من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (١٤)
وقال المتنبي:
إِن الكرام بلا كرامٍ منهُمُمثلُ القلوبِ بلا سُويداواتها
قال الحصني:
حللت من القلوب وأنتَ أهللذاك محل حبات القلوبِ
فالنفي والإثبات هاهنا متساوٍ.
وقال المتنبي:
تلك النفوسُ الغالبات على العُلاوالمجدُ يغلبُها على شَهَواتها
يريد أنها تغلب على العلا بتركها شهواتها من المال واللذات وهو ينظر إلى قول أبي تمام
إِلى سالبِ الجبّار بيضةَ مُلكهوآملُه غادٍ عليه فسالبُهْ
فسلبه بيضة ملك الجبار وسلب الأمل له ما حازه من جنس غلبه الممدوحين على العلا وغلبة المجد لهم على شهواتهم.
وقال المتنبي:
تكبُو وراءكَ يا بن أحمد فُرحٌليست قوائمهن من آلاتِهَا
الهاء من آلاتها: عائدة على) وراءك (لأنها مؤنثة معناه هذه القرح تكبو وراءك إذا تبعتك ولا تحملها قوائمها لصعوبة مسالكك.
وقال المتنبي:
لا خلقَ أسمحُ منك إِلاّ عارفٌبك راءَ نفسك لم يقل لك هاتِها
هذا تطويل يتسلق على معانٍ واضحة فمن ذلك قول القائل:
ولو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتّق الله سائله
فهذا وإن كان من المبالغة المستحيلة فهو أسوغ مما قبله لأنه قال: لو جاز
أن يكون نفسه في كفه لجاد بها كعادته في الجود.
وقال المتنبي:
غلت الذي حسب العثور بآيةٍترتيلك السورات من آياتها
إن كان أراد أن يحسب العشور بترتيله فليس الترتيل صورة بنيت في اللفظ ولا الخط وإن كان أراد بقوله من آياتها أي من معجزاتها لم تحسب العشور بالآيات لإظهار معجزة في الآية التي هي تمام العشر، والإعجاز يشتمل على جميع آيات الكتاب من الأولى منها إلى العاشرة وما كنت أحب له أن يجعل ترتيل الممدوح السور من آياتها لأن الإعجاز فيها غير مفارق مع الترتيل وضده وتسامحه في هذا كتسامحه في قوله:
وأبهرُ آيات التهاميّ أنَّهُأبوكَ وأجدى ما لكم من مناقبِ
وقال المتنبي:
كرمٌ تبين في كلامك مائلاًويبينُ عتق الخيل في أصواتِها
قال ابن الرومي:
فمن يدلُ على لبٍ يعارضهوالطرفُ يعرب عن عتق إِذا صَهلا
وقال المتنبي:
لا نعذلُ المرض الذي بك شائقٌأنتَ الرجال وشائق عِلاَّتِها
العلل أعراض فكيف يعبر عنها بالشوق وما شوق العلل مما يدخل في المديح ولو حسن استعمال المبالغة المستحيلة في كل شيء لكان هذا المديح لا يستعمل في رئيس ويستعمل في حبيب لأحسن لأن الحمى إذا شاقها فلحسن وجه أو جسم كما قال غيره:
حُماك جاسية حماكُ عاشقةٌلو لم تكن هكذا ما قَبَّلتْ فاكا
وهذا يشبه قول القائل:
أتمنى قبلةً منهفي الزمان الطويل
يا لها حاجة ترددتْ فيهابذلتْ للعدو دون الجليل
لما كان التقبيل من عادة العشاق حسن أن يعبر عن هذا اللفظ بالتخميش والعشق وكان المقبل ممن يصلح للعشق وأما من يجب أن يوصف بالجود والبأس وسياسة الأمور فوصفه بهذا أولى به مما يسمى معشوقاً وشائقاً.
وقال المتنبي:
فإِذا نوت سفراً إليك سبقتهافأضفت قَبل مضافها حالاتها
فسره بعض الرجال فقال: معناه إذا أراد الرجال السفر إليك سبقتها بإضافتك حالاتها قبل إضافتك إياها ولا بد للمرض من جسم يحله فيه فيحله في
جسمه فذاك إضافتك إياه والحمى من عذاب الأجسام والرجال.
قال أبو محمد: قد أوجب على رأي المفسر أن يكون الناوون إليه سفراً لا يخلون من محموم فلذلك صار هو محموماً مضافاً إليه حالته، وقد يخلون من الحمى في سفرهم إليه. وفي هذا البيت غرائب منها أنه جعل ضيافته مقصورة على من نوى سفراً إليه دون استضافة من الحاضرين فأوجب الحمى على أضيافه فلذلك حمّ وجعله قادراً على نقل الحمى من جسم إلى جسم ومنها أنّه قد اتفق في ناوي السفر إليه جماعة بهم حمى أما أن تجتمع به أنواع الحميات وأما أن يخصه واحدة منها ويبقى الباقون لِما بهم لم يصف حالات جميعهم وهذا هذيان محموم.
وقال المتنبي:
عجبتها شرفاً فطال وُقوفهالتأملِ الأعضاء لا لأذاتها
الحسن هاهنا أوقع من الشرف لأن الشرف لا يتبين في الأعضاء والجيد قول البحتري:
ألطت به الحمى ثلاثاً ودهالو أن وشيك البراء مهل عاجلُه
تعاوده شوقاً إليه ولم يزليتوق إليه الإِلْف حين يزائلُه
فهذا يخبر أن ود الحمى لو تمهلت في جسمه وأنها تعاوده شوقاً فإن قلت فهذا الذي أنكرت من قول المتنبي لأنه أطلق الشوق عليها قلت لم يبين السبب فيه والبحتري ذكر أنه يألفه من صحبته فلذلك اشتاقته الحمى وهذا تملح من الشعراء لا يطلب لمثله حقيقة فالبحتري أرجح منه كلاماً وأرق فهو أحق بالمعنى.
وقال المتنبي:
حق الكواكب أن تزورك من علٍوتعودك الآساد من غاباتها
والجنّ من ستراتها، والوحش منفلواتها، والطيرُ من وكناتها
لا أعلم ما السبب لإعادة الأجناس لهذا الممدوح وبيته قصد بالنجوم تشبيهاً به في علو المكان والهمة وذلك الآساد شبهها به في البسالة والنجدة والجن لجودة الفطنة والقدرة على ما يعجز عنه الإنس والوحش التي منها الحمير والبقر والأيائل والظباء وما فيها من مناسبته لو اجتمعت هذه الأصناف على صحيح لأفزعته وأمرضته وكان قد بلي ببلاء عظيم.
وقال المتنبي:
في الناس أمثلة تدور حياتُهاكمماتها، ومماتها كحياتها
قال يحيى بن الفضل:
لا يحزّننك موت منلا ينتفع بحياته
وليُجر عندك ميتاًمُجراه بعد مماته
فحياته كوفائهووفاؤهُ كحياته
وهذا من قسم التساوي الذي يكاد يكون في اللفظ المدعي هو ومعناه معاً.
ومن قصيدة:
دع النَّفس تأخذُ وسعها قبل بَيْنهافمفترقُ جاران دارهما العُمْر
من قول رسول الله ﷺ:) ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا مستقر الجنة والنار وقريب يفرق جيران ديارهم الأعمار (.
وقال المتنبي:
وخرقٍ مكان العيس منه مكانُنامن العيس فيه واسِطُ الكور والظهرُ
معناه هذا الخرق لسعته كانا لا يذهب ولا يجيء فكأن العيس واقفة فكأنما نحن في أكوار العيس وظهورها لا تبرح وكذلك هي لا تبرح، كأن من هذا الخرق كوراً وظهراً وهذا يقرب من قول مسعود أخي ذي الرمة: يدأب فيه القوم حتى يطلحوا
ثم يظلُّون كأن لم يبرحواكأنَّما أمسوا بحيث أصبحوا
وقال المتنبي:
ويومٍ وصلناه بليلٍ كأنَّماعلى أفقه من برقه حلل حُمْرُ
قال ابن مناذر:
وألبس عُرْضُ الأفق لوناً كأنَّهُعلى الأْفق الغربي ثوبٌ معصفَرُ
وهذا من التساوي.
وقال المتنبي:
ولا ينفع الإِمكانُ لولا سخاؤُهُوهل نافعٌ لولا الأكفُّ القنا السّمر
هذه أخبار بما لا يجهل وذلك أن صاحب الثراء إنما ينفع ثراءه إذا جاد به فلو بخل لم ينتفع به وخبرنا أن القنا السمر لا تنفع لولا الأكف وهذا مما لا يجهل أيضاً وقد أشار إلى هذا المعنى ناظراً إليه البحتري بقوله:
وما السيف إلا بِرِعادٍ لزينةإذا لم يكن أمضى من السيف حامله
وهذا الكلام مفيد لأن مضاء السيف بمضاء حامله وفي حملته الماضي وضدّه والمتنبي يذكر أن الأكف التي لا بد من حملها الرماح لولاها لم ينفع الرماح وهذا غير مجهول فائدته قليلة ولا فرق بين كلام أبي الطيب وبين من يقول: لولا عيناك ما نظرت، ولولا لسانك ما نطقت وما أشبه هذا بالهذيان الذي لا يفيد، وقد أتى البحتري ببيت يقرب من الأول:
فلا تُغلبن بالسيف كل غِلاتهليمضي فإِنَّ القلب لا السيف يقطعُ
ولعل محتجاً أن يقول فلا فرق بين قول أبي الطيب وبين قوله في قلة الفائدة قلنا ليس كذلك لأن السيف يضرب به كف الجبان فلا يقطع وهو ماض فكأنه هاهنا يقصد كف الشجاع وجودة الضرب لأن القطع للسيف إذا تبعته كف مجيدة للضرب فإذا لم يقطع فلعله يخالف كفّه فلم يخرج عن معناه في البيت الأول وكلا القولين مفيد.
وقال المتنبي:
إذا ورمت من لسعةٍ مرحَتْ لهاكأنَّ نوالاً صرّ في جلدها النبرُ
النبّر: دويبة تلسع فيرم موضع لسعها.
وقال المتنبي:
أزالت بك الأيامُ عتبى كأنَّمابنوها لها ذنبٌ، وأنت لها عذرُ
قال ابن الرومي:
أنتم أناس بأياديكُمُيستعتب الدهر إذا أذنبا
إِذا جنى الدهرُ على أهلهوزاد في عدتكم أَعْتَبَا
فقد شرح وأوضح ولم يطل كل بيت من بيتيه في معنى بيت أبي الطيب وفي الجميع إتمام بمعنى أبي نؤاس في قوله:
يرجى إليك بها بنو أملٍعتبوا فأعتبهم بك الدهرُ
وقال من قصيدة:
تظلُّ الطيرُ منها في حديثٍترد به الصراصر والنعيبا
الصراصر: أصوات البزاة وليست البزاة مما تقع على الفلا ولكنه غلط منه.
وقال المتنبي:
وقد لبست دماؤهم عليهمحداداً لم تَشُقَّ لها جيوبا
شبه الدماء إذا انتشت على نحور الطير وأحشائها بالحداد وهي الثياب السود ثم نفى عنها الحزن عليهم بأنه لم يشق لها جيوباً عليه ولو أستعمل مكان الإخبار لفظ التشبيه كان أجود.
وقال المتنبي:
شديد الخنزوانة لا يُباليأصاب إِذا تَنَمَّرَ أم أُصيبا
أخذه من قول العباس بن مرداس:
أشدُ على الكتيبة لا أُباليأَحَتْفِي كان فيها أم سواها
ومثله قول الخنساء:
سأحملُ نفسي على آلةٍفإِمَّا عليها وإمَّا لها
ويقرب منه قول مالك بن الريب:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهونكب عن ذكرِ العواقب جَانِبا
وقال المتنبي:
كأنَّ الفجر حِبُّ مستزارٌيُراعِي مِن دُجُنَّتِهِ رَقيبا
قال ابن المعتز:
في ليلةٍ ما راعني فيها سوىشبه النجوم بأعين الرقباءُ
وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه ولفظ المتنبي أرجح لأنه لما ذكر الحبيب ذكر الرقيب.
وقال المتنبي:
أقلبُ فيه أجفاني كأنَّيأعدُّ به على الدهرِ الذنوبا
يريد أن تقليبه أجفانه يكثر ذكره ذنوب الدهر.
وقال المتنبي:
وشيخٌ في الشباب وليس شيخاًيُسمَّى كلّ من بلغ المشيبا
قال البحتري:
حديث الشباب كثرة بِفعالهوبعضُ الرجال كثرة بمشيبه
لم يخبرنا المتنبي لِمْ صار شيخاً في الشباب ولا لِمْ صار من يبلغ المشيب يسمى شيخاً وإنما يستدل على مراده بالتأمل لمعناه والبحتري قد فسر وأوضح فهو أحق.
وقال المتنبي:
إذا نكبت كنانتُهُ استبنْابأنصلها لأنصلها نُدُوبا
ينظر إلى قول القائل:
يحل ضرب السهام بمثلهافلهن من يحدث الندوب نَدوبُ
وقال المتنبي:
لأْصْبِحَ آمِنَاً فيك الرزاياكما أنا آمِنُ فيك العُيوبا
سلخه من قول ابن الرومي:
أسالمُ، قد سلمت من العيوبألا فأسلم كذاك من الخُطوبِ
وهذا من قسم المساواة.
وقال من قصيدة:
أذمُّ إلى هذا الزمان أُهيلةفأعلمهمُ فدمٌ وأحزمهم وغدُ
هذا تقسيم رديء لأن الفدم الغبي في المنطق وقد يكون الفدم عالماً فلا يفسر ذلك علمه، والوغد: الضعيف أو العبد وقد يكون الحزم في الضعيف أو العبد ولا تعد العبودية ولا ضعف الجسم حزمه وإنما ينبغي أن يأتي بالشيء وضده كما يقول تمثيلاً أعلمهم جاهل وأحزمهم أخرق، كما قال الشاعر:
إني بليتُ بمعشرٍنَوكى أخفهمْ ثَقيلُ
لا يفهموني قَولهمويدقُ عنهم ما أقولُ
فَهم كثيرون بيوأعلم أنني بهم قليلُ
وقال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحُر أن يرىعدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
سرق لفظه سرقة قبيحة يستحق عليها القطع وذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
ومن نكد الدُّنيا على الحُرّ أن يرىعَدوا فيرضى أن يقول صديقُ
ولفظ إسحاق أوضح لأن معناه يرضى أن يسميه إذا سئل عنه صديقاً وتلك التسمية هي المداجاة وقد ألم أبو الطيب بكلام العرجي فقال:
وكم ذاد عنا بعضنا من قبيلةٍفما وجدوا آمناً على بعضنا بدا
وقال المتنبي:
وإني لتغنيني من الماء نُغبةًوأصبر عنه مِثلَ ما تصبرُ الرّبد
وهذا من الشعر الذي لم يرد فيه عن مرام ولا خير عن مقام.
قال مروان بن أبي حفصة:
وإني لتغنيني عن الماء نُغبةًوأصبر عنه مِثلَ صبر الأباعرُ
وهذا من اللفظ المدعى هو ومعناه معاً.
وقال المتنبي:
وأكبرُ نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍوكلّ اغتيابٍ جُهد لا له جُهْدُ
قال بعض بني أمية: الغيبة جهد العاجز.
وقال المتنبي:
يُوالي بلا وعدٍ ولكنَّ قبلهاشمائلهُ من غير وعدٍ لهما وعد
معناه: أن شمائله تقوم مقام الوعد، وهو ينظر إلى قول ابن الرومي:
همست إليّ بفضلهآباؤه من قبل همسه
مِثل المغني أنبأتعن حذفه نغمات حبسه
وقال المتنبي:
فلمّا رآني مقبلاً هَزّ نفسهُإليَّ حسامٌ كلُّ صفحٍ له حَد
قال الديك:
فتى كان مثل السيف من أين جئتهلنائبةٍ نابته فهي مضاربه
وقال المتنبي:
مضى وبنوه وانفردت بفضلهموألف إذا ما جمَعت واحد فرد
قال البحتري:
ولمْ أرَ أمثال الرجال تفاوتواإلى المجد حتى عُد ألف بواحدِ
فهذا كلام لا تقصير في مبناه ولا معناه والبحتري أحق بقوله.
وقال المتنبي:
ولا عشتُ ما ماتوا ولا أبواهمتَميم بن مُرّ وابن طانجةٍ أُدُّ
يدخل في قسم المساواة في قول ابن الرومي:
إذا سلف ولى وخلَّف مِثلهفما ضرَّةُ أن غَيّبته الرّوامِسُ
وقال من أبيات:
من خَصَّ بالذم الفراقَ فإِننيمن لا يَرى في الدَّهر شيئاً يُحمَدُ
هذه مبالغة مستحيلة لأنّ الدهر فيه العافية والشباب والثراء وكله محمود والإنصاف قول ابن المعتز:
الدهرُ فيه مساءةٌ ومسرّةٌفجزاء دهرك أن يذمُ ويُحمَدا
وقال من قصيدة:
كلما رُمْتَ لونهُ منع الناظر موج كأنَّه منك هازي
حذف الهمز ويشبه قول القائل:
وكأنَّ الفرند والرونق الجَاري في صَحيفته ماء مُعين
قال ابن أبي زرعة:
متردّدٌ فيه الفرِند تردّدَ السماء الزلال
وهو يشبه واحد والأول أحق به.
وقال المتنبي:
ودقيقٌ قذى الهباء أنيقٌمُنوالٍ في مستوٍ هزهازِ
دقيق يعني الغبرة التي تعلوه، والهباء: ما تراه مع الشمس إذا دخلت من موضع ضيق وهو مثل قول والبه:
وكأنّما رد الهباء عليه أنفاس الرياح
وقال المتنبي:
وردّ الماءَ فالجوانب قَدراًشربتْ والتي تُليها جوازي
الجوازي: التي تشرب الماء وأصله أن الإبل تجزأ بالرطب عن الماء وترك همزها على قياس) هازي (ليطرد الأصل. في الخطا، والماء ما يسقيه الصقيل ومن شأن الصقيل سقي شفرتي السيف دون غيره و) يترك (متنه فيروي سيفاه وما يليها عطشان وإنما يفعل ذلك ليكون أثبت في الضرب لئلا ينقصف وإذا كان
هذا أمرا من صنعه الصقيل لا بد منه في السيوف فقد خبر بما يكون منه بدّ في كل سيف فما فضيلة سيفه.
وقال المتنبي:
سلّهُ الرّكض بعد وهنٍ بنجدٍفتصدى للغيث أهلُ الحجازِ
أخذ هذا المعنى بكماله من الوائلي:
ما سلّهُ أهل الحجاز لحاجةٍإلاّ يبشّرُ بالسّحابِ الشَّاما
وهذا يقرب من أخذ اللفظ المدّعى هو ومعناه معاً إذ لا فرق بين الحجاز والشام وقد قال ابن الجهم في قبة المتوكل:
وقبة ملك كأنَّ النُّجومَ تُصغي إليها بأسرارِها
إذا أوقدتْ نارُها بالعراقأضاءَ الحجاز سَنا نارِها
فهذا من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
وكأنَّ الفريد والدُّر والياقُوتَ من لفظِهِ وسام الرّكازِ
أما التشبيه بالذهب فغير معتاد وإنما يعني) بسام الرّكَازَ (عروق الذهب في معدنها وأقبح ما يكون الذهب كذلك وإنما يحسن بالسبك فلا بد للذهب من معدن فإضافة السام إلى الركاز غير مفيد قد يكون ذهب بغير معدن وما
طلب إلا القافية.
وقال المتنبي:
كيف لا يشتكي وكيف تشكَّواوبهِ لا بمن شكاها المَرازي
معناه: هو حامل للقاء الحروب والديات وغير ذلك فكيف لا يشتكي ويشكواهم وبه المرازي دونهم. وترك الهمز على عادته.
وقال من قصيدة:
أمّلتُ ساعةَ ساروا كشف معصمهاليلبثَ الحيُّ دون السَّيرِ حيرانا
خصّ معصمها بالنور ووجهها كان أولى بهذه الصفة وهذا ينظر إلى قول البحتري:
ويستوقفُ الركب العجال إذا بدوافلا أحد يمضي من الناس أو تمضي
فإن كان أراد باستقافها الركب بنورها فقد زاد بوصفهم بالعجال على أبي الطيب، وهذا من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
خلائق لو حَواها الزنج لانقلبواظُمى الشَّفاهِ، جعاد الشعر غُرَّانا
ما تتعلق فضيلة الأخلاق بانقلاب الخلق غيرها هيأتها ولا أدعى أحد في بياض الأخلاق أنّه يبيض الجلود حتى يعود الأسود أبيض وما زاد على أن قالوا إن كانت الخلق سوداً فإن الأخلاق بيض كما قال عبد بني الحسحاسي:
ليس يزري السواد بالرجل الهم ولا بالفتى الأديب الأريب
إن يكون للسواد ومنك نصيبفبياضُ الأخلاقِ منك نَصِيبي
وقال ابن الرومي:
خلائق لو قضت على الناسِ كُلهممحاسنها لم يبق للناس جِسمُ
وهذا كلام فيه مبالغة مستحسنة.
وقال المتنبي:
وواهباً كل وقتٍ نائلِهِوإنما يَهَبُ الوهَّابُ أحيانا
وقال البحتري:
للّشيء وقت وإبّانٌ، ولستَ تَنِيتلقى لنائله وقتاً وإبانا
وقال المتنبي:
عليك مِنكَ إذا أخليت مرتقبٌلم تأتِ في السرِ ما لم تأت إعلانا
قال الشاعر:
ومشيئةُ الأخلاقِ في السخطِ والرضىسريرته في الله يشبهها الجَهْرُ
وقال من قصيدة:
سهادٌ أتانا منك في العين عندنارقادٌ وقلاّمٌ رعى سربكم وَردُ
قوله) في العين (حشو رديء لأن السهاد معلوم المكان وهو من قول الآخر:
يا نسيم الريح في السحرِوشبيه الشمس والقمرِ
إن منْ أسهرت ليلتهلقريرُ العينِ بالسهرَ
وقال المتنبي:
ولكنَّ حبّاً خامرَ القلب في الصِّبابزيدُ على مرّ الزّمانِ ويشتَدُّ
يشبه قول القائل:
أتاني هَواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلباً فارغاً فتمكّنا
وقال المتنبي:
صيامٌ بأبواب القباب جيادهُمْوأشخاصُها في قلبِ خائفهم تَعدُو
قال ابن أبي زرعة:
يخالُ الجياد من فرطِ خوفهجواري بالأبطالِ وهي سَواكِنُ
وقال من قصيدة:
وكادَ سُروري لا يفي بندامتيعلى تركه في دَهْري المستقام
أخذه من المسلوب المغصوب الوائلي حيث يقول:
وتركته يبكي بقيةَ عُمرهأسفاً لماضي عمره المتقدم
وقال من أبيات:
حتّى دخلنا جَنةلو أن ساكنها مخلدُ
قال ابن المعتز:
كنت عندي أنموذجاتمن الجنة لكنّها بغير خلودِ
وقال من أبيات:
غدا النّاسُ مثلهم به، لا عدمتهوأصبح دهري في ذُراه دُهُورا
قال بعض أهل الأدب الدهر: إذا صار دهوراً فهو طويل وطوله إنما يكون لشكوى حال أو مقام على كره فإن لم يرد دهراً فلا صحة لمعناه وليس الأمر كما ذهب إليه إنما خبر الناس فوجدهم مثلهم به ودهره خبر دهره فلو عاش فيه أحد وعاش غيره أضعاف تلك المسافة دهوراً في غيره ما في طويلها تقصير هذا الدهر وقد قال أبو نواس:
لو بعته بسنينوأعصر ودهور
وكلها في سرورٍما كنتَ بالمعذور
ذكر أنّه لو باع يوميه بهذه المدة الطويلة ما كان معذوراً لأن سرور يوميه يزيد على هذه المدة الطويلة وهذا يشبه قول القائل:
لا تكذبنَّ فما الدُنيا بأجمعهامن الشبابِ بيوم واحد بَدلُ
ومن أبيات:
وإذا لم تَبرْ إلى الدار في وقتك ذا خِفْتُ أنْ تسير إليكا
قال ابن المعتز:
فرحتُ به دار الملوكِ فقدكادت إلى لقياه تسبقُهُ
ويقرب منه قول ابن أبي زرعة:
وأحسبُ أرضنا شوقاً إليهم سوفَ ترتحلُ
وقال المتنبي من أبيات:
سقاني الله قبل الموتِ يوماًدمَ الأعداءِ من جوف الجُرُوحِ
وقد قال البحتري:
صديان من ظماء الحُقود لو أنَّهُيُسقى جميعَ دمائهم لَم ينقع
هذه مبالغة في حرارة الحقد حتى لو سقي جميع دمائهم لم يرو على المبالغة من صدا، فقد أخذ لفظاً جزلاً فجاء به رزلاً.
ومن قصيدة:
إليكَ فإِني ممن إذا أتَّقىعِضاضَ الأفاعي نام فوق العقاربِ
يقول: لست ممن تخوف من عظام الأمور، رضي بالصغار في صغارها.
وقال المتنبي:
كأنّ رحيلي كانَ من كفّ طاهرٍفأثبت كُورى في ظُهورِ المَواهبِ
يريد أن مواهب طاهر لم تدع مكاناً إلا أتته وكذا أنا لم أدع مكانا إلا أتيته.
ومن أرجوزة في صفة فرس.
يتركُ في حجارةِ الأبارِق
آثار قلع الحَلي في المناطقمَشياً وإن يَعدُ فكالخنادقِ
وقال أبو تمام:
يَسبحُ به الصفا من كل حزنٍويحتقرُ الركايا في السُهولِ
وقال من قصيدة:
يَمشي بأربعةٍ على أعقابهِتحتَ العُلُوجِ ومن وراءِ يُلْجَمُ
يشبه قول القائل:
كلُ يومٍ يَخرُ أحمد فليتْكإذا خَرَّ للسجودِ الوجوه
ما يبالي بقتله الجحودعِنده أو بقية أنفروه
وقال المتنبي:
وحلف ألفِ يمينٍ غير صادقةٍمطرودةٍ ككعوب الرُّمح في نَسقِ
وقال البحتري:
نسبٌ كما أطّردتْ كعوبُ مثقفٍلدنٍ يزيدك بسطةً في الطولِ
فالتشبيه كالشبيه ولكنه من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
كريشةٍ بمهبّ الرّيحِ ساقطةٍلا تستقرّ على حالٍ من القَلقِ
قال ابن الرومي:
فحلُمك أطيش من ريشةٍورُوحك من هَضْبةٍ أرجحُ
وقال من قصيدة:
كرمٌ خشّن الجوانب منهُمُفهو كالماء في الشّفارِ الرقاقِ
قال الرومي:
لا تغتر بحياء فيه من شرسٍفالماء في كلّ غرب العصب صَمصامُ
وقال من قصيدة:
لقوه حاسراً في درع ضربٍدقيقُ النسيجِ مُلتهب الحَواشي
يريد بقوله:) دقيق النسيج (أي ضرب متدارك قريب ما بين الضربة والضربة و) ملتهب الحواشي (من بريق السيوف وما قيل في التفاوت أحسن من قول أبي نواس:
أمام خميس أرجوان كأنَّهُقميص محول من قناً وجيادُ
وقال المتنبي:
كأنَّ تلوِّي النُشاب فيهتَلوّي الخوصِ في سعف العِشاشِ
العشاش: النخل الطوال الذي قل العسف في أعلاها.
فشبه النشاب، وقد نشب فيه بنخله فلو تلوى سعفها وكان الممدوح أصابه سهم في خدّه.
وله من أبيات في وصف طائره:
كأنَّ رؤوس أقلامٍ غلاظٍمُسِحْنَ بريشٍ جُؤْجِئهِ الصحاحِ
الصحاح: هاهنا إتمام القافية، وهو ينظر إلى قول القائل:
كأنَّ يجيدها والنحرُ منهاإذا ما أمكنت للناظرينا
مثالاً كان من قلمٍ غليظٍفخط يجيدها والنحر نونا
وقال المتنبي:
كأنَّ الرّيش منهُ في سهامٍعلى جسدٍ تجسم من رياحِ
شبه ريشه في سهام لسرعتها وقوله: تجسم من رياح لسرعة الرياح، وقال بعض الأدباء: يجوز أن يجعل الريش جناحه وأعضاءه لسرعة خفقانها لأنه قال في سهام ولم يقل سهام.
وقال من قصيدة:
لمّا رأتْ وجههُ خيولُهمأَقْسَمَ بالله لا رأتْ كفلَهْ
ينظر إلى قول بعض الخوارج:
إذا بدا قلتُ مخلوقاً بغير قفامِن تحتهِ سابحٌ ما أن له كَفْلُ
قال المتنبي:
وفاؤكما كالرَّبع أشجاه طاسِمهبأن تُسعدا والدمع أشفاه ساجمه
طسم وطمس: إذا درس ومعناه: أشجاه طاسمه أي أشده شجواً إلى ما محا منه ودرس وخاطب صاحبيه وتقدير الكلام وفاؤكما بأن يسعد أبعد دروس رسم وفائكما كالربع أشجاه طاسمه كما أن الدمع أشفاه ساجمه.
وقال من قصيدة:
وكنت أعيبُ عذلاً في سماحٍمنها أنا في السماح لَهُ عَذُولُ
من قول أبي تمام:
عطاءٌ لو إسطاعَ الذي يستميحُهُلأصبح من بين الورى وهو عَاذِلُهْ
وقال المتنبي:
وكلُّ شَواة غطريفٍ تَمنَّىلسيرك أنَّ مفرقها السَبيلُ
يشبه قول أبي تمام:
مَضى طَاهرُ الأثوابِ لم تبق روضةَغداة ثوى إلا اشتهت أنَّها قَبرُ
هذا من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال من قصيدة يرثي:
سَقى مثواك غاد في الغَوادينظيرُ نوالٍ كفّكِ في النَّوالِ
قال ابن المعتز:
يا غيثُ سقّ محمداًجُوداً عليه كما فَعَلْ
وقال المتنبي:
فلا غِيضتْ بحارك يا جُموماعلى علل الغرائبِ والدخال
الدّخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليشرب ثانية وإنما ذلك لقلة الماء، والغرائب: الإبل الغريبة.
ومن قصيدة:
يُرادُ من القلب نسيانكُمْويأبى الطباعُ على الناقِل
أنشد ابن الوشاء:
ومنْ يجتلب خلقاً سوى خلق نفسهتَدعه وترجعه إليه رواجعه
قال آخر:
ونميمة العذال عنه علمهمإنهم لم يملكوا نقل الشَيمِ
قال آخر:
يا أيها المتحلّي غير شيمتهإن التخلقَ يأتي دونهُ الخُلقُ
وقال المتنبي:
وإني لأعشقُ من عشقكمنُحولي وكلّ امرئٍ ناحِلِ
ينظر إلى قول القائل:
وقلتُ للسقم عدُ إلى بدنيأنسى بشيء يكون من شيمك
وقال المتنبي:
شَفنّ لخمس إلى من طلبن قبل الشفونِ إلى نازلِ
الكاذة: لحم أصل الفخذ، والبائل: الذي قد أنفرج ليبول فتباعدت فخذاه أي فلا تشعب فروجهن لشدة العدو.
وقال المتنبي:
فَلُقّيْنَ كل رُدَيْنِيَّةٍومصبوحةٍ لبنَ الشَّائِلِ
المصبوحة: الفرس التي تسقى صباحاً، والشائل: التي لا لبن لها، والشائلة: التي تبقى بقية من لبنها، وقد سئل عن هذا فقال: أردت الهاء فحذفتها، ويقال إن الناقة إذا شال لبنها جفّ ومرّ ويجمع في شاربه فدل أنه إذا كان بهذه الصفة لم يسقوه إلاّ كرام خيلهم والشائل: التي قد شالت بذنبها وهذا لا يدخل في معنى بيته. وقال بعض النحويين: الشائل: التي شال لبنها والقياس يوجب ذلك لأنه يشاركها فيه الذكر كما أن القياس في الشائلة هي التي تشول بذنبها
لأنها يشاركها فيه الذكر وهو القياس فإن أستعمل هذا القياس سلم المتنبي من أن يكون حذف الهاء ضرورة.
وقال المتنبي:
بضربٍ يعمّهم جائرٍله فيهم قسمةُ العادل
معناه: إنه لإفراطه جائر ولاستحقاقهم إياه عادل ويجوز أن يريد أنّه يترك من جنى ومن لم يجن ممن أتفق أن يدركه مختاراً أو يعقد الخيل ولا جناية لها ويقطع الدروع والجواشن فيصير عادلاً لأنه ساوى بين جماعتهم مساواة متكافئة فصار في القسم عادلاً كما قال البحتري: وللموتِ فيما بينهم قسمةُ عدلُ وقال المتنبي:
إذا ما نظرتَ إلى فارسٍتحيّرَ عن مذهب الرَّاجل
في) نظرت (ضمير يعود على الممدوح وهو المخاطب والمبالغة فيه غير مستحكمة لأن الفارس قد يتعذر عليه بعض مذاهب الراجل من الصعود في الهضاب الصعبة والانقلاب في الغياض والأشجار وغيرها.
وقال المتنبي:
إذا طلبَ التّبل لم يشأهُوإن كانَ دَيْنَاً على ماطلِ
يشبه قول ابن الرومي:
فاقتضيناهم الديون، وقِدماًلم يُقتنا بها الغريمُ الملطُّ
وقال المتنبي:
أمامَ الكتيبةِ تُزهى بهمكانَ السّنان مِنَ العامِلِ
قال ابن الرومي:
فهم أنابيب رمح أنتَ عاملهلا بل سنان طرير فوقَ عامِله
ومن قصيدة:
وعزمةٌ بعثتها همةٌ زحلٌمن تحتها بمكان التُّرب من زُحَلِ
ولمحمد بن داود الأصبهاني:
تراهُ الثريا فوقها ما ترىبنو الأرض أشباح النجوم المَرابل
قال ابن الرومي:
ورآه العُّيوق في فلك المجد فأمسى بخالُهُ العُّيوقا
وقال المتنبي:
إذا خلعتُ على عِرْضٍ له حللاًوجدتُها منه في أبهى من الحُلَلِ
قال أبو تمام:
حتَّى اكتسى من مدائحي فيه أوسمةٌسني فرحنا جميعاً نسحب الحُللا
وبيت المتنبي أمدح.
ومن قصيدة:
وأراكَ دهرُك ما تحاولُ في العدىحتى كأن صروفَهُ أنصارُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
فلا زالَ ما تختاره وتحبهبطلاً يقتصر من القضاءِ المقدر
وقال المتنبي:
وإذا تنكر فالفناء عقابهوإذا عفا فعطاؤه الأعمارِ
وينظر إلى قول أبي نواس:
يُعطي ويردي الناكبين كأنَّمافي كفهِ الأرزاق والآجالِ
ومن قصيدة:
بنا منك فوق الرّمل ما بك في الرّملوهذا الذي يضنى كذاكَ الذي يُبلى
قال ماني الموسوس:
يا بالياً في الثرى من بعد ميتتهسيان أنتَ ومن يبلى من الحُزنِ
وقال من أبيات:
ما لنا في الندى عليك اختيارٌكلّما يمنحُ الشّريفُ شَرِيفُ
ينظر إلى قول إسحاق:
وحسبي قليلُ من جزيل نوالِهوهل من أمير المؤمنين قليلُ
وقال من أبيات:
وإذا وكلتَ إلى كريمٍ رأيهُفي الجودِ بان مذيقه من محضهِ
وقال من قصيدة:
لم لا يغاث الشعر وهو نصيحٌويرى بنا الحق وهو يَلوحُ
يقول فيها:
أنا من علمتم تصبراً فتنموافالكلب في أثر الهزبر نَبوحُ
فلولا أنّ ريحك درّبتهُمُلأحجمتِ الكلابُ عن الأسودِ
وقال المتنبي:
لكم الأمان من الهجاءِ فإِنّهُفيمن به يهجا الهجاء مديحُ
هو يشبه قول القائل:
الشعرُ لما أن هجوتك قال ليأهجوته بي أم به تهجوني
والشعرُ لما أن شتمتك قال لييا من تشاتمني بمن هو دوني
ويقرب منه قول أبي تمام:
قال لي العاذلون: وهو مقالٌذمّ من كانَ جاهلاً إطراء
وقال أبو تمام أيضاً:
لما غضبت على الهجاء هجرتهفجعلت خلقته هجاءَ هَجائي
وقال المتنبي:
ويدلكم بركاتُ شعري أنَّهُمن بعد سرق قصائدي مربوح
والمعنى لأبي تمام في قوله:
طالَ رغبي إليك يا رب يا ربوربتني إليك فاحفظ ثيابي
وهذا القول من أبي تمام أحسن من أبي الطيب لأنه ثوبه إذا كان مريحاً معه مع كثرة أسلابه ما سلب من ثياب غيره فور بالبر تحسين.
وبعد هذا قصيدة أوّلها:
أمساور أم قرن شمس هذاأم ليث غاب يقدم الأستاذا؟
هذا معنى مبتذل وقد حشى بقوله:) يقدم الأستاذا (حشواً غير مفيد وهو من قول ابن مناذر:
أبدراً تحمل الناقةأم تحمل هَارونا
أم الليث أم الغيثُأم الدنيا أم الدينا
فجمع من الأوصاف أكثر مما جمع بيت أبي الطيب بغير حشو فهو أرجح كلاماً وأولى بقوله.
وقال المتنبي:
شم ما انتضيتَ فقد تركتَ ذُبابهقطعاً، وقد ترك العِبادَ جُذوذا
أما قوله:) العباد (فمبالغة يريد بها الجمهور والأكثر والمعنى في البيت من قول البعيث:
وأنّا لنعطي المشرفية حقَّهافتقطعُ في أيمانِنا وتقطّعُ
وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبةفقطعها ثُمَّ انثنى فَتقطَعا
وأبو الطيب خبرنا أنّه ترك ذباب السيف قطعاً قبل إخبارنا أنه ترك العباد جذاذاً وإن كانت الواو لا توجب ترتيباً فيجيء التقسيم في موضعه أحسن، وأما أبو تمام فرتب بثم ومبنى البعيث وأبي تمام أحسن من مبناه وزاد على معناهما معناه، فهما السابقان فهما أحق بما قالا.
وقال المتنبي:
غادرتَ أوجههُمْ بحيث نقيتهمأقفاء هُمْ وكبودهُم أفلاذا
يحتمل أن يكون إرادتك قطعتهم بالسيف حتى ما تعرف وجوههم من أقفائهم وغادرت كبودهم أفلاذاً، والفلذة: القطعة ولو أستعمل الكاف التي للتشبيه فأمكنه أن يقول:) كأقفائهم (كان أحسن من تحقيقه أن الوجوه صارت أقفاء ويمكن أن يريد أنهم يولون عند لقائه أقفاءهم فيصير النصفان لا يتناسبان إلا أن يريد أن الغيظ منه أو الخوف قطع قلوبهم فأما المولى فلا وصول إلى قلبه.
وقال المتنبي:
في موقفٍ وقف الحمام عليهمُفي ضنكهِ واستحوذ استحواذا
فحشى بالصدر كلامه لضيق القافية عليه، والمعنى لأبي تمام في قوله:
في موقفٍ وقف الزؤام بهفالموت يوجدُ والأرواحُ تفتقدُ
وقد أقام أبو تمام في وجود الموت وعدم الأرواح مطابقة مليحة تفيد ما لا يفيد صدر أبي الطيب فرجح كلامه واستحقه.
وقال المتنبي:
جمدت نفوسهم فلما جئتهاأجريتها وسقيتُها الفُولاذا
قد أركبته هذه القافية كل تعجرف وتكلف ذكر جمود نفوسهم ولم يذكر علّة الجمود وقال:) سقيتها الفولاذا (والفولاذ ليس مما تسقاه النفوس لأن السقي لا يصلح إلا لمائع بل الفولاذ يعبر عنه بالسقي إذا حد بالماء على المسن وقال أبو الشيص:
بطلُ يعمل السيوف ويسقيحدّها من جماجمِ الأبطالِ
فجعل السيوف مسقية من جماجمهم ولم يجعل النفوس مسقية الفولاذ الذي ليس بمائع فكلامه أصح وأرجح.
وقال المتنبي:
لما رأوك رأوا أبك محمّداًفي جَوْشن وأخا أبيك مُعاذا
هبه أراد لمّا رأوك رأوا تشبهك بأبيك وأخيه وصورتهما في شمائلك فما معنى في جوشن كأنّه لا يشبه أباه وأخا أبيه إلا في جوشن فإذا زال الجوشن زال الشبه هذا الحشو الفارغ وكم بين استدلاله على تقارب الأشباه وبين قوله:
يا بن من كلّما بدوت بدا ليغائب الشّخص حاضرُ الأخلاقِ
لو تنكرت في المكرّ لقومٍحلفوا أنّك أبنه بالطّلاقِ
وقال المتنبي:
غرّ طلعت عليه طلعة عارضمطرُ المنايا وابلاً ورذاذا
فجعل العارض يمطر المنايا وابلاً ورذاذاً وقال أبو الشيص:
وخميس تلقه في خميسٍفي سُحاب من الردى هطّال
فجعله هطالاً ولم يجعل منه رذاذاً فرجح لفظه واستحقه أبو الشيص.
وقال المتنبي:
فعدا أسيراً قند بللت ثيابهبدم وبلّ ببوله الأفخاذا
هذا من غث الكلام وهو قليل الركوب لقافية صعبة فلما ركب ذلك في قصيدة قليلة العدد أستعمل فيها كل كلفة وكان تركها أوفق له ومن هذا الجنس قوله أيضاً:
طلبُ الإِمارةِ في الثغورِ ونشوءهما بين كرخايا إلى كلواذا
وما يمنع من نشاء في قرية أن يلي الفضل فيه أجلّ بلد لكنه تسلق على حصول القافية) بكلواذا (وأما أشبه بيته هذا ببيت علي بن بسام في علي بن عيسى:
أي عقل لوزيرٍأصله من ديرنا
وما صنع شيئاً المتنبي هذا بأن قال:
فكأنه حسب الأسنة حُلوةأو ظننّها البرنّي والأزاذا
في هذا البيت مع غثاثة لفظه مطعن وهو أنه كان يكتفي بنصفه عن تمامه لأن الفائدة في باقيه مثل الفائدة في ماضيه إذ البرني والآزاد لا يخرجان عن حد الحلاوة فقد غني عن تكريره وكذلك كلما وقع عليه اسم الحلاوة ولو أمكنه أن يقول: وظنها البرني) والآزاذي
ظنها هذا الجنس من الحلاوة وهذا يشبه أن يقول عائب فيه (حسب الأسنة حلوة أو ظنها حلوة فلا يكون لهذا الكلام معنى وكان ينبغي أن يلي بإيراد هذا المعنى أن يقول في قافية محضوضة كحلاوة البرني والآزاذ.
وقال المتنبي:
متعوداً لبس الدّروع يخالُهافي البرد خزّاً والهواجرِ لاذا
استعماله الخز في البرد حسن والموصوف في الخز ليس الكتان لأن الكتان من أبرد الملابس في الحر.
وقال القطامي: كاد الملاءُ من الكتان يشتعلُ فإنما وصف هاجرة فكأنه يقول: أبرد الملابس فيها يكاد يشتعل من حرها وأحسن من هذا قول البحتري:
ملوكٌ يعدون الرّماح مخاصِراًإِذا زعزعوها والدُّروع غلائلا
فلم يفرق بين الصيف والشتاء في لبس الدروع وخفتها عليهم للعادة الجارية وقد أتى في صدر بيته بمعنى حسن من ذكر الرماح فرجح لفظه وأستحق شعره.
ويلي هذه قصيدة أولها:
إِني لأعلمُ واللبيبُ خبيرٌأن الحياةَ وإن حرصتَ غُرورُ
وقال يليه:
ورأيت كلا ما يعلل نفسهُبتعلةٍ وإلى الفناء يصيرُ
هذا معنى مستعمل ولفظه مستبذل والبيتان جميعاً يدخل معناهما في بيت لابن الرومي وهو:
ومن يرجو مسالمة اللياليفمغرورٌ يعلّل بالأماني
فقد جاء ابن الرومي في الموجز القليل وأتى أبو الطيب به في اللفظ الطويل فابن الرومي أحق بشعره.
وقال المتنبي:
ما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثرىأن الكواكب في التُّراب تَغُورُ
ينظر إلى قول القائل:
ما كنت أحسبُ والمنيّةُ كاسمهاأن المنيّةَ في الكواكب تطمعُ
ويليه قوله:
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرىرضوى على أيدي الرجال تَسيرُ
أخذه من قول ابن الرومي:
من لم يعاين سير نَعش محمدٍلم يدر كيف تُسيّر الأجبالُ
وقال ابن المعتز في العباس بن الفرات:
قد انقضى العدل وزال الكمالُوضاحَ صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو العباس في نعشهِفقوموا انظروا كيف تسير الجبال
يا ناصر الملك بآرائِهبعدك للملك ليالٍ طِوال
وكلها تدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
والشمس في كبد السماء مريضةوالأرض واجفة تكاد تمور
فخبر بمرض الشمس ووجيف الأرض، قال ابن الرومي:
عجبت للأرض لم ترجف جوانبهاوللجبال الرَّواسي كيف لم تَمِدِ
عجبتُ للشمس لم تكسفْ لمهلكهوهو الضياء الذي لولاهُ لم تَقِدِ
فتعجب ابن الرومي أصدق من أخبار أبي الطيب يكون ذلك وفي بيت ابن الرومي معنى مليح من قوله:) وهو الضياء الذي لولاه لم تقد (وقد زاد في كلامه ما هو من تمامه فهو أولى بشعره.
وقال المتنبي:
حتى أتوا جدثاً كأنَّ ضريحَهُفي قلب كلّ موحّدٍ محفورُ
يقرب منه قول محمد بن عبد الملك الزيات:
يقول لي الخلاّنُ لو زرت قبرهافقلت وهل غير الفؤاد لها قبرُ
فإن قال قائل ما عدا هذا اللفظ محمد بن عبد الملك وقول أبي الطيب أعم قلنا فقد قال الخبزأرزي:
فإِن كان لم يحتلَّ قبراً برقدةفإِن له في قلب كل امرئ قَبرا
فقد ساواه الخبزأرزي والسابق أولى بما قال: وقال المتنبي:
فيه السماحةُ والفصاحةُ والتّقىوالبأسُ أجمعُ والحجا والخَيْرُ
هذا مأخوذ من قول عبد الصمد بن المعذل:
فضلٌ وحزمٌ وجوادٌ ضمه جدتٌومكرماتٌ طواها الترب والمدر
وهذا يدخل في باب المساواة، وقال مروان بن أبي حفصة أبياتاً حسنة في مرثية نذكرها بكمالها وهي:
فيا قبرَ معنٍ كيف واريت شَخْصَهوقد كان منه البر والبحرُ مُتْرَعَا
بلى قد وسعت الجود والجود ميتولو كان حيّاً ضقتَ حتى تثدّعا
ويا قبرَ معنٍ أنت آخر تربةمن المجد خطت للمكارم مضجعا
فتىً عيش في معروفه وهو ميتٌكماء السبيل يضحى بعد مجراه مرتعا
وكل هذه المعاني متساوية ولكن لشعر مروان من الماء والرواء ورجحان الألفاظ في المباني والمعاني ما هو أولى به.
وقال المتنبي:
كفل الثناء له بردّ حياتهلمّا انطوى فكأنَّهُ منشورُ
وهذا البيت لأبي القوافي الأسدي بكماله وهو:
ردّت صنائعه عليه حياتهفكأنه من نشرها منشورُ
وهذا يدخل في اللفظ المدعى هو ومعناه معاً وقد كان يدعي الشجاعة ولم يظهر لي منه إلاّ على الشعراء فإنهم موتورون وفي ألفاظهم مسلوبون وقال
أبو فراس الحمداني: وقد جرى ذكر المتنبي: ما رأينا له بياض سبب قط في غراه ولكنه كان شجاع اللفظ.
وقال المتنبي:
يبكي عليه وما أستقرّ قرارهُفي اللحد حتى صافحته الحُورُ
هذا معنى أخذ من الوائلي:
إن يكن مفرداً بغير أنيسٍفعسى قد أنست أنت وحور
أبو الطيب يذكر أنه ما أستقر قراره في قبره حتى صافحته الحور محققاً قاطعاً بذلك، والوائلي يترجى أنّه قد أنس وتنكير الحور هاهنا غير مطبوع وكلام أبي الطيب أمدح وأرجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
صبراً بني إسحاق عنه تكرُّماًإِنَّ العظيم على العظيم صَبورُ
أخذه من البحتري حيث يقول:
وحملتَ العظيم منها، وما يَدْفَعُ كرهَ العظيم غيرُ عظيم
وقال المتنبي:
يممتُ شاسِعَ دارهم عن نيةٍإِن المحبّ على البعاد يزورُ
يشبه قول القائل:
يقرب الشوق داراً وهي نازحةٌمن عالجَ الشوق لم يستبعد الدارا
وهذا يدخل في قسم التساوي.
وقال المتنبي:
وقنعتُ باللقيا وأوّلِ نظرةٍإِن القليل من الحبيب كثيرُ
قال بشار:
وإِذا أقلّ لي البخيل عَذَرْتُهُإِن القليل من البخيل كثيرُ
فالمعنى يساوي معنى أبي الطيب وكذلك لفظه فقد أشتمل على البيت فالسابق أولى بما قال وما أحسن ما قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
هل إلى نظرةٍ إليك سبيلُيُروى منها الصدى ويشفى الغليلُ
إنّ ما قلّ منك يكثرُ عنديوكثيرٌ من الحبيبِ القليلُ
هذه معانٍ متساوية وألفاظ متدانية فالسابق أولى بها ولا سيما إسحاق فإنه
أعذبهم لفظاً وأملحهم طبعاً وقد ذكر إسحاق أنه أنشد الأصمعي هذين البيتين على أنهما لمتقدم فقال لمن هذا الديباج الخسرواني قال: فقلت: هي لي وهي بنت ليلتها، فقال: لا جرم أن فيها ضعف التوليد وما أقبح رأي علمائنا في أن يرد عليهم اللفظ الذي لا يعجب والمعنى الذي لا يطرب فيعظمون أمره ويجلون قدره لأنه لمن تقدم زمانه وبعد أوانه فإذا وافاهم المحدث باللفظ العجيب والمعنى الغريب أعرضوا عنه وغضّوا منه وأنفوا من رواية قوله: حتى إن أبا عمرو بن العلاء قال: لقد كثر هذا المحدث حتى لقد هممت بروايته يعني شعر جرير والفرزدق فقدم عذراً في روايته حتى كأنّ الفضل مقصور على من تقدم زمانه أو لم يكن القديم محدثاً وأظنهم يرون الشعر بمنزلة المشروب كلما عتق كان أفضل له وهذه السرقة شنيعة تدخل في قسم اللفظ المدعى هو ومعناه معاً وإن تغير، بعض بنيته فهو تغير لا يحتسب مثله.
وفي أبيات بعد هذه القصيدة.
ارتجلها تماماً لهذه القصيدة يقول فيها:
ما شكَّ خابرُ أمرهم من بعدهأنّ العزاء عليهمُ مَحْظُورُ
قال البحتري:
حالت بكَ الأشياء عن حالاتهافالحزنُ حِلٌّ والعزاءُ حرامُ
ففي هذا البيت مطابقة قد وفى فيها الكلام أقسامه في الحزن والعزاء فهو أولى بشعره ممن أخذ فأفرد الإخبار عن العزاء وحده.
وقال المتنبي:
تُدْمي خدودهم الدموعُ وتنقضيساعاتُ ليلهم وهنّ دُهورُ
أخذه من أبي المعتصم:
إن أيامنا دهورٌ طوالٌوساعاتنا القصار شهورُ
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع