من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
فصل [في كشف شبهة جعل الفصاحة للألفاظ]
اعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث «اللفظ» كالداء الذي يسري في العروق، ويفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخّى دائبا فيهم ما يتوخّاه الطبيب في النّاقة، من تعهّده بما يزيد في منّته، ويبقيه على صحّته، ويؤمنه النّكس في علّته.
وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة، هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصّور، وتحدث فيها خواصّ ومزايا من بعد أن لا تكون.
وإنّك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصّانع الحاذق إذا هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحليّ. فإنّ جهلهم بذلك من حالها، هو الذي أغواهم واستهواهم، وورّطهم فيما تورّطوا فيه من الجهالات، وأدّاهم إلى التّعلّق بالمحالات. وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصّورة، وضعوا لأنفسهم أساسا، وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ، ولا ثالث- وإنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصّة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث أنّ ذلك، زعموا، يؤدّي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا.
ولمّا أقرّوا هذا في نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى «اللّفظ» على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى «اللّفظ»، مثل قولهم: «لفظ متمكّن غير قلق ولا ناب به موضعه»، إلى سائر ما ذكرناه قبل، فيعلموا أنّهم لم يوجبوا للّفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللّسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا «اللفظ»، وهم يريدون الصّورة التي تحدث في المعنى، والخاصّة التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال.
«وذهب الشّيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها العربيّ والعجميّ، والحضريّ والبدويّ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التّصوير».
وما يعنونه إذا قالوا: «إنه يأخذ الحديث فيشنّفه ويقرّطه، ويأخذ المعنى خرزة فيردّه جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلا فيردّه حاليا». وليس كون هذا مرادهم، بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباه، ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولّى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، واشتدّ البلاء. ولو لم يكن من الدّليل على أنهم لم ينحلوا «اللّفظ» الفضيلة وهم يريدونه نفسه وعلى الحقيقة إلّا واحد، وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى، وأنّه حلي له لكان فيه الكفاية.
وذاك أن الألفاظ أدلّة على المعاني، وليس للدّليل إلّا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه، فأمّا أن يصير الشيء بالدليل، على صفة لم يكن عليها، فما لا يقوم في عقل، ولا يتصوّر في وهم.
وممّا إذا تفكّر فيه العاقل أطال التعجّب من أمر النّاس، ومن شدة غفلتهم قول العلماء حيث ذكروا «الأخذ» و «السرقة»: «إنّ من أخذ معنى عاريا، فكساه لفظا من عنده كان أحقّ به»، وهو كلام مشهور متداول يقرأه الصّبيان في أوّل كتاب «عبد الرحمن»، ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في «اللّفظ»، يفكّر في ذلك فيقول: من أين يتصوّر أن يكون هاهنا معنى عار من لفظ يدلّ عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجيء الواحد منّا لمعنى من المعاني بلفظ من عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان؟
ثم هب أنه يصحّ له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى، أن يصير أحقّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يصنع بالمعنى شيئا، ولا يحدث فيه صفة، ولا يكسبه فضيلة؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون «اللفظ» في قولهم «فكساه لفظا من عنده»، عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟
فإن قالوا: بلى يكون، وهو أن يستعير للمعنى لفظا.
قيل: الشأن في أنّهم قالوا: «إذا أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده، كان أحق به»، و «الاستعارة» عندكم مقصورة على مجرّد اللّفظ، ولا ترون المستعير يصنع
بالمعنى شيئا، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه. وإذا كان كذلك، فمن أين، ليت شعري، يكون أحقّ به؟ فاعرفه.
ثم إن أردت مثالا في ذلك، فإنّ من أحسن شيء فيه، ما صنع أبو تمام في بيت أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك:
أمسلم، إنّي يا ابن كلّ خليفة،ويا جبل الدّنيا، ويا واحد الأرض
شكرتك، إنّ الشّكر حبل من التّقى،وما كلّ من أوليته صالحا يقضي
وأنبهت لي ذكري، وما كان خاملا،ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض
فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال:
لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكنبهيما، ولا أرضي من الأرض مجهلا
ولكن أياد صادفتني جسامهاأغرّ، فأوفت بي أغرّ محجّلا
وفي «كتاب الشعر والشعراء» للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن. قال:
ومن الأمثال القديمة قولهم: «حرّا أخاف على جاني كمأة لا قرّا»، يضرب مثلا للذي يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
وحذرت من أمر فمرّ بجانبيلم ينكني، ولقيت ما لم أحذر
وقال لبيد:
أخشى على أربد الحتوف، ولاأرهب نوء السّماك والأسد
قال: وأخذه البحتريّ فأحسن وطغى اقتدارا على العبارة، واتّساعا في المعنى، فقال:
لو أنّني أوفي التّجارب حقّهافيما أرت، لرجوت ما أخشاه
وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب أيضا، أنشد لإبراهيم بن المهديّ:
يا من لقلب صيغ من صخرةفي جسد من لؤلؤ رطب
جرحت خدّيه بلحظي، فمابرحت حتّى اقتصّ من قلبي
ثم قال: قال عليّ بن هارون: أخذه أحمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال:
أدميت باللّحظات وجنتهفاقتصّ ناظره من القلب
قال: ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه، قد صار أولى به.
ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرّد اللفظ، ولكن صورة وصفة وخصوصية تحدث في المعنى، وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون السمع، فإنّه على كل حال لم يقل في البحتري أنه «أحسن فطغى اقتدارا على العبارة»، من أجل حروف.
لو أنني أوفي التّجارب حقّها وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة، من أجل حروف.
أدميت باللّحظات وجنته واعلم أنك إذا سبرت أحوال هؤلاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبّر عنه واحدا، والعبارة اثنتين، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن، فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن، اللّفظ نفسه وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلمّا رأوا أنّه إذا قيل في «الكلمتين» إن معناهما واحد، لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في إحداهما حال لا يكون له في الأخرى ظنّوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل. ولقد غلطوا فأفحشوا، لأنه لا يتصوّر أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين، مثل صورة في الآخر البتّة، اللهم إلّا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت حطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
ذر المفاخر لا تذهب لمطلبهاواجلس فإنّك أنت الآكل اللّابس
وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد، وأن يدخل في قبيل ما يفاضل فيه بين عبارتين، بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية، ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحلّ من يوصف بأنه أخذ معنى. ذلك لأنه لا يكون ذلك صانعا شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة وقائل شعر. ذاك لأنّ بيت حطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه، مجرّدة معرّاة من معاني النظم والتأليف، بل منها متوخّى فيها ما ترى من كون «المكارم» مفعولا «لدع»، وكون قوله «لا ترحل لبغيتها» جملة أكدت الجملة قبلها، وكون «اقعد» معطوفا بالواو على مجموع ما مضى، وكون جملة «أنت الطاعم الكاسي»، معطوفة بالفاء على «اقعد»، فالذي يجيء فلا يغيّر شيئا من هذا الّذي به كان كلاما وشعرا، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية، بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتّة.
وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضّة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من
أصناف الحلي بأنفسهما، ولكن بما يحدث فيهما من الصّورة، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف، وكلاما وشعرا، من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخّي معاني النحو وأحكامه.
فإذن ليس لمن يتصدّى لما ذكرنا، من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها، إلا أن يستركّ عقله، ويستخفّ، ويعدّ معدّ الذي حكي أنه قال: «إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسّان، قال حسّان:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم،لا يسألون عن السّواد المقبل
وقلت:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهمأبدا ولا يسلون من ذا المقبل
فقيل: هو بيت حسّان، ولكنّك قد أفسدته.
واعلم أنه إنما أتي القوم من قلّة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في اختلاف العبارتين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر، وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد، وفي الأشعار التي دوّنوها في هذا المعنى. ولو أنّهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب، وتدبّروا ما فيها حقّ التدبّر، لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم، وكشف الغطاء عن أعينهم.
وقد أردت أن أكتب جملة من الشّعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد، وهو ينقسم قسمين:
قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب.
وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصوّر.
وأبدا بالقسم الأول الّذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا، وفي الآخر مصوّرا
مصنوعا، ويكون ذلك إمّا لأن متأخّرا قصّر عن متقدم، وإمّا لأن هدي متأخّر لشيء لم يهتد إليه المتقدّم.
ومثال ذلك قول المتنبّي:
بئس اللّيالي سهدت من طربيشوقا إلى من يبيت يرقدها
مع قول البحتري:
ليل يصادفني ومرهفة الحشاضدّين أسهره لها وتنامه
وقول البحتري:
ولو ملكت زماعا ظلّ يجذبنيقودا لكان ندى كفّيك من عقلي
مع قول المتنبي:
وقيّدت نفسي في ذراك محبّةومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا
وقول المتنبي:
إذا اعتلّ سيف الدّولة اعتلّت الأرضومن فوقها والبأس والكرم المحض
مع قول البحتري:
ظللنا نعود الجود من وعكك الّذيوجدت وقلنا اعتلّ عضو من المجد
وقول المتنبي:
يعطيك مبتدرا فإن أعجلتهأعطاك معتذرا كمن قد أجرما
مع قول أبي تمام:
أخو عزمات فعله فعل محسنإلينا ولكن عذره عذر مذنب
وقول المتنبي:
كريم متى استوهبت ما أنت راكبوقد لقحت حرب فإنّك نازل
مع قول البحتريّ:
ماض على عزمه في الجود لو وهب الشّباب يوم لقاء البيض ما ندما
وقول المتنبي:
والّذي يشهد الوغى ساكن القلب كأن القتال فيها ذمام
مع قول البحتريّ:
لقد كان ذاك الجأش جأش مسالمعلى أنّ ذاك الزّيّ زيّ محارب
وقول أبي تمام:
الصّبح مشهور بغير دلائلمن غيره ابتغيت ولا أعلام
مع قول المتنبي:
وليس يصحّ في الأفهام شيءإذا احتاج النّهار إلى دليل
وقول أبي تمام:
وفي شرف الحديث دليل صدقلمختبر على الشّرف القديم
مع قول المتنبي:
أفعاله نسب لو لم يقل معهاجدّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
وقول البحتري:
وأحبّ آفاق البلاد إلى الفتىأرض ينال بها كريم المطلب
مع قول المتنبي:
وكلّ امرئ يولي الجميل محبّبوكلّ مكان ينبت العزّ طيّب
وقول المتنبي:
يقرّ له بالفضل من لا يودّهويقضي له بالسّعد من لا ينجّم
مع قول البحتري:
لا أدّعي لأبي العلاء فضيلةحتّى يسلّمها إليه عداه
وقول خالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للسّاهروليل المحبّ بلا آخر
مع قول بشار:
لخدّك من كفّيك في كلّ ليلةإلى أن ترى ضوء الصّباح وساد
تبيت تراعي اللّيل ترجو نفادهوليس لليل العاشقين نفاد
وقول أبي تمام:
ثوى بالمشرقين لها ضجاجأطار قلوب أهل المغربين
وقول البحتري:
تناذر أهل الشّرق منه وقائعاأطاع لها العاصون في بلد الغرب
مع قول مسلم:
لمّا نزلت على أدنى ديارهمألقى إليك الأقاصي بالمقاليد
وقول محمد بن بشير:
افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولافلو فرغت لكنت الدّهر مبذولا
مع قول أبي علي البصير:
فقل لسعيد أسعد الله جدّهلقد رثّ حتّى كاد ينصرم الحبل
فلا تعتذر بالشّغل عنّا فإنّماتناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل
وقول البحتري:
من غادة منعت، وتمنع وصلهافلو انّها بذلت لنا لم تبذل
مع قول ابن الرومي:
ومن البليّة أنّنيعلّقت ممنوعا منوعا
وقول أبي تمام:
لئن كان ذنبي أنّ أحسن مطلبيأساء ففي سوء القضاء لي العذر
مع قول البحتري:
إذا محاسني اللّاتي أدلّ بهاكانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
وقول أبي تمام: قد يقدم العير من ذعر على الأسد مع قول البحتري:
فجاء مجيء العير قادته حيرةإلى أهرت الشّدقين تدمى أظافره
وقول معن بن أوس:
إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكدإليه بوجه آخر الدّهر تقبل
مع قول العباس بن الأحنف:
نقل الجبال الرّواسي من أماكنهاأخفّ من ردّ قلب حين ينصرف
وقول أميّة بن أبي الصلت:
عطاؤك زين لامرئ إن أصبتهبخير وما كلّ العطاء يزين
مع قول أبي تمام:
تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرتكانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة عنتاحتّى رأيت سؤالا يجتني شرفا
وقول جرير:
بعثن الهوى ثمّ ارتمين قلوبنابأسهم أعداء وهنّ صديق
مع قول أبي نواس:
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفتله عن عدوّ في ثياب صديق
وقول كثير:
إذا ما أرادت خلّة أن تزيلناأبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل
مع قول أبي تمام:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
وقول المتنبي:
وعند من اليوم الوفاء لصاحبشبيب وأوفى من ترى أخوان
مع قول أبي تمام:
فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدهاسجيّة نفس كلّ غانية هند
وقول البحتري:
فلم أر في رنق الصّرى لي موردافحاولت ورد النّيل عند احتفاله
مع قول المتنبي:
قواصد كافور توارك غيرهومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
وقول المتنبي:
كأنّما يولد النّدى معهملا صغر عاذر ولا هرم
مع قول البحتري:
عريقون في الإفضال يؤتنف النّدىلناشئهم من حيث يؤتنف العمر
وقول البحتري:
فلا تغلين بالسّيف كلّ غلائهليمضي فإنّ الكفّ لا السّيف تقطع
مع قول المتنبي:
إذا الهند سوّت بين سيفي كريهةفسيفك في كفّ تزيل التّساويا
وقول البحتري:
ساموك من حسد فأفضل منهمغير الجواد وجاد غير المفضل
فبذلت فينا ما بذلت سماحةوتكرّما وبذلت ما لم تبذل
مع قول أبي تمام:
أرى النّاس منهاج النّدى بعد ما عفتمهايعه المثلى ومحّت لواحبه
ففي كلّ نجد في البلاد وغائرمواهب ليست منه وهي مواهبه
وقول المتنبي:
بيضاء تطمع فيما تحت حلّتهاوعزّ ذلك مطلوبا إذا طلبا
مع قول البحتري:
تبدو بعطفة مطمع حتّى إذاشغل الخليّ ثنت بصدفة مؤيس
وقول المتنبي:
إذكار مثلك ترك إذكاري لهإذ لا تريد لما أريد مترجما
مع قول أبي تمام:
وإذا المجد كان عوني على المرء تقاضيته بترك التّقاضي
وقول أبي تمام:
فنعمت من شمس إذا حجبت بدتمن خدرها فكأنّها لم تحجب
مع قول قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صوّرها الخالق أن لا يكنّها سدف
وقول المتنبي:
راميات بأسهم ريشها الهدب تشقّ القلوب قبل الجلود
مع قول كثير:
رمتني ريشه الكحل لم يجزظواهر جلدي وهو في القلب جارح
وقول بعض شعراء الجاهلية، ويعزى إلى لبيد:
ودعوت ربّي بالسّلامة جاهداليصحّني فإذا السّلامة داء
مع قول أبي العتاهية:
أسرع في نقص امرئ تمامهتدبر في إقبالها أيّامه
وقوله:
أقلل زيارتك الحبيب تكون كالثّوب استجدّه
إنّ الصديق يملّهأن لا يزال يراك عنده
مع قول أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدّد
وقول الخريميّ:
زاد معروفك عندي عظماأنّه عندك محقور صغير
تتناساه كأن لم تأتهوهو عند النّاس مشهور كبير
مع قول المتنبي:
تظنّ من فقدك اعتدادهمأنّهم أنعموا وما علموا
وقول البحتري:
ألم تر للنّوائب كيف تسموإلى أهل النّوافل والفضول
مع قول المتنبي:
أفاضل النّاس أغراض لذا الزّمنيخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
وقول المتنبي:
تذلّل لها واخضع على القرب والنّوىفما عاشق من لا يذلّ ويخضع
مع قول بعض المحدثين:
كن إذا أحببت عبداللّذي تهوى مطيعا
لن تنال الوصل حتّىتلزم النّفس الخضوعا
وقول مضرّس بن ربعيّ:
لعمرك إنّي بالخليل الّذي لهعليّ دلال واجب لمفجّع
وإنّي بالمولى الّذي ليس نافعيولا ضائري فقدانه لممتّع
مع قول المتنبي:
أما تغلط الأيّام فيّ بأن أرىبغيضا تنائي أو حبيبا تقرّب
وقول المتنبي:
مظلومة القدّ في تشبيهه غصنامظلومة الرّيق في تشبيهه ضربا
مع قوله:
إذا نحن شبّهناك بالبدر طالعابخسناك حظّا أنت أبهى وأجمل
ونظلم إن قسناك باللّيث في الوغىلأنّك أحمى للحريم وأبسل
[القسم الثاني في البيتين صنعة وتصويرا]
ذكر ما أنت ترى فيه في كلّ واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذيّة على الجملة فمن ذلك، وهو من النادر، قول لبيد:
واكذب النّفس إذا حدّثتهاإنّ صدق النّفس يزري بالأمل
مع قول نافع بن لقيط:
وإذا صدقت النّفس لم تترك لهاأملا ويأمل ما اشتهى المكذوب
وقول رجل من الخوارج أتي به الحجّاج في جماعة من أصحاب قطريّ فقتلهم، ومنّ عليه ليد كانت عنده، وعاد إلى قطريّ، فقال له قطريّ: عاود قتال عدوّ الله الحجّاج. فأبى وقال:
أأقاتل الحجّاج عن سلطانهبيد تقرّ بأنّها مولاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءهفي الصّف واحتجّت له فعلاته
وتحدّث الأقوام أنّ صنائعاغرست لديّ فحنظلت نخلاته
مع قول أبي تمام:
أسربل هجر القول من لو هجوتهإذن لهجاني عنه معروفه عندي
وقول النابغة:
إذا ما غدا بالجيش حلّق فوقهعصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإذا ما التقى الصّفّان أوّل غالب
مع قول أبي نواس:
وإذا مجّ القنا علقاوتراءى الموت في صوره
راح في ثنيي مفاضتهأسد يدمى شبا ظفره
تتأيّى الطّير غدوتهثقة بالشّبع من جزره
المقصود البيت الأخير.
وحكى المرزباني قال: «حدثني عمرو الورّاق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها: أيّها المنتاب عن عفره فحسدته، فلما بلغ إلى قوله:
تتأيّى الطّير غدوتهثقة بالشّبع من جزره
قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: «إذا ما غدا بالجيش»، البيتين، فقال: اسكت، فلئن كان سبق فما أسأت الأتباع».
وهذا الكلام من أبي نواس دليل بيّن في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة.
ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: «فما أسأت الاتّباع» محالا، لأنه على كل حال لم يتّبعه في اللفظ. ثم إنّ الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى. وذلك أنّ هاهنا معنيين:
أحدهما: أصل، وهو: علم الطّير بأن الممدوح إذا غزا عدوّا كان الظفر له، وكان هو الغالب.
والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتّسع عليها المطاعم من لحوم القتلى.
وقد عمد النابغة إلى «الأصل»، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب، فذكره صريحا، وكشف عن وجهه، واعتمد في «الفرع» الذي هو طمعها في لحوم القتلى، وأنها لذلك تحلّق فوقه على دلالة الفحوى.
وعكس أبو نواس القصّة، فذكر «الفرع» الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، فقال كما ترى:
ثقة بالشّبع من جزره وعوّل في «الأصل»، الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح، على الفحوى.
ودلالة الفحوى على علمها أنّ الظفر يكون للممدوح، هي في أن قال: «من جزره»، وهي لا تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح، حتى تعلم أنّ الظفر يكون له.
أفيكون شيء أظهر من هذا في النّقل عن صورة إلى صورة؟
أرجع إلى النّسق- ومن ذلك قول أبي العتاهية:
شيم فتّحت من المدح ما قدكان مستغلقا على المدّاح
مع قول أبي تمام:
نظمت له خرز المديح مواهبينفثن في عقد اللّسان المفحم
وقول أبي وجزة:
أتاك المجد من هنّا وهنّاوكنت له بمجتمع السّيول
مع قول منصور النّمري:
إنّ المكارم والمعروف أوديةأحلّك الله منها حيث تجتمع
وقول بشار:
الشّيب كره وكره أن يفارقنيأعجب بشيء على البغضاء مودود
مع قول البحتري:
تعيب الغانيات عليّ شيبيومن لي أن أمتّع بالمعيب
وقول أبي تمام:
يشتاقه من كماله غدهويكثر الوجد نحوه الأمس
مع قول ابن الرومي:
إمام يظلّ الأمس يعمل نحوهتلفّت ملهوف ويشتاقه الغد
لا تنظر إلى أنه قال: «يشتاقه الغد»، فأعاد لفظ أبي تمام، ولكن انظر إلى قوله:
يعمل نحوه تلفّت ملهوف وقول أبي تمام:
لئن ذمّت الأعداء سوء صباحهافليس يؤدّي شكرها الذّئب والنّسر
مع قول المتنبي:
وأنبتّ منهم ربيع السّباعفأثنت بإحسانك الشّامل
وقول أبي تمام:
وربّ نائي المغاني روحه أبدالصيق روحي ودان ليس بالدّاني
مع قول المتنبي:
لنا ولأهله أبدا قلوبتلاقى في جسوم ما تلاقى
وقول أبي تمام:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكماغدا العفو منه وهو في السّيف حاكم
مع قول المتنبي:
له من كريم الطّبع في الحرب منتضومن عادة الإحسان والصّفح غامد
فانظر الآن نظر من نفى الغفلة عن نفسه، فإنك ترى عيانا أنّ للمعنى في كل واحد من البيتين من جميع ذلك، صورة وصفة غير صورته وصفته في البيت الآخر وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا: «إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك»، أنّ الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل من ذاك وأنّ المعنى عائد عليك في البيت الثاني على هيئته وصفته التي كان عليها في البيت الأوّل وأن لا فرق ولا فصل ولا تباين بوجه من الوجوه وأنّ حكم البيتين مثلا حكم الاسمين قد وضعا في اللغة لشيء واحد، كالليث والأسد ولكن قالوا ذلك على حسب ما يقوله العقلاء في الشّيئين يجمعهما جنس واحد، ثم يفترقان بخواصّ ومزايا وصفات، كالخاتم والخاتم، والشّنف والشّنف، والسّوار والسّوار، وسائر أصناف الحلي التي يجمعها جنس واحد، ثم يكون بينهما الاختلاف الشديد في الصنعة والعمل.
ومن هذا الذي ينظر إلى بيت الخارجيّ وبيت أبي تمام، فلا يعلم أنّ صورة المعنى في ذلك غير صورته في هذا؟ كيف، والخارجيّ يقول:
«واحتجّت له فعلاته»
ويقول أبو تمام:
«إذن لهجاني عنه معروفه عندي» ومتى كان «احتجّ» و «هجا» واحدا في المعنى؟
وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه، فليس يتصوّر في نفس عاقل أن يكون قول البحتري:
وأحبّ آفاق البلاد إلى الفتىأرض ينال بها كريم المطلب
وقول المتنبي:
وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب - سواء واعلم أن قولنا «الصّورة»، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلمّا رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصّورة، فكان تبيّن إنسان من إنسان وفرس من فرس، بخصوصيّة تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان تبيّن خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: «للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك». وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: «وإنما الشعر صياغة وضرب من التّصوير».
واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت الآخر، وكان التّالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا، ولم يغيّر له صفة، لكان قول العلماء في شاعر: «إنّه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن وأجاد»، وفي آخر: «إنّه أساء وقصّر»، ولغوا من القول، من حيث كان محالا أن يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا.
وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له، خطأ منهم، لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه، وأن يكون نظيرا لنفسه.
وأمر ثالث، وهو أنّهم يقولون في واحد: «إنه أخذ المعنى فظهر أخذه»، وفي آخر: «إنّه أخذه فأخفى أخذه»، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدّل لفظا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالا، لأن اللّفظ لا يخفي المعنى، وإنّما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها.
مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن، ذكر فيما ذكر فيه «تناسب المعاني»، بيت أبي نواس:
خلّيت والحسن تأخذهتنتقي منه وتنتخب
وبيت عبد الله بن مصعب:
كأنّك جئت محتكما عليهمتخيّر في الأبوّة ما تشاء
وذكر أنّهما معا من بيت بشار:
خلقت ما فيّ غير مخيّرهواي، ولو خيّرت كنت المهذّبا
والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر. ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال:
فلو صوّرت نفسك لم تزدهاعلى ما فيك من كرم الطّباع
ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأمّلت قول أبي العتاهية:
جزي البخيل عليّ صالحةعنّي بخفّته على ظهري
أعلى وأكرم عن يديه يديفعلت، ونزّه قدره قدري
ورزقت من جدواه عافيةأن لا يضيق بشكره صدري
وغنيت خلوا من تفضّلهأحنو عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرئ وضعتعنّي يداه مئونة الشّكر
ثم نظرت إلى قول الذي يقول:
أعتقني سوء ما صنعت من الرّقّفيا بردها على كبدي
فصرت عبدا للسّوء منك وماأحسن سوء قبلي إلى أحد
ومما هو في غاية النّدرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب حين نثره فقال، وكتب به إلى ابن الزّيات: «نحن أعزك الله نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى الحال، ويقضون بالعيان، فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا، فإنّ المدّعي بغير بيّنة متعرّض للتكذيب». وهذه جملة من وصفهم الشعر وعمله وإدلالهم به- أبو حيّة النّميرى:
إنّ القصائد قد علمن بأنّنيصنع اللّسان بهنّ، لا أتنحّل
وإذا ابتدأت عروض نسج ريّضجعلت تذلّ لما أريد وتسهل
حتّى تطاوعني، ولو يرتاضهاغيري لحاول صعبة لا تقبل
تميم بن مقبل:
إذا متّ عن ذكر القوافي فلن ترىلها قائلا بعدي أطبّ وأشعرا
وأكثر بيتا سائرا ضربت لهحزون جبال الشّعر حتّى تيسّرا
أغرّ غريبا يمسح النّاس وجههكما تمسح الأيدي الأغرّ المشهّرا
عديّ بن الرّقاع:
وقصدة قد بتّ أجمع بينهاحتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف في كعوب قناتهحتّى يقيم ثقافة منادها
كعب بن زهير:
فمن اللقوافي، شانها من يحوكها،إذا ما توى كعب وفوّز جرول
يقوّمها حتّى تلين متونهافيقصر عنها كلّ ما يتمثّل
بشّار:
عميت جنينا، والذّكاء من العمى،فجئت عجيب الظّنّ للعلم موئلا
وغاص ضياء العين للعلم رافدالقلب إذا ما ضيّع النّاس حصّلا
وشعر كنور الرّوض لاءمت بينهبقول إذا ما أحزن الشّعر أسهلا
وله:
زور ملوك عليه أبّهةيغرف من شعره ومن خطبه
لله ما راح في جوانحهمن لؤلؤ لا ينام عن طلبه
يخرج من فيه للنّدى، كمايخرج ضوء السّراج من لهبه
أبو شريح العمير:
فإن أهلك فقد أبقيت بعديقوافي تعجب المتمثّلينا
لذيذات المقاطع محكماتلو أنّ الشّعر يلبس لارتدينا
الفرزدق:
بلغنا الشّمس حين تكون شرقاومسقط قرنها من حيث غابا
بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغرغرائبهنّ تنتسب انتسابا
ابن ميّادة:
فجرنا ينابيع الكلام وبحرهفأصبح فيه ذو الرّواية يسبح
وما الشّعر إلّا شعر قيس وخندفوشعر سواهم كلفة وتملّح
وقال عقال بن هشام القينيّ يردّ عليه:
ألا أبلغ الرّمّاح نقض مقالةبها خطل الرّمّاح أو كان يمزح
لئن كان في قيس وخندف ألسنطوال وشعر سائر ليس يقدح
لقد خرق الحيّ اليمانون قبلهمبحور الكلام تستقى وهي طفّح
وهم علّموا من بعدهم فتعلّمواوهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا
فللسّابقين الفضل لا يجحدونهوليس لمسبوق عليهم تبجّج
أبو تمام:
كشفت قناع الشّعر عن حرّ وجههوطيّرته عن وكره وهو واقع
بغرّ يراها من يراها بسمعهويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع
يودّ ودادا أنّ أعضاء جسمهإذا أنشدت، شوقا إليها، مسامع
وله:
حذّاء تملأ كلّ أذن حكمةوبلاغة، وتدرّ كلّ وريد
كالدّرّ والمرجان ألّف نظمهبالشّذر في عنق الفتاة الرّود
كشقيقة البرد المنمنم وشيهفي أرض مهرة أو بلاد تزيد
يعطي بها البشرى الكريم ويرتديبردائها في المحفل المشهود
بشرى الغنيّ أبي البنات تتابعتبشرائه بالفارس المولود
وله:
جاءتك من نظم اللّسان قلادةسمطان، فيها اللؤلؤ المكنون
أحذاكها صنع الضّمير يمدّهجفر إذا نضب الكلام معين
أخذ لفظ «الصّنع» من قول أبي حيّة:
بأنني صنع اللّسان بهنّ، لا أتنحّل ونقله إلى الضمير. وقد جعل حسّان أيضا اللسان «صنعا»، وذلك في قوله:
أهدى لهم مدحا قلب مؤازرهفيما أحبّ لسان حائك صنع
ولأبي تمام:
إليك أرحنا عازب الشّعر بعد ماتمهّل في روض المعاني العجائب
غرائب لاقت في فنائك أنسهامن المجد فهي الآن غير غرائب
ولو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرتحياضك منه في السّنين الذّواهب
ولكنّه صوب العقول، إذا انجلتسحائب منه أعقبت بسحائب
البحتري
ألست الموالي فيك نظم قصائدهي الأنجم اقتادت مع اللّيل أنجما
ثناء كأنّ الرّوض منه منوّراضحى، وكأنّ الوشي منه منمنما
وله:
أحسن أبا حسن بالشّعر، إذ جعلتعليك أنجمه بالمدح تنتشر
فقد أتتك القوافي غبّ فائدةكما تفتّح غبّ الوابل الزّهر
وله:
إليك القوافي نازعات قواصدايسيّر ضاحي وشيها وينمنم
ومشرقة في النّظم غرّ يزينهابهاء وحسنا أنّها فيك تنظم
وله:
بمنقوشة نقش الدّنانير ينتقىلها اللّفظ مختارا كما ينتقى التّبر
وله:
أيذهب هذا الدّهر لم ير موضعيولم يدر ما مقدار حلّي ولا عقدي
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدديبيع ثمينات المكارم والمجد
سوائر شعر جامع بدد العلىتعلّقن من قبلي وأتعبن من بعدي
يقدّر فيها صانع متعمّللإحكامها تقدير داود في السّرد
وله:
تالله يسهر في مديحك ليلهمتململا وتنام دون ثوابه
يقظان ينتخل الكلام كأنّهجيش لديه يريد أن يلقى به
فأتى به كالسّيف رقرق صيقلما بين قائم سنخه وذبابه
ومن نادر وصفه للبلاغة قوله:
في نظام من البلاغة ما شكّامرؤ أنّه نظام فريد
وبديع كأنّه الزّهر الضّاحكفي رونق الرّبيع الجديد
مشرق في جوانب السّمع ما يخلقه عوده على المستعيد
حجج تخرس الألدّ بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فصّلتها القوافيهجّنت شعر جرول ولبيد
جزن مستعمل الكلام اختياراونجنبن ظلمة التّعقيد
وركبن اللّفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد
كالعذارى غدون في الحلل الصّفر إذا رحن في الخطوط السّود
الغرض من كتب هذه الأبيات، الاستظهار، حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر والتّقحّم على غير بصيرة، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف، وفي سلامتها مما يثقل على اللّسان علم بالنظر فيها فساد ظنّه وقبح غلطه، من حيث يرى عيانا أن ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه ببال، ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال.
إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب «تميم» لحزون جبال الشعر، لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا كان تقويم «عديّ» لشعره وتشبيهه نظره فيه بنظر المثقّف في كعوب قناته لذلك وأنّه محال أن يكون له جعل «بشّار» نور العين قد غاض فصار إلى قلبه، وأن يكون اللّؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ليس هو صوب العقول الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو الدّرّ والمرجان مؤلّفا بالشّذر في العقد ولا الذي له كان «البحتري» مقدّرا «تقدير داود في السّرد». كيف؟ وهذه كلّها عبارات عمّا يدرك بالعقل ويستنبط بالفكر، وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما الطريق إلى ذلك الحسّ.
ولولا أنّ البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد، وأنّ الذين قد استهلكوا فيه قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه، حتى لو أن إنسانا قال:
«باقلّى حارّ»، يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه وألقوا أسماعهم إليه لكان اطّراحه وترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل منه جانب بالصواب البتّة. ذاك لأنه أول شيء يؤدّي إلى أن يكون القرآن معجزا، لا بما به كان قرآنا وكلام الله ﷿، لأنه على كل حال إنّما كان قرآنا وكلام الله ﷿ بالنّظم الذي هو عليه. ومعلوم أن ليس «النّظم» من مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء.
ثم إنّه اتّفاق من العقلاء أنّ الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حدّ عجز عنه المخلوقون، هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا، بأن
لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصحّ ذلك، لكان يجب أن يكون السّوقيّ الساقط من الكلام، والسفساف الرّديء من الشعر، فصيحا إذا خفّت حروفه.
وأعجب من هذا، أنّه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كلّ ضمّة وكسرة فتحة فقال: «الحمد لله»، بفتح الدال واللام والهاء، وجرى على هذا في القرآن كلّه، أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي أن يزيد فيه، لأنّ الفتحة كما لا يخفى أخفّ من كلّ واحدة من الضمة والكسرة.
فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى.
قيل له: إذا كان المعنى والعلّة في كونه معجزا خفّة اللّفظ وسهولته، فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخصّ لفظه دون معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه.
ودع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلّة تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» و «المجاز» و «الإيجاز» جملة، واطّراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطّلبة التي يتنازعها المحسنون، والرّهان الذي تجرّب فيه الجياد، والنّضال الذي تعرف به الأيدي الشّداد، وهي التي نوّه بذكرها البلغاء ورفع من أقدارها العلماء، وصنّفوا فيها الكتب، ووكّلوا بها الهمم، وصرفوا إليها الخواطر، حتّى صار الكلام فيها نوعا من العلم مفردا، وصناعة على حدة، ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزيّة، وخصوصا «الاستعارة» و «الإيجاز»، فإنّك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، وأوّل ما يوردون.
وتراهم يذكرون من «الاستعارة» قوله ﷿: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، وقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، وقوله ﷿:
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، وقوله ﷿: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وقوله: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا، وقوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، وقوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ.
ومن «الإيجاز» قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، وقوله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ، وقوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
، وتراهم على لسان واحد في أن «المجاز» و «الإيجاز» من الأركان في أمر الإعجاز.
وإذا كان الأمر كذلك عند كافّة العلماء الذين تكلّموا في المزايا التي للقرآن، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور، فيزعم أنّ الوصف الذي كان له القرآن معجزا، هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان، أيصحّ له القول بذلك إلّا من بعد أن يدّعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه، والخطأ فيما أجمعوا عليه؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصحّ له ذلك إلّا بأن يقتحم هذه الجهالة، اللهم إلّا أن يخرج إلى الضّحكة فيزعم مثلا أن من شأن «الاستعارة» و «الإيجاز» إذا دخلا الكلام، أن يحدث بهما في حروفه خفة، وتتجدّد فيها سهولة، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.
واعلم أنّا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكّد أمر الإعجاز، وإنما الذي ننكره ونفيّل رأي من يذهب إليه، أن يجعله معجزا به وحده، ويجعله الأصل والعمدة، فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات.
ثم إنّ العجب كلّ العجب ممن يجعل كلّ الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به فضل البتّة، ولم يدخل في اعتداد بحال. وذلك أنّه لا يخفى على عاقل أنه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد، حتى يكون قد ألف منها كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به، وأنه لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى، ويؤلّف منها كلاما، لم تر عاقلا يعتدّ السهولة فيها فضيلة، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها، وإنما تراد لتجعل أدلّة على المعاني. فإذا عدمت الذي له تراد، أو اختلّ أمرها فيه، لم يعتدّ بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير السهولة فيها واحدا.
ومن هاهنا رأيت العلماء يذمّون من يحمله تطلّب السّجع والتجنيس على أن
يضم لهما المعنى، ويدخل الخلل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسّف في الاستعارة بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة، كالذي صنع أبو تمام في قوله:
سيف الإمام الّذي سمّته هييتهلمّا تخرّم أهل الأرض مخترما
قرّت بقرّان عين الدين وانتشرتبالأشترين عيون الشّرك فاصطلما
وقوله:
ذهبت بمذهبه السّماحة والتوتفيه الظّنون، أمذهب أم مذهب
ويصنعه المتكلفون في الأسجاع. وذلك أنّه لا يتصوّر أن يجب بهما، ومن حيث هما، فضل، ويقع بهما مع الخلوّ من المعنى اعتداد. وإذا نظرت إلى تجنيس أبي تمام: «أمذهب أم مذهب»، فاستضعفته، وإلى تجنيس القائل: حتّى نجا من خوفه وما نجا وقول المحدث:
ناظراه فيما جنى ناظراه،أو دعاني أمت بما أو دعاني
فاستحسنته، لم تشكّ بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللّفظ، ولكن لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأوّل، وقويت في الثاني. وذلك؛ أنّك رأيت أبا تمام لم يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت، إلا متكلّفة متمحّلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن
الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أن لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها. ولهذه النّكتة كان التجنيس، وخصوصا المستوفى منه، مثل «نجا» و «نجا»، من حليّ الشّعر.
والقول فيما يحسن وفيما لا يحسن من التجنيس والسجع يطول، ولم يكن غرضنا من ذكرهما شرح أمرهما، ولكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن يكون الإعجاز في مجرّد السّهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل على اللسان.
وجملة الأمر، أنّا ما رأينا في الدّنيا عاقلا اطّرح النّظم والمحاسن التي هو السبب فيها من «الاستعارة» و «الكناية» و «التمثيل»، وضروب «المجاز» و «الإيجاز»، وصدّ بوجهه عن جميعها، وجعل الفضل كلّه والمزيّة أجمعها في سلامة الحروف مما يثقل. كيف؟ وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا.
واعلم أنه قد آن لنا نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهمّ، والّذي كأنّه هو الطّلبة، وكل ما عداه ذرائع إليه. وهو المرام، وما سواه أسباب للتسلّق عليه، وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزيّة على نظم، وأن يعظم أمر التفاضل فيه ويتناهى إلى الغايات البعيدة. ونحن نسأل الله تعالى العون على ذلك، والتوفيق له والهداية إليه.
﷽
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع