟
قال خالد الكاتب:
كان لي قلب أعيش بهفاصطلى بالحب فاحترقا
البهوت لفرط الوجد: قال بعضهم:
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتيوالعقل مثله والقلب مشغول
ثم انصرفت إلى نضوي لأبعثهإثر الحدوج الغوادي وهو معقول
قال الماني:
تحسبه مستمعا منصتاوقلبه في أمة أخرى
قال ذو الرمة:
عشيّة مالي حيلة غير أنّنيبلقط الحصى والجرّ في الأرض مولع
كثرة سقم العاشق: قال كشاجم:
دموعي فيك أنواء غزاروقلبي ما يقرّ له قرار
وكلّ فتى عليه ثوب سقيمفذاك الثوب مني مستعار
المستدّل بالجمادات والبهائم على الوجد: قال كثيّر:
سلي البانة الغنّاء بالأجرع الذيبه البان هل حيّيت أطلال دارك ؟
وهل قمت في أفيائهن عشيةقيام أخي البأساء واخترت ذلك؟
قال جميل:
يقولون ما أبلاك والمال غامرعليك وضاحي الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تعذلوني وانظرواإلى النازع المقصور كيف يكون
ونقل ذلك أبو تمّام فقال:
إن شئت أن لا ترى صبر المصطبرفانظر إلى أيّ حال أصبح الطلل
المتحمّل من الوجد ما تعجز عنه الجبال: قال الحارثي:
لاقيت من حبّها ما لو على جبليلقى لطارت شقافا منه أفلاق
قال عمرو بن براق:
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصىوبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب
شجو العاشق: يقال للعاشق هو أسخن عينا ممن بات بين قبرين، واسوأ حالة ممن طوى يومين وليلتين، ذكر أعرابي عاشقا فقال:
يثني طرف عين قد قرّحت مآقيهاويحنو على كبد قد أعيت مداويها
شكوى أحد المتحابين مقاساة شدّة من صاحبه: كان بعض القسس يمر فسمع كلاما خفيا من زقاق فإذا جارية تشكو إلى صديق لها ما لقيت فيه فقالت: أوعدوني وضربوني ومزّقوا ثيابي وفعلوا وصنعوا وهو ساكت لا يتكلم فقال القسيس خذوه فأخذ وخلى عن المرأة ثم قال للرجل: إنّها تقص عليك ما لاقت فيك فلم كنت ساكتا؟ فقال: أصلحك الله لم ألق فيها شكوى ولم أكذب فأمر به فضرب خمسين درة وقال: ارجع فاشك إليها ما لاقيته فيها. قال المجنون:
أعدّ الليالي ليلة بعد ليلةوقد عشت دهرا لا أعدّ الليالي
الخجل ممّن حصل منه اليأس: قال بعضهم:
وأني لا يغول النأي ودّيولو كنا بمنقطع التراب
قال المتنبّي:
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهموأين من المشتاق عنقاء مغرب
إظهار الشوق في حال الوصل: قال شاعر:
قالوا ظفرت بمن تهوى فقلت لهمالآن أشرف ما كانت صباباتي
لا عذر للصبّ أن تهدى جوارحهفقد تطعم فوه بالمواتاة
متطبّب داؤه الهوى: أنشد لعروة بن حزام:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمةوعرّاف نجد إن هما شفياني
فما تركا لي رقية يعرفانهاولا سقية إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله مالنابما ضمنت منك الضّلوع يدان
قال ديك الجن:
جسّ الطبيب يدي جهلا فقلت له:إنّ المحبّة في قلبي فخلّ يدي
وقال آخر:
وقالوا به من أعين الجنّ نظرةولو صدقوا قالوا به نظرة الأنس
وقال آخر:
قال الطبيب لأهلي حين أبصرنيهذا فتاكم وحقّ الله مسحور
فقلت ويحك قد قاربت في صفتيوجه الصواب فهلّا قلت مهجور
فقال مالي بعلم الغيب معرفةفقلت: إن دليل الحبّ مشهور
فيض الدّموع وأنفاس مصعّدةوضربة في الحشا والقلب مأسور
افتقاد الصّبر في الهوى: قال الصنوبري:
وما صبري أمامة عنك إلاكصبر الحوت عن ماء الفرات
قال أحمد بن أبي فنن:
لئن ظلّ من وجده مثريالقد ظلّ من صبره مفلسا
وقال:
لم أقبل الصّحة بالشّكرعبثت بالحبّ ولم أدر
حتّى إذا باشرت أهوالهوصرت مغلوبا على أمري
عذت بصبر فوجدت الهوىقد غلب الحبّ على صبري
متصبّر كرها: قال أبو العتاهية:
صبرت ولا والله مالي جلادةعلى الصبر لكنّي صبرت على الرغم
استقباح الصبر في الهوى: قال أبو تمّام:
الصبر أجمل غير أن تلذّذابالحبّ أحرى أن يكون جميلا
أتظنّني أجد السبيل إلى العزاوجد الحمام إذا إليّ سبيلا
قال عمر بن أبي ربيعة:
وإنّ كثير الحزن ما لم أرد بهحياض المنايا بعده لقليل
وقال آخر:
الصّبر إلّا في هواك جميل
معاتبة من لم يضنه الهوى: روي أن رجلا مرّ ببشار وهو مستلق على قفاه بدهليزه كأنه فيل، فقال: يا أبا معاذ إنك تقول أن في بردي جسما باليا، لو توكأت عليه لانهدم وأنك لو أرسل الله الريح التي أهلكت عادا عليك ما زعزعتك ونحوه وإن لم يكن من بابه أن أعرابيا مرّ برجل فقال: من هذا؟ فقيل: عابد فرأى رقبة غليظة وكدنة متناهية فقال: إنّ له رقبة ما أرى العبادة وقصتها ونحوه رأت أعرابية رجلا بضّ البدن فقالت: أرى وجها لم يؤثر فيه وضوء الصلاة.
الناحل الجسم في الهوى: قال بعضهم:
سلبت عظامي لحمها فتركتهامجرّدة تضحي إليك وتحضر
وأخليتها من مخّها فكأنّهاقوارير في أجوافها الريح تصفر
قال المتنبّي:
فبلحظها نكرت قناتي راحتيضعفا وأنكر خاتماي الخنصرا
وقال آخر:
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيّنيبي الضرّ إلّا أنّني أتستّر
من تناهى في الهزال حتى صار كخلال أو هلال: قال المتنبّي:
بجسمي من برته فلو أصارتوشاحي ثقب لؤلؤة لجالا
ولولا أنني في غير نوملكنت أظنني منّي خيالا
وقال:
دون التعانق ناحلين كشكلتينصب أطالهما ودق الكاتب
ونحوه لابن المعتز:
كأنّما جسمي إلى جسمهاغصنان ذا غضّ وذا ذابل
قال آخر:
فلو أنّ ما أبقيت منّي معلّقبعود ثمام ما تأوّد عودها
قال الخبزارزي:
وذبت حتّى صرت لو زجّ بيفي مقلة النّائم لم يتنبّه
قد كان لي قبل الهوى خاتموالآن لو شئت تمنطقت به
من تسقطه الريح لنحافته: قال ماني:
ها أنا ذا يسقطني للبلىعن فرشي أنفاس عوّادي
قال المجنون:
ألا إنّما غادرت يا أمّ مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب
قال ديك الجن:
ألست تري الضنّى لم يبق منّيسوى شبح يطير بكلّ ريح
من لم يبق إلا حركاته وكلامه قال العباس:
لولا الكلام لمّا اهتدتعين الجليس إلى مكاني
وقال آخر:
أنظر إلى جسم أضرّ به الهوىلولا تقلّب طرفه دفنوه
من لا يستبان لنحافته: قال بعضهم:
شبح قلّ فما يشغل قطراه مكانا
قال أبو نواس:
تركت جسمي قليلامن القليل أقلا
يكاد لا يتجزاأقلّ في اللفظ من لا
قال أبو الفضل بن العميد:
لو أنّ ما أبقيت من جسدي قذىفي العين لم يمنع من الإغفاء
قال ديك الجن:
ولو أن أحداث الزّمان أردننيبخير وشرّ ما عرفن مكاني
الشّاكي ذهاب علّته لذهاب جسمه: قال المتنبّي:
وشكيّتي فقد السّقام لأنّهقد كان لمّا كان لي أعضاء
وله:
وخيال جسم لم يخل له الهوىلحما فينحله السّقام ولا دما
استطابة المرض والسهر لكونهما من الحبيب: قال ديك الجن:
لا أوحشنّك ما استحملت من سقميفإنّ منزله بي أحسن النّاس
قال الأخيطل:
إنّ من أسهرت ليلتهلقرير العين بالسّهر
قال الرستمي:
وأنّي لأهوى الشيب من أجل أنّهوإن نفرت عيني له من فعاله
ومما جاء في السهر وطول الأزمنة
وجوب السهر لمن كان عاشقا: يستحسن في هذا المعنى قول أبي سعيد بن فوقة:
نسيت الهجود لذكراكموما للمشوق وذكر الهجود
ومن الكبائر عائق يغفي
قال منصور النميري:
الحزن منفاة لضيف الرقاد
المتقلّب على فراشه: قال أشجع:
إذا اللّيل ألبسني ثوبهتقلّبت فيه فتى موجع
قال ديك الجن:
ألست ترى الضّنا لم يبق منّيسوى شبح يطير بكلّ ريح
قال أبو العتاهية:
أبيت كأنّي في الفراش على مقلي
من لا ينطبق جفنه من السهر: قال المتنبّي:
بعيدة ما بين الجفون كأنّماعقدتم أعالي كلّ هدب بحاجب
أخذ ذلك من بشّار حيث يقول:
جفت عيني عن التغميض حتّىكأن جفونها عنها قصار
كأنّ جفونها حزمت بشوكفليس لنومة فيها قرار
ونحوه لجميل:
كأن المحبّ قصير الجفونلطول النّهار ولم تقصر
ويستحسن للمتنبي:
كأن الجفون على مقلتيثياب شققن على ثاكل
من فارقه النوم حتى نسيه: قال العباس بن الأحنف:
قفا خبراني أيّها الرجلانعن النّوم إن الهجر عنه نهاني
وكيف يكون النوم أم كيف طعمهصفا النّوم لي إن كنتما تصفان
وأني لمشتاق إلى النوم فاعلماولا عهد لي بالنوم منذ زمان
وقال آخر:
حدّثوني عن النهار حديثاأوضحوه فقد نسيت النهارا
من ذكر أن ليله كأنما وصل بليل لطوله: قال بشار:
وطال عليّ الليل حتى كأنّهبليلين موصول فلا يتزحزح
وقال سربلة بن كاهل:
وإذا قلت ظلام قد مضىعطف الأول منه فرجع
قال أبو كثير:
وأني إذا ما الصبح آنست ضوءهيعاودني قطع عليّ ثقيل
وقال آخر:
في الليل طول تناهى العرض والطّولكأنّما ليله بالليل موصول
لا فارق الصّبح كفّي إن ظفرت بهوإن بدت غرّة منه وتحجيل
لساهر طال في صول تململهكأنه حيّة بالسّوط مقتول
مراقبة النجوم من السهر: قيل لام الهيثم بنت الأسود ما حالك؟ فقالت:
تجافى مضجعي وثبا سهاريوليلي ما يقرّ من السهاد
أراقب في السماء بنات نعشولو أسطيع كنت لهنّ حادي
قال ابن دريد:
لقد ألفت دهم النّجوم رعايتيفإن غبت عنها فهي عني تسائل
يقابل بالتسليم منهنّ طالعويومئ بالتوديع منهنّ آفل
المستشهد بالنجوم لسرّه: قال الناشئ:
سل الليل عنّي كيف أرعى نجومهفإنّ الليالي يطّلعن على سرّي
وقال:
سل الليل عنّي ما لقيت وما لقييخبركم أني بحبّكم أشقى
تحيّر النجوم وامتناعها من الغيب: قال النابغة:
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال امرؤ القيس:
فيا لك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
قال المتنبّي:
ما بال هذي النجوم حائرةكأنها العمى ما لها قائد
وقال:
أكابد هذا الليل حتّى كأنّهعلى نجمه أن لا يغور يمين
وقال قدامة أنشدني عبد الله بن المعتز:
عسى شمسه مسخت كوكبافقد طلعت في عداد النجوم
فقلت: غيرت في وجه امرئ القيس إذ يقول وليل البيت فقال: لا ولا في وجه ابن طباطبا إذ يقول:
كأنّ نجوم اللّيل سارت نهارهاوعادت عشاء وهي أنضاء أسفار
فخيمن حتى يستريح ركابهافلا فلك جار ولا كوكب سار
تباطؤ الصبح: قال جحظة البرمكي:
وليلي في كواكبه حرانفليس لطوله منه انقضاء
عدمت محاسن الإصباح فيهكأن الليل جود أو رفاء
مقاساة الهم باللّيل والاستراحة بالنهار: قال ابن الدمينة:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنىويجمعني والهمّ بالليل جامع
قال الموصلي:
إن في الصبح راحة لمحبّومع اللّيل ناشئات الهموم
وأصله للنابغة:
وصدر أراح اللّيل عازب همّهتضاعف فيه الحزن من كلّ جانب
قلة المبالاة بطوله لدوام الهمّ: قال امرؤ القيس:
ألا أيّها اللّيل الطويل ألا أنجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
قال الصولي:
وطولت ليلي لو دريت بطولهولكنّه يمضي لما بي ولا أدري
تشابه ليلي واستمرّ بي الهوىفمن لي بنفس تستريح إلى الغدر
الجهل بحاله في ليله: قال خالد الكاتب:
لست أدري أطال ليلي أم لاكيف يدري بذاك من يتقلّى
لو تفرغت لاستطالة ليليولرعي النجوم كنت مخلّى
من ذكر طول ليله وقصر ليل محبوبه: قال العبّاس:
نام من أهدى لي الأرقامستريحا سامني قلقا
لو يبيت الناس كلّهمبسهادي بيّضوا الحدقا
