تجاوز إلى المحتوى

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» لأبي العباس المهلبي (ت ٦٤٤هـ)

المآخذ على شرح الكندي الموسوم بالصفوة (٢)

وأقول: إذا لم أجعل هذه الكلمة من أهدى فعلى أي وجه شئت من الثلاثي فاحملها فإن هذه المعاني متقاربة.

وقوله: أهدى: منادى وكذلك اقتلهم فجائز أن يكون كما قال، منادى، وأن يكون بدلا من الكاف، وأن يكون تمييزا، فالنصب فيهما من هذه الأوجه الثلاثة، وهي متساوية في الجودة سواء، فلا وجه لذكر بعضها وتخصيصه.

وقوله:

وكَمْ لكَ جَدّاً لم تَرَ العَيْنُ وَجْهَهُفَلَمْ تَجْرِ في آثارِهِ بِغُرُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال: قال ابن جني: إذا لم تعاين الشيء لم تعتدد به في أكثر الأحوال فلذلك ينبغي أن تتسلى عن (يماك) لأنه قد غاب عن عينك كما لم تحزن لأجدادك الذين لم ترهم.

وقال: إن كان المتنبي أراد هذا المعنى فقد اخطأ لأنه لمير أجداده، وهو فقد يماك بعد رؤيته.

وأقول: إنه رد قول ابن جني ولم يذكر المعنى، وهو إنه أراد تسليته فقال: كم لك جدا فقد عن بعد لم تكبه فاجعل هذا الذي فقد عن قرب بمنزلته لأنه قد شاركه في الفقد، ولا فرق في ذلك بين البعيد والقريب.

وقوله:

فَحُبُّ الجَبَان النَّفْسَ أوْرَدَهُ التُّقَىوحُبُّ الشُّجَاعِ النَّفْسَ أوْرَدَهُ الحَرْبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: الجبان يحب نفسه فيحجم، والشجاع يحب نفسه فيقدم؛ هذا يطلب بقاءها وذلك يطلب مدحها. ثم فسر البيت الذي يليه وهو:

ويَخْتَلِفُ الرِّزقانِ والفِعلُ واحِدٌإلى أنْ تَرَى إحسَانَ هذَا لِذَا ذَنْبَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فقال: يتفق اثنان في فعل واحد يرزق منه أحدهما ويحرم الآخر فيعد للمرزوق إحسانا وللمحروم ذنبا.

وأقول: إن تفسير البيت الثاني ينبغي أن يكون مطابقا للبيت الأول لأنه كالمفسر له، وقد فسره على خلاف ذلك. ومطابقته له أن يقال في قوله:

ويَختلِفُ الرِّزْقانِ والفعل واحدٌ .........

أي: الجبان رزق بحبه نفسه الذم على جبنه، والشجاع رزق بحبه نفسه الحمد على شجاعته، فكلاهما محسن إلى نفسه، فاشتركا في الفعل، وهو حب النفس، واختلف الرزقان لأن هذا رزق الذم بفعله، وهذا رزق الحمد بفعله، وصار إحسان الجبان إلى نفسه بالاتقاء ذنبا للشجاع لو فعله.

وأما تفسير الشيخ للبيت الثاني فهو من قول القطامي:

والناسُ، مَنْ يَلْقَ خَيْراً قائلون لَهُما يَشْتَهي ولأمِّ المُخْطِئ الهَبَلُ
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

فمن يَلْقَ خَيْراً يَحْمَدِ النَّاسُ أمْرَهُومَنْ يَغْوِ لا يَِعْدَم على الغيِّ لائِمَا
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما»

أي: ومن يخب. وهذا معنى آخر ليس من الأول في شيء.

وقوله:

وَجَيشٍ يُثَنِّي كُلَّ طَوْدٍ كأنَّهُخَرِيقُ رِيَاحٍ وَاجَهَتْ غُصُناً رَطْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال: يصفه بالكثرة حتى إنه إذا مر بجبل شقه بنصفين فتسمع حسيسه كما تشق الريح الخريق الغصن الرطب باثنين.

وأقول: أن قوله: يثني أي: يعطف، من ثنيت، أي: عطفت، فشدده للتكثير والمبالغة، وجعل الطود، في علوه وثباته، كأنه غصن رطب تثنيه الريح الخريق، وهي الشديدة الهبوب، أي: تعطفه. وهذا اقرب إلى الاستعارة، واكثر في المبالغة، والأول اقرب إلى الحقيقة.

وقوله:

وَهَبِ الملامةَ في اللَّذَاذةِ كالكَرَىمَطْرُوَدةً بِسُهَادِهِ وبُكَائِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال: هذا البيت أطال فيه ابن جني ورد غيره عليه، وكلا القولين غير خال من اضطراب. وعندي إنه يريد أن الكرى المستلذ عندي مطرود عني بالبكاء والسهاد، فهب أنت الملامة اللذيذة عندك مطرودة عنك ككراي المطرود عني.

وأقول: وهذا الذي ذكره لم يخل من اضطراب لأنه يحتاج إلى تتمة.

فيقال له: أن العاشق ترك كراه المستلذ عنده لما هو ألذ منه، وهو الهوى، فالعاذل لم يترك الملامة المستلذة عنده في لوم صاحبه، وهو ينتفع بها بانتفاع صاحبه عند القبول لها فينبغي أن يتمم ذلك ويعلل بان يقال: لأنه يزيد في كلفه ويغريه بوجده فينبغي له إذا لم ينقص ما به من الوجد أن لا يزيده. وعندي أن قوله:

وَهَبِ المَلامَةَ في اللَّذَاذَةِ...... .........

يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يكون اللذاذة راجعة إلى العاشق فيقول لعاذله: هب أني استلذ بالملامة وانتفع بها كانتفاعي بالكرى، أفليس الكرى مطرودا بالسهاد والبكاء؟ فاجعل

الملامة مثله.

والوجه الآخر: أن تكون اللذاذة راجعة إلى العاذل فيقول له العاشق: اجعل الملامة عندك في اللذاذة، وانفاعك بها كالكرى عندي، وقد طردته بالسهاد والبكاء، فاجعل الملامة كذلك مطرودة بسهادي وبكائي رحمة لي، فإنها تزيدني ولا تنقصني، وهذا أبلغ ما يحرر في معنى هذا البيت.

وقوله:

وتَمْشِي بع العُكَّازُ في الدَّيْرِ تَائباًومَا كانَ يَرْضِى مَشْيَ أشْقَرَ أجْرَدَا

قال: قوله:

وتَمْشِي به العُكَّاز...... .........

على مذهب القلب لأنه هو الماشي بالعكاز.

وأقول: إن هذا لا يحتاج إلى تقدير القلب، وأعيذ فهم الشيخ، كيف تبع غيره في هذا مع ظهوره؟! وقد ذكرته في شرح التبريزي.

وكذلك قوله:

تَشْبِيهُ جُودِكَ بالأمطار غَادِيَةًجُودٌ لِكَفِّكَ ثَانٍ نَالَهُ المَطَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.

وقوله:

أتاكَ كأنَّ الرَّأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُوتَنْقَدُّ تَحْتَ الذُّعْرِ منه المَفَاصِلُ

قال: عظمت هيبة سيف الدولة في قلبه حتى كأنه تبرأ بعضه من بعض.

وأقول: بل دخل بعضه في بعض ولذلك قال:

...... كأنَّ الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ .........

أي: تجمّع من خوفه فلم يتبين له عنق، وذلك فعل الخائف والذليل، كقول

الشاعر:

تَضَاَءلْتُمُ مِنَّ كما ضَمَّ شَخْصَهُأمامَ البُيُوتِ الخَارِئُ المُتَقَاصِرُ

وقوله:

ولَوْ غَيْرُ الأميرِ غَزَا كِلاباًثَنَاهُ عن شُمُوسِهِمُ ضَبَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

قال: كنى بالشموس عن النساء، وبالضباب عن المحاماة عنهن. وقيل فيه قول آخر لكن هذا أجود.

فيقال له: وأجود من هذا أن يكون الضباب كناية عن عجاج الخيل بلقائه وهو أشبه بذلك، وفيه تضمن معنى المحاماة.

وقوله:

إذا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلاً مُضَارِعاًمَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقَى عليه الجَوَازِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال: أراد بالمضارع هاهنا المستقبل دون الحال.

وأقول: إن قوله: فعلا مضارعا معناه انك إذا أردت أن تفعل فعلا في الحال الراهنة أو المتأخرة، أي: فعلا على الفور أو التراخي مضى بجودك وباسك، أو بسعادتك، قبل القواطع من الزمان، فكنى بالتقديم والتأخير عن المضارعة إذ هي للحال والاستقبال، أي: إذا نويت أن تفعل، وكنت مترددا فيه بين أن تفعله في الزمن القريب من زمنك أو البعيد، مضى: أي: فعل قبل أن يقال لم يفعل لما ذكرته.

وقوله:

فكانُوا الأُسْدَ ليسَ لها مَصَالٌعَلى طَيْرٍ وليسَ لها مَطَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

قال: لابن جني كلام في تفسير هذا البيت قليل المنفعة! والصواب إن الضمير في كانوا يعود على رجال سيف الدولة، جعلهم اسودا وجعل البادية المنهزمة طيرا، وصولة الأسد لا تدرك طيران الطائر، أي: انهم هربوا مسرعين كالطير فلا لوم على جيش سيف الدولة إذ لم يلحقهم لأنهم كالأسد وأولئك كالطير.

وأقول: إن الضمير في فكانوا يرجع إلى ذكر الأعادي قبل؛ يقول: أنهم كانوا كالأسد في الشجاعة إلا أنهم لم يكن، في وقت لحاق سيف الدولة بهم، لهم مصال.

وقوله: على طير أي: على خيل كالطير في السرعة، إلا أنها ليس لها مطار لإعيائها؛ يصف فرسانهم بعدم الغناء في الحرب لكلال خيلهم، أو للخذلان الذي لحقهم بلحاق سيف الدولة لهم.

وقوله:

إنَّ السُّيوفَ مع الذين قُلوبُهمكَقُلوبِهِنَّ إذا التَقَى الجَمْعَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قال: إنما ينفع السيف إذا كان قلب حامله كقلبه في القتال؛ لا هذا يفزع ولا هذا.

وأقول: لو قال: كقلبه في المضاء عند القتال لأصاب وأجاد.

وقوله:

تَرُدُّ عنهُ الفُرْسَانِ سَابِغَةٌصَوْبُ الأسِنَّةِ في أثنائِهَا دِيَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
تَخُطُّ فيها العَوَالي لَيْسَ تَنْفُذُهاكأنَّ كُلَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال: عظّم شأن درعه وحقّر شان الرماح على كثرتها فيها، وفي هذا من الهجو، بضعف الطعن، ما فيه.

وأقول: هذه صفة حال وقعت، فيها ذم لابن شمشقيق بتولية الدبر وطعنه في ظهره، وإن كان فيها ضعف طعن من لحقه من أصحاب سيف الدولة، فالمقصود إنما هو الأول لا الثاني. على إنه يمكن أن يعتذر لهم بأن درعه كانت، لإحكام نسجها، ملساء كالصفيحة فهي تزلق الأسنة فلا تتمكن منها بالطعن فلا يدل على ضعفه.

وقوله:

بِعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَّرْجِ رَاكِباًبه ويَسِيرُ القلبُ في الجِسْمِ مَاشِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قال: يصف قوة العزم على السير. والهاء في (به) تعود على العزم؛ أي: كأن

الجسم، وهو مقيم في السرج، وكأن القلب، وهو مقيم في الجسم، يسبق الجسم.

وأقول: إن هذا ليس بشيء! وهو قول الواحدي. والصحيح قول الشيخ أبي زكريا؛

قال: يصف عزمه بالمضاء والشدة؛ أي إنه عزم على أمر عظيم، فالراكب، وإن كان جسمه في سرج، فكأن قلبه ماش في جسده لأنه في مشقة وتعب لعظم ما يهم به. وهذا المعنى، قبل إن انظر كلام التبريزي، لمحته بعين الفكر وحققته ثم رايته له بعد ذلك فأثبته.

وقوله:

لا تَجْزِنِي بِضَنىً بي بَعْدَهَا بَقَرٌتَجْزِي دُمُوعِيَ مَسْكُوباً بِمَسْكُوبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ذكر معنى البيت نقلا عن غيره، وقال في قوله:

......تَجْزي دُمُوعِيَ مَسْكوباً

إن مسكوبا بدل من دموعي ولا يحسن الحال هاهنا.

وأقول: ليس كذلك بل هو مفعول ثان، وذلك أن جزى يتعدى إلى مفعولين؛ يقال: جزى الله زيدا خيرا؛ قال المساور بن هند:

جَزَى اللَّهُ خيراً غَالباً من عَشِيرةٍإذا حَدَثَانُ الدَّهْرِ نَابَتْ نَوائِبُهْ
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «جزى الله خيراً غالباً من قَبيلَةٍ»

وقال المعذل:

جَزَى اللَّهُ فِتْيَانَ العَتِيكِ وإنْ نَأتْبِي الدَّارُ عنهم خَيْرَ ما كانَ جَازِيَا

وقوله: لا تحسن الحال هاهنا.

فأقول: لا تحسن على أن تقتصر على أحد المفعولين، وتكون حكاية حال متعدية، وإن كان دموعي جمعا، ومسكوبا واحدا، وذلك كما تقول: لقيت القوم فارسا بفارس وراجلا براجل.

وقوله:

وبي ما يَذُودُ الشِّعْرَ عنِّي أقَلُّهُولكنَّ قَلْبِي يا ابنَةَ القومِ قُلَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قال: يقول: عندي هموم يصرف الشعر اقلها لولا أن قلبي كثير التقلب لا يموت خاطره.

وهذا ليس بشيء!

وأقول: إن قوله: قلب أي: ثابت عند الحوادث غير مسلوب الحيلة، من قولهم: فلان قلب حول، وهو الذي يقلب الأمور ويحتال لها.

وقوله:

ثناهُمْ وَبَرْقُ البِيضِ في البَيضِ صَادِقٌعليهِمْ، وبَرْقُ البَيضِ في البِيضِ خُلَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قال: صادق: مؤثر، وخلب: لا اثر له؛ هذه تبرق وتسيل الدماء، وهذه تبرق ولا تسيل دما.

وأقول: وهذا الذي ذكره لا يتحصل به كثير فائدة!

والمعنى: أنه استعار للبيض والبيض برقين لصقالهما وصفائهما، وجعل برق البيض في البيض صادقا لتأثير السيوف فيها بالقطع ووصولها إلى الرؤوس باراقة الدماء. وجعل برق البيض في البيض خلبا لكونها لم تؤثر في السيوف بالرد والتثليم، لأن برق البيض إنما كان صادقا بتأثير القطع، وفي هذا وصف سيوف الممدوح بالمضاء وقوة الضرب، ووصف بيض أعدائه بعدم الغناء في رد السيوف والوفاء.

وقوله:

فنالَ حَيَاةً يشتَهِيهَا عَدُوُّهُوموتاً يُشَهِّي المَوْتَ كُلَّ جَبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

قال: يريد إنه مات موتا وحيا لم يعذب قبله بآلام العلل.

وأقول: وهو قول التبريزي.

وأقول: إن الجبان شهوته أن لا يموت قتلا في الحرب مباشر السيوف والرماح. وشبيب: قيل: إنه مات صرعا بالخمر، فالجبان يتمنى أن يموت تلك الموتة.

وقوله:

ثَنَى يَدَهُ الإحْسَانُ حتى كأنَّهَاوقَدْ قُبِضَتْ كانَتْ بغير بَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

قال: القبض باليد لا يحصل إلا بواسطة البنان. يقول: لما قبضت يده إحسانك الذي ملأها حتى ثناها إلى ورائها فأرسلته صارت كأنها كانت بغير بنان يطبق على الموهوب.

وأقول: لم يرد بثنى يده: عطف يده ولواها إلى ورائها، والمراد غير ذلك وقد بينته في شرح التبريزي.

وقوله:

وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصَاحِبٍشَبِيبٌ وأوْفَى من تَرَى أخَوانِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

قال: كان يظن في شبيب الوفاء فظهر غدره بكافور، فقال: من يغتر بوفائه بعده وهو الذي كان أخا لأصح الناس وفاء؟ كان هو وأوفى الناس سواء.

وأقول: إنه ظن أن قوله:

......شَبِيبٌ وأوْفَى من تَرَى أخَوَانِ

إنه إخبار عن حاله التي كان عليها قبل الغدر وإنه مدح له وليس كذلك. وإنما ذلك إخبار بما تبين عن قبح غدره، وإن أوفى الناس، أي: اشد الناس وفاء، هو وشبيب اليوم إخوان في قبح الغدر. يريد أن الزمان قد فسد، فلا يوثق اليوم بأحد.

وقوله:

ومَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إلى المَعَاليفلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: تعجب ممن له نفاذ وعزيمة، ويجد طريقا إلى المعالي ولا يسري إليها سرى يقطع أسنمة الإبل.

وأقول: هذا التفسير على أن ومن معطوف على لمن قبله، وليس كذلك. ولو أراد العطف على البيت الأول لكان ينبغي أن يكون قوله: ولا يذر بالواو لا بالفاء حملا

على البيت الأول وهو:

عَجِبْتُ لِمَنْ له قَدٌّ وَحَدٌّويَنْبُو نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

ويكون ينبو بالنصب لان الواو للجمع. وكذلك قوله:

ومَنْ يَجِدِ الطَّرِيقَ إلى المَعَاليفلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

وقد ذكرت في قوله: ومن يجد أن من للشرط، ويجد مجزوم بها، والفاء في فلا يذر جواب الشرط، وبينت فيه معنى حسنا، فليتأمل في شرح التبريزي.

وقوله:

وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وكانَ جَنْبِييَمَلُّ لقاَءهُ في كُلِّ عامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: يعني أن مرضه طال حتى مله الفراش، وقد كان كثير الأسفار والنقل المانعة جنبه من لقاء الفراش في العام مرة.

وأقول: إن تخصيصه المرة ليس بشيء! لأنه يحتمل أن يكون أكثر من مرة. وقوله قول الواحدي.

وعندي أن المعنى غير ذلك، وهو أن الفراش مله لطول مرضه العام، وكان في كل عام يمل هو الفراش في مقامه ودعته بسبب قصده الأسفار؛ يقول: انعكست عليَّ القضية فبدلت بالصحة سقما وبالقوة ضعفا.

وقوله:

إذا مَا فَارَقَتْني غَسَّلَتنيكأنَّا عاكِفَانِ على حَرَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قال: خص الحرام لأنه جعلها زائرة ليست بزوج ولا سرية.

وأقول: لو قال: لأنه جعلها زائرة في الظلام، فاستتارها وخفاؤها يدل على إنها غريبة ليست بزوج ولا سرية، لأصاب الصواب، إلا إنه لم يذكر ما يدل على ذلك.

وقوله:

وعَنْ ذَمَلانِ العِيسِ ما سَامَحَتْ بهوإلاَّ فَفِي أكْوارِهِنَّ عُقَابُ

ذكر في هذا ما ذكره من تقدمه، والصحيح ما ذكرته فيما تقدم فليتأمل.

وقوله:

وأوْسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْراً وخَلْفَهُرِمَاءٌ وطَعْنٌ والأمَمَ ضِرَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: جعل ابن جني الرماء والطعن وراءه من أصحابه، وليس المعنى عليه؛ بل إذا كان الجميع من أعدائه كان امدح.

وأقول: أن الرماء مصدر رامى رماء يكون من الفريقين في الفريقين، وكذلك الطعن، فإذا طاعن أصحابه الأعداء وراءه لزم أن يكون الأعداء وراءه إلا

الذين يضاربهم فانهم قدامه، فلم يخطئ ابن جني على هذا التقدير وفي هذا تفضيله على أصحابه؛ يقول: إذا رامى بعضهم وطاعن بعضهم، ضارب هو فتقدمهم وفضلهم في الشجاعة، وهذا من قول زهير:

يَطْعَنُهُمْ ما ارتَمَوْا حتى إذا طَّعَنُواضَارَبَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقوله:

لو كانَ ذا الآكلُ أزْوَادَنَاضَيْفاً لأوْلَيْنَاهُ إحْسَانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لو كان ذا الآكل أزوادنا»

قال: هذا مثل قوله فيما مضى:

جَوْعَانُ يأكُلُ من زَادي ويُمْسِكُني .........

وأقول: هذا وهم، بل هو فيما سيأتي في قوله:

عِيدٌ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُ .........

وقوله:

ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُإلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال: جعل للموت عند قبض أرواحهم عودا في يده، لئلا يباشر بها قبض أرواحهم استقذارا لها، ضرب ذلك مثلا للموت مجازا.

وأقول: وهذا الذي ذكره هو قول الجماعة، وهو غير مرضي، وقد ذكرت ما عندي فيه فيما قبل.

وقوله:

فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُولكنَّهُ هَجْوَ الوَرَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال: لما نافى أهل زمانه فيه من السفال كان مدحه إياه إرغاما لهم.

وأقول: متابعة الجماعة لابن جني في هذا التفسير، ومطابقتهم له على لفظة السفال سفال! وهي لا تدل على معنى في البيت، ولا فصاحة في اللفظ.

ومعنى البيت: أني لما مدحت كافورا ووصفته بصفات الناس وأخلاق الكرام جعلته من الناس، وهو لا يستحق ذلك، كان ذلك هجوا لهم إذ هو ليس منهم وقد أدخلته فيهم.

وقوله:

أمْضَى الفَريقين في أقرانِهِ ظُبَةًوالبيضُ هَادِيَةٌ والسُّمْرُ ضلاَّلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال: السيوف تمضي قدما فهي هادية، والرماح تمضي يمينا وشمالا فهي ضلال. وهذا ليس بشيء!

والصحيح أن السيوف هادية في ظلم النقع بضوئها، والرماح ضلال في ظلم الصدور بطعنها.

وقوله:

ولا ما تَضُمُّ إلى صَدْرِهَاولَوْ عَلِمَتْ هَالَهَا ضَمُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يذكرني فاتكا حلمه»

قال: المعنى: أن أمه لو علمت إنه يكون شجاعا، عظيم الشأن لهالها ضمه إلى صدرها.

وأقول: ليس كذلك! ولكنه جعله أسدا فلم تدر أمه ما ولدت منه، ولا ما تضم إلى صدرها، ولو علمت إنه أسد لهالها ذلك.

وقوله:

نَافَسْتُ فيه صُورةٌ في سِتْرِهِلَوْ كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حتى يَظْهَرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

قال: ادعى إنه يحسد الصورة لقربها من الحبيبة، حتى لو قدر أن يكون إياها لأخفى نفسه وزال حتى تراها العيون لأنها مما تشوق الأبصار.

وقيل: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر كأنه يشير إلى العدم، وهذه مبالغة تامة.

وأقول: أما قوله: لو قدر أن يكون أباها لأخفى نفسه...... حتى تراها العيون: إن هذا مما لا يسمح به العاشق، لو قدر عليه، لأنه أشح الناس على محبوبه أن تراه العيون.

وأما قوله: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر فيقال: كيف يضنى إذا كان مكان الصورة، وهو مشاهد لمحبوبته، مواصلها، يمسها وتمسه في حال الدخول والخروج؟ وقد أجبت عن هذا السؤال في شرح التبريزي بما يحصل عنه الانفصال.

وقوله:

مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْدِ ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: قوله:

...... ......... ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ

أي: غشوة بفضة منقوشة نقشا دقيقا، وأرادوا بذلك تمثيله، لأنه لا يكون مسلولا دائما لينظر إلى حسنه، فلخشية فقدهم له جعلوا غمده مشبها له فضة بيضاء، نقشها الدقيق كفرنده.

وأقول: إنه قد ذكر فيه أقوال؛ هذا أحدها. والذي عندي فيه أن هذا البيت مرتب على ما قبله، وهو قوله:

كلَّما سُلَّ ضَاحَكَتْهُ إيَاةٌتَزْعُمُ الشَّمْسُ أنَّها أرْادُهْ

فأخبر أن الشمس تزعم إنها ترب له ونظير، فلما ادعت الشمس ذلك مثلوه في جفنه خشية الفقد؛ أي، جعلوه ماثلا مقيما في غمده لأنه نور، خشية أن يذهب كما تذهب الشمس، وقوله:

...... ......... ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ

أي: يغمد في غمد شريف من جنس جوهره، وهو الذهب، ويدل عليه قوله:

مُنْعَلٌ لا مِنَ الحَفَا ذَهَباً...... .........

فعلى هذا غمده محلى بالذهب.

وأما الفضة، التي ذكرها الشيخ، ونقشها، وهو قول ابن فورجة، فليس في كلامه ما يدل عليها.

وقوله:

ورجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَراهَاوبلادٌ نسير فيها بلادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال: رجت أن تستريح عندنا، وذلك لا تراه، لأنا نسير صحبته في غزواته وصيده، فما دمنا في خدمته فلا راحة لها.

وأقول: أجود من هذا ما قال ابن جني: إن خيله رجت أن تستريح عندي من طول كده لها، وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده،

والعمل الذي يتولاه لسعة بلده. وهذا يكون عند انصرافه عن ابن العميد، وفي هذا تعظيم له وإغراق، وهو مثل قوله في بني عبد العزيز:

......ولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ

أي: العيس التي يركبونها إليهم لهم، وكذلك الفلاة التي يسيرون فيها إليهم.

وقوله:

أنَا مِنْ أصْيَدِ البُزاةِ ولكنْنَ أجَلَّ النُّجومِ لا أصْطَادُهْ

قال: قال ابن جني: لو استوى أن يقول: أعلى النجوم كان أليق. وليس هذا بشيء! لأنه جعل الممدوح نجما في علو القدر، ثم انظر إلى جلالة قدره في الرئاسة.

فيقال لابن جني: كان يستوي له أن يقول: ولكني أعلى النجوم، فيزيد ياء، ولا يفوت أبا الطيب ذلك لو رآه صوابا، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم كالسها وما أشبهه، ولكنه أراد بأجلّ النجوم الشمس، وهي أشرف الكواكب وأعظمها وأضوؤها، وهذا التفسير لم أجده لأحد سواي.

وقوله:

وتلقَى نَواصيهَا المَنايَا مُشِيحَةًوُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحْنَ في وِرْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال: مشيحة: جادة في لقاء الموت إيثارا لبقائها في ملكه، ولا ترى الخروج من يده إلى غيره حبا له.

وأقول: إن قوله: جادة في لقاء الموت حسن، وما زاد على ذلك من قوله: إيثار لبقائها في ملكه...... إلى اخره، ليس بشيء! وإنما أوقعه في ذلك البيت الذي

قبله وذكر تعرض أعناق الخيل لزواره خوفا من الخروج إليهم عنه، فرتب البيت الثاني عليه، وجعل جدها في لقاء المنايا إيثارا لبقائها عنده، وليس الأمر كذلك، وإنما وصف خيله بحالتين محمودتين:

حالة تكون في السلم، فهي تتعرض بأعناقها خوفا من مفارقته بإعطائها الزوار كما تتعرض الوحش خوفا من الطرد.

وحالة تكون في الحرب، فهي لا تعرض وتنحرف بل تلقى بنواصيها الموت جادة في طلبه كما تجد القطا في طلب الماء. فليس ذلك لخروجها عن ملكه بل ذلك لما عوّدها من لقاء العدو.

وقوله:

يُغَيِّرُ ألوانُ اللَّيالي على العِدَابمَنْشُورةِ الرَّايَاتِ مَنْصُورةِ الجُنْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت و ما أنسى عتابا على الصد»

قال: الليالي سود، وتغيرها بالنيران في جيوشه وتألق السلاح من عساكره التي هي منشورة الرايات، فحذف الموصول للعلم به.

وأقول: لم يحذف الموصول وإنما حذف الموصوف؛ أي: بكتيبة منشورة الرايات.

وقوله:

وكلُّ شَريكٍ في السُّرورِ بِمُصْبَحيأرَى بَعْدَهُ مَنْ لا يَرَى مثلَهُ بَعْدِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

ذكر فيه من التقدير ما لا يؤديه اللفظ ولا يحسن معه المعنى. والجيد أن يقال فيه: وكل شريك شاركني في السرور بمصبحي عندك وبما نلت أنا وإياه من رفدك، أرى بعده؛ أي: بعد المصبح أو الشريك، من لا يرى مثله، أي: إنسانا لا يرى مثل شريكي بعدي؛ أي: لا يرى مثلي ومثله، وأنا أتقدمه في الفضيلة وهو بعدي.

وقوله:

وصَارَتِ الفَيْلقَانِ وَاحِدَةًتَعْثُرُ أحْيَاؤُهَا بِمَوْتَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: المعنى إن المخالفين له يصيرون من عبيده وأصحابه.

وقال ابن جني: إنه يشن الغارة في الارض، فيختلط الجيش بالجيش حتى يصير واحدا.

وقال غيره: يجتمع أهل هذا الزمان وتلك الأزمنة فيصيرون شيئا واحدا، وتضيق الأرض بهم حتى يعثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس.

قال: وهذا مثل قوله:

سُبقنا إلى الدنيا فلو عاشَ أهْلُهَامُنِعْنَا بها جِيئَةٍ وذُهُوبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأقول: الصواب من هذه الأقوال قول ابن جني، وأعجب من ظهوره في الصحة وظهور ما سواه في الفساد! كيف قرن به غيره مكثرا، وهو إنما ذكر هذه الحواشي مختصرا؟ ومن نظره في بعض المواضع ما هو أخفى من الشعر وخفائه عليه في بعضها ما هو أجفى من الشرع!

وقوله:

ودَارتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍتَسْجُدُ أقْمَارُهَا لأبْهَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال: يريد بالنيرات ملوك الدنيا إذا اجتمعوا في زمن واحد. وأراد بأبهاها عضد الدولة.

وأقول: قال الشيخ أبو الفتح، وهو الصحيح: شبّه الجيوش لمّا اختلط بعضها ببعض بفلك تدور فيه نجومه، وشبّه ملوك الجيوش بالأقمار، وشبّه عضد الدولة بالشمس لأنه أشرفهم وأشهرهم، والهاء في أبهاها عائدة على الأقمار. ومعنى تسجد تذل وتخضع.

وقوله:

النَّاسُ كالعَابدين آلِهَةًوعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي: من التجأ إلى غيره لم يجد عنده ما يغنيه عن سواه، فهو يرجو هذا وهذا، ومن التجأ إليه كفاه وأغناه عمن سواه، فكأنه موحد لله لا يرجو الرزق من غيره.

وأقول: هذا قول ابن جني، والأولى غيره؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال، والذين هم في دينه وطاعته مهتدون، وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد.

وقوله:

ولكنَّ الفَتَى العَربيَّ فيهاغريبُ الوَجْهِ واليَدِ واللِّسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اختلف في قوله: غريب اليد فقال ابن جني: سلاحه غير سلاحهم.

وقال المعري: اليد هنا النعمة.

وقال الكندي آخرا: عندي أن غربة اليد هنا، عبارة عن قلة الانبساط إليهم، لأنها مظنة الأخذ والعطاء.

وأقول: وعندي أن غربة اليد كناية عن عدم فهم الكتابة، كما أن غربة اللسان كناية عن عدم فهم اللغة، فاليد في هذه بلاد لا يفهم منها ما تكتب، كما أن اللسان لا يفهم منه ما يقول. وهذا هو المعنى الذي أراده أبو الطيب لمن تدبره بقلبه وأنصف بلسانه.

وقوله:

وأمْوَاهٌ يَصِلُّ بها حَصَاهَاصَلِيلَ الحَلْي في أيْدِي الغَوَاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: بها: أي بالأمواه، أي: يصل حصاها بجريها عليه، وفيه تشبيه خفي للأشجار بالغواني، والحصى بالحلي.

وأقول: هذا التشبيه للأشجار بالغواني من أين صار إليه، وليس في كلامه ما يدل عليه؟ وكأنه لمّا رأى التبريزي قال: إن في هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، فجعل حصاها كالحلي وجعلها كالغانيات من النساء، وهذان تشبيهان في مشبهين جعل هو مكان تشبيه الأمواه بالغواني تشبيه الأشجار بالغواني من غير دلالة.

والذي عندي في هذا إنه شبه أصوات حصى هذه المياه بجريها في أنها تشوق القلوب وتستفزها كما يشوق القلوب الحلي في أيدي الغواني، ولا يحسن أن يكون الحلي هاهنا الأسورة وما أشبهها مما يجعل في اليد، فإن ذلك لا يوصف بالصليل والتصويت، ولكن الحلي هاهنا ما يكون في الأعناق من القلائد فهن يعبثن بأيديهن ويلعبن فيصوت فيشوق القلوب ويجذبها.

وقوله:

له عَلَّمْتُ نَفْسِي القَوْلَ فيهمكتَعْليمِ الطِّرادِ بلا سِنَانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي: إنما تأخرت عنه، لا تدرب بمدائح من مدحتهم، حتى أتمهر وأبلغ درجة الكمال بالشعر، ثم أقصد حضرته بعد ذلك وأمدحه، فكنت كمن طارد مدة بلا سنان ليتعلم ويتمهر ثم صار أهلا للطعان بالسنان.

وأقول: إن فيه زيادة، وهي أن المدائح التي كنت أمدح بها غيره، لم تكن مني جدا بل كانت بمنزلة الطعان بلا سنان، وهو اللعب، ومدائحه هي الجد بمنزلة الطعان بالسنان.

وقوله:

بِعَضْدِ الدَّولةِ امتَنَعَتْ وعَزَّتْوليس لغَيْرِ ذي عَضُدٍ يَدَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
ولا قبضٌ على البِيضِ الموَاضِيولا حَظٌّ من السُّمْرِ اللِّدَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: أي: الدولة به قدرت وقهرت، وإنما صارت ذات يدين بكونه عضدا لها، وعرّض بسيف الدولة وغيره من الملوك رمزا خفيا؛ أي: غيره لا يقوم مقامه في الدفع عن الدولة لأنها لا عضد لها، ومن لا عضد له لا يد له، ومن لا يد له، لا قبض له على السيوف للضراب بها، ولا حظ له من الرماح للطعن بها.

وأقول: إن هذا موضع حسن، إنما أثبته تنبيها للأخذ عنه لا لأخذ عليه، وإن كان التبريزي قد سبقه إليه، إلا إنه زاد بحسن الترتيب عليه.

وقوله:

رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّلِكُلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: اللص الخبيث صل والسيف رقيته.

وأقول: إنما أداه إلى هذا التفسير دون غيره ليجمع بين لفظ لص وصل، والمعنى غير ذلك! يريد إنه يدفع الشر بما هو أشد منه؛ أي: أذى الرمح الذي هو كالصل في لسعه وسمه لا يدفعه بالرقى والكلام، كما جرت به العادة، ولكنه يدفعه بالفعل من السيف خاصة، لأن سم صل الرمح ليس له رقى غير السيف. ومعناه إنه يدفع أذى الأعداء بالقهر لهم والقسر، لا باللين لهم والرفق. وفي هذا البيت من حسن المعنى وصحة اللفظ وجودة السبك ما لا زيادة عليه. واتفق له فيه من البديع أن أصم من صفة الرمح، وهو الصلب القناة، ومن صفة الحية، وهو الصل الذي لا

يجيب الرقاة.

وقوله:

حَمَى أطْرَافَ فارِسَ شَمَّريٌّيَحُضُّ على التَّبَاقي في التَّفَاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أراد بشمري الممدوح، ولو قال: بالتفاني لكان أبين؛ أي: بالقتل يحصل الكف عن القتل.

وأقول: الذي ذكره الشيخ معنى حسن ظاهر، كما قال، إلا إنه غير الذي قصده أبو الطيب، ومعنى هذا البيت معنى قوله:

...... ......... إذَا تَلِفُوا قُدْماً فقَدْ سَلِموا

وقوله:

......وبالمَوْتِ في الحَرْبِ تَبْغي الخُلُودَا

وقوله:

بَضَرْبٍ هَاجَ أطْرَابَ المَنَايَاسِوَى طَربِ المثَالثِ والمَثَاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال: جعل للمنايا طربا في قتل الذعار، إلا إنه لا يشبه طرب الأوتار!

وأقول: إنه إنما ذكر لفظة الذعار لسجعة الأوتار وذلك تحسين للفظ وتغيير للمعنى، والذعار هم المفسدون والسراق، وهو يظن أن أبا الطيب في هذه الأبيات مستمر في ذكر اللصوص من قوله:

يُذِمُّ على اللُّصُوص...... .........

وليس الأمر كذلك، بل قطع ذكرهم وأخذ في ذكر ما هو أعظم منهم من قتال الأعداء واصطلاء الحروب، وابتدأ في ذلك من قوله:

رُقَاهُ كُلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ .........

وقوله:

لَوْ دَرَتِ الدُّنْيَا بما عِنْدَهُلاستَحْيَتِ الأيَّامُ من عَتْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

قال: أي لو علمت الأيام بما فيه من الفضل والنفاسة، لاستحيت من عتبه عليها وكفت من أذاه.

وأقول: إن أبا الطيب لم يرد إلا ما عنده من الحزن والكابة على عمته، لا الفضل والنفاسة فإنها تعلمه، ويدل على ذلك ما بعده من أن عمته كانت في بغداد فظنت الأيام إنه لا يتأذى بموتها لكونها بعيدة عنه، وإنها، لبعدها، ليست مقيمة في ذرا سيفه وفي جواره، فلو علمت ذلك لاستحيت من عتبه. وفي هذا إشارة إلى أن الأيام مسالمة له، طائعة لأمره، متجنبة ما يسوءه ولمن هو بسببه.

وقوله:

أخَافُ أنْ يَفْطُنَ أعْدَاؤُهُفَجُفِلوا خَوْفاً إلى قُرْبِهِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: أي لو فطن الأعداء بهذا المعنى، لاعتصموا بالقرب من داره، ليأمنوا منه ومن دهرهم.

وقال: أطال في هذا المعنى وأسهب، ثم خرج إلى التحقيق. أي: ما ذكره بعد ذلك من الموت وأحواله في قوله:

لا بُدَّ للإنْسَانِ من ضَجْعَةٍلا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

ثم قال الشيخ: على أن في لقاء الملوك به جفاء.

وأقول مثل قوله، وان هذا الموضع من بعض جفائه، وغلظ طباعه، وسوء عشرته، ومن ذلك قصيدته الميمية التي أولها:

وَاحَرَّ قَلْبَاهُ ممَّنْ قلبُهُ شَبِمُ .........

ومواجهته سيف الدولة، ابتداء بأن قلبه حار وقلبه بارد، وان بجسمه وحاله عنده سقم، وهذا أيسر ما يتبع ذلك في أثناء هذه القصيدة، وقد علم، وعلّم

الناس كيف كان حاله قبل مصيره إليه واتصاله به، وهذا متجاوز حد الجفاء والغلظ إلى حد السفه والجنون، حتى أن سيف الدولة أراد قتله لولا البقية والتقية، وإشفاقا من

سوء الأحدوثة، والسمعة.

وقوله:

عُدْ وأعِدْهَا فحبَّذَا تَلَفٌألْصَقَ ثَدْيِي بِثَدْيِهَا النَّاهِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: الغشية سبب مجيء الخيال وهي المعيدة له، لا هو المعيدها، فهي أولى بالخطاب. والكلام مقلوب عن أصل وضعه.

وأقول: ومع ذلك فان تشبيه الغشية وهي ضرب من الموت بالرقدة، ليغرب في المعنى، ضرب من التعسف والتكلف والإحالة والثقالة. وكذلك جميع غزله في مدائح عضد الدولة وابن العميد، ولاسيما غزل هذه القصيدة ووزنها وقافيتها، وما فيه من البرد والجمود، ونبو السمع عنه، وتجهم القلب له.

وقوله:

ولا إلاَّ بأنْ يُصْغِي وأحْكِيفَلَيْتَهُ لا يُتَيِّمُهُ هَواكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال الشيخ: وفي هذا أحماض ومزح مع الممدوح.

قلت: وتقديم وتوطئة للدلالة قبل الرسالة، وهذا أيضا أحماض ومزح مع المادح!

وقوله:

وما أنَا غير سَهْمٍ في هَوَاءٍيعَوُدُ ولَمْ يَجِدْ فيه امتِسَاكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

قال: ما قيل في السرعة، وتقليل اللبث، ابلغ من هذا البيت!

وأقول: لم يرد ذلك، لأن هذا التقليل في غاية التطفيل والتثقيل، والمعنى ما ذكرته فيما قبل، فتأمله تر الصواب.

هذه جملة المآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله.

سمع جميع هذا الكتاب على مصنفه الشيخ الإمام العالم العلامة عز الدين، حجة العرب، افتخار أهل الأدب، أبي العباس أحمد بن علي بن معقل الازدي المهلبي

بقراءة الإمام الفاضل جمال الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي، الائمة:

شرف الدين أبو عبد الله الخطيب بن إبراهيم الاربلي

ونجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز أبي طالب، الشيباني الصفار.

وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الجليل بن الموقاني.

والحكيم أبو العباس أحمد بن صدّيق الطبيب.

وابنه محمد

ومحمد بن إبراهيم بن محمد الحمصي

ويوسف بن محمد بن يوسف البرزالي.

ومحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي.

وعمه عبد الله بن إسماعيل.

وكاتب السماع إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن الحسن القرشي.

وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربعين وست مائة بمنزل المسمع بدمشق، وأجاز للجماعة جميع ما يجوز له روايته، وبلفظه بذلك، والحمد لله وحده.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.