أنا لم أرزق مودّتكمإنما للعبد ما رزقا
وقال:
كلّ من نام لعمرييحسب النّاس نياما
وقال:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنافقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
من ذكر أن الهموم طولت ليله: قال بشّار:
كأنّ الدجى طال وما طال الدّجىولكن أطال اللّيل همّ مبرّح
وقال:
أقول في الليل وفي طولهقول امرئ باللّيل طبّ بصير
يطوّل الليل مراعاتهفكلّ أمر لا يراعى قصير
قال ابن بسّام:
لا أظلم الليل ولا أدّعيأن نجوم اللّيل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تزرطال وإن زارت فليلي قصير
قال المتنبّي:
لياليّ بعد الظاعنين شكولطوال وليل العاشقين طويل
يبين لي البدر الذي لا أريدهويخفين بدرا ما إليه سبيل
استقصار وقت الفرح واستطالة ضدّه: قال العبّاس:
ألا إن أيام البلاء على الفتىطوال وأيّام السّرور قصار
قال بشار:
وللدّهر أيام قصار إذا سرتبخير ويوم الحزن منه طويل
استطالة النهار: قال شاعر:
يا طول يومي بالكثيب فلم تكدشمس الظهيرة تتّقى بحجاب
قال أبو تمام:
بيوم كطول الدّهر في عرض مثلهووجدي من هذا وذيّاك أطول
وقال:
يكون كالشهر عندي في تطاولهاليوم لم أره فيه ولم يرني
قال الأصمعي لأصحابه: أتعرفون شاعرا استطال يوم اللقاء؟ قالوا: لا. قال هو ثوبة حيث يقول:
لكلّ لقاء تلتقيه بشاشةوإن كان حولا كلّ يوم أزورها
فسكتوا فقال: يريد يوما يقوم مقام حول في السرور:
المستقصر ليله لكونه في السرور: قال الكادوسي:
نهار كشبر الذر أو هو دونهوليل كإبهام القطاة قصير
قال ابن طباطبا:
يا لذّتي بعناق منروّى فمي رشفا ولثما
في ليلة ضمّت علىجناحها الغربيب ضمّا
فلو استطعت جعلت بين ظلامها والصبح ردما
قال علي بن عاصم:
سقيا لأيام لنا وليالقصّر الحبائب طولها بوصال
ما كان طول سرورها لما انقضتإلّا اكتحال متيّم بخيال
قال إبراهيم بن العباس:
وليلة إحدى الليالي الزهرقابلت فيها بدرها ببدر
حتّى تولّت وهي بكر الدهر
وقال:
ليلة كاد يلتقي طرفاهاقصرا وهي ليلة الميلاد
الممدوح بقلّة النوم: قال شاعر في ابنه:
أعرف منه قلّة النّعاسوخفة في رأسه من راسي
وفي الذئب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقيبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
المستولى عليه النوم: قيل أنوم من فهد:
ومعرّس نبهته من نومهفكأنّما نبّهت فهد البيد
أبو نواس:
كأنّ أرؤسهم والنوم واضعهاعلى المناكب لم تعمد بأعناق
وقيل: أصل النوم كثرة الشرب وكثرة الشرب من كثرة الأكل.
من دلت عينه على سهره: قال إبراهيم بن العباس:
عيناك قد حكما مبيتك كيف كنت وكيف كانا
ولربّ عين قد أرتك ضمير صاحبها عيانا
وقال:
جفونك مقبلة بائخةتخبّر عن ليلة صالحه
ونومك بعد صلاة الغداةدليل على سهر البارحه
ومما جاء في الوشاية والعذل
النهي عن الإصغاء إلى الواشي: قال بعضهم:
من جعل النمّام عينا هلكامن بلغ السوء كباغيه لكا
وقال الحارث المخزومي:
إن الوشاة قليل إن أطعتهملا يرقبون بنا إلّا ولا ذمما
وهو كقولهم من شتمك؟ فقال: الذي بلّغك.
بغض المتصلين بالحبيب: قال الحارثي:
فيا بعل ليلى كم وكم بأذاتهاعدمتك من بعل تطيل أذاتي
بنفسي حبيب حال بابك دونهتقطع نفسي أثره حسراتي
قال عبد الصمد:
لي حبيب أضرّ بي ما أقاسيمن فتوني به وبغض أخيه
لي موتان من هوى ذا ومنبغضي لهذا فليس لي من شبيه
قلة المبالاة بالناس في تعاطي الشهوات: قال بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطّيبات الفاتك اللهج
ولمّا قال سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذة الجسور
قال بشار: ذهب والله بيتي فهو أخف منه وأعذب لا أكلت اليوم ولا شربت، ولما ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة أراد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز فشق على حبابة فأرسلت إلى الأحوص وقالت أنشده:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا
فلما بلغ:
هل العيش إلا ما تلذ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنار وفنّدا
قام يزيد وهو يقول: هل العيش (البيت) حتى دخل على حبابة.
من تشكك رقيبه في غير محبوبه: قال العباس بن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الظّنون بناوفرّق الكلّ فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركموصادق ليس يدري أنّه صدقا
وقال آخر:
قوم رموا غير من أهوى بظنّهموآخرون أصابوه وما شعروا
المسّرة بغيبة الرقيب والتمكّن من الحبيب
غاب الأمير أدام الله نعمتهوغاب همّ كفاني الله هيبته
غابا وقد غادرا لصّ الهوى فرحابنيل ما كان يشكو منه خيبته
لمّا تمكنت من بزّ لأسرقههربت خوفا وما حركت عيبته
الندم على الإصغاء إلى العذّال
تكنفني الوشاة فأزعجوهافيالله للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسيعلى شيء وليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديهتبيّن غبنه بعد البياع
قال تاج الكتاب:
وإنّي غداة سكوني إلىمقال الرقيب وهجر السكن
كمن شرب السمّ جهلا بهولم يدر ما فعله في البدن
من كذب الواشي فيما ادّعى عليه من الهوى وصدقه: قال ثوبة:
رماني وليلى الأخيليّة قومهابأشياء لم تخلق ولم أدر ماهيا
وقال:
وماذا عسى الواشون أن يتحدّثواسوى أن يقولوا إنني لك عاشق
نعم صدق الواشون أنت كريمةعلينا وإن لم تصف منك الخلائق
الدعاء على العاذل: قال مورق العقيلي:
فمن لامني في أن أهيم بذكرهافكلف من وجدي بها ما أكلف
قال كثيّر:
وسعى إليّ بعيب عزّة نسوةجعل الإله خدودهنّ نعالها
قال ابن طباطبا:
هو الحبيب الذي نفسي الفداء لهونفس كلّ نصيح لامني فيه
خليّ يلوم شجّيا: قال النميري:
أصبحت تلحاني ولا تدريكيف اعتراني الهمّ في صدري
لو كنت في صدري وباشرت مايلقى لسارعت إلى عذري
وقال آخر:
وو الله لو أصبحت من ملّة الهوىلأقصرت عن عذلي وأسرعت في عذري
ولكن بلائي منك أنّك ناصحوأنّك لا تدري بأنّك لا تدري
من ذكر سرور عاذله بصرم محبوبه: قال محمد بن أبي عيينة:
لقد شمت الواشون أن حيل بينناوسرّوا ألا للشامتين بنا العقبي
وقال التمّار:
صدّ من أهواه عنّيفاشتفى العاذل منّي
استطابة الملامة: قال أبو نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذلفشوببه بتسمية الحبيب
فإني لا أعدّ اللوم فيهعليّ إذا فعلت، من الذنوب
وقال:
كفى الأحاديث عن ليلى إذا ذكرتأن الأحاديث عن ليلى تلهيني
قال بشّار:
لا أحمل اللوم فيها والغرام بهالا كلّف الله نفسا فوق ما تسع
ازدياد الوجد بالعذل: قيل: النهي عن الشيء داع إلى تعاطيه كآدم وحواء حين نهيا عن الشجرة وقال ﷺ:
لو نهى الناس عن فت البعر فتوّه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء، قال أبو دلف:
هل رأينا وسمعنا من نهىرجلا عن سوء فعل فانتهى
بل إذا عوتب في سيئةلم يدعها أو تعاطى أختها
قال أبو نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
قال ابن الحجاج:
دع اللوم إن اللوم يغري وربّماأراد صلاحا من يلوم فأفسدا
وأصله لقيس:
وما زادها الواشون إلّا كرامةعليّ وودا في القلوب موفّرا
وقيل: من عذل عاشقا كمن زمر في إست ميت ليطرب.
السكوت عن مجاوبة العاتب: قال بعضهم:
أعذر أخاك فإنّه رجلصمّت مسامعه على العذل
قال جحظة:
ذراني من ملامكما ذرانيفقد أسرفتما إذ لمتماني
فلست بضامن لكما جواباولست بسامع ممّن لحاني
التّبرم بالوشاة: قال مجنون ليلى:
ولو أن واش باليمامة دارهوداري بأعلى حضر موت اهتدى ليا
وماذا عليهم أحسن الله حالهممن الحظّ في تصريم ليلى حباليا
قال الخبزارزي:
موكل طرفه بطرفيكأنّه كاتب الذنوب
وقال:
أمنا أناسا كنت قد تأمنينهمفزادوا علينا في الحديث وأوهموا
وقالوا لنا ما لم نقل ثم كثّرواعلينا وباحوا بالذي كنت أكتم
قال الصاحب:
خلّ يصدّ وعاذل متنصحومناصح يؤذي ونمّام يسي
قال أحمد بن أبي سلمة:
يعذلني فيه جميع الورىكأنّي جئت بأمر عجيب
التبرّم بكثرة اللوم: قال ابن المعتز:
أظنّ نفسي لو تعشقتهابليت فيها بملام الرقيب
وقال:
واعنائي بمحضر ومغيبوحبيب نأى بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلاشرقت قبل ريّها برقيب
وقال:
إن لامني من لا رآه فقدجار على الغائب في الحكم
وإن لحاني من رآه فقدأضلّه الله على علم
المرتدع عاذله بحسن محبوبه: قال الله تعالى قالت امرأة العزيز وقال نسوة في المدينة (الآيتين) إلى قوله: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
قال محمد بن بكار:
عذلاني على هواه فلمّاأبصرا حسن وجهه عذراني
وقال:
فلما رآها العاذلات عذرننيوصدقنني فيما شكوت من الوجد
معاتبة من يلوم ولا يعرف العذر: قال الأفوه:
إن الملامة لا تزال بلاعذر أمام تفهّم العذر
ومما جاء في إبداء الهوى وإخفائه
المتبجج بإخفائه محبوبه عن الناس: قال شاعر:
فما أنس ما الأشياء لا أنس موقفيوموقفها وهنا بقارعة النخل
فلما توافقنا عرفت الذي بهاكمثل الذي بي حذوك النعل بالنّعل
فقالت وأرخت بجانب الستر إنمامعي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
وقلت لها ما بي لهم من ترقبولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
وقال العباس:
لأخرجنّ من الدنيا وحبّكمبين الجوانح لم يشعر به أحد
قال الخبزارزي:
إذا سألوني عنك موّهت قصّتيولجلجت لجلاج الضّفادع في البحر
الكاتم هواه عن ظواهر نفسه: قال سواد بن عبد الله:
خشيت لساني أن يكون خؤونافأودعته قلبي وكان أمينا
وقلت ليخفى بين سمعي وناظريأيا حركاتي كنّ فيّ سكونا
فما إن رأت عيني لعيني نظرةولا سمعت أذني لفيّ حنينا
قال بعض المحبّين:
عندي سرائر للحبيب طويتهامنّي الضمير بأنّها في طيّه
وقال آخر:
فلو أنّ شيئا كاتم الحبّ قلبهلمتّ ولم يعلم بحبّكما قلبي
أخذه من جميل:
ولو أنّ امرأ أخفى الهوى عن ضميرهلمتّ ولم يعلم بذاك ضميري
وقال أبو نوح:
قلبي رقيب على طرفي من الحذرفليس يتركه يلتذّ بالنظّر
بعضي يكاتم بعضي ما يحاذرهفلو سألت إذا لم أدر ما خبري
التستر بإظهار الهوى في غير المحبوب: قال شاعر:
اسمّيك لبنى في نسيبي تارةوآونة سعدى وآونة ليلى
حذارا من الواشين أن يفطنوا بناوإلا فمن لبنى فدتك ومن ليلى
وقال أحمد بن أبي فنن:
لساني لليلى والفؤاد لغيرهاوفي لحظ عيني مكذب للسانيا
وقال ابن المعتز:
ألقيت غيرك في ظنونهمفسترت وجه الحبّ بالحبّ
ستر الهوى بالوقيعة في المحبوب: قال الخبزارزي:
قل للّذي ينكر سبّي لهوالله ما خنتك في الغيب
وإنّما أحببت ستر الهوىفعبت ما ليس بذي عيب
وسله لي عن مثل قد مضىلم رقع البزاز في الثّوب؟
إظهار الهوى قصد إلى إخفائه: قال أبو حفص الشطرنجي:
ولقد أمازحه بإظهار الهوىعمدا ليكتم سرّه إعلانه
ولربّما كتم الهوى إظهارهولربّما فضح الهوى كتمانه
كتمان الهوى عن المحبوب: قال الزبير بن بكار:
استر هواك من الذي تهوىلا تفضينّ إليه بالشّكوى
فلقلّما تبدي هواك لهإلا تلوى وامتلا زهوا
إسقاط الجوى بإظهار الشكوى: قال أبو العتاهية:
إن المحبّ إذا ترادف همّهيلقى المحبّ فيستريح إليه
وقال:
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحيوجرّعته من مرّ ما أتجرّع
الاستراحة بإظهار الهوى
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظةإذا جعلت أسرار نفس تطلع
وقال بعضهم: ما رأيت أظرف وأغزل وأهجن من صاحبة يوسف ﵇ حيث قالت: أنا راودته عن نفسه، ثم قالت ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، قال محمد بن أبي عيينة:
تجنّب مؤنات التدمّث والعقلبعينك فانظر ما تلذّ وتستحلي
قال المتنبّي:
وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا
قال الصاحب:
صرّحت في حبّي عن مشكلهولم أحتيج فيه إلى عذله
وبحت للعالم باسم الهوىفليقعد المغتاب في منزله
إظهار الهوى وامتناعه من أن يخفى: قال شاعر:
من كان يزعم أن سيكتم حبّهحتّى يشكك فيه فهو كذوب
وإذا بدا سرّ اللبيب فإنّهلم يبد إلا والفتى مغلوب
الحبّ أغلب للفؤاد بقهرهمن أن يرى للسرّ فيه نصيب
قال محمد بن طاهر:
يا كاتمي خيفة الواشي محبتهإنّي وحقّك أقراه من النظر
قال سلم الخاسر:
ولي عند رؤيته روعةتحقّق ما ظنّه المتهم
قال إسحاق الموصلي:
إنّ المحبّ يرى التوقّر سترةفإذا تحيّر في الهوى لم يبصر
ظهور الهوى بالدمع: قال أبو عيسى بن الرشيد:
لساني كتوم لأسراركمودمعي نموم لسرّي مذيع
ولولا الدموع كتمت الهوىولولا الهوى لم تكن لي دموع
قال أبو حكيمة:
كأن مجال الطرف من كلّ ناظرعلى حركات العاشقين رقيب
ظهوره بتحوّل الجسم: قال المتنبّي:
أمر الفؤاد لسانه وجفونهفكتمنه وكفى بجسمك مخبرا
وقال الصنوبري:
اكفّ لسان الدمع أن أشكو الهوىكأنّ لسان السّقم لا يحسن الشكوى
مبانة العاشق معشوقة في هواه: قال شاعر:
فتعلمي أن قد كلفت بكمثم افعلي ما شئت عن علم
قال العباس:
لا تحسبيني ماذقا في الهوىإنّي على حبّيك مطبوع
قال البحتري:
أعيدي فيّ نظرة مستتيبتوخّى الهجر أو كره الأثاما
تري كبدا محرّقة وعينامؤرّقة وقلبا مستهاما
وقال رجل لامرأة رآها مرهاء: هلا اكتحلت؟ فقالت: خشيت أن أشغل جزأ من أجزاء عيني عن النظر إليك.
الحثّ على إظهار الجوى للمحبوب: قيل: لا شيء أصيد لامرأة ولا أذهب لعفتها من أن يحيط علمها بأن رجلا يحبّها فإذا رأت أنه أدمع عينه ولو كان أنسك ما يكون لذهب عقلها، وقال بشّار:
عرضن للذي تحبّ بحبّثم دعه يروضه إبليس
وقيل المرأة تكتم الحب أربعين سنة ولا تكتم البغض والكراهة يوما واحدا.
ومما جاء في مراسلة الحبيب ومكاتبته
من عاد رسوله بمكروه: قال ديك الجن:
أبطأ الرسول فظلت أنتظرلا النوم يأخذني ولا السهر
ردّ الجواب بكلّ معضلةإن شمّروا للهجر واتّزروا
أزجر فؤادك أن يهيم بهمإن العصا لك قد أرى قشروا
إرسال الريح إليه: قال البحتري:
ألا يا نسيم الريح بلّغ رسالتيسليمي وعرّض بي كأنّك مازح
فإن سألت عنّي سليمي فقل لهابه غبّر من دائه وهو صالح
وقال:
لي إلى الريح حاجة إن قضتهاكنت للريح ما بقيت غلاما
حجبوها عن الرّياح لأنيقلت للريح بلّغيها السّلاما
وقال:
فلو أنّ ريحا أبلغت وحي مرسلخفيّ لناجيت الجنوب على الجنب
وقلت لها أدّي إليهم تحيّتيولا تخلطيها طال سعدك بالترب
فإني إذا هبّت شمالا سألتهاهل ازداد صداح النميرة من قرب
من حسد رسوله لتمتعه بالنظر إلى محبوبه: عشق المأمون جارية لبعض المتكلمين المتّصلين به وكان يراسلها ببعض من أفشى إليه سره فقال يوما وقد بعث إليها:
ألا ليتني كنت الرسول وكأنّنيفكان هو المقصى وكنت أنا المدنى
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرةوأغفلتني حتّى أسأت بك الظنّا
وسرّحت طرفا في محاسن وجههاومتّعت باستمتاع نغمتها الأذنا
أرى أثرا منها بعينك لم يكنلقد سرقت عيناك من عينها حسنا
قال محمد بن أمية:
أن تشق عيني بها فقد سعدتعين رسولي وفزت بالخبر
خذ مقلتي يا رسول عاريةفانظر بها واحتكم على بصري
تأسف من خلفه رسوله على محبوبه: قال شاعر:
بعثت رسولا فأضحى خليلاعلى الرغم منّي فصبرا جميلا
وكنت الخليل وكان الرسولفصار الخليل وصرت الرسولا
كذا من يوجّه في حاجةإلى من يحبّ رسولا نبيلا
قال المتنبّي:
ما لنا كلّنا جوى يا رسولأنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليهاغار منّي وخان فيما يقول
التعرّض لرسول محبوبه: بعثت عنان جارية الناطفي وصيفة لها إلى أبي نواس تدعوه فاحتال فقضى منها وطرا وكتب إليها:
نكنا رسول عنانوالرأي ما قد فعلنا
فكان خبزا بملحقبل الشّواء أكلنا
وبعثت أخرى جاريتها فعادت وبوجهها أثر ريبة فسألتها فزعمت أنه خمشها فعاتبته فقال:
زعم الرسول بأنّني خمشتهكذب الرسول وفالق الإصباح
شغلي بحبّك عن سواك وليس ليقلبان مشتغل وآخر صاح
قال النوفلي:
وقد زعمت يمن بأنّي أردتهاعلى نفسها تبّا لذلك من فعل
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسففإنّ قميصي لم يكن قدّ من قبل
الراغب إلى حبيبه أن يكاتبه: قال شاعر:
يا زين من ولدت حوّاء من رجللولاك لم تحسن الدنيا ولم تطب
أما اللقاء فشيء لست آملهفما يضرّك لو ناجيت بالكتب
وقال:
فإن لم تكونوا مثلنا في اشتياقنافكونوا أناسا تحسنون التحمّلا
وماذا عليكم لو سمحتم بأحرففأوجبتم فيها علينا التفضّلا
قال ابن طباطبا:
أنا راضي يا منىنفسي بنيل منك نزر
فكتاب بل بسطربل بحرف دون سطر
المسرّة بورود الكتاب: قال شاعر:
أتاني كتاب فيه ذكر زيارةوقد كان قلبي قبل ذلك يخفق
فقبّلته مستبشرا بورودهوأهديته للقلب لا يتفرّق
قال المهلّبي:
طلع الفجر من كتابك عنديفمتى باللّقاء يبدو الصّباح
ذاك إن تمّ لي فقد عذب العيش ونيل المنى وريش الجناح
قال محمد بن طاهر:
علامة من بودّك أن تراهيطيل إليك إن غبت الكتابا
إذا قصّر الكتاب فأيّ ودّترجّى من حبيبك حين غابا
من صار الطيب والحلى واشيا عند زورته: قال البحتري:
وزارت على عجل فاكتسىلزورتها أبرق الحزن طيبا
فكان العبير بها واشياوجرس الحليّ عليها رقيبا
قال بشار:
أملي لا تأت في قمرلحديث واتّق الذرعا
وتوقّ الطيب ليلتناإنه واش إذا سطعا
قال العباس:
قامت تثنى وهي مرعوبةتود أنّ الشمل مجموع
بكى وشاحاها فلم يسكتاوإنّما أبكاهما الجوع
فانتبه الهادون من أهلهاوصار للموعد مرجوع
لا تستلق أبدا بعدهاإلا ونمّامك منزوع
ما بال خلخالك ذا خرسةلسان خلخالك مقطوع
امتناع المحبوب: قال شاعر:
قلت زورّينا فقالت عجباأتراني يا فتى قاضي منى
إذ يصلي وعليه دينهمأنت تهواني وآتيك أنا
قال أبو دهم:
لما رأيت معذّبيألفيته كالمحتشم
فطلبت منه زورةتشفي السّقيم من السّقم
فأبى عليّ وقال ليفي بيته يؤتى الحكم
من سأل رفيقه أن يزور به صديقه: قال شاعر:
خليليّ عوجا بارك الله فيكماوإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازناولكنّنا جزنا لنلقاكم عمدا
وقال نصيّب:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الركبوقل أن تملّينا فما ملك القلب
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